← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

- ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (١)، ومفهوم المخالفة إذا لم يبلغ قلتين، فإنه يخصص عموم قوله ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه، أو لونه" (٢)، فلفظ "الماء الطهور" عام يشمل القلتين، والأقل، والحديث الأول خصّه بما دون القلتين، فإنه ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير، ويبقى الحديث الثاني على ما زاد على القلتين فلا ينجس إلا بالتغيير (٣). ٢ - فعل النبي ﷺ -: إذا ورد نص عام، ووقع فعل من النبي ﷺ يخالف عموم اللفظ، كان ذلك تخصيصًا للعام. مثاله: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، فيشمل كل النساء فوق اثنتين، ولكنه مخصص بفعله ﷺ فإنه أعطى بنتي سعد بن الربيع الثلثين، فدل على أن الآية قصد بها الاثنتان فما فوق. ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فهو عام بعدم القرب باللمس والجماع، وخصّص هذا العام بفعل النبي ﷺ بأنه كان يباشر زوجته وهي حائض دون جماع (٤)، فدل على أن المراد من العام هو الجماع

стр. 562

فقط (١). ٣ - تقرير النبي ﷺ -: إذا ورد نص عام، ثم أقر النبي ﷺ فعلًا على خلاف العموم، مع قدرته على المنع من خلافه، فيكون إقراره مخصصًا للعام؛ لأن إقراره الفعل كصريح إذنه؛ لأنه لا يقر أحدًا على الخطأ؛ لعصمته، وإلا لوجب إنكاره، وفيه تفصيل عند العلماء (٢). ٤ - القياس: إذا ورد القياس على نص خاص، فالقياس يقدم على عموم النص، أي: يخصص عموم النص، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فهو عام في جواز كل بيع، ثم ورد النص النبوي بتحريم الربا في البُرِّ، والعلة هي الكيل، فقاس العلماء الأرز على البر في تحريم الربا، فيكون هذا القياس مخصصًا لعموم إحلال البيع (٣). ثانيًا: المخصصات غير المستقلة عند الجمهور:

стр. 563

المخصص غير المستقل هو ما لا يستقل بنفسه، بل يكون جزءًا من النص المشتمل على العام،، يسمى مخصصًا متصلًا، وهو خمسة أنواع، وهي: ١ - الاستثناء المتصل: الاستثناء هو إخراج شيء من الكلام، ولولا الاستثناء لدخل ذلك الشيء فيه لغة، ويكون بإلا وهي الغالب، أو بإحدى أخواتها، وهي: غير، وسوى، وحاشا، وعدا، ولا يكون، ولا سيما، وغيرها. ويشترط في الاستثناء أن يكون متصلًا حسب العادة، وأن يصدر الاستثناء والمستثنى منه من تكلم واحد، وألا يستغرق الاستثناء المستثنى منه، والاستثناء كثير في النصوص، ويقع به التخصيص عند الجمهور. مثاله: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٥٦]، فلفظ ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ يشمل الكفر الخفي في القلب، والكفر الظاهر الذي يصدر من اللسان، فجاء الاستثناء مخصصًا العام، وقصد الكفر الحرام بأنه الصادر عن رضا واختيار من القلب، وأخرج ما يقع باللسان نتيجة الإكراه. ومثاله من السنة: قوله ﷺ عن حرم مكة المكرمة: "إن هذا البلد حرمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة ... ولا يقطع شجره إلا الإذخر" (١)، فيحرم قطع شجر الحرم، ثم خصص بما عدا الإذخر، فيجوز قطعه. ٢ - الشرط: سبق تعريف الشرط، وأنه: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وسبق بيان أنواع الشرط: الشرعي، والعقلي، والعادي، واللغوي، والمقصود في التخصيص الشرط اللغوي فقط، فإن جاء

стр. 564

بعد العام خصصه في حالة توفر الشرط دون سواه، وهو كثير في النصوص، ويقع به التخصيص. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، فإن استحقاق الزوج نصف تركة الزوجة مخصص بعدم وجود الولد للزوجة بالشرط، ولولا الشرط لاستحق الزوج النصف في جميع الأحوال. ٣ - الصفة: والمراد منها الصفة المعنوية عامة، فتشمل النعت النحوي، والمضاف، وكل تعليق بلفظ آخر ليس شرطًا ولا عددًا ولا غاية، ويشمل الظرف، والجار والمجرور، إلا إذا خرج الوصف مخرج الغالب فيطرح مفهومه، وكذا إذا جاء الوصف لمدح أو ذم أو ترحم، أو توكيد، أو تفصيل، فلا يعتبر مخصصًا، والصفة المعنوية كثيرة جدًّا في النصوص، ويقع التخصيص بها، فتقصر اللفظ العام على بعض أفراده، وهو الذي تتحقق فيه الصفة، ويخرج من العام ما لم يتصف بالصفة. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فالنص أباح الزواج من الإماء المؤمنات في حال العجز عن مهر الحرائر، ولا يصح الزواج بالإماء غير المؤمنات. ومثاله من السنة: قول النبي ﷺ : "في الغنم السائمة زكاة" أو قوله: "في سائمة الغنم زكاة" (١)، فالصفة خصصت العام "الغنم" وأوجبت الزكاة في السائمة دون غيرها. ٤ - الغاية: وهي أن يأتي بعد اللفظ العام حرف من أحرف الغاية، كاللام، وإلى، وحتى، فتفيد تخصيص الحكم بما قبلها فقط؛ لأنها غاية للحكم ونهاية له، ولا يشمل الحكم ما بعدها؛ لأنه يناقض المعنى، وهي كثيرة في النصوص،

стр. 565

ويقع بها التخصيص. مثالها: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فالغاية قصرت وجوب القتال على حالة عدم إعطاء الجزية، وأخرجت من أعطى الجزية عن وجوب قتاله. ومثالها: قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فالغاية ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ قصرت وجوب الغسل في الوضوء إلى المرفق فقط. ٥ - بدل البعض: وهو ما يأتي بعد الكلام فيخصص العام ويقصره على بعض أفراده الذين يشملهم البدل، ويخرج ما عداهم. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فالبدل ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ قصر العام ﴿النَّاسِ﴾ على المستطيع، وخرج العاجز عن حكم العام، فلا يجب عليه الحج. وكقول القائل: أكرم العرب قريشٌ، فمن كان من غير قريش فلا يدخل في الحكم (١). المخصصات عند الحنفية: التخصيص عند الحنفية هو إرادة بعض ما يتناوله العام من الأفراد بدليل مستقل مقارن للعام، فيشترطون أن يكون المخصص مستقلًا ومقارنًا، كما سبق، أما غير المستقل كالشرط والاستثناء فيسمى عندهم قصرًا للعام لا تخصيصًا، وأن غير المقارن للعام، وهو المتأخر عنه فيسمى نسخًا ضمنيًّا أو جزئيًّا.

стр. 566

وينحصر التخصيص عند الحنفية في ثلاثة أنواع، وهي: العقل، والعرف والعادة، والنص المستقل المقترن بالعام، وتقدم بيانها وأمثلتها، وأما التخصيص بالحس عند الجمهور فهو عند الحنفية ملحق بالكلام المستقل المتصل. ويلحق عند الحنفية بالكلام المستقل المتصل، والذي هو قصر للعام، لا التخصيص له، أمران: الأول: نقص المعنى عن بعض الأفراد، كان يقول شخص: كل مملوك لي حر، فإنه لا يدخل فيه العبد المكاتب؛ لنقصان الملك فيه؛ لأنه مملوك بالرقبة دون اليد، فله التكسب بمفرده، وهو أحق بكسبه. والثاني: زيادة المعنى في بعض الأفراد، كان يحلف شخص: ألا ياكل فاكهة، ولم ينو فاكهة معينة، فإنه لا يحنث بأكل العنب والرطب والرمان عند أبي حنيفة؛ لما في هذه الأنواع من التغذي، وهو معنى زائد على التفكه، أي: التلذذ والتنعم (١). حكم العام بعد التخصيص: اتفق الحنفية والجمهور على أن العام المخصَّص ظني الدلالة على ما بقي، ولذلك يجوز تخصيصه ثانية بظني باتفاق. وذهب جمهور العلماء إلى أن العام بعد تخصيصه حقيقة فيما بقي مطلقًا؛ لأن اللفظ كان متناولًا للجميع حقيقة، فيبقى التناول على البعض كذلك، ولا يضره إخراج بعض منه، ولأن تناول العام المخصص للباقي يسبق إلى الفهم من غير قرينة، وهذا دليل الحقيقة، وذهب بعض العلماء إلى أن العام إذا خصّ صار مجازًا في الباقي؛ لأن العام موضوع للجميع، فإن أريد به البعض، فذلك غير ما وضع له، فيكون مجازًا (٢).

