← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

٢ - الدلالة الطبيعية، كدلالة اللفظ الخارج عند السعال على وجع الصدر، ودلالة لفظ: آخ، على وجود الألم، ودلالة الحمرة على الخجل، والصفرة على الوجل، ودلالة الأعراض الخاصة بكل مرض عليه مما يعرفه الطبيب والخبير. ٣ - الدلالة الوضعية للفظ، وهي التي يقصدها العلماء، أي: وضع اللفظ للمعنى في اللغة أو في الاصطلاح، كدلالة السبب على المسبب، كالدلوك على وجوب الصلاة، وكدلالة المشروط على وجود الشرط، كالصلاة على الطهارة. وتنقسم دلالة اللفظ الوضعية على المعنى إلى ثلاثة أنواع، وهي: ١ - دلالة المطابقة: وهي دلالة اللفظ على تمام المعنى الذي وضع له، كدلالة لفظ: الإنسان على الحيوان الناطق، وسُمّيت مطابقة لأن اللفظ طابق معناه، وكدلالة لفظ البيع على الإيجاب والقبول. ٢ - دلالة التضمن: وهي دلالة اللفظ على جزء المعنى الذي وُضع له، كدلالة لفظ: الإنسان على الحيوان فقط، أو على الناطق فقط، وسميت تضمنًا لتضمنها إياه، وكدلالة لفظ البيع على الإيجاب فقط، أو القبول فقط، وكما يقال: سقط البيت، ويراد سقفه، وانكسر خالد، ويراد رجله. ٣ - دلالة الالتزام: وهي دلالة اللفظ على معنى لازم له في الذهن، كدلالة لفظ: الأسد على الشجاعة، فالشجاعة معنى لازم لا ينفك عن لفظ الأسد عند سماعه، فينتقل الذهن إليه، ومثل دلالة لفظ السُّكّر على الحلاوة، ولفظ الشمس على الضوء، ولفظ البيع على انتقال ملكية المبيع إلى المشتري، وملك الثمن إلى البائع، ودلالة الالتزام دلالة عقلية، وأما دلالة المطابقة والتضمن فلفظيتان، وقيل: الثلاث لفظية (١).

стр. 632

المبحث الأول منهج الحنفية في طرق دلالة اللفظ على المعنى قسم الحنفية طرق دلالة اللفظ على الحكم إلى أربعة أقسام، وهي: دلالة العبارة، ودلالة الإشارة، ودلالة النص، ودلالة الاقتضاء. والمراد من اللفظ هنا ما يفهم منه المعنى، سواء كان ظاهرًا، أو نَصًّا، أو مُفَسّرًا، أو مُحْكمًا، ويحصر الحنفية طرق الدلالة بالمفهوم الذي دل عليه اللفظ في محل النطق، أما ما يكون وراء المنطوق فلا يعتدون به، وهو ما يعرف بمفهوم المخالفة، فلا يدخلونه بالتقسيم والدلالة والأحكام، كما سنرى. ووجه الضبط عند الحنفية في هذه الطرق الأربعة: أن دلالة اللفظ على الحكم إما أن تكون ثابتة باللفظ نفسه، أو لا تكون ثابتة باللفظ نفسه، والدلالة التي تثبت باللفظ نفسه إما أن تكون مقصودة منه فهي العبارة ويسمونها عبارة النص، فإن كانت غير مقصودة فهي الإشارة، ويسمونها إشارة النص، وإن كانت الدلالة لم تثبت باللفظ نفسه، فإما أن تكون مفهومة من اللغة، ويسمونها دلالة النص، أو تكون مفهومة من الشرع، ويسمونها دلالة الاقتضاء (١). والحكم الثابت بالدلالات الأربع السابقة ثابت بظاهر النص، وليس بالقياس والرأي، فالنص التشريعي بذاته دلَّ عليه بإحدى الطرق السابقة، وهذا بيان لكل منها عند الحنفية. ١ - عبارة النص: هي: المعنى الذي يتبادر فهمه من الصيغة، ويكون مقصودًا أصالة أو تبعًا، ويطلق عليه المعنى الحرفي للنص.

