٢ - نصوص أصول الدين، كالعقائد، وصفات الباري وما ورد في الآيات أن له يدًا، وعينًا، وكرسيًّا، وفواتح السور، مثل "الَمَ، حم، قَ"، وهذا القسم اختلف العلماء في تأويله، فرأى بعضهم تأويله، وخالف جمهور العلماء والمفسرين والأصوليين فيه (١)، وهو ما نشير إليه في بحث "المتشابه".
شروط التأويل:
يشترط لصحة التأويل حتى يكون مقبولًا أربعة شروط، وهي:
١ - أن يكون اللفظ قابلًا للتأويل، كالظاهر والنص عند الحنفية، دون المفسّر والمحكم، ومثل الظاهر عند المتكلمين، ومرت الأمثلة لذلك، كصرف العام عن عمومه وإرادة بعض أفراده بدليل فهو تأويل صحيح؛ لأن المطلق يحتمل التقييد، ومثل صرف المعنى الحقيقي إلى المجاز بقرينة مقبولة فهو تأويل صحيح؛ لأنه صرف اللفظ إلى معنى يحتمله بدليل؛ لأن التأويل في هذه الحالات يكون موافقًا لوضع اللغة، أو عرف الاستعمال، أو عرف الشرع، أو حكمة التشريِع وأصوله العامة، وإلا كان تأويلًا غير صحيح، وهذا مما تختلف فيه الآراء.
стр. 597
مثاله: قوله ﷺ : "في كل أربعينَ شاةً شاةٌ" (١)، فصرف الحنفية الشاة الواجب دفعها زكاة عن الأربعين من الغنم السائمة غير المعلوفة إلى قيمتها؛ لأن الغرض من إيجاب الزكاة، وحكمة التشريع فيها دفع حاجة الفقراء، وقد تدفع حاجة الفقير بقيمة الشاة أكثر، فيرادُ بالشاةِ شاة، أو ما يعادلها من كل مال متقوَّم، لكن الجمهور اعتبروه تأويلًا بعيدًا ولم يأخذوا به.
ومثاله: قوله ﷺ : "مَنْ اشْتَرى شاةً مُصَرَّاةً فهو بالخيار بين أن يُمْسِكَها وبَيْنَ أن يَرُدَّها وصاعًا من تمر" (٢) فالظاهر أن المشتري إذا أراد ردّ الشاة المصرّاة فيجب أن يعوِّض البائع بصاع من تمْرٍ عما احتلب من لبنها، فأوّل الحنفية الصاع من تمر إلى قيمته، ليكون تعويضًا عما أتلفه من لبن الشاة، وهذا يتفق مع الأصول العامة في كون التعويض وضمان المتلفات بمثل ما أُتلف أو بقيمته، والغرض تعويض البائع عما خسره من لبن شاته.
ومثاله: تأويل الجمهور لفرض الأم في الميراث بالثُّلُث إلى ثلث ما بقي بعد فرض أحد الزوجين، في إحدى المسألتين الغرَّاويتين، منعًا من زيادة نصيبها في الإرث عن نصيب الأب.
ومثاله: في القانون الجنائي: لفظ الليل الذي جعله القانون في جريمة السرقة وفي جريمة إتلاف المزروعات ظرفًا مشدّدًا للعقوبة، فظاهر اللفظ أن الليل من غروب الشمس إلى شروقها، فأوّلت بعض المحاكم ذلك إلى أن المراد بالليل إذا خيَّم الظلام، وربما لا يكون ذلك أثر غروب الشمس مباشرة؛ لأن ذلك لا يتفق وحكمة الشارع في جعل الليل ظرفًا مشددًا؛ لأن الغرض تشديد العقوبة على من يغتنم الظلام فرصة لارتكاب جريمته، ولكن محكمة النقص المصرية رفضت هذا التأويل (٣).
стр. 598
٢ - أن يستند التأويل إلى دليل صحيح يدل على صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، وأن يكون هذا الدليل راجحًا على ظهور اللفظ في مدلوله؛ لأنه سبق أن الأصل في نصوص الشرع أن نعمل فيها بالظاهر إلا إذا قام دليل العدول عنه إلى غيره، فالأصل أن يبقى العام على عموهه، ولا يُقتصر فيه على بعض أفراده إلا بدليل، والأصل أن يبقى المطلق على إطلاقه ولا يُعْدل عنه إلى التقييد إلا بدليل، والأصل أن الأمر للوجوب ولا يُصرف إلى الندب أو الإرشاد أو الإباحة إلا بدليل، والأصل أن النهي للتحريم ولا يُعدل عنه إلى الكراهة مثلًا إلا بدليل، فلا بدَّ في التأويل من دليل صحيح.
والدليل للتأويل تتفاوت درجاته حسب درجة إمكانية التأويل، فإن قرب التأويل كفى أدنى مرجح، نحو قوله سبحانه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، أي: إذا عزمتم على القيام لأداء الصلاة؛ لأن الشارع لا يطلب الوضوء من المكلف بعد الشروع في الصلاة، لأن الوضوء شرط لصحة الصلاة، والشرط يوجد قبل المشروط، وإن كان التأويل بعيدًا افتقر إلى دليل أقوى ليرجَّح على الظاهر والنص، وستأتي أمثلة التأويل البعيد، وإن تعذر الحمل لعدم الدليل رُدَّ التأويل وجوبًا، وكان مردودًا وباطلًا أو فاسدًا، كما سبق.
٣ - أن يكون اللفظ الذي يُراد تأويلُهُ يحتمل المعنى الذي يؤوّل إليه، ولو احتمالًا مرجوحًا، وهذا يختلف باختلاف وجهات النظر، كما سيأتي في التأويل البعيد والاختلاف فيه.
٤ - أن تتوفر في الناظر في التأويل الأهلية الكافية في الاجتهاد، ليوافق تأويلُه وضع اللغة، أو عرف الاستعمال، أو العرف الشرعي (١).
стр. 599
أنواع التأويل:
ينقسم التأويل باعتبار قربه للفهم وبعده عنه، وبحسب نظرة العلماء له إلى نوعين:
١ - التأويل القريب إلى الفهم:
وهو ما يكفي في إثباته لأدنى دليل، كالمثال السابق في تأويل ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] من المعنى الظاهر للقيام إلى معنى قريب منه، وهو العزم على أداء الصلاة وإرادة الدخول فيها.
ومثل تأويل الشافعي رحمه اللَّه تعالى قول اللَّه : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، فقال: "إلا وجْهَها وكفيها" فتأول الشافعي "ما ظهر منها" بالوجه والكفين، ورجَّح تأويله بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لأسماء بنت أبي بكر: "يا أسماءُ! إنَّ المرأةَ إذا بلغتِ المحيضَ، لم يَصْلُح أن يُرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى كفِّهِ ووجهِهِ" (١)، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء (٢).
٢ - التأويل البعيد عن الفهم:
هذا مجال لاختلاف العلماء، فبعضهم يعتبره قريبًا، وأكثرهم يعتبره بعيدًا، مثل قوله ﷺ لغيلان الثقفي، وقد أسلم وعنده عشر نسوة: "أخْتر" وفي لفظ: "أمْسِك منْهن ارْبعًا وفَارِق سائرَهن" (٣)، وقوله ﷺ لفيروز الدَّيْلمي، وقد أسلم وعنده. زوجتان أختان: "اخْتَر" وفي لفظ: "أَمْسِك أيتَهما شئتَ، وفارق الأخرى" (٤)، والحديثان ظاهران في استدامة الزواج السابق، أو استصحابه، لكن الحنفية أوّلوا الأمر بالإمساك على ابتداء نكاح إن كان الزواج في عقد واحد، واستبقاء الأولى منهن إن كان الزواج في أكثر من
стр. 600
عقد، أي ابْتَدِئ زواجَ أربع منهن، أو ابتدئ زواج إحدى الأختين.
وقال الجمهور: هذا تأويل بعيد؛ لأن الفرقة لو وقعت بسبب الدخول بالإسلام لم يخيّرهما، وقد خيّر كلًّا منهما، والمتبادر عن السماع من الإمساك الاستدامة، والسؤال وقع عنها فهو ظاهر من اللفظ، دون التجديد، ولو كان المراد من الحديثين التجديد، لبيّنه النبي ﷺ ؛ لأن غيلان وفيروز حديثًا عهد بالإسلام، وليس لهما معرفة بالأحكام الشرعية، ولم يبين لهما النبي ﷺ شروط النكاح مع الحاجة إليه لقرب عهدهما بالإسلام، ولم ينقل عن أحد ممن أسلم على أكثر من أربع أو على أختين أنه جدَّد النكاح، وإن ابتداء النكاح يحتاج إلى رضا الزوجات، ويصير التقدير: فارق الكل، وابتدئ بعد ذلك مَنْ شئت، فيَضيعُ قولُه ﷺ : "اختر" لأنه قد لا يرضين أو بعضهن، والأمر للوجوب، فكيف يجب عليهما ابتداؤه، وليس بواجب في الأصل؟ وفي الحديث الثاني مانع آخر للتأويل، وهو قوله ﷺ : "أيتهما شئت" وفي تقدير نكاحهما على الترتيب تعيين الأولى، وهو يتنافى مع تخييره (١).