стр. 567

العام الوارد على سبب خاص: إذا ورد حكم عام على سبب خاص من سؤال سائل، أو وقوع حادثة، فيبقى على عمومه عند أكثر العلماء، ولا يقتصر على السبب، نظرًا لظاهر اللفظ العام، وهو ما عبروا عنه بالقاعدة الأصولية "العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب"؛ لأن الحجة في اللفظ، وهو يقتضي العموم، والسبب لا يصلح معارضًا له، ولأن المقصود في ورود العام جوابًا لسؤال، أو بيانًا لواقعة، هو بيان القاعدة العامة التي تشمل السبب وغيره، ولأن الصحابة رضوان اللَّه عليهم ومَنْ بعدهم استدلوا على التعميم في الآيات والأحاديث الواردة على سببب خاص، ولم ينكر عليهم أحد، كآية اللعان العامة التي نزلت في سبب خاص في هلال بن أمية (١)، وآية الظهار التي نزلت في أوس بن الصامت (٢)، وأحكام القذف التي نزلت في قصة عائشة ﵂ في حديث الإفك (٣)، والأمثلة على ذلك كثيرة من السنة أيضًا، فمن ذلك: ١ - مر رسول اللَّه ﷺ بشاة ميتة لميمونة، فقال: "هَلّا أخذتُم إهابَها (جلدها) " فقالوا: إنها ميتة، فقال ﵊: "أيُّما إهاب دُبغَ فقد طهر" (٤)، فالسبب خاص بشاة ميمونة، واللفظ عام يشمل كل جلد. ٢ - سأل عبد اللَّه من بني مدلج فقال: يا رسول اللَّه، إنا نركب البحر،

стр. 568

ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال ﵊: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" (١)، فالحديث جواب لسؤال مع الحاجة، والجواب عام "الطهور ماؤه" فيشمل السائل وغيره، وحالة الحاجة وعدمها، والوضوء وغيره. ٣ - سئل رسول اللَّه ﷺ عمن يجامع امرأته في نهار رمضان، فقال ﵊: "أعتق رقبة ... صم شهرين متتابعين" (٢)، فالسؤال عن واحد، والجواب عام في كل واطئ في نهار رمضان، والكفارة تعم الجميع (٣). مسائل فرعية في العام والخاص: ذكر علماء الأصول عدة مسائل فرعية تتعلق بالعام والخاص، نذكر أهمها: ١ - خطاب الرسول خطاب لأمته: إذا ورد خطاب خاص بالنبي ﷺ ، نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ [المزمل: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]، فإنه عام للأمة عند الأكثر بالعرف الشرعي، لا باللغة؛ لأن النبي ﷺ له منصب الاقتداء والتأسي، والمسلمون مأمورون باتباعه إلا إذا دلّ الدليل الخاص تخصيصه بذلك، والدليل على الأمرين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب ٥٠]، فالآية

стр. 569

تدل على أن الحكم في أول الآية عام للمؤمنين؛ لأن الاستثناء والقيد جاء عند هبة المرأة نفسها ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾، فيدل على أن السابق عام، والأخير خاص بالنص، ومثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فلو لم يكن الحكم عامًّا لما كان لهذا التعليل معنى، وأنه للمؤمنين جميعًا. وقال بعض العلماء: إن الخطاب الخاص للنبي لا يعم الأمة باللغة واللفظ، وإنما بدليل آخر مستقل، أو بالقياس، فيشمل، والنتيجة واحدة (١). ٢ - فعل النبي لا يعم أقسامه: إذا فعل النبي ﷺ فعلًا فإن فعله لا يعم جميع أنواع الفعل وجهاته، إلا إذا وجد دليل آخر. فمن ذلك ما رواه ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ "صلى داخل الكعبة" (٢)، فهذا يحتمل الفرض والنفل، ولا يتصور أنه فرض ونفل معًا، فلا يستدل به على جواز الفرض والنفل داخل الكعبة، إلا بدليل آخر (٣). ٣ - الخطاب لواحد لا يعم الأمة لغة: إذا ورد خطاب خاص بواحد من الأمة فإنه يختص به، ولا يتناول غيره إلا بدليل من خارج اللفظ، لأن الخاص خاص به لغة، وإنما يعم بحسب

стр. 570

العرف الشرعي؛ لأن الأمة كلها سواء في المطالبة بالأحكام الشرعية؛ لعموم الرسالة، ولأن الصحابة ﵃ استدلوا بأقضية النبي ﷺ الخاصة بالواحد أو الجماعة المخصوصة على ثبوت مثل ذلك لسائر الأمة. وقال الحنابلة وبعض الشافعية: إنه يعم، ويتناول المخاطب وغيره؛ لأنه لو اختص به لم يكن النبي ﷺ مبعوثًا للجميع، وهو خلاف لفظي؛ لأن التعليل الثاني تعليل شرعي، والفريق الأول موافق عليه شرعًا لا لغة (١). ٤ - عدم العمل بالعام قبل البحث عن مخصص: قال جمهور العلماء: لا يجوز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، بأن يغلب على الظن عدم وجود المخصص؛ لأنه ما من عام إلا وخصص، كما سبق، فيحترز عن الخطأ المحتمل بالتعميم قبل البحث، فإن لم يوجد المخصص بعد البحث، فيجوز التمسك بالعام في إثبات الحكم (٢). وهذا الخلاف لا وجود له اليوم في النصوص الشرعية؛ لأنه تمت دراستها والبحث عنها كلها، وإنما يفيد في النصوص القانونية المعاصرة.

стр. 571

المبحث الثالث المشترك تعريفه: المشترك: هو اللفظ الموضوع للدلالة على معنيين فأكثر، أي: لا بدَّ من تعدد الوضع وتعدد المعنى، بأن يوضع اللفظ مرتين فأكثر لمعنيين فأكثر. مثاله: لفظ العين فإنه وضع في اللغة للعين الباصرة، وعين الماء، والجاسوس، والشمس، والذهب، والنقد من المال (المال الناض) والشيء المعين، ولا يراد جميع ذلك بمطلق اللفظ، وإنما يراد واحد منها بانفراده عند الإطلاق، لأنه وضع لكل منها على حدة، فيدل على ما وضع له على سبيل البدل. ومثاله: لفظ القرء، فإنه وضع في اللغة للطهر، وللحيض، ولفظ السَّنة: للسَّنة القمرية والسَّنة الشمسية، ولفظ اليد لليمنى واليسرى، واليد إلى الكف، وإلى المرفق، وإلى الإبط، والمشترك قد يكون اسمًا، وقد يكون فعلًا كصيغة الأمر التي يراها البعض أنها مشترك للوجوب والندب، وقد يكون في الحرف، مثل الواو للعطف وللحال (١). أسباب وجود الاشتراك: الاشتراك في اللغة العربية يدل على غناها في تعدد وجوه دلالة الألفاظ على المعنى، والسعة في أساليب الخطاب، والمرونة في إطلاق اللفظ على المعنى لمناسبة، ويرجع ذلك لأسباب عدة، أهمها:

стр. 572

١ - تعدد القبائل: قد يختلف الوضع اللغوي للفظ بين القبائل، فتضع كل قبيلة عربية لفظًا لمعنى معين، وتضع أخرى اللفظ نفسه لمعنى آخر، وقد لا يكون بين المعنيين مناسبة، وينقل اللفظ مستعملًا في المعنيين باعتبار أن اللغات اصطلاحية على الأكثر. ٢ - تطور الاستعمال: قد يكون اللفظ لمعنى، ثم يتطور إطلاق اللفظ على معان أخرى لمعنى يجمع بينها، ثم يغفل الناس عن المعنى المشترك، فتصبح الكلمة للمعاني التي استعملوها كمشترك لفظي للمعاني، مثل لفظ (قرء)، فقد وضع لغة للوقت المعلوم لأمر خاص، ثم استعمل في الحيض، لأن له مدة معلومة، وأطلق على الطهر، لأن له وقتًا معلومًا، ثم صار اللفظ مشتركًا وضعًا للطهر والحيض، فكان مشتركًا، واستعمل في القرآن لوقت العدة الذي تمكث فيه المرأة بدون زواج بعد طلاقها. ٣ - الحقيقة والمجاز: يوضع اللفظ في اللغة لمعنى حقيقي أصلي، ثم يستعمل في معنى مجازي، ويشتهر المجاز، ويُنسى مع الزمن أنه مجاز، فينقل على أنه حقيقة، فيصبح اللفظ مشتركًا للأمرين، مثل لفظ النكاح، فيطلق على العقد، وعلى الوطء، واختلف العلماء أيهما الحقيقة وأيهما المجاز. ٤ - المعنى الحقيقي والعرفي: الأصل أن يستعمل اللفظ لمعناه الحقيقي، ثم ينقل من معناه الحقيقي الأصلي إلى معنى عرفي اصطلاحي، فيكون حقيقة لغوية في الأول، وحقيقة عرفية اصطلاحية في الثاني، ويصبح مشتركًا بينهما، وأمثلته كثيرة في المعاني العرفية الاصطلاحية الشرعية، كالصلاة، والزكاة، والحج، والطلاق، والعدة، والصوم، وغيرها (١).