стр. 633

وأمثلة ذلك كثيرة لا تحصى؛ لأن ذلك هو ما يريده الشارع من صياغته وألفاظه وأسلوبه، وأنه قصد به حكمًا خاصًّا، فكل نص تشريعي له معنى يدل عليه، لكن قد يكون مقصودًا أصالة، أو تبعًا (١)، ولذلك أمثلة. المثال الأول: قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فهذه العبارة في الآية تدل دلالة ظاهرة على معنيين، أحدهما: التفرقة بين البيع والربا، وهذا مقصود من السياق أصالة؛ لأن الآية نزلت للرد على الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والثاني: أن حكم البيع الإباحة، وحكم الربا التحريم، وهذا المعنى مقصود من السياق تبعًا؛ لأن نفي المماثلة استتبع بيان حكم كل منهما، وأن اختلاف الحكمين يدل على عدم المماثلة، ولو أراد الشارع المعنى المقصود أصالة فقط لقال: وليس البيع مثل الربا (٢). المثال الثاني: قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، فهذه الآية دلت بعبارتها على ثلاثة أحكام، الأول: إباحة النكاح، وهو مقصود من سياق الآية تبعًا؛ لأن الآية نزلت في الأوصياء الذين يتحرجون من قبول الوصاية على اليتامى خوف الجور في أموالهم، وأكلها ظلمًا، مع أنهم لا يتحرجون من تعدد الزوجات بغير حصر، مع عدم العدل بينهم، فجاء الحكم الثاني: بتحديد عدد الزوجات على اثنتين أو ثلاث، أو أربع، وهذا مقصود من السياق أصالة، ثم الحكم الثالث: وجوب الاقتصار على واحدة عند خوف الجور عند التعدد، وهذا مقصود من السياق أصالة؛ لأن الآية سيقت لإفادة الحكم الثاني والثالث أصالة، واستتبع ذلك بيان إباحة النكاح، ولو اقتصرت

стр. 634

العبارة على المعنى المقصود أصالة من السياق لقال: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فاقتصروا في عدد الزوجات، بأن يكون اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإن خفتم ألا تعدلوا عند التعدد فاقتصروا على واحدة (١) وأكثر آيات القرآن وأحاديث السنة تدل على الأحكام بطريق عبارة النص في العبادات والمعاملات والأخلاق، وكذلك فإن الأمثلة القانونية كثيرة للدلالة على عبارة النص، وتشمل كل نص قانوني ورد لحكم خاص قصده المشرع، وصاغ ألفاظه وعباراته لتدل عليه دلالة واضحة (٢). ٢ - إشارة النص: هي: المعنى الذي لا يتبادر فهمه من ألفاظه، ولا يقصد من سياقه أصالة ولا تبعًا، ولكنه معنى لازم للمعنى المتبادر من ألفاظه، فالدلالة بالإشارة ثبتت من اللفظ أو النص لغة، ولكنها بطريق الالتزام للمعنى المتبادر من جهة، وأنها لم يُسق الكلام لأجلها من جهة ثانية، وهذا التلازم أو الاستدلال بالإشارة قد يكون ظاهرًا ويفهم بأدنى تامل، وقد يكون خفيًّا يحتاج إلى دقة ونظر وتأمل، ولذلك يختلف فيه العلماء لإدراكه وفهمه، ويحتاج إلى أهل الاختصاص أو الاجتهاد ممن يكون عالمًا باللسان العربي وأسرار اللغة، ولا عبرة بالاستدلال بالإشارة ما لم يكن صاحبها من أهل الاختصاص (٣). مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فالآية تدل بعبارتها على وجوب نفقة الوالدات المرضعات وكسوتهن على الأب دون الأم، وهذا

стр. 635

هو المتبادر من الألفاظ، والمقصود من السياق، ويلزم منه أي يفهم من إشارته أن الأب لا يشاركه أحد في الإنفاق على أولاده؛ لأن الولد له لا لغيره، وتدل العبارة بالإشارة، أي يلزم منها، أن نسب الولد إلى أبيه لا يشاركه فيه أحد؛ لأن اللَّه تعالى أضاف الولد إليه بحرف اللام التي هي للاختصاص، والمقصود الاختصاص بالنسب، وهذا مفهوم من إشارة النص (١). ومثاله: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فالنص القرآني يدل بالعبارة على إباحة الأكل والشرب والجماع في جميع الليل إلى طلوع الفجر، ويفهم منه بالإشارة أن من أصبح جنبًا بعد الفجر فصومه صحيح؛ لأن اللَّه تعالى أباح الجماع إلى قبيل طلوع الفجر، فيلزم منه أن يطلع الفجر وهو جنب، وهذا المعنى غير مقصود بالسياق، لكنه لازم للمعنى السابق (٢). ومثاله: قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٧ - ٨]، فالآية دلت بالعبارة على استحقاق الفقراء المهاجرين نصيبًا من الفيء الذي يأخذه المسلمون من العدو بلا قتال؛ لأن ذلك يفهم من العبارة، وسيقت الآية لبيان هذا الحكم، ويدل اللفظ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ بالإشارة إلى أن المهاجرين من مكة قد زالت عنهم ملكية أموالهم التي خلّفوها بمكلة، لاستيلاء المشركين عليها؛ لأن اللَّه تعالى سمَّاهم فقراء، والفقير: هو من لا يملك المال، لا من غاب عن المال، ويعتبر