ومن التأويل البعيد ما قاله الحنفية في قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، فقالوا: المراد إطعامُ طعامِ ستين مسكينًا، إما لستين مسكينًا، أولمسكين واحد ستين طعامًا؟ لأن المقصود دفع الحاجة، ودفع حاجة ستين كحاجة واحد ستين يومًا.
واعتبر الجمهور ذلك تأويلًا بعيدًا؛ لأنه عدول عن العدد، وهو ستون مسكينًا، وعدول عن لفظ "إطعام" الذي يقتضي توزيع الكفارة لهذا العدد، فالعدد مقصود لفضل الجماعة وبركتهم وتضافرهم على الدعاء للمحسن.
ومن التأويل البعيد ما ذهب إليه بعضهم بوجوب مسح الرجلين في الوضوء لا غسلهما في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، واحتجوا بقراءة الجر "وأرجلِكم" عطفًا على "رؤوسِكم" وهي قراءة صحيحة سَبْعية.
стр. 601
وردّ الجماهير هذا التأويل البعيد لما ثبت في الصحاح مداومة الرسول ﷺ على غسل الرجلين، ولم يثبت المسح عنه من وجه صحيح، وأمرَ بالغسل في أحاديث كثيرة، وثبتت به آثار عن الصحابة، وأن المسح في اللغة يستعمل بمعنى الغسل، وقراءة النصب "وأرجلَكم" صريحة في عطف الأرجل على الأيدي، فتحص في قراءة الخفض على المجاورة، وغير ذلك من الأدلة (١).
الاعتدال في التأويل:
وقع في التأويل إفراط وتفريط، فذهب الظاهرية إلى غلق باب التأويل كله، والأخذ بالظاهر دائمًا، مما يؤدي إلى البعد عن روح الشريعة، والخروج عن أصولها العامة، والجمود على النصوص، وإظهارها متخلفة وقاصرة.
وذهبت فئة إلى فتح باب التأويل على مصراعيه، فأخرجوا النصوص عن ظاهرها ومعناها، حتى أوّلوها تأويلًا باطنًا مما وصل بهم إلى الزلل والعبث بالنصوص ومتابعة الآهواء.
وذهب جماهير العلماء إلى الاعتدال، والأخذ بالتأويل بحذر واحتياط، واقتصاره على التأويل الصحيح الذي دل عليه دليل، ولا يأباه اللفظ، ولا يعارض نصًّا صريحًا، ووضعوا له الشروط لقبوله، وهذا هو الحق والصواب (٢).
стр. 602
المبحث الثاني اللفظ المُبْهَمُ [اللفظ غير الواضح الدلالة]
تعريف:
المبهم لغة: الخَفِيُّ والمُشْكِل، من قولهم: أَبْهَمَ الأمرُ: خَفي وأشكل، وأبهم الأمرَ: أخفاه وأشكله، والمبهم في الاصطلاح: هو اللفظ الذي خفيت دلالته على الحكم خفاءً لذاته، أو لعارض، ولذلك يتوقف فهم المراد منه على شيء خارجي غيره، وقد يزول الخفاء بالاجتهاد فيفهم المراد، وقد يتعذر زواله إلا ببيان من الشارع (١).
أقسامه:
إن درجة الإبهام في الألفاظ متفاوتة، فبعضها أكثر خفاءً وإشكالًا من بعض، فهي على مراتب في الخفاء، ولذلك ينقسم المبهم إلى أنواع.
ولكن اختلف علماء الأصول في هذا التقسيم، فقسم الحنفية اللفظ المبهم -غير واضح الدلالة- إلى أربعة مراتب، بعضها أشد خفاء من بعض، وهي: الخفي، والمُشْكِل، والمُجْمَل، والمُتَشابه، وأشدها خفاء: المتشابه، ثم المجمل، ثم المشكل، ثم الخفي (٢).
وقسم الجمهور (المتكلمون) المبهم إلى نوعين: المُجْمَل، والمتشابه، وهو رأي الأكثرين، ويرى بعض المتكلمين أن المبهم هو المجْمل فقط، وأن المتشابه نوع
стр. 603
من أنواعه، وقيل غير ذلك (١).
ونعرض طريقة الحنفية، ثم طريقة الجمهور بشيء من التفصيل.
أولًا: طريقة الى حنفية في تقسيم المبهم:
قسم الحنفية المبهم بحسب مراتب الخفاء إلى أربعة أنواع وهي: الخفي، والمشكل، والمجْمل، والمتشابه.
والأساس في هذا التقسيم أن خفاء اللفظ إما أن يرجع إلى ذات اللفظ، أو لعارض، فإن كان الخفاء لعارض من غير اللفظ، وأمكن معرفة المراد منه بالبحث والاجتهاد فهو الخفي، وإن رجع الخفاء لنفس اللفظ فينظر: فإن أمكن معرفة المراد من اللفظ بالعقل (بالاجتهاد) فهو: المشْكل، وإن أمكن معرفة المراد منه بالنقل (بالنصوص الشرعية أو من المشرع القانوني) لا بالعقل فهو: المجْمل، وإن لم يمكن إدراك المعنى أصلًا لا بالعقل ولا بالنقل فهو: المتشابه، فالخفاء في الأول من غير الصيغة، وفي الأنواع الثلاثة الأخرى فهو بعارض من الصيغة نفسها (٢)، وهذا بيان مختصر لكل منها مع أمثلته وحكمه.
١ - الخفي:
الخفي لغة: مأخوذ من خفي، أي: استتر، والخفاء هو عدم الظهور والستر والكتمان، وفي الاصطلاح الأصولي عند الحنفية: هو اللفظ الظاهر في دلالته على معناه، ولكن في انطباق معناه على بعض الأفراد نوع غموض وخفاء، ويحتاج إلى نظر واجتهاد، بالرجوع إلى النصوص الأخرى، وعلل الأحكام، ومقاصد الشريعة (٣).
стр. 604
فاللفظ يدل دلالة ظاهرة على معناه، ولكن عرض له عارض من غير الصيغة، فصار فيه غموض وخفاء في انطباقه على بعض أفراده، فيعتبر خفيًّا بالنسبة إلى هذا البعض من الأفراد، ولذلك كان أقل أنواع المبهم خفاء، ويقابله الظاهر في مراتب الوضوح.
مثاله: قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فلفظ "السارق" له معنى ظاهر في مدلوله، وهو من يأخذ مال غيره خفية من حرز مثله (١)، لكن في دلالته على بعض الأفراد نوع غموض وخفاء، مثل الطَّرَّار (النَّشّال) الذي يأخذ مال غيره في غفلة من صاحبه بنوع من المهارة والخفة ومسارقة الأعين، فهو يغاير السارق بوصف زائد فيه، وله اسم خاص، مما أورث شبهة وخفاء في انطباق حكم السارق عليه، واحتاج إلى بحث واجتهاد.
وبعد الاجتهاد قال الجمهور: إن علة قطع السارق أكثر توفرًا في النَّشال؛ فإنه سارق وزيادة؛ لأن السارق يسارق الأعين النائمة، والنشَّال يسارق الأعين المتيقظة، فقالوا: ينطبق عليه حكم السارق، وتقطع يده بالأَوْلى، ويثبت وجوب القطع فيه بعبارة النص؛ لأنه سارق ماهر (٢).
ومثله النبَّاش الذي يسرق أكفان الموتى من قبورهم، فهو يغاير السارق؛ لأنه يأخذ مالًا غير مرغوب فيه عادة، ومن القبر، وبحث العلماء في ذلك، واختلفوا، فقال جمهور الحنفية: إنَّ النَّباش ينقص فيه معنى السرقة، ولا ينطبق عليه اسم السارق؛ لأن المال غير مرغوب فيه عادة، والقبر ليس حرزًا
стр. 605
لما فيه، فلا تقطع يد النباش، وإنما يُعزَّر، وقال الأئمة الثلاثة وأبو يوسف: إنّه يعدُّ سارقًا وتقطع يده (١).
ومثاله من السنة: قوله ﷺ : "لا يَرِثُ القاتلُ شيئًا" (٢)، فلفظ "القاتل" واضح الدلالة، ودلالته ظاهرة في القتل عمدًا، وأما دلالته على القاتل خطأ، ففيها شيء من الخفاء والغموض، بسبب وصف الخطأ، وأن الحرمان من الميراث عقوبة مالية، فهل لي يعاقب المخطئ في القتل بحرمان الميراث كالعامد؟ ومثل ذلك القتل بالتسبب والدفاع الشرعي، وهذا يحتاج إلى بحث واجتهاد.