стр. 573

الفرق بين المشترك والعام والخاص: المشترك: لفظ وضع لمعان متعددة بأوضاع متعددة، كاليد، والعين، والقرء، والسَّنة. أما العام: فهو لفظ وضع لمعنى واحد، وهذا المعنى الواحد يشمل عددًا غير محصورين، وإن كانوا في الواقع محصورين، فإنه بحسب الوضع اللغوي لا يدل على عدد محصور من هذه الأفراد، وإنما يشملهم جميعًا، كلفظ الطلبة فإنه يدل على أعداد غير محصورين ويشملهم جميعًا. أما الخاص: فهو لفظ وضع لمعنى معين ويتحقق في فرد واحد، أو في أفراد محصورين، مثل لفظ محمد، أو لفظ عشرة، أو لفظ الطالب الأول (١). حكم المشترك: يتحدد حكم المشترك في ثلاثة أمور أساسية، وهي: الأمر الأول: الأصل عدم الإشتراك: إن الأصل العام والقاعدة والمبدأ في اللغة عدم الاشتراك، وإن الاشتراك خلاف الأصل، فإذا تردد اللفظ بين احتمال الانفراد بالمعنى واحتمال الاشتراك، كان الراجح والغالب هو الانفراد، وأن احتمال الاشتراك موجود، فإن ورد لفظ في القرآن أو السنة يحتمل الاشتراك وعدمه ترجح عدم الاشتراك. الأمر الثاني: الترجيح بالقرينة: إذا تحقق الاشتراك في النص فيجب البحث عن القرينة لترجيح أحد معاني المشترك؛ لتحديد المعنى المراد؛ لأن الشارع ما أراد باللفظ إلا أحد معانيه، وعلى المجتهد الاستدلال بالقرائن والأدلة على تعيين هذا المراد. والقرينة قسمان: قرينة لفظية: وهي التي تصاحب اللفظ، وهي كثيرة.

стр. 574

وقرينة حالية: والمراد منها ما كانت عليه العرب عند ورود النص من شأن معين. وقد يختلف العلماء في القرينة، وقد يرافق النصَّ عدةُ قرائن، ويرجح بعضهم معنى لقرينة، ويرجح آخرون معنى آخر لقرينة ثانية. فإن كان اللفظ له معنى لغوي، ومعنى اصطلاحي شرعي، ترجح المعنى الشرعي، وكان هو المراد، كألفاظ الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والطلاق، والقذف، والزنا، والخلافة، والشهادة، ولا يراد المعنى اللغوي إلا إذا وجدت قرينة تدل على أنه المقصود. فالصلاة لغة: الدعاء، وشرعًا: العبادة المعروفة التي تبدأ بتكبيرة الإحرام وتنتهي بالسلام، والمعنى الثاني هو المراد في الأمر بالصلاة، وأن الصلاة أحد أركان الإسلام، ويقال مثل ذلك عن الصيام، والزكاة، والحج، وغيره. ولفظ القرء له معنيان في اللغة: الطهر والحيض، ورجح المالكية والشافعية معنى الطهر، وأنه المراد في العدة، بقرينة لفظية وهي "ثلاثة" وهي عدد مؤنث ينبغي أن يكون بعكس المعدود، فدل على أن المعدود مذكر وهو الطهر، بينما رجَّح الحنفية والحنابلة معنى الحيض، وأنه المقصود في العدة بقرينة أخرى، وهي أن لفظ ثلاثة خاص، والخاص يدل على مدلوله دلالة قطعية بأن تكون العدة ثلاثة قروء قطعًا بدون زيادة ولا نقصان، وهذا يتحقق في حالة الحيض، ولا يتحدد في حالة الطهر، لأن العدة في الطهر قد تنقص عن الثلاثة وقد تزيد. ومثال القرينة الحالية للترجيح قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فالمحيض لفظ مشترك لغة ويطلق على الزمان والمكان، ورجح العلماء أن المراد به المكان للقرينة الحالية، وهي أن العرب ما كانوا يعتزلون النساء في زمن الحيض. ومن القرائن اللفظية قولنا: قتل القاضي عينًا للعدو، فيفهم أن المراد من لفظ العين الجاسوس الخائن. ومثال على الاستثناء بأن القرينة اللفظية ترجح إرادة المعنى اللغوي، قوله

стр. 575

تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فإن لفظ الصلاة يراد به الدعاء، وهو المعنى اللغوي بقرينة لفظية هي نسبة الصلاة إلى الملائكة، فيراد منها الاستغفار، ونسبة الصلاة إلى اللَّه تعالى، فيراد منها الرحمة، ولا يقصد منها المعنى الشرعي وهي العبادة المعروفة، كما سبق. الأمر الثالث: المشترك المطلق: وهو إذا ورد لفظ مشترك ولم يوجد قرينة ترجح أحد معانيه، فاتفق العلماء على أنه يجوز حمل اللفظ المشترك على أحد معانيه، أو أحد معنييه، ويكون حقيقة؛ لأنه استعمال اللفظ فيما وضع له، وأما إرادة المتكلم باللفظ المشترك استعماله في كل معانيه فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول، وهو قول جمهور الأصوليين، أن المشترك يحمل على جميع معانيه، كالقول: إن العين مخلوقة، ونريد جميع معانيها، سواء كان المشترك واردًا في النفي أو في الإثبات، واستدلوا على ذلك بوقوعه في نصوص الشرع. مثاله: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فلفظ "الصلاة" مشترك بين المغفرة والاستغفار، واستعمل فيهما دفعة واحدة، لأن النص أسندها إلى اللَّه وإلى الملائكة، والصلاة من اللَّه المغفرة، ومن الملائكة الاستغفار. ومثاله: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨]، ولفظ "السجود" مشترك بين وضع الجبهة على الأرض، والخضوع والانقياد للقدرة الإلهية، والأول اختياري يصدر من بعض الناس، والثاني قهري حاصل من غيرهم، وكلاهما مراد في الآية، ونسب إلى الناس وغيرهم. ويسمى هذا القواط عموم المشترك، أي: يطلق ويراد منه جميع معانيه، وهذا ما يربطه بالعام.

стр. 576

القول الثاني: وهو قول الحنفية وبعض العلماء، أن المشترك لا يصح أن يستعمل في كل معانيه في إطلاق واحد، سواء في النفي أو الإثبات، ويجب التوقف حتى يقوم الدليل على تعيين معنى من معاني المشترك؛ لأن المشترك لم يوضع لكل معانيه بوضع واحد، وإنما وضع لكل معنى من معانيه بوضع خاص، فلا يراد مجموع معانيه حقيقة، وتكون إرادة جميع المعاني مخالفة لهذا الوضع الخاص، ولذلك قالوا: إن المشترك لا يفيد العموم. وقالوا: إن الصلاة في الآية الأولى استعملت في قدر مشترك بين المغفرة والاستغفار، وأن السجود في الآية الثانية معناه غاية الخضوع والانقياد، فهو مشترك معنوي لا لفظي. وهناك أقوال أخرى تفصل بين النفي والإثبات، وبين المفرد والجمع، وغير ذلك (١). فائدة: المؤول: يضيف بعض العلماء إلى العام والخاص والمشترك قسم المؤول، ويفردونه بالبحث، ولا حاجة لإفراده؛ لأنه أحد فروع المشترك، فالمؤول هو نفس المشترك الذي ترجح أحد معانيه بالقرائن والاجتهاد، ويكون الترجيح بدليل ظني. ويقابل المؤولَ المفسرُ هو الذي يأتي على اللفظ المجمل فيبين المراد منه بيانًا كاملًا بدليل قطعي ممن صدر عنه اللفظ المجمل، فإن لم يأت بيان من المشرع للمجمل بقي غير معروف الدلالة، لذلك كان المشترك أقوى وأوضح من المجمل؛ لأنه يمكن معرفة المراد من المشترك عند التأمل بالاجتهاد، أما المجمل فلا يمكن معرفة المراد منه بدون البيان، لكن إذا حصل بيان

стр. 577

للمجمل صار مفسرًا بالنص (أي من المشرع نفسه)، أما المشترك فيترجح أحد معانيه بالاجتهاد ويصير مؤولًا، وسيأتي مزيد شرح وبيان لذلك لاحقًا.

стр. 578

الفصل الرابع وضوح الألفاظ وخفاؤها إن التشريع يرد بألفاظ وكلمات موجَّهة للمخاطب أو للمكلفين، مهما كان مصدره سماويًّا أو أرضيًّا، وسواء كان السماوي من التنزيل اللفظي (القرآن الكريم) أو التنزيل المعنوي (السنة النبوية) أو التشريع الوضعي الذي يشمل الدستور (وهو النظام الأساسي للدولة) والقوانين والأنظمة واللوائح والقرارات والتعميمات وغيرها. وهذه الألفاظ قد تكون واضحة المعنى والدلالة للسامع والقارئ، وقد تكون خافية المعنى، ومبهمة الدلالة، وهنا يأتي دور المفسرين والشراح الذين يسعون لمعرفة مراد المشرع من النص، وتحديد الحكم المطلوب تنفيذه. ووضع علم أصول الفقه قواعد وضوابط ليسير عليها المفسر والعالم والمجتهد والفقيه والشراح لمعرفة المراد من النص. لذلك ينقسم اللفظ باعتبار ظهور معناه وخفائه إلى قسمين: واضح الدلالة، ومبهم الدلالة، والضابط في ذلك حاجة كل منهما في فهم المراد منه، أو تطبيقه على الوقائع، إلى أمر خارج عنه، أو عدم حاجته، وبعبارة أخرى: دلالة اللفظ بنفسه على المراد منه، أو دلالته بأمر خارجي. ونبحث كلَّ قسم في مبحث مستقل.

стр. 579

المبحث الأول اللفظ الواضح الدلالة الواضح: هو ما دل على المراد منه بنفس صيغته من غير توقف على أمر خارجي، ويفهم الحكم المراد منه من الصيغة. وحكمه: أنه يجب العمل بالحكم الذي دل عليه اللفظ أو الصيغة، ويجب تطبيقه على الوقائع، ولا يصح تأويل ما يحتمل التأويل منه إلا بدليل (١)، كما سيأتي. أنواع الواضح الدلالة: إن وضوح الألفاظ في الدلالة على المعنى المراد متفاوت، وليست الألفاظ على درجة واحدة في وضوح الحكم، فبعضها أوضح من بعض، ولذلك قسم العلماء الألفاظ باعتبار درجة الوضوح في دلالتها على المعنى إلى أنواع. واختلف العلماء في هذا التقسيم إلى مدرستين، أو مسلكين: طريقة الحنفية، وطريقة الجمهور (وهم المتكلمون). أولًا: طريقة الحنفية في تقسيم الواضح: قسم الحنفية الواضح بحسب مراتب الوضوح في الألفاظ إلى أربع درجات متفاوتة، وهي: الظاهر، والنَّص، والمفَسَّر، والمُحْكَم، فأوضحها المُحْكم، ثم المفسَّر، ثم النَّصّ ثم الظاهر، وتظهر ثمرة التقسيم عند التعارض، فيقدم النص على الظاهر، والمفسَّر عليهما، والمُحْكم على الكل. وأساس التفاوت بين هذه المراتب أو الدرجات وقوع أحد الأسباب التالية فيه، وهي احتمال التأويل والتخصيص، واحتمال النسخ، واحتمال كون اللفظ مسوقًا بالذات لإفادة معناه والمراد منه، أو كونه غير مسوق أصليًّا منه (٢).

стр. 580

فإن كان اللفظ لا يحتمل التأويل والتخصيص، ولا النسخ فهو المُحْكم، وهو أعلى درجات الوضوح، وإن كان لا يحتمل التأويل والتخصيص، ويدل على معناه دلالة قطعية، لكنه يقبل النسخ فهو المفَسَّر، وإن كان اللفظ يحتمل التأويل والتخصيص، ويقبل النسخ، ولكنه مسوق بالذات لإفادة معناه والمراد منه فهو النصّ، وإن كان اللفظ يحتمل التأويل والتخصيص، ويقبل النسخ، وليس مقصودًا بالسّياق فهو الظاهر، وهو أقل المراتب وضوحًا. ويكون الفرق بين المحكم والمفسر أن الأول لا يحتمل النسخ، والثاني يحتمله في عهد الرسالة، والفرق بين المفسر والنص أن الأول يُبين المراد منه بنفس الصيغة، والثاني يكون المراد منه بمعنى من المتكلم، والفرق بين النص والظاهر أن الأول سيق الكلام له أصالة وبالذات لإفادة ما دلّ عليه النص، والثاني لم يكن المعنى مقصودًا بالسيّاق. وهذا تعريف لكل نوع، مع المثال له. ١ - الظاهر: الظاهر لغة: خلاف الباطن، وهو الواضح المنكشف، وفي الاصطلاح الأصولي عند الحنفية: هو اللفظ الذي يدل على معناه بصيغته من غير توقف على قرينة خارجية، ولم يكن المراد منه هو المقصود أصالة من السياق، ويحتمل التأويل والتخصيص والنسخ (١). مثاله: قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فظاهر اللفظ يدل على حل البيع، وحرمة الربا، وهذا ما يتبادر إلى الذهن ولا يحتاج إلى قرينة، ولكنه غير مقصود أصالة من سياق الآية التي سيقت للرد على القائلين: "إنّما البيع مثل الربا"، فردَّ اللَّه تعالى عليهم وكذبهم بأنه أحل

стр. 581

البيع وحرم الربا، فهما مختلفان، وسيقت الآية لنفي المماثلة، وكلٌّ من البيع والربا لفظ عام يحتمل التخصيص، ويجوز نسخه في عهد الرسالة. ومثاله: قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، فتدل بالظاهر علي إباحة النكاح، وهذا المعنى يتبادر فهمه من لفظ ﴿فَانْكِحُوا﴾ من غير توقفط على قرينة، ولكن هذا المعنى غير مقصود أصالة من سياق الآية، لأنها سيقت أصالة لبيان إباحة تعدد الزوجات، وقصره على أربع أو واحدة، ولفظ "ما" عام يحتمل التخصيص. ومثاله: قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهذا يدل على وجوب طاعة الرسول في كل ما أمر به، أو نهى عنه؛ لأنه يتبادر فهمه من الآية من غير قرينة، ولكنه ليس هو المقصود أصالة من السياق؛ لأن سياق الآية في توزيع الفيء، فأمر اللَّه تعالى بأخذ ما أعطى الرسول ﷺ من الفيء حين القسمة، والانتهاء عما نهاهم عنه. ومثاله من السنُّة: قال رسول اللَّه ﷺ في البحر: "هو الطَّهورُ ماؤُهُ، الحلُّ مَيْتَتُه" (١)، فدل اللفظ ظاهرًا على حكم ميتة البحر وأنها مباح حلال، ولكن ذلك ليس مقصودًا أصالة من السياق؛ لأن السؤال كان خاصًّا عن ماء البحر. حكم الظاهر: يجب العمل بمعناه الذي ظهر منه، وتبادر إلى الذهن، قطعًا ويقينًا، سواء كان اللفظ عامًّا أو خاصًّا؛ لأن الأصل لغة وشرعًا عدم صرف اللفظ عن ظاهره، إلا إذا قام دليل يقتضي العدول عن ذلك المعنى، والعمل بغيره، سواء بالتأويل وإرادة معنى آخر، أو بالتخصيص، أو بالنسخ، لتخصيص عموم حل البيع بالنهي عن الربا، وبيع الإنسان ما ليس عنده، وبيع الغرر (٢).