اختلف الأئمة في ذلك فقال المالكية: لا يُحرم من الميراث إلا القاتل عمدًا، دون غيره الذين لا يقصدون القتل، وقال الشافعية بالحرمان من الميراث لكل قاتل ولو خطأ، أو بالتسبب أو بالدفاع الشرعي، حتى لو كان القاتل غير مكلف، وفصّل الحنفية والحنابلة، لكنهم قالوا بحرمان القاتل خطأ من الميراث (٣).
ومثل ذلك: البائع إذا أخذ من المشتري نقودًا على أن يأخذ منها ثمن المبيع، ويرد الباقي، فاختفى، فهل يَصْدُق عليه أنه سارق أو خائن الأمانة؟
وهكذا كل لفظ يدل دلالة ظاهرة على معناه، ولكن وُجد خفاء أو اشتباه في انطباق معناه على بعض الأفراد، فإنه يعتبر خفيًّا بالنسبة إلى هذه الأفراد (٤).
وأمثلة الخفي في القوانين كثيرة، منها عدد من الجرائم التي يشتبه أمرها
стр. 606
في اعتبارها جنحة أم جناية، وفي انطباق أحد اللفظين عليها لتطبيق أحكامه فيها، ومن ذلك ما جاء في تعريف السرقة في قانون العقوبات المصري بأنها "اختلاس المنقول المملوك للغير" فوقع الاشتباه في اعتبار التيار الكهربائي منقولًا، فهذا خفاء حتى بينته محكمة النقض، فاعتبرته منقولًا، وأن السرقة تتناول اختلاس الكهرباء، وتدارك ذلك القانون العراقي فأضاف في نصه: "ويعتبر منقولًا لتطبيق أحكام السرقة ... القوى الكهربائية والمائية وكل طاقة أو قوة محرزة أخرى" (١).
حكم الخفي:
هو وجوب النظر على المجتهد والقاضي والبحث لإزالة الخفاء، والتأمل في العارض الذي سبَّب الخفاء، وهذا ما تختلف فيه الأنظار، فإن ترجح أن اللفظ يتناول هذه المسألة، لزيادة في معناه، وبما يتفق مع مقاصد الشريعة، أعطاه المجتهد حكمه، وطبقه عليه كالنّشال بالنسبة للسارق، وإن ترجح نقصان المسألة عن معنى اللفظ الشرعي لم يُلحقه بظاهر اللفظ، ولم يطبِّق عليه حكمه، وكان له حكم آخر (٢).
٢ - المُشْكل:
هو اللفظ الذي خفي معناه، ولا يدل بصيغته على المراد منه، ولا بدَّ من قرينة تبين المراد منه، فمنشأ الإشكال ذات الصيغة واللفظ، ولذلك فإنه لا يدرك معناه إلا بالتأمل وبقرينة خارجية تبين المراد منه، وتكون هذه القرينة غالبًا في متناول البحث (٣).
стр. 607
ويختلف المشكل عن الخفي أن الإبهام في المشكل منشؤه من نفس اللفظ، ولا يمكن فهم معناه المراد إلا بقرينة، أما الخفي فإن الإبهام فيه من طريق خارج عن اللفظ، ويعرف المراد منه من غير قرينة، فالمشكل أشد إبهامًا من الخفي، لكن يتفق المشكل والخفي في أن كلًّا منهما يحتاج إلى بحث وتأمل.
ومن أمثلة المشْكل: اللفظ المشترك فإنه موضوع لغة -كما سبق- لأكثر من معنى واحد، فإن ورد في التشريع بدون دلالة على أحد المعاني التي وضع لها، كان ذلك مشكلًا.
مثاله: لفظ "قروء" في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فإن لفظ "القرء" مشترك في اللغة بين الطهر والحيض، فوقع الإبهام والإشكال في تحديد المراد منه في الآية، لانقضاء عدة المطلقة، وهل تناقضي بثلاثة أطهار أم بثلاث حيضات؟ فاقتضى الأمر البحث عن قرينة خارجية تعيّن الحكم، أو عن دليل يرجح أحد المعنيين؛ لأن النتيجة تختلف جزئيًّا باعتبار الطهر أو الحيض.
وبعد البحث والتأمل في القرائن والأدلة الأخرى رجح المالكية والشافعية أن يكون القرء طهرًا بقرينة تأنيث العدد، وهو ثلاثة، فيكون المعدود مذكرًا، وهو الطهر، ولأن تفسير القرء بالطهر أقرب إلى الاشتقاق؛ لأن معناه الجمع، وفي الطهر يتجمع الدم في الرحم، أما في الحيض فيلقى الدم من الرحم، ولأن اعتبار الأطهار يجعل العدة على المرأة أقل مدة، فهو أخف، وهو يتفق مع مقاصد الشريعة.
ورجح الحنفية والحنابلة أن القرء هو الحيض، لحديث: "عِدَّةُ الأمةِ حَيْضتان" (١)، فنصَّ على الحيض، ولا فرق بين الأمة والحرة فيما تقع به العدة، ولحديث: "المُسْتَحاضة تدَعُ الصلاةَ أيامَ أقرائها" (٢) أي أيام حيضها،
стр. 608
فالقرء هو الحيض، ولأن العدة شرعت لتعرف براءة الرحم، وذلك يعرف بالحيض (١).
ومثاله: عبارة "الذي بيده عقدة النكاح" في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فهل المراد من الذي بيده عقدة النكاح الزوج ليعفو عن حصته، أو الولي ليعفو عن حصة المطلَّقة؟
وبعد التأمل والبحث والاجتهاد رأى كثير من الصحابة والتابعين وجمهور الأئمة أن المراد هو الزوج (أي الرجل أو المرأة)؛ لأن كلًّا منهما صاحب حق في نصف المهر، والعفو لا يتصور إلا ممن له الحق في المهر لغيره، ويصبح المعنى إلا أن يعفو الرجل المطلِّق عن حقه وهو نصف المهر، فيكون المهر كله للمرأة، وإما أن تعفو المرأة عن حقها ولا تأخذ شيئًا من المهر.
وقال المالكية: المراد هو الولي، ويثبت الحق للمرأة البالغة العاقلة أن تعفو عن حصتها، وإن كانت قاصرة قام الولي مقامها في ذلك، وقيدوا كلمة "يعفون" للمرأة إن كانت أهلًا، وإلا فهو الولي (٢).
ومن أمثلة المشكل في القانون: لفظ "الليل" الذي اعتبره القانون المصري ظرفًا مشددًا لعقوبة السرقة، كما سبق، وهل يراد منه معناه الفلكي من غروب الشمس إلى شروقها، أم الفترة التي يتحقق فيها الظلام بالفعل؟ واختلف القضاء في ذلك، فذهبت محكمة الدرجة الأولى إلى المعنى الثاني، فقامت محكمة النقض برد الحكم، وفسرت المراد بالمعنى الأول، وهو الفترة الزمنية المحصورة من الغروب إلى الشروق، ثم نص القانون العراقي على ما قررته محكمة النقض (٣).
стр. 609
حكم المشكل:
إن حكم المشكل هو وجوب البحث والتأمل والاجتهاد لتحديد المعنى المراد من اللفظ، ثم العمل بما توصل إليه البحث (١).
٣ - المُجْمَل:
المُجْمَل لغة: المجموع، من أَجْمَلَ الشيء: جمعه بعد تفرق، قال الفيومي: "وأجملت الشيء إجمالًا: جمعته من غير تفصيل، والمجمل لغة: المبْهم، مأخوذ من الإجمال وهو الإبهام وعدم التفصيل، وأجمله: أبهمه" (٢).
والمجمل في اصطلاح الأصوليين من الحنفية: هو اللفظ الذي خفي المراد منه بسبب في نفس اللفظ، ولا يفهم المراد منه إلا بالاستفسار ممن أصدره؛ لأنه لا توجد قرائن لفظية أو حالية تبيّنه، فإن بيّنه قائله أصبح مفسرًا (٣)، وهو ما يقرره علماء الأصول في بحث البيان.
وسبب الإجمال إما لكون اللفظ مشتركًا مع عدم القرينة التي ترجح أحد معاني المشترك، فتزاحم المعاني المتساوية فيها كلفظ عين للعين الباصرة والعين الجارية، والجاسوس، والذهب، ولفظ الموالي للسادة والعبيد، وإما لغرابة اللفظ لغة، مثل لفظ "الهَلُوع" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ
стр. 610
هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩]، ثم بيّنه اللَّه تعالى بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١] (١)، وإما أن يكون الإجمال من نقل اللفظ من معناه الظاهر في اللغة إلى معنى شرعي جديد، ثم بيّن الشرع المعنى المراد منه فصار مفسرًا، مثل ألفاظ الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وهذا النوع الأخير أكثر أنواع الإجمال وجودًا؛ لأن كثيرًا من المسمَّيات أعطاها الشرع معنى جديدًا، ولذلك يقول الفقهاء: معناه لغة كذا، وشرعًا كذا.
والمجْمَل بهذا المعنى لم يعد موجودًا في القرآن والسنة، فقد بيَّن القرآن نفسه المراد من بعض الألفاظ المجملة، ثم بيّنت السنة الباقي، ولم ينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا وقد بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وبيّن الشرعَ، وترك الأمة على بَيْضاء نقية ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وكان رسول اللَّه ﷺ مبلِّغًا عن ربه، ومبيِّنًا لشرعه، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
ولكن المجمل موجود في كتب العلماء وكلام الناس عامة، وفي النصوص التشريعية الوضعية في القوانين واللوائح والأنظمة والقرارات، وأنها تحتاج إلى إزالة الإبهام فيها والإجمال ممن صدرت عنه، لإصدار قانون تفسيري يزيل الإبهام، أو بإصدار لائحة تنفيذية لبيان الإجمال، ولذلك تبدأ القوانين غالبًا ببيان بعض التعبيرات الواردة فيها لتُفَسَّر النصوص على ضوئها، وتبقى كلمات أخرى كثيرة مجملة.
стр. 611
فمن ذلك كلمة "الرجوع" في قانون الوصية المصري، ثم صدر قانون بتفسيرها وأن المراد منها الرجوع القولي للموصي، وكلمة الأحوال الشخصية وتحديد المراد منها، وما يدخل فيها، وما لا يدخل، ثم فسرها قانون خاص، وكلمة التعويضات التي يستحقها الموظف عند استدعائه لخدمة العلم في سورية، ففيها إبهام، وحصل خلاف شديد في تطبيقها حتى أصدر مجلس الدولة بيانًا للمراد منها (١).
حكم المجمل:
إن حكم المجْمَل هو التوقف في تعيين المراد منه حتى يصدر بيان رسمي من المصدر نفسه، وهذا ما حصل عند نزول بعض الآيات المجملة فتوقف الصحابة فيها حتى نزل الوحي ببيانها إما في القرآن نفسه، وإما في السنة؛ لأنه لا يوجد في صيغة اللفظ ولا في القرائن الخارجية عنه ما يبين المراد، فيتعين الرجوع إلى صاحب الكلام للاستفسار منه، وللبيان، مع الاعتقاد فيه.
وإذا صدر من المشرع بيان للمجمل، ولكنه بيان غير واف بإزالة الإجمال، صار به المجمل من المشكل، وفتح الباب للبحث والاجتهاد لإزالة الإشكال (٢).
٤ - المُتَشابه:
وهو آخر أقسام المبهم عند الحنفية، وهو أشدها خفاءً وإبهامًا، ولشدة خفائه جعلوه في مقابل المحْكم، الذي هو أكثر الألفاظ وضوحًا.
والمتشابه في اللغة مأخوذ من: اشتبهت الأمورُ وتشابهت، أي: التبست لإشباه بعضها بعضًا، واشتبه الأمر: اختلط (٣).
والمتشابه في الاصطلاح: هو اللفظ الذي لا تدل صيغته على المراد منه،
стр. 612
ولا توجد قرائن خارجية تبينه، واستأثر الشارع بعلمه فلم يفسره (١).
والمتشابه بهذا المعنى لا يوجد في آيات الأحكام أو أحاديث الأحكام، ولا يرد في نصوص القوانين؛ لأنه يتنافى مع التكليف المطلوب من المكلف، أو القاعدة القانونية المطلوب من الناس العمل بها، ولذلك فهو قليل الأثر في الجانب العملي، وقد يرد في مباحث علم الكلام وأصول الاعتقاد.
ومن المتشابه الحروف المقطعة في أوائل بعض السور، مثل: الَمَ، حمَ، عَسَقَ، صَ، قَ، نَ، فهذه الحروف لا تدل بنفسها على المعنى المراد منها، ولم يرد لها تفسير في كتاب أو سنة.
ومن المتشابه صفات اللَّه تعالى التي يوهم ظاهرها مشابهة اللَّه لخلقه مما يتنافى مع جلال اللَّه تعالى، لقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فنفى التشابه، وأثبت السمع والبصر، ومثل ما جاء من نسبة العَيْن واليَد والوَجْه والمكان للَّه تعالى، كقوله : ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، ونسبة المجيء إلى اللَّه تعالى
стр. 613
في قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، والنزول الوارد في الحديث الصحيح في قوله ﷺ : "ينزلُ ربُّنا ﵎ كلَّ ليلة إلى سماء الدُّنْيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخر، يقول: مَنْ يَدْعُوني فأستجيبَ له؟ مَنْ يسألُني فأعْطِيَه؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فأغفرَ له؟ " (١) وغير ذلك (٢).
حكم المتشابه:
اختلف المفسرون وعلماء الكلام والتوحيد في معرفة حكم المتشابه على طريقتين، وهما:
١ - طريقة السلف:
وهي طريقة عامة أهل السنة والجماعة، وأيَّدها جماهير العلماء، وذلك بالامتناع عن تأويل الألفاظ المتشابهة، والاعتقاد بها كما جاءت، وترك الاشتغال بمحاولة معرفة معناها، والتسليم بما يريد الشارع، فاللَّه أعلم بمراده منها، ولا يترتب عليها حكم، وهذه الطريقة أسلم في الاعتقاد، وسدًّا لباب التأويل الذي لا يؤمن جانبه، وتختلف فيه الأنظار.
٢ - طريقة الخلف:
وهي رأي بعض العلماء والفرق الكلامية، وذلك بتأويل المتشابه بما يوافق اللغة، ويصرفه عن ظاهره؛ لأن ظاهر هذه الآيات مستحيل على اللَّه؛ لأنه ليس كمثله شيء، فاللَّه لا يدَ له ولا عين ولا وجه ولا مكان، وكل ما يستحيل إرادته ظاهرًا فيجب أن يؤول ويصرف عن هذا الظاهر، ويراد به معنى يحتمله اللفظ ولو بطريق المجاز، وبذلك نُنَزّه الخالق عن التشبيه بخلقه، فاليدُ هي القدرة والقوة، والعين هي
стр. 614
الرعاية والعناية، والوجه هو ذات اللَّه تعالى، واستوى على العرش أي: استولى على وجه التمكن، وهكذا.
ومنشأ الخلاف: هو اختلافهم في قوله تعالى في المتشابه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] فالسلفُ جعلوا الوقف في الآية عند لفظ الجلالة: "إلا اللَّه" فلا يعلم تأويل المتشابه إلا اللَّه، ثم الراسخون في العلم يؤمنون به، ويفوضون علمه له، ولا يبحثون في تأويله، والخلف رأوا الوقف بعد قوله: ﴿إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فالراسخون في العلم يعلمون تأويله بإرادة معنى يحتمله اللفظ، ويتفق مع تنزيه اللَّه تعالى عن مشابهة خلقه، وهذه الطريقة يسلكها المعلم والواعظ لتقريب المعاني للأذهان (١).
ولا يترتب على هذا الاختلاف أثر عملي، لأنه غير موجود في الأحكام الشرعية، ولا صلة له بعلم أصول الفقه، وإنما تسرب له من علم الكلام، وإنما ذكره علماء الأصول تتميمًا لتقسيم المبْهم فيما يدرك معناه ويحتمل التأويل وفيما لا يدرك معناه ولا يحتمل التأويل لخفائه في ذاته (٢).
ثانيًا: طريقة الجمهور في تقسيم المبهم:
اختلف المتكلمون من علماء الأصول في المبهم، فاعتبره بعضهم شيئًا
стр. 615
واحدًا، وهو المجمل أو المتشابه بمعنى واحد، وله أوجه متعددة، وقال آخرون: إنَّ المبهم هو المجمل، وإن المتشابه نوع منه، فكل متشابه مجمل، ولا عكس، وقال فريق ثالث: ينقسم المبهم إلى المجمل والمتشابه، فهما نوعان (١)، وهو ما نسير عليه ونبيِّنه.
أقسام المبهم:
ينقسم المبهم في رأي الجمهور (المتكلمين) إلى نوعين، وهما المجمل والمتشابه.
١ - المجمل:
هو ما له دلالة على أحد أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة له (٢)، ثم يتم البحث والاجتهاد والنظر لترجيح أحد المعاني، وهذا المجمل يشمل عند الحنفية أنواع المبهم الثلاثة الأولى: الخفي، والمشكل، والمجمل، فالمجمل عند الجمهور أعم مما هو عند الحنفية، وإن بيان المجمل عند المتكلمين لا ينحصر بيانه من قِبَل المتكلم نفسه، بل يمكن أن يكون بالقرائن أو بالاجتهاد.
صور المجمل وأمثلته:
أ- المشترك: وهو أن يكون اللفظ موضوعًا لغة لشيئين حقيقة، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فالقرء حقيقة في الحيض، وحقيقة في الطهر، فاحتاج معرفة المراد من الآية إلى البيان، والترجيح.