стр. 582

٢ - النَّصُّ: النص في اللغة: رفع الشيء، من نصَّ الحديثَ ينصُّه نصًّا: رفعه، وكل ما أُظهر فقد نُصّ، قالوا: وكل شيء أظهرته فقد نصصته، والنصُّ: الإظهار، ولذلك عرّف بعض الأصوليين النص حسب المعنى اللغوي، فقال السرخسي رحمه اللَّه تعالى: "أمّا النَّص فما يزداد وضوحًا بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم، ليس في اللفظ ما يوجب ذلك ظاهرًا، بدون تلك القرينة" (١). والنص في اصطلاح الأصوليين من الحنفية: هو اللفظُ الذي يدلّ بنفس صيغته على معناه المقصود منه أصالة من سياقه، ويحتمل التأويل والتخصيص، احتمالًا أقل من احتمال الظاهر، ويقبل النسخ في عهد الرسالة (٢). مثاله: قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فالآية نص في نفي المماثلة بين البيع والربا في الحل والحرمة، لأن الكلام سيق لبيان هذا الحكم أصالة، فازداد وضوحًا، ردًّا على من قال: "إنّما البيع مثل الربا" فالآية تدل على حل البيع وحرمة الربا ظاهرًا كما سبق، وعلى التفرقة بينهما ونفي التماثل نصًّا؛ لأن هذا هو المعنى الذي سيق الكلام لأجله. ومثاله: قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] فهو نص في إباحة التعدد، وقصره على أربع؛ لأنه معنى متبادر فهمه من

стр. 583

اللفظ وهو المعنى الذي سيق الكلام لأجله بقرينة سياقية بعده في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] فدلت على أن هذا المعنى هو المقصود، ودلت ظاهرًا على إباحة النكاح -كما سبق- لأنه ليس مقصودًا من السياق. ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فهو نص على وجوب طاعة رسول اللَّه ﷺ في قسمة الفيء إعطاءً ومنعًا؛ لأنه هو المقصود من السياق. حكم النَّص: إن حكم النص هو حكم الظاهر، وهو وجوب العمل بالمعنى المتبادر منه، المقصود أصالة، ولكنه يحتمل التأويل إن كان خاصًّا، ويحتمل التخصيص إن كان عامًّا، ويحتمل النسخ، ولكن هذه الاحتمالات أقل منها في الظاهر (١). مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فهو نص في وجوب العدة على المطلقة بثلاثة قروء، ولفظ "المطلقات" عام يشمل المدخول بها، وغير المدخول بها، ثم جاءت الآية الأخرى تخصص هذا العموم، فقال تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فصارت الآية الأولى مخصصة بالمدخول بها، ولا تشمل المطلقة غير المدخول بها التي تطبق عليها الآية الثانية. ومثاله: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، فهذا نص في تحريم الميتة والدم، ولكن لفظ "الدم" مطلق، وجاءت آية أخرى فقيدته بالمسفوح، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. الفرق بين الظاهر والنص: إن حكم الظاهر وحكم النص واحد، وهو وجوب العمل بهما، وكل من الظاهر والنص واضح الدلالة علي معناه، فلا يتوقف فهم المراد من كل

стр. 584

منهما على أمر خارجي، ويحتمل كل منهما التأويل والتخصيص والنسخ، وسيأتي معنى التأويل بعد قليل. ويختلفان بأن الظاهر ليس مقصودًا من السياق، والنص مقصود أصالة من السياق، وإن النص أكثر وضوحًا وبيانًا من الظاهر، فمرتبة الظهور في النص أعلى منها في الظاهر، ولذلك يقدم النص على الظاهر، ويكون أولى منه عند المقارنة والمقابلة (١). ٣ - المُفَسَّر: المفسر في اصطلاح الحنفية: هو اللفظ الذي يدل على الحكم دلالة واضحة، ولا يحتمل التأويل أو التخصيص، ولكنه يقبل النسخ في عهد الرسالة، فهو أكثر وضوحًا من الظاهر والنص (٢). مثاله: قوله تعالى في حد القذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وقوله سبحانه في حد الزنا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فإن كلا من كلمة "أربعة" "وثمانين" "ومائة" لفظ مفَسَّر؛ لأنه يدل على عدد معين، والعدد المعين لا يحتمل الزيادة ولا النقص، أي: لا يحتمل التأويل. وهكذا سائر الأعداد الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية فإنها ألفاظ مفسَّرة، فلا تحتمل التأويل أو التخصيص، كأعداد الشهود، وعدد المساكين في الكفارة، وعدد الأيام في الكفارة، وحصص الورثة في آيات المواريث، وغيرها، وكذلك نصوص القانون التي تحدد العقوبة، أو الحق، أو الدَّيْن. ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] فلفظ

стр. 585

"المشركين" عامٌّ، ونصٌّ، ويحتمل التخصيص، فجاء لفظ "كافَّة" مفسَّرًا، ومنع تخصيص العام، وهكذا كل لفظ عامّ إذا لحقه ما يمنع من تخصيصه صار مفسَّرًا؛ كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣)﴾ [ص: ٧٣]. وكذلك كل لفظ مجمل إذا لحقه نص من الشارع يبين تفسيره، ويزيل إجماله، يصبح مفسَّرًا، ولا يحتمل التأويل أو التخصيص، كقوله تعالى في القتل الخطأ ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، فلفظ "دية" مجمل، فجاءت السنة فبيَّنت المقدار والحدود وأنواع الدية، ومثله لفظ الصلاة، أو الزكاة، أو الحج، أو الصيام، فهو مجمل، وجاءت السنة وبيَّنت كل ذلك فأصبحت مفسَّرة تدل على معناها دلالة واضحة لا تحتمل التأويل أو التخصيص، وكذا سائر الألفاظ التي وردت مجملة ثم بيّنها القرآن أو السنة، ولو كان متصلًا بها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ [المعارج: ١٩]، ثم فسر القرآن الكريم الهلوع، فقال تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١]، ولذلك كانت السنة مبيّنة للقرآن كما سبق في بحث السّنة. حكم المفسَّر: إن حكم المفسر هو وجوب العمل به قطعًا كما بيّنه القرآن والسنة، أو كما ورد تفسيره أو تفصيله، ولا يحتمل أن يصرف عن معناه المُبَيَّن بالتأويل وغيره، مع بقاء احتمال النسخ فقط في زمن النبوة ونزول الوحي بالشروط التي ترد في باب النسخ. ولا يكون البيان والتفسير المذكور هنا إلا من المشرع نفسه، فيكون بيانًا تفسيريًّا قطعيًّا، ملحقًا بالأصل، أما تفسير العلماء والمفسّرين والمجتهدين وشراح القانون فلا يدخل في ذلك، ولا ينفي احتمال التأويل (١).

стр. 586

٤ - المُحْكَم: المحْكم في اللغة مأخوذ من أحكم بمعنى أتقن، يقال: بناء محكم: أي: مأمون الانقضاض. والمحْكم في اصطلاح أصوليي الحنفية: هو اللفظ الذي دلّ بصيغته على معناه دلالة واضحة قطعية، فهو مقصود أصالة، وسيق الكلام لأجله، ولا يحتمل تأويلًا إن كان خاصًّا، ولا يحتمل تخصيصًا إن كان عامًّا، ولا يحتمل نسخًا، فهو في غاية الوضوح في إفادة المعنى (١). أمثلة: المحكم واقع في النصوص الشرعية التي تتضمن الأحكام الأساسية في الدِّين، مثل أصول الإيمان، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، ومثل أمهات الفضائل وقواعد الأخلاق التي يقرها العقل السليم، ولا تختلف باختلاف الأحوال كالعدل والصدق والوفاء بالعهد وبر الوالدين، وصلة الرحم، ويكون ضدّهما من الرذائل كالظلم والكذب ونقض العهد وعقوق الوالدين، وقطع الرحم. كما يشمل المحْكم الأحكام الجزئية التي وقع التصريح بتأييدها ودوامها، كقوله تعالى في تحريم نكاح زوجات النبي ﷺ من بعده: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقوله تعالى في القاذف: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، وقوله ﷺ في تحريم نكاح المتعة: "إنِّي كنْتُ أذِنْتُ لكم في الاستمتاعِ من النساء، وإن اللَّه حرَّم ذلك إلى يوم القيامة، فمنْ كان عنده منهن شيء فليخلِ سبيلَه، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا" (٢)، وقوله ﷺ في الجهاد: "الجهادُ ماضٍ منذُ بعثَني اللَّه