стр. 616
وقد يكون الاشتراك إما بين لفظين مختلفين كالعين: للباصرة والذهب والشمس، ولفظ المختار، للدلالة على الفاعل أي: من يختار، وعلى المفعول، أي: لمن يقع عليه الاختيار، وإما بين لفظين ضدين كالقرء للطهر والحيض، وإما أن يقع الاشتراك في اللفظ المركب، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فالذي بيده عقدة النكاح متردِّد بين الزوج والولي.
ب- الألفاظ الشرعية: وهي الكلمات العربية ذات المعنى الظاهر، ثم خرجت في عرف الشرع إلى معان جديدة، كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وغيرها.
جـ- الأفعال: قد يكون الإجمال في الأفعال التي صدرت عن رسول اللَّه ﷺ ، وتحتمل أمرين، فتكون مجملة حتى يرد دليل على حملها على أحد المعنيين، فقد ثبت أن رسول اللَّه ﷺ جمع في السفر، فهذا مجمل؛ لأنه يحتمل السفر الطويل، والسفر القصير، ومن ذلك أن رسول اللَّه ﷺ أمر مَنْ أفْطر في رمضان بالكفارة، فهذا مجمل؛ لأنه يحتمل أنه أفطر بجماع، أو أفطر بأكل، فلا يحمل على أحد الأمرين إلا بدليل.
د- المجاز: إذا كان اللفظ تنتفي حقيقته، ويحتمل مجازات متكافئة، فلا يرجح مجاز على غيره إلا بدليل، كأن يكون أحد المجازات أقرب إلى الحقيقة، كقوله ﷺ : "لا صلاةَ إلا بفاتحةِ الكتاب" (١)، وقوله: "لا صيامَ لمن لم يُبَيِّت الصيامَ من الليل" (٢)، فالحديث الأول يخبر عن نفي الصلاة عند انتفاء الفاتحة، والثاني يخبر عن نفي ذات الصوم عند عدم تبييت النية، وهذه الحقيقة غير مرادة للشارع، فتعين الحمل على المجاز، وهو نفي الصحة أو نفي الكمال، ونفي الصحة أرجح؛ لكونه أقرب للحقيقة، فلا تصح الصلاة بدون الفاتحة، ولا يصح الصوم بدون تبييت النية. وقد يكون أحد المجازات أظهر في العرف، كحديث "رُفِعَ
стр. 617
عن أمتي الخطأُ والنسيانُ وما استُكْرِهوا عليه" (١) فحقيقة اللفظ ارتفاع نفس الخطأ، وهو باطل؛ لوقوعه بالفعل، فلا يرتفع، فيحمل على المجاز، وهو نفي الحكم، أو نفي الإثم، ورجح العلماء نفي الإثم؛ لكونه أظهر عرفًا.
وقد يكون أحد المجازات أعظم مقصودًا، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ١٠٣] فالحقيقة تحريم نفس الميتة، لكنه باطل؛ لأن الأحكام الشرعية تتعلق بالأفعال المقدور عليها للمكلفين، والعين ليست من أفعالهم، فتصرف إلى المجاز، وهو تحريم الأكل أو اللمس، ويرجح الأكل؛ لكونه أعظم مقصود عرفًا (٢).
حكم المجمل عند المتكلمين:
قال ابن النّجار الفتوحي رحمه اللَّه تعالى: "وحكمُه أي: الإجمال: التوقفُ على البيان الخارجي، فلا يجوز العمل بأحد مُحْتَملاته إلا بدليل خارج عن لفظه؛ لعدم دلالة لفظه على المراد منه، وامتناع التكليف بما لا دليل عليه" (٣)، ولذلك يتوقف العالم والمجتهد أمام اللفظ المجمل، ثم يبحث عن دليل شرعي أو لغوي لترجيح المعنى المراد، ويبني عليه الحكم.
٢ - المتشابه:
المتشابه: هو ما اشتبه معناه، ولم يتضح المراد منه، واستأثر اللَّه بعلمه، ولم يُطْلِع عليه أحدًا من خلقه، كالحروف في أوائل بعض السور، مثل:
стр. 618
الَمَصَ، الَمَرَ، حمَ، المَ، وغير ذلك، وهو كالمتشابه عند الحنفية.
وحكمه: اعتقاد حقيقته، وترك طلب المراد منه؛ لتعذر العلم به، ويأتي في محاولة تفسيره طريقةُ الخلف، وطريقة السلف اللتان سبق بيانهما (١).
ملحق: البيان:
رأينا في تعريف المبهم وأقسامه عند الحنفية، وعند الجمهور، وخاصة المجمل عند الجميع: أنه يحتاج إلى بحث واجتهاد لبيان معناه، وتحديد المراد منه.
وإن البيان لا يقتصر على بيان المبهم والمجمل، بل يرد على العام، والمجاز، والمشترك، والفعل المتردد بين أمرين، ومطلق الفعل، وغير ذلك (٢).
وهذا يقتضي أن نتحدث عن البيان، وتعريفه، وحكمه، وطرقه، وأنواعه، وتحديد المبيَّن له، ودراسة مسألة تأخير البيان عن وقت الحاجة، وتأخير تبليغ الوحي، وذلك في النقاط التالية.
تعريف البيان:
البيان لغة: الحجة، والمنطق الفصيح، والكلام الذي يكشف عن حقيقة حال، أو يحمل في طياته بلاغًا، والبيان: علم يُعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة من تشبيه، ومجاز، وكناية، والبيان اسم مصدر (٣).
والبيان في الاصطلاح الأصولي: هو إظهار المعنى للمخاطب، أو هو: إخراج المعنى من الإبهام إلى الوضوح، وقيل: هو إخراج الشيء من حيّز الإشكال إلى حيز التجلي (٤)، فاللفظ مبهم، ولا يعرف المراد منه، فيأتي
стр. 619
البيان ليظهره ويوضحه، ويجعله جليًّا (١).
حكم البيان:
البيان مشروع، وقد ورد في نصوص كثيرة في القرآن الكريم، كما مرَّ، وكما سنرى، وقام رسول اللَّه ﷺ ببيان القرآن، والأحكام التي صدرت عنه، وكانت إحدى مهماته ووظائفه الأساسية البيان لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وهو ما فعله رسول اللَّه ﷺ بطرق متعددة، كما ستأتي أمثلته.
قال ابن النجار الفتوحي رحمه اللَّه تعالى: "ويجبُ البيان لما أُريدَ فهمه من دلائل الأحكام، يعني إذا أريد بالخطاب إفهام المخاطَب به ليعملَ به وجب أن يُبيَّن ذلك على حسب ما يُراد بذلك الخطاب؛ لأن الفهم شرط للتكليف" (٢)، فيجب البيان في التكاليف التي تحتاج له، ليصح التكليف بها، وهو شرط من شروط التكليف التي عرضناها في بحث المحكوم عليه، من باب الحكم الشرعي.
طرق البيان:
إن طرق البيان متعددة، ويأتي المبيِّن بأساليب كثيرة أهمها:
стр. 620
١ - القول:
يحصل البيان بالقول باتفاق العلماء، والقول إما أن يكون من اللَّه تعالى، أو من رسوله ﷺ ، وإما من العلماء والمجتهدين كما سيأتي في الاجتهاد والقياس.
فالقول من اللَّه تعالى، كقوله : ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩]، فإنه مبيِّن لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وذلك على القول المشهور أن المراد بالبقرة بقرةٌ معينة، فبين اللَّه تعالى أوصافها.
والقول من الرسول ﷺ كقوله ﵊: "فيما سقت السماء أو كان عَثَريا العُشْر، وما سُقي بالنَّضْح نصفُ العُشْر" (١) فهذا مبيِّن لقوله سبحانه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والأمثلة على ذلك كثيرة في السنّة البيانية للقرآن الكريم، فالسُّنة تبين مجمل القرآن، وهذا كثير في الصلاة والصوم والحج والبيع، وغالب الأحكام التي فصلتها السنة (٢).
ومن البيان بالقول التنبيه على المعاني والعلل التي تبين الأحكام، كقوله ﷺ في بيع الرطب بالتمر: "أينقصُ الرطبُ إذا جفَّ" (٣)، وقوله ﷺ لعمر
стр. 621
رضي اللَّه عنه في قِبلة الصائم: "أرأيتَ لو تمضمضتَ بماء وأنت صائم" (١)، مما استدل به الشرع عقليًّا لبيان العلة، أو مأخذ الحكم، أو فائدة ما (٢).
٢ - الفعل:
المراد به فعل النبي ﷺ ، ويحصل بيان الحكم بالفعل عند معظم العلماء، ودليله أن رسول اللَّه ﷺ بيَّن الصلاة والحج بالفعل، ثم قال: "صَلُّوا كما رأيتُموني أصلي" (٣)، وقال: "خُذُوا عني مناسِككم" (٤)، فدلَّ هذا القول على أن فعله بيان لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، الفعل مشاهَد، والمشاهدة أدلُّ، فهو أولى من القول بالبيان، لحديث: "ليْسَ الخبرُ كالمعاينة" (٥).