стр. 587

إلى أن يقاتلَ آخرُ أمتى الدَّجَّال، لا يبطلُه جَوْرُ جائر، ولا عَدْل عادل، والإيمان بالأقدار" (١). أنواع المحكم: ويكون المحكم في القوانين في الألفاظ التي تتضمن المعاني والأحكام الواضحة في العدالة، وجلية التطابق مع قواعد القانون وأصوله، ولا تختلف باختلاف الأحوال (٢). أنواع الم حكم: المحكم نوعان: ١ - المحكم لذاته: وهو ما كان إحكامه من ذات النص، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، والأمثلة السابقة، فقد جاء الإحكام من ذات النص. ٢ - المحكم لغيره: وهو ما صار محكمًا بسبب من خارج النص، وهو كل النصوص التي انقطع احتمال نسخها بسبب انقطاع الوحي بوفاة النبي ﷺ ، وفي هذه الحالة فإن الإحكام يشمل أنواع الواضح الأربعة: الظاهر، والنص، والمفسر، والمحْكم (٣). حكم المحكم: إن حكم المحكم هو وجوب العمل به قطعًا دون تردد؛ لأنه لا يحتمل غير معناه، ولا يشمل النسخ والإبطال مطلقًا، ولذلك كانت دلالته على الحكم أقوى أنواع الواضح: الظاهر والنَّص والمفَسَّر (٤).

стр. 588

التعارض والترجيح بين أنواع الواضح: سبق أن قلنا: إن الواضح على مراتب ودرجات، ويظهر أثر ذلك عند التعارض وتقديم الأكثر وضوحًا؛ لأنه الأقوى، فيقدم المُحْكم، ثم المفسَّر، ثم النص، ثم الظاهر، وهذه أمثلة لذلك. ١ - تعارض الظاهر والنص: بيَّن اللَّه تعالى المُحَرَّمات من النساء، ثم قال بعدها: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وهذا ظاهر فيم حل ما زاد عن الأربع، وقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وهذا نص على اقتصار الحل على أربع زوجات، وتحريم الزيادة على ذلك؛ لأن النص سيق أصالة لإفادة هذا الحكم، فحصل التعارض، فيرجح النص؛ لأنه أقوى وأكثر وضوحًا، وفيه جمع بين الآيتين بحمل الظاهر في الأولى على احتماله الآخر الموافق للنص، وهذا هو المقرر شرعًا أنه لا يجوز للمسلم أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات (١). ٢ - تعارض النَّص مع المفسر: وذلك بين روايتين لحديث واحد، وهو قوله ﷺ : "المُسْتَحاضَةُ تتوضَّأُ عِنْدَ كلِّ صَلاة" (٢)، فهذا نص في إيجاب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، ولو في وقت واحد، ولكن ذلك يحتمل التأويل، وهو أن يكون المراد من قوله: "لكل صلاة" وقت كل صلاة؛ لأن اللام تستعار للوقت، للظهر أي لوقته، وجاءت الرواية الثانية بقوله ﷺ لفاطمة بنت حُبَيْش ﵂: "توضئي لوقتِ كلِّ صلاةٍ" (٣) فيدل على طلب الوضوء لوقت كل

стр. 589

صلاة، ولو لأكثر من صلاة فيه، وهو مفسّر لا يحتمل التأويل، فتعارضت الروايتان، فترجح الثانية لأنها مفسّر، فهي أقوى وأوضح من النصّ (١). ٣ - تعارض المفَسّر مع المُحْكم: قال تعالى في قبول الشهادة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فهذا نص مُفَسَّر يدل على قبول شهادة العدول، ومنهم المقذوف إذا تاب؛ لأنه عَدْل بعد التوبة، ولكنه يحتمل النسخ، وقال تعالى في المحدود في القذف: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، وهذا يدل على عدم قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب، واقترن بلفظ "أبدًا" مما يدل على عدم احتمال النسخ، فهو محكم، فيترجح الحكم الثاني المحْكم على الحكم الأول، وهو المفسر، فلا تقبل شهادة المحدود في القذف، وإن تاب، عند الحنفية (٢). ٤ - تعارض النَّص مع المُحْكم: قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فهذا نص في إباحة ما عدا المحرمات المذكورة قبله، وذلك يشمل زوجات النبي ﷺ ، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فهذا نص مُحْكم لا يحتمل التأويل والتبديل والنسخ لكلمة "أبدًا"، ويفيد تحريم الزواج بإحدى زوجاته ﷺ من بعده أبدًا، فحصل التعارض، فيقدم المحْكم؛ لأنه أقوى وأوضح من النص (٣).

стр. 590

٥ - تعارض الظاهر مع المُحْكم: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فهذا لفظ محكم يفيد تحريم الزواج من زوجات النبي ﷺ من بعده، وقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، فهو ظاهر في إباحة جميع النساء، فتعارض الحكمان، فيقدم المحكم؛ لأنه أقوى وأوضح من الظاهر (١). ثانيًا: طريقة الجمهور في تقسيم الواضح: قسم الجمهور اللفظ الواضح بحسب درجة الوضوح للدلالة على المعنى إلى قسمين فقط، وهما: الظاهر، والنَّص، ويشملهما المبيَّن وهو اللفظ الدال على المعنى وليس مُجْملًا. وأساس التفريق عند الجمهور بين الظاهر والنص هو قبول الاحتمال أو عدمه، فالظاهر ما يقبل الاحتمال، وتكون دلالته ظنية، والنص ما لا يقبل الاحتمال، وتكون دلالته على معناه بدرجة القطع، فالظاهر عند الجمهور يقابل الظاهر والنص عند الحنفية، والنصُّ عند الجمهور يقابل المفسر عند الحنفية، كما يقابل المحكم عندهم؛ لانتهاء فترة النسخ بوفاة رسول اللَّه ﷺ ، وانقطاع الوحي (٢). ١ - الظاهر: الظاهر عند الجمهور المتكلمين هو: اللفظ الذي يدل على معناه المتبادر للذهن من الصيغة نفسها، ولكنه يحتمل التأويل، ويدل على معناه دلالة ظنية راجحة، سواء كانت هذه الدلالة ناشئة من الوضع اللغوي؛ كدلالة العام على جميع أفراده، أو من العرف؛ كدلالة الصلاة في الشرع على الأقوال والأفعال المخصوصة، وهذا يشمل كلًّا من الظاهر والنص عند الحنفية، أي: سواء

стр. 591

سيق اللفظ أصالة، أو كان غير مقصود أصالة من سياق الكلام. فإن صُرف اللفظ عن المعنى الظاهر، وأريد به المعنى المرجوح لدليل أو قرينة، سمي مؤولًا. وأمثلة الظاهر كثيرة، منها: أ- صيغة الأمر: فإن مطلق صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب، مؤولة في الندب والإباحة وغيرها، كما سبق في الأمر، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى في نفس الآية: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فالأمر بالكتابة عند المداينة، والأمر بالإشهاد عند البيع، ظاهر الوجوب، ولكنه مؤول -عند جمهور الفقهاء- للندب، فهو مؤول، للقرينة التي وردت في الآية التالية، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، أي: فلا حاجة للكتابة في الدَّين، والإشهاد في البيع. ب- صيغة النهي: فإن مطلق صيغة النهي ظاهرة في التحريم، مؤولة في الكراهة وغيرها، كما سبق في النهي، كنهي النبي ﷺ عن الصلاة في سبعة مواطن: في المزْبلة، والمجْزَرة، والمقْبَرة، وقارعة الطريق، وفي الحمَّام، وفي أعطانِ الإبل، وفوقَ ظهر بيت اللَّه (١)، فالنهي عن الصلاة في هذه المواطن ظاهر في التحريم، ولكنه مؤول للكراهة، لقرائن كثيرة ذكرها الفقهاء. جـ- دلالة العام: إن حمل مطلق صيغة العام ظاهر في العموم، فإن أريد به الخصوص فهو مؤول، كقوله ﷺ : "لا صيامَ لمنْ لم يُبَيِّت النيّةَ من الليل" (٢). فلفظة "صيام" زكرة في سياق النفي، وتفيد العموم، فهو ظاهر يشمل كل أفراد الصيام من فرض، ونفل، وقضاء، ومنذور، واتفق الفقهاء على وجوب

стр. 592

النية في الفرض والقضاء والنذر، لظاهر الحديث، وأخرجوا صيام النفل من العموم، لدليل آخر، فكانت دلالة الأول على النفل مؤولة. حكم الظاهر: يجب العمل بمدلول الظاهر، ولا يجوز العدول عنه إلا بتأويل صحيح، من قرينة أو دليل (١). ٢ - النَّص: النصّ عند الجمهور المتكلمين هو: اللفظ الذي يدلّ على معناه، ولا يحتمل التأويل، وتكون دلالته على المعنى دلالة قطعية، ولا يدل على غيره أصلًا، كأسماء الأعلام: محمد، وعلي، وحسن، فإن كل اسم يدل على ذات مُشَخَّصة، أو عَلَم، فهو كالمفَسَّر عند الحنفية (٢). وأمثلة النص بالمعنى القطعي للنصّ قليلة ونادرة في نصوص القرآن والسنة، ولا يوجد إلا في ألفاظ معدودة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقوله ﷺ : "يا أنيْسُ! أُغْدُ إلى امرأةِ هذا، فإنْ اعترفت فارجمها" (٣)، ولعل القرائن الحالية أو المقالية هي التي أدت إلى إبعاد الاحتمال عن اللفظ حتى تجعله نصًّا (٤). حكم النص: يجب العمل بمدلوله قطعًا، ولا يُعدل عنه إلا بنسخ، وقد انتهت فترة النسخ (٥).

стр. 593

ملحق: التأويل: يتفرع عن بحث مراتب الواضح التأويل؛ لأن مراتب الوضوح متفاوتة، وبعضها يحتمل التأويل، كما يرد التأويل في غير الواضح، وهو الخفي الذي يحتاج إلى تأويل، وهذا ما نعرضه هنا. تعريف التأويل: التأويل لغة: التفسير، والمرجع، والمصير، من آل الشيء يؤول إلى كذا إذا صار إليه ورجع (١). والتأويل في اصطلاح الأصوليين: هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر يحتمله بدليل يصيره راجحًا (٢). فالظاهر أو النص عند الحنفية يدل على معناه، ولكنه يحتمل تأويلًا آخر، وكذلك الظاهر عند المتكلمين يدل على معناه الظاهر، ولكنه يحتمل التأويل. والأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره، وتكون دلالته على المعنى راجحًا، وغيره مرجوحًا، لكن إذا جاء دليل شرعي من نص أو قياس، أو من روح التشريع أو مبادئه العامة يصرف اللفظ عن المعنى الظاهر إلى معنى آخر غير ظاهر، مع احتمال اللفظ لهذا التأويل، فيصبح المعنى المرجوح غير الظاهر راجحًا بالدليل الذي يعضده. ومن أمثلة التأويل: تقييد المطْلق، وتخصيص العام وصرفه عن عمومه، وسبق بيان الأمثلة في بحث المطلق، وتخصيص العام، ونذكِّر ببعضها.

стр. 594

مثاله: قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فالآية ظاهر في إحلال كل بيع، ونص في نفي المماثلة، فجاء تخصيص عموم البيع بالأحاديث التي نهت عن بيع الغَرَرِ، وعن بيع الإنسان ما ليس عنده، وعن بَيْع الثمر قبل أن يَبْدو صلاحُها، فهذا من تأويل الظاهر. ومثاله: قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فلفظ "المطلقات" عام يشمل كل مطلقة لتكون عدتها ثلاثة قروء، ئم وردت آية تخصص هذا العموم، فقال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فدلت الآية أن عدة المطلقة الحامل تنتهي بوضع الحمل، وهكذا كل تخصيص ورد في القرآن والسنة. ومثاله: قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، فلفظ "الدم" مطلق، ثم قال تعالى: ﴿إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فقيدت الدمَ بالدمِ المسفوح دون غيره، وهكذا كل تقييد قضى به التوفيق بين نصوص القرآن، والسنة. التأويل والتفسير: سبقت الإشارة لبيان الفرق بين التأويل والتفسير في بحث "المفَسّر" وأن التفسير بيان للمعنى المراد من الكلام على سبيل القطع، والتأويل بيان للمعنى المراد من الكلام على سبيل الظن، ولهذا يحرم التفسير بالرأي دون التأويل. وهناك فرق آخر أن التأويل أكثر ما يستعمل في المعاني، وأكثره في الجمل، وأن التفسير أكثر ما يستعمل في الألفاظ، وأكثره في المفردات (١). التأويل الصحيح والباطل: إن التأويل الصحيح المقبول هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، مع احتماله له، وبدليل يعضده، كما سيأتي في شروطه.

стр. 595

أما إذا لم يُبْنَ التأويل على دليل شرعي صحيح، بل بُني على الأهواء والأغراض والانتصار لبعض الآراء كان تأويلًا باطلًا، وكان عبثًا بنصوص الشرع أو القانون، وكذلك إذا عارض التأويلُ نصًّا صريحًا، أو كان تأويلًا إلى ما لا يحتمله اللفظ.، فهو تأويل باطل مردود، أو تأويل فاسد. ولذلك فإن النصوص الشرعية أو القانونية بعضها يقبل التأويل، وهو النص والظاهر، وبعضها لا يقبل التأويل، وهو النص الصريح الذي لا يحتمل غيره، فإن أوّله شخص فتأويله باطل (١). مجال التأويل: إن التأويل خلاف للأصل، فالأصل عند جمهور الأمة أن أخذ الأحكام من النصوص يتم بدون التأويل، وأنه يجب العمل بالظاهر والنّص -كما سبق- ولا يجوز العدول عنهما إلا بدليل يقتضي ذلك، فالأصل أن يبقى العام على عمومه حتى يرد ما يخصصه، وأن يعمل بالمطلق على إطلاقه حتى يقوم الدليل على تقييده، وأن الأمر يدل على الوجوب حتى يقوم الدليل على صرفه إلى غيره، وأن النهي يفيد التحريم حتى يرد الدليل على صرفه إلى غيره (٢). ولذلك فإن المجال الذي يمكن أن يدخله التأويل قسمان، وهما: ١ - أغلب نصوص الأحكام التكليفية، وهذه لا خلاف في جواز تأويلها؛ لأن عوامل الاحتمال فيها متوفرة، ولا ضرر فيها إذا قام بالتأويل المجتهد الذي تتوفر فيه الشروط، فيستعين في تأويلها باللغة ومفهومات الشريعة، وقواعد الاستنباط والاستدلال، ليتمكن من معرفة الأحكام الشرعية منها. وكثير من أنواع التأويل يجري في ميدان الاستنباط، كحمل الحقيقة على المجاز، وحمل المشترك على أحد معنييه أو أحد معانيه، وحمل المطلق على المقيد، وحمل العام على الخاص، وحمل الأمر على غير الوجوب، وحمل النهي على غير التحريم، وغير ذلك.

стр. 596

٢ - نصوص أصول الدين، كالعقائد، وصفات الباري وما ورد في الآيات أن له يدًا، وعينًا، وكرسيًّا، وفواتح السور، مثل "الَمَ، حم، قَ"، وهذا القسم اختلف العلماء في تأويله، فرأى بعضهم تأويله، وخالف جمهور العلماء والمفسرين والأصوليين فيه (١)، وهو ما نشير إليه في بحث "المتشابه". شروط التأويل: يشترط لصحة التأويل حتى يكون مقبولًا أربعة شروط، وهي: ١ - أن يكون اللفظ قابلًا للتأويل، كالظاهر والنص عند الحنفية، دون المفسّر والمحكم، ومثل الظاهر عند المتكلمين، ومرت الأمثلة لذلك، كصرف العام عن عمومه وإرادة بعض أفراده بدليل فهو تأويل صحيح؛ لأن المطلق يحتمل التقييد، ومثل صرف المعنى الحقيقي إلى المجاز بقرينة مقبولة فهو تأويل صحيح؛ لأنه صرف اللفظ إلى معنى يحتمله بدليل؛ لأن التأويل في هذه الحالات يكون موافقًا لوضع اللغة، أو عرف الاستعمال، أو عرف الشرع، أو حكمة التشريِع وأصوله العامة، وإلا كان تأويلًا غير صحيح، وهذا مما تختلف فيه الآراء.