والفعل يشمل الأداء العملي، ويشمل الكتابة، والإشارة، ومثال الكتابة الكتب التي كتبها رسول اللَّه ﷺ ، ككتابه لعمرو بن حزم لأهل اليمن في الفرائض والسنن والدِّيات (٦)، وكتابه لأبي بكر الصديق ﵁ في مقادير الزكاة (٧)، ومثال الإشارة قوله ﷺ : "الشهر هكذا وهكذا وهكذا" وأشار بأصابعه العشرة، وقبض الإبهام في الثالثة، يعني تسعة
стр. 622
وعشرين (١)، والأمثلة كثيرة من السنة الفعلية (٢).
٣ - الإقرار على الفعل:
يحصل البيان بإقرار النبي ﷺ على فعل أحد الصحابة، أو بعض الصحابة؛ لأن الإقرار دليل ومستقل، فيصح أن يكون بيانًا لغيره، كسائر الأدلة (٣)، وسبقت أمثلته في السنة التقديرية.
والقاعدة التي تشمل الحالات الثلاث السابقة هي "كل مُقَيَّد من جهة الشرع فهو بيان" سواء كان تقييد المطلق ورد في القرآن الكريم أو في السنة بأنواعها، حتى لو كان تركًا، كأن يترك الرسول ﷺ فعلًا أمر به، أو سبق له فعله، فيكون تركه مُبيِّنًا لعدم وجوبه، كتركه الإشهاد في البيوع (٤) مع قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فدل أن الإشهاد في البيع غير واجب، وتركه لصلاة التراويح بعد أن صلاها في رمضان، خشية أن تفرض عليه (٥)، فدل على عدم وجوب صلاة التراويح، أو كان سكوتًا بعد السؤال عن حكم الواقعة، فيدل على أم الحكم حتى ينزل البيان من السماء، كسؤال زوجة سعد بن الربيع عن ميراث ابنتيها بعد قتل أبيهما سعد
стр. 623
وأخذ العم المال، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "اذهبي حتى يقضي اللَّه فيك" ثم نزلت آية الميراث (١)، وله أمثلة أخرى، أو كان تنبيهًا للعلة ومأخذ الحكم (٢)، كما سبق، قبل قليل.
٤ - إجماع الصحابة:
قد يكون البيان باتفاق العلماء بإجماع الصحابة لإيضاح مدلول الكتاب أو السنة، كإجماع الصحابة على أن التقاء الختانين، ولو بدون إنزال، موجِبٌ للغسل، فإنه بيان لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].
٥ - الاجتهاد:
وهو بيان العلماء بالاجتهاد عن طريق القول أو الفعل أو التقرير لبيان المعنى إما من طريق قياس فرع على أصل، أو من طريق أمارة تدل عليه، وهذا يشمل مختلف، مناهج الاجتهاد في القياس والاستحسان والاستصلاح وسد الذرائع وغيرها (٣).
والفرق بين البيان بالقول والفعل والبيان بالاجتهاد أن البيان بالقول أو الفعل صادر من المشرّع نفسه، والبيان بالاجتهاد صادر من العلماء والمجتهدين، وهذا له مثيل اليوم في القانون، إما بصدور تفسيره وبيانه من الجهة التي أصدرت القانون، أو الجهة المخولة رسميًّا بالبيان والتفسير كمجلس الدولة، ومحكمة النقض، وإما من القضاة والشرّاح والمحامين.
طرق معرفة بيان الفعل للمجمل:
يعلم كون الفعل بيانًا للمجمل وغيره بأحد الأمور التالية:
стр. 624
١ - أن يصرح الصادر عنه الفعل بذلك، فيقول عن فعله: هذا بيان للمجمل كذا، كما سبق في بيان الصلاة والحج.
٢ - أن يُعلم ذلك بالضرورة والواقع من قصد الفاعل أن غرضه البيان، وذلك كالسُنّة العملية في العبادات والمعاملات والجهاد وغيره.
٣ - الدليل العقلي: وهو أن يصدر المجمل وقت الحاجة إلى العمل به، ثم يفعل من صدر عنه المجمل فعلًا يصلح أن يكون بيانًا له، ولا يفعل شيئًا آخر، فيعلم المشاهد للفعل أن ذلك بيان له، حتى لا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز (١)، كما سيأتي.
مراتب البيان:
قد يكون البيان للمجمل من مرتبة واحدة كبيان القرآن للمجمل في القرآن، وبيان السنة لمجمل في السنة، وبيان القرآن بالأحاديث المتواترة.
وقد يكون بيان الشيء بأضعف منه، وأقل منه مرتبة ودرجة، كبيان القرآن بأحاديث الآحاد.
ويرى بعض علماء الأصول: أن البيان الفعلي أقوى من البيان القولي، لأن المشاهدة أدل على المقصود من القول، وأسرع إلى الفهم، وأثبت في الذهن، وأعون على التصور، والقول أقوى في الدلالة على الحكم، أما الفعل فهو أدَلّ على الكيفية، ففعل الصلاة أدل من وصفها بالقول؛ لأن فيه مشاهدة، وأما استفادة وجوبها، أو ندبها، أو غيرهما، فالقول أقوى؛ لصراحته، والفعل له صورة واحدة، أما القول فله أساليب متعددة وصيغ مختلفة، وفيه حقيقة ومجاز وقرائن (٢).
البيان القولي والفعلي معًا:
стр. 625
قد يرد بعد المجمل بيان بالقول وبيان بالفعل، وكل منهما يصلح للبيان، ففي الجمع والتقديم تفصيل:
أ- إذا صدر القول والفعل من الشارع بعد مجمل، وصلح كل منهما أن يكون بيانًا، واتفقا في الغرض أي: في الدلالة بدون تناف، وعُلِمَ السابق منهما، فالسابقُ يعتبر بيانًا للمجمل، والمتأخر يعتبر تأكيدًا، حتى ولو كان المتأخر دون المتقدم في القوة؛ لأن التأكيد بشيء مستقل يصح بما هو دون المؤَكَّد، كالجمل التي يذكر بعضها بعد بعض للتأكيد، فيحصل التأكيد بالثانية، وإن كانت أضعف من الأولى، أما في المفردات فيلزم كون المؤكِّد أقوى، مثل جاءني القوم كلُّهم، لكن التأكيد بغير المستقل فيشترط فيه كون المؤكِّد أقوى؛ لأن الشيء لا يؤكد بما هو دونه.
وإن جهل الأسبق من القول أو الفعل، فيقدَّرُ أحدهما بيانًا، والآخر تأكيدًا، ولا يُقال على واحد بعينه بأنه المبيِّن.
ب- إذا صدر القول والفعل من الشارع بعد مجمل، وصلح كل منهما أن يكون بيانًا، لكن اختلفا في الدلالة، فيعتبر القول هو البيان مطلقًا عند الجمهور، سواء كان متقدمًا أم متأخرًا لأن القول يدل على البيان بنفسه، بخلاف الفعل، فإنه لا يدل إلا بواسطة انضمام القول إليه، والدَّال بنفسه أقوى من الدال بغيره، وقال أبو الحسين البصري رحمه اللَّه تعالى: المتقدم منهما هو البيان، كما في صورة اتفاقهما.
مثاله: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فالحج له طواف وسعي، فإذا نوى الحاج القرآن، أي: الحج والعمرة، فصارت الآية مجملة، فهل يُجزي طواف واحد وسعي واحد لهما، أم لا بدَّ من طوافين وسعيين؟ ورد في المسألة حديث قولي، وحديث فعلي.
فعن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ أحرمَ بالحج والعمرةِ، أجزأه طوافٌ واحدٌ، وسعي واحد، حتى يحلَّ منهما" (١).
стр. 626
وعن علي ﵁: "أن النبي ﷺ كان قارنًا، فطاف طوافين، وسعى سعيين" (١).
وعن ابن عمر ﵄ أنه جمع بين حجته وعمرته معًا، وقال: سبيلُهما واحد، فطاف بهما طوافين، وسعى بهما سعيين، وقال: "هكذا رأيت رسول اللَّه ﷺ صنع كما صنعت" (٢).
فيكون قوله ﷺ بالأمر بطواف واحد بيانًا للمجمل في الآية، سواء كان القول قبل فعله في الحديث الثاني بطوافه مرتين، أم بعده؛ لأن القول يدل على البيان بنفسه، بخلاف الفعل، ويحمل الطواف الثاني على الندب (٣).
تأخير البيان عن وقت الحاجة:
إذا ورد لفظ مجمل أو عام، أو مجاز، أو مشترك، أو فعل متردِّد بين أمرين، أو لفظ مطلق، واحتاج كل منها إلى بيان، فهل يصح تأخير البيان؟ في المسألة تفصيل:
١ - التأخير عن وقت الفعل:
وذلك بأن يتأخر البيان عن وقت الأداء الفعلي بالتكليف، فلا يتمكَّن المكلف من معرفة ما تضمنه الخطاب، ويُكلف بالواجب فيه فورًا، فهنا لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة الحتمية باتفاق العلماء، لامتناع الإتيان بالشيء مع عدم العلم به، فهو تكليف بما لا يطاق، وهو ممنوع شرعًا (٤).
стр. 627
٢ - تأخير البيان عن وقت ورود الخطاب:
وذلك بأن يتأخر البيان عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل، كالواجبات غير الفورية، فقد اختلف فيه علماء الأصول على تسعة أقوال، أهمها اثنان، فقال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة بأنه جائز وواقع فعلًا، وقال الحنفية والظاهرية: لا يجوز تأخير البيان، ويجب أن يكون البيان متصلًا، أو في حكم المتصل، احترازًا من الانقطاع بعطاس ونحوه.
وأرى أن المسألة الآن لا فائدة منها، ولا ثمرة لها، ولا طائل لمناقشتها، وهي تاريخية في زمن البعثة، وذكر الجمهور أدلة كثيرة لهم منها: الوقوع الفعلي لكثير من الآيات التي نزلت ثم بيّنها رسول اللَّه ﷺ فيما بعد، ومنها الآيات والمصطلحات الشرعية التي نزلت في القرآن، ثم بينها القرآن الكريم فيما بعد كالصلاة والزكاة والحج والسرقة وقسمة الفيء والأنفال، وحكم الأسرى، وغير ذلك، واستدل الفريق الثاني بدليل عقلي وهو أن التأخير يلزم منه إما التحكم إذا كان إلى مدة معينة، وإما التكليف مع عدم الفهم إن كان التأخير للأبد، وردَّ الجمهور عليهم أن جواز التأخير إلى مدة معينة عند اللَّه، وهو وقت التكليف الفعلي، ولا حاجة للتطويل في ذلك (١).
وفي التشريعات القانونية اليوم يصدر التشريع الأساسي في أمر، ويحدِّد مدة لبدء تطبيقه، ويُصْدر في هذه المدة لوائح تنفيذية وتفسيرية له، ولا يطبق إلا بعد بيانه.
стр. 628
تأخير تبليغ الوحي إلى وقت الحاجة:
يتعلق بالمسألة السابقة مسألة تأخير تبليغ النبي ﷺ ما أوحي إليه لوقت الحاجة، فقال جمهور العلماء بجواز تأخير تبليغ النبي ﷺ الحكم إلى وقت الحاجة كالمسألة السابقة، وأما المانعون هناك فقد اختلفوا هنا فقال أكثرهم بجوازه موافقين رأي الجمهور؛ لأن صيغة الأمر في التبليغ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، لا يقتضي الفور ولا التراخي، وقال بعضهم: لا يجوز له تأخير التبليغ لما أوحي إليه من قرآن أو غيره؛ لأن ظاهر الأمر في الآية الوجوب وفورية التبليغ، وردَّ الجماهير عليهم بأن مطلق الأمر لا يقتضي الفور، وهذا الأمر لتبليغ ما أُنْزل من لفظ القرآن، وأن الآية نزلت لتقوية عزيمته ﵊، والمضي في تبليغ رسالته مع عدم الالتفات إلى أباطيل المشركين وادعاءاتهم (١).
المبيَّن له:
إن البيان يكون أولًا للمكلَّف عامة لأداء التكليف، والقيام به، والالتزام فيه، ويكون البيان للعلماء خاصة للفتوى بالحكم وتعليمه للناس، ولو لم يعملوا به، كأحكام الحيض يتعلمها العلماء والمفتون، ثم يبينونها للنِّساء، ويفتونهنَّ بها، وكذلك أحكام القضاء والزكاة والحج يبينها العلماء وإن لم يكلفوا بها لعدم توفر سببها أو شرطها عندهم، وكذلك يكون البيان للمجتهدين على وجه أخص ليستنبطوا الأحكام بالقياس والاستحسان والاستصلاح وغير ذلك (٢).
стр. 629
الفصل الخامس طرق دلالة اللفظ علي المعنى
أنزل اللَّه تعالى القرآن عربيًّا، وجاءت السنة النبوية باللغة العربية، وإن الفهم الصحيح للأحكام الشرعية من القرآن والسنة يتوقف على مراعاة الأساليب في اللغة العربية وطرق الدلالة فيها، سواء كانت ألفاظًا مفردة، أم جملًا مركبة، ولذلك اتجه علماء أصول الفقه إلى استقراء الأساليب العربية وعباراتها ومفرداتها، واستعانوا بما قرره علماء اللغة فيها، ووصلوا إلى وضع القواعد والضوابط التي توصل إلى فهم الأحكام من النصوص الشرعية فهمًا صحيحًا، وبما يتطابق مع ما يفهمه العربي منها، ويحقق تفسير النصوص، ومعرفة دلالات الألفاظ بشكل سليم، وسبق بيان بعضها، ونستكمل في هذا الفصل بعضًا آخر.
وهذه القواعد والضوابط مستمدة من الأساليب العربية، ومما قرره أئمة اللغة العربية، وليس لها صبغة دينية، فهي موضوعة لفهم الألفاظ والعبارات فهمًا صحيحًا، سواء وردت في نصوص شرعية أو في قوانين وضعية صادرة باللغة العربية التي تنطق بها الأمة، وتتخاطب بها، وتُكَلّف بواسطتها، لتقدر على فهم المراد وتطبيقه مع مراعاة العرف الشرعي للألفاظ، أو المعنى المقصود للمصطلحات القانونية.
ولذلك فإن إفادة اللفظ للعموم أو الخصوص، ودلالة المطلق والمقيد، واحتمال التأويل وعدمه، ودلالة اللفظ على المعنى، ومعاني الحروف، وأن الأمر يقتضي الوجوب، والنهي يفيد التحريم، والحقيقة والمجاز والقرائن، وغير ذلك، كلها تستعمل في فهم النصوص الشرعية، وفهم نصوص القوانين المختلفة الموضوعة باللغة العربية في الدولة، ولذلك تدرس هذه المسائل في كليات الشريعة وكليات القانون والحقوق على حد سواء؛ لتساعد على التفسير الصحيح للنص التشريعي الذي يجب العمل بما يفهم منه مهما كانت طريقة الدلالة على المعنى
стр. 630
والحكم (١).
ولكن علماء أصول الفقه انقسموا إلى مدرستين أو طريقتين عند وضع القواعد لكيفية دلالة اللفظ على المعنى، وهما: طريقة الحنفية، وطريقة الجمهور أو المتكلمين مما سنعرضه في هذا الفصل، وأكثرها اختلافات لفظية أو اصطلاحية، واقتصر أثر الخلاف تقريبًا على نتيجة مهمة، أو قاعدة تسمى: مفهوم المخالفة، لنخصها بشيء من التفصيل، وذلك في ثلاثة مباحث، وبعد بيان معنى دلالة اللفظ على المعنى.
دلالة اللفظ على المعنى:
الدلالة لغة: الإرشاد، والدلالة: ما يقتضيه اللفظ عند إطلاقه، وجمعها: دلائل، ودلالات، والدلالة: معنى عارض للشيء بالقياس إلى غيره (٢).
والدلالة اصطلاحًا: كون اللفظ يلزم من فهمه فهم شيء آخر، وهي إما لفظية أو غير لفظية.
والدلالة غير اللفظية: قد تكون بالوضع اللغوي، كدلالة الذراع على المقدار المعين، وقد تكون عقلية، كدلالة وجود المسبب على وجود السبب، كوجود القتيل دليل على القاتل، وقد تكون شرعية كدلالة غروب الشمس على وجوب الصلاة، وبحث الدلالات لا يتعرض للدلالة غير اللفظية، وإنما ينحصر في الدلالة اللفظية.
والدلالة اللفظية تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وهي:
١ - الدلالة العقلية، كدلالة المقدمتين الصغرى والكبرى على النتيجة بالعقل، مثل: كل إنسان حيوان، وكل حيوان جسم، فالعقل يستدل أن كل إنسان جسم، ومثل دلالة اللفظ على وجود المتكلم وعلى حياته، ودلالة الأثر على المؤثر، ومنه دلالة العالَم على موجده، وهو اللَّه .
стр. 631
٢ - الدلالة الطبيعية، كدلالة اللفظ الخارج عند السعال على وجع الصدر، ودلالة لفظ: آخ، على وجود الألم، ودلالة الحمرة على الخجل، والصفرة على الوجل، ودلالة الأعراض الخاصة بكل مرض عليه مما يعرفه الطبيب والخبير.
٣ - الدلالة الوضعية للفظ، وهي التي يقصدها العلماء، أي: وضع اللفظ للمعنى في اللغة أو في الاصطلاح، كدلالة السبب على المسبب، كالدلوك على وجوب الصلاة، وكدلالة المشروط على وجود الشرط، كالصلاة على الطهارة.