стр. 597

مثاله: قوله ﷺ : "في كل أربعينَ شاةً شاةٌ" (١)، فصرف الحنفية الشاة الواجب دفعها زكاة عن الأربعين من الغنم السائمة غير المعلوفة إلى قيمتها؛ لأن الغرض من إيجاب الزكاة، وحكمة التشريع فيها دفع حاجة الفقراء، وقد تدفع حاجة الفقير بقيمة الشاة أكثر، فيرادُ بالشاةِ شاة، أو ما يعادلها من كل مال متقوَّم، لكن الجمهور اعتبروه تأويلًا بعيدًا ولم يأخذوا به. ومثاله: قوله ﷺ : "مَنْ اشْتَرى شاةً مُصَرَّاةً فهو بالخيار بين أن يُمْسِكَها وبَيْنَ أن يَرُدَّها وصاعًا من تمر" (٢) فالظاهر أن المشتري إذا أراد ردّ الشاة المصرّاة فيجب أن يعوِّض البائع بصاع من تمْرٍ عما احتلب من لبنها، فأوّل الحنفية الصاع من تمر إلى قيمته، ليكون تعويضًا عما أتلفه من لبن الشاة، وهذا يتفق مع الأصول العامة في كون التعويض وضمان المتلفات بمثل ما أُتلف أو بقيمته، والغرض تعويض البائع عما خسره من لبن شاته. ومثاله: تأويل الجمهور لفرض الأم في الميراث بالثُّلُث إلى ثلث ما بقي بعد فرض أحد الزوجين، في إحدى المسألتين الغرَّاويتين، منعًا من زيادة نصيبها في الإرث عن نصيب الأب. ومثاله: في القانون الجنائي: لفظ الليل الذي جعله القانون في جريمة السرقة وفي جريمة إتلاف المزروعات ظرفًا مشدّدًا للعقوبة، فظاهر اللفظ أن الليل من غروب الشمس إلى شروقها، فأوّلت بعض المحاكم ذلك إلى أن المراد بالليل إذا خيَّم الظلام، وربما لا يكون ذلك أثر غروب الشمس مباشرة؛ لأن ذلك لا يتفق وحكمة الشارع في جعل الليل ظرفًا مشددًا؛ لأن الغرض تشديد العقوبة على من يغتنم الظلام فرصة لارتكاب جريمته، ولكن محكمة النقص المصرية رفضت هذا التأويل (٣).

стр. 598

٢ - أن يستند التأويل إلى دليل صحيح يدل على صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، وأن يكون هذا الدليل راجحًا على ظهور اللفظ في مدلوله؛ لأنه سبق أن الأصل في نصوص الشرع أن نعمل فيها بالظاهر إلا إذا قام دليل العدول عنه إلى غيره، فالأصل أن يبقى العام على عموهه، ولا يُقتصر فيه على بعض أفراده إلا بدليل، والأصل أن يبقى المطلق على إطلاقه ولا يُعْدل عنه إلى التقييد إلا بدليل، والأصل أن الأمر للوجوب ولا يُصرف إلى الندب أو الإرشاد أو الإباحة إلا بدليل، والأصل أن النهي للتحريم ولا يُعدل عنه إلى الكراهة مثلًا إلا بدليل، فلا بدَّ في التأويل من دليل صحيح. والدليل للتأويل تتفاوت درجاته حسب درجة إمكانية التأويل، فإن قرب التأويل كفى أدنى مرجح، نحو قوله سبحانه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، أي: إذا عزمتم على القيام لأداء الصلاة؛ لأن الشارع لا يطلب الوضوء من المكلف بعد الشروع في الصلاة، لأن الوضوء شرط لصحة الصلاة، والشرط يوجد قبل المشروط، وإن كان التأويل بعيدًا افتقر إلى دليل أقوى ليرجَّح على الظاهر والنص، وستأتي أمثلة التأويل البعيد، وإن تعذر الحمل لعدم الدليل رُدَّ التأويل وجوبًا، وكان مردودًا وباطلًا أو فاسدًا، كما سبق. ٣ - أن يكون اللفظ الذي يُراد تأويلُهُ يحتمل المعنى الذي يؤوّل إليه، ولو احتمالًا مرجوحًا، وهذا يختلف باختلاف وجهات النظر، كما سيأتي في التأويل البعيد والاختلاف فيه. ٤ - أن تتوفر في الناظر في التأويل الأهلية الكافية في الاجتهاد، ليوافق تأويلُه وضع اللغة، أو عرف الاستعمال، أو العرف الشرعي (١).

стр. 599

أنواع التأويل: ينقسم التأويل باعتبار قربه للفهم وبعده عنه، وبحسب نظرة العلماء له إلى نوعين: ١ - التأويل القريب إلى الفهم: وهو ما يكفي في إثباته لأدنى دليل، كالمثال السابق في تأويل ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] من المعنى الظاهر للقيام إلى معنى قريب منه، وهو العزم على أداء الصلاة وإرادة الدخول فيها. ومثل تأويل الشافعي رحمه اللَّه تعالى قول اللَّه : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، فقال: "إلا وجْهَها وكفيها" فتأول الشافعي "ما ظهر منها" بالوجه والكفين، ورجَّح تأويله بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لأسماء بنت أبي بكر: "يا أسماءُ! إنَّ المرأةَ إذا بلغتِ المحيضَ، لم يَصْلُح أن يُرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى كفِّهِ ووجهِهِ" (١)، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء (٢). ٢ - التأويل البعيد عن الفهم: هذا مجال لاختلاف العلماء، فبعضهم يعتبره قريبًا، وأكثرهم يعتبره بعيدًا، مثل قوله ﷺ لغيلان الثقفي، وقد أسلم وعنده عشر نسوة: "أخْتر" وفي لفظ: "أمْسِك منْهن ارْبعًا وفَارِق سائرَهن" (٣)، وقوله ﷺ لفيروز الدَّيْلمي، وقد أسلم وعنده. زوجتان أختان: "اخْتَر" وفي لفظ: "أَمْسِك أيتَهما شئتَ، وفارق الأخرى" (٤)، والحديثان ظاهران في استدامة الزواج السابق، أو استصحابه، لكن الحنفية أوّلوا الأمر بالإمساك على ابتداء نكاح إن كان الزواج في عقد واحد، واستبقاء الأولى منهن إن كان الزواج في أكثر من

стр. 600

عقد، أي ابْتَدِئ زواجَ أربع منهن، أو ابتدئ زواج إحدى الأختين. وقال الجمهور: هذا تأويل بعيد؛ لأن الفرقة لو وقعت بسبب الدخول بالإسلام لم يخيّرهما، وقد خيّر كلًّا منهما، والمتبادر عن السماع من الإمساك الاستدامة، والسؤال وقع عنها فهو ظاهر من اللفظ، دون التجديد، ولو كان المراد من الحديثين التجديد، لبيّنه النبي ﷺ ؛ لأن غيلان وفيروز حديثًا عهد بالإسلام، وليس لهما معرفة بالأحكام الشرعية، ولم يبين لهما النبي ﷺ شروط النكاح مع الحاجة إليه لقرب عهدهما بالإسلام، ولم ينقل عن أحد ممن أسلم على أكثر من أربع أو على أختين أنه جدَّد النكاح، وإن ابتداء النكاح يحتاج إلى رضا الزوجات، ويصير التقدير: فارق الكل، وابتدئ بعد ذلك مَنْ شئت، فيَضيعُ قولُه ﷺ : "اختر" لأنه قد لا يرضين أو بعضهن، والأمر للوجوب، فكيف يجب عليهما ابتداؤه، وليس بواجب في الأصل؟ وفي الحديث الثاني مانع آخر للتأويل، وهو قوله ﷺ : "أيتهما شئت" وفي تقدير نكاحهما على الترتيب تعيين الأولى، وهو يتنافى مع تخييره (١). ومن التأويل البعيد ما قاله الحنفية في قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، فقالوا: المراد إطعامُ طعامِ ستين مسكينًا، إما لستين مسكينًا، أولمسكين واحد ستين طعامًا؟ لأن المقصود دفع الحاجة، ودفع حاجة ستين كحاجة واحد ستين يومًا. واعتبر الجمهور ذلك تأويلًا بعيدًا؛ لأنه عدول عن العدد، وهو ستون مسكينًا، وعدول عن لفظ "إطعام" الذي يقتضي توزيع الكفارة لهذا العدد، فالعدد مقصود لفضل الجماعة وبركتهم وتضافرهم على الدعاء للمحسن. ومن التأويل البعيد ما ذهب إليه بعضهم بوجوب مسح الرجلين في الوضوء لا غسلهما في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، واحتجوا بقراءة الجر "وأرجلِكم" عطفًا على "رؤوسِكم" وهي قراءة صحيحة سَبْعية.
следующие страницы →