وتنقسم دلالة اللفظ الوضعية على المعنى إلى ثلاثة أنواع، وهي:
١ - دلالة المطابقة: وهي دلالة اللفظ على تمام المعنى الذي وضع له، كدلالة لفظ: الإنسان على الحيوان الناطق، وسُمّيت مطابقة لأن اللفظ طابق معناه، وكدلالة لفظ البيع على الإيجاب والقبول.
٢ - دلالة التضمن: وهي دلالة اللفظ على جزء المعنى الذي وُضع له، كدلالة لفظ: الإنسان على الحيوان فقط، أو على الناطق فقط، وسميت تضمنًا لتضمنها إياه، وكدلالة لفظ البيع على الإيجاب فقط، أو القبول فقط، وكما يقال: سقط البيت، ويراد سقفه، وانكسر خالد، ويراد رجله.
٣ - دلالة الالتزام: وهي دلالة اللفظ على معنى لازم له في الذهن، كدلالة لفظ: الأسد على الشجاعة، فالشجاعة معنى لازم لا ينفك عن لفظ الأسد عند سماعه، فينتقل الذهن إليه، ومثل دلالة لفظ السُّكّر على الحلاوة، ولفظ الشمس على الضوء، ولفظ البيع على انتقال ملكية المبيع إلى المشتري، وملك الثمن إلى البائع، ودلالة الالتزام دلالة عقلية، وأما دلالة المطابقة والتضمن فلفظيتان، وقيل: الثلاث لفظية (١).
стр. 632
المبحث الأول منهج الحنفية في طرق دلالة اللفظ على المعنى
قسم الحنفية طرق دلالة اللفظ على الحكم إلى أربعة أقسام، وهي:
دلالة العبارة، ودلالة الإشارة، ودلالة النص، ودلالة الاقتضاء.
والمراد من اللفظ هنا ما يفهم منه المعنى، سواء كان ظاهرًا، أو نَصًّا، أو مُفَسّرًا، أو مُحْكمًا، ويحصر الحنفية طرق الدلالة بالمفهوم الذي دل عليه اللفظ في محل النطق، أما ما يكون وراء المنطوق فلا يعتدون به، وهو ما يعرف بمفهوم المخالفة، فلا يدخلونه بالتقسيم والدلالة والأحكام، كما سنرى.
ووجه الضبط عند الحنفية في هذه الطرق الأربعة: أن دلالة اللفظ على الحكم إما أن تكون ثابتة باللفظ نفسه، أو لا تكون ثابتة باللفظ نفسه، والدلالة التي تثبت باللفظ نفسه إما أن تكون مقصودة منه فهي العبارة ويسمونها عبارة النص، فإن كانت غير مقصودة فهي الإشارة، ويسمونها إشارة النص، وإن كانت الدلالة لم تثبت باللفظ نفسه، فإما أن تكون مفهومة من اللغة، ويسمونها دلالة النص، أو تكون مفهومة من الشرع، ويسمونها دلالة الاقتضاء (١).
والحكم الثابت بالدلالات الأربع السابقة ثابت بظاهر النص، وليس بالقياس والرأي، فالنص التشريعي بذاته دلَّ عليه بإحدى الطرق السابقة، وهذا بيان لكل منها عند الحنفية.
١ - عبارة النص:
هي: المعنى الذي يتبادر فهمه من الصيغة، ويكون مقصودًا أصالة أو تبعًا، ويطلق عليه المعنى الحرفي للنص.
стр. 633
وأمثلة ذلك كثيرة لا تحصى؛ لأن ذلك هو ما يريده الشارع من صياغته وألفاظه وأسلوبه، وأنه قصد به حكمًا خاصًّا، فكل نص تشريعي له معنى يدل عليه، لكن قد يكون مقصودًا أصالة، أو تبعًا (١)، ولذلك أمثلة.
المثال الأول: قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فهذه العبارة في الآية تدل دلالة ظاهرة على معنيين، أحدهما: التفرقة بين البيع والربا، وهذا مقصود من السياق أصالة؛ لأن الآية نزلت للرد على الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والثاني: أن حكم البيع الإباحة، وحكم الربا التحريم، وهذا المعنى مقصود من السياق تبعًا؛ لأن نفي المماثلة استتبع بيان حكم كل منهما، وأن اختلاف الحكمين يدل على عدم المماثلة، ولو أراد الشارع المعنى المقصود أصالة فقط لقال: وليس البيع مثل الربا (٢).
المثال الثاني: قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، فهذه الآية دلت بعبارتها على ثلاثة أحكام، الأول: إباحة النكاح، وهو مقصود من سياق الآية تبعًا؛ لأن الآية نزلت في الأوصياء الذين يتحرجون من قبول الوصاية على اليتامى خوف الجور في أموالهم، وأكلها ظلمًا، مع أنهم لا يتحرجون من تعدد الزوجات بغير حصر، مع عدم العدل بينهم، فجاء الحكم الثاني: بتحديد عدد الزوجات على اثنتين أو ثلاث، أو أربع، وهذا مقصود من السياق أصالة، ثم الحكم الثالث: وجوب الاقتصار على واحدة عند خوف الجور عند التعدد، وهذا مقصود من السياق أصالة؛ لأن الآية سيقت لإفادة الحكم الثاني والثالث أصالة، واستتبع ذلك بيان إباحة النكاح، ولو اقتصرت
стр. 634
العبارة على المعنى المقصود أصالة من السياق لقال: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فاقتصروا في عدد الزوجات، بأن يكون اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإن خفتم ألا تعدلوا عند التعدد فاقتصروا على واحدة (١) وأكثر آيات القرآن وأحاديث السنة تدل على الأحكام بطريق عبارة النص في العبادات والمعاملات والأخلاق، وكذلك فإن الأمثلة القانونية كثيرة للدلالة على عبارة النص، وتشمل كل نص قانوني ورد لحكم خاص قصده المشرع، وصاغ ألفاظه وعباراته لتدل عليه دلالة واضحة (٢).
٢ - إشارة النص:
هي: المعنى الذي لا يتبادر فهمه من ألفاظه، ولا يقصد من سياقه أصالة ولا تبعًا، ولكنه معنى لازم للمعنى المتبادر من ألفاظه، فالدلالة بالإشارة ثبتت من اللفظ أو النص لغة، ولكنها بطريق الالتزام للمعنى المتبادر من جهة، وأنها لم يُسق الكلام لأجلها من جهة ثانية، وهذا التلازم أو الاستدلال بالإشارة قد يكون ظاهرًا ويفهم بأدنى تامل، وقد يكون خفيًّا يحتاج إلى دقة ونظر وتأمل، ولذلك يختلف فيه العلماء لإدراكه وفهمه، ويحتاج إلى أهل الاختصاص أو الاجتهاد ممن يكون عالمًا باللسان العربي وأسرار اللغة، ولا عبرة بالاستدلال بالإشارة ما لم يكن صاحبها من أهل الاختصاص (٣).
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فالآية تدل بعبارتها على وجوب نفقة الوالدات المرضعات وكسوتهن على الأب دون الأم، وهذا
стр. 635
هو المتبادر من الألفاظ، والمقصود من السياق، ويلزم منه أي يفهم من إشارته أن الأب لا يشاركه أحد في الإنفاق على أولاده؛ لأن الولد له لا لغيره، وتدل العبارة بالإشارة، أي يلزم منها، أن نسب الولد إلى أبيه لا يشاركه فيه أحد؛ لأن اللَّه تعالى أضاف الولد إليه بحرف اللام التي هي للاختصاص، والمقصود الاختصاص بالنسب، وهذا مفهوم من إشارة النص (١).
ومثاله: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فالنص القرآني يدل بالعبارة على إباحة الأكل والشرب والجماع في جميع الليل إلى طلوع الفجر، ويفهم منه بالإشارة أن من أصبح جنبًا بعد الفجر فصومه صحيح؛ لأن اللَّه تعالى أباح الجماع إلى قبيل طلوع الفجر، فيلزم منه أن يطلع الفجر وهو جنب، وهذا المعنى غير مقصود بالسياق، لكنه لازم للمعنى السابق (٢).
ومثاله: قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٧ - ٨]، فالآية دلت بالعبارة على استحقاق الفقراء المهاجرين نصيبًا من الفيء الذي يأخذه المسلمون من العدو بلا قتال؛ لأن ذلك يفهم من العبارة، وسيقت الآية لبيان هذا الحكم، ويدل اللفظ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ بالإشارة إلى أن المهاجرين من مكة قد زالت عنهم ملكية أموالهم التي خلّفوها بمكلة، لاستيلاء المشركين عليها؛ لأن اللَّه تعالى سمَّاهم فقراء، والفقير: هو من لا يملك المال، لا من غاب عن المال، ويعتبر