стр. 636

الشخص غنيًّا لملكه المال سواء قَربت يده منه أو بعدت (١). والأمثلة القانونية كثيرة في قانون العقوبات، وقانون الأحوال الشخصية، والقانون المدني، وغيره (٢). العبارة والإشارة: إن دلالة كل من العبارة والإشارة على المعنى قطعية، ويثبت الحكم بكل منهما قطعًا إلا إذا وجد احتمال ناشئ عن دليل، فتكون الدلالة ظنية. ولكن الثابت بالعبارة يدل عليه النص صراحة، وسيق الكلام لأجله، فالحكم فيها مقصود أولًا وبالذات، والثابت بالإشارة هو ما يلزم من حكم العبارة، أي: بالدلالة الالتزامية، والحكم لم يسق الكلام لأجله، ولما كانت هذه الدلالة الالتزامية تحتاج إلى تأمل وبحث لذلك يقع فيها الاختلاف بين العلماء. ويترتب على النتيجة الأخيرة أنه إذا وقع تعارض بين دلالة العبارة ودلالة الإشارة، قُدِّم الحكم الثابت بالعبارة؛ لأنه أقوى، ومقصودٌ بذاته، من الحكم الثابت بالإشارة (٣). ومن أمثلة التعارض ما دلت عليه كل من الآيتين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]، فالآية الأولى دلت بعبارة النص على وجوب القصاص من القاتل المعتدي عمدًا، والآية الثانية دلت بإشارة النص على عده القصاص من القاتل المعتدي؛ لأنها جعلت جزاءه الخلود في جهنم، والغضب عليه من اللَّه تعالى، والعذاب

стр. 637

العظيم المعَدَّ له، اقتصرت الآية على ذلك في مقام البيان لعقوبته، وأن ذلك يفيد الحصر، فيلزم منه أنه لا عقوبة على القاتل العامد في الدنيا. واتفق العلماء على أن الحكم الثابت بالعبارة من الآية الأولى، وهو القصاص من القاتل عمدًا، مقدّم على الحكم الثابت بالإشارة من الآية الثانية، ويعاقب القاتل عمدًا عدوانًا في الدنيا بالقصاص منه. ومن أمثلة التعارض بين العبارة والإشارة ما دلت عليه آية الرضاعة في قوله سبحانه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فهذه الآية دلت بالإشارة أن الأب مقدم في استحقاقه النفقة من مال ابنه على من سواه ممن لهم حق النفقة من الأقارب بما في ذلك الأم في حالة قدرة الابن على نفقة واحد فقط، في قدم الأب على الأم، لكن ثبت أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: مَنْ أحقُّ الناس بحُسْن صَحابتي يا رسولَ اللَّه؟ فقال ﷺ : "أمُّك" وكررها ثلاثًا، ثم قال: "أبوك" (١)، فهذا النص يدل بالعبارة على تقديم الأم على الأب بالنفقة، والثابت بعبارة النص أقوى، ويقدم على الثابت بإشارة النص، فتكون الأم أولى من الأب في النفقة (٢). ٣ - دلالة النَّص: هي دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه لاشتراكهما في علة الحكم التي يمكن فهمها عن طريق اللغة. فإذا كان اللفظ يدل بعبارته على حكم في واقعة لعلة بُني عليها هذا الحكم، ثم وُجدت واقعة أخرى تساوي الواقعة الأولى بعلتها التي تتبادر إلى الفهم بمجرد فهم اللغة من غير حاجة إلى الاجتهاد، فإنه يفهم لغة أن اللفظ يتناول الواقعتين، سواء كانت الواقعة الثانية المسكوت عنها مساوية للأولى المنطوق بها في العلة، أو أولى منها لقوة العلة فيها (٣).

стр. 638

وسميت بدلالة النص لأن الحكم الثابت بها لا يفهم من اللفظ، كما في العبارة أو الإشارة، وإنما يفهم من طريق علة الحكم الأولوي أو المساوي (١). مثال دلالة النص الأولوي: قوله تعالى عند الوصية بالوالدين: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فالآية دلت بالعبارة الصريحة على تحريم التأفف، وعلته ما فيه من الأذى، وتدل الآية بدلالة النص على تحريم الضرب والشتم والحبس وغيره؛ لأنه أشد إيذاءً؛ ولأن المتبادر لغةً من النهي عن التأفف النهي عما هو أكثر إيذاء للوالدين، ويكون الحكم في المسكوت عنه (المفهوم بالدلالة) أولى من الحكم المنطوق به (المفهوم من العبارة)، وهذا يفهمه كل عارف باللغة. ومثال دلالة النص المساوي: قوله تعالى في رعاية مال الأيتام والتحذير من أكله بدون حق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، فالآية تدل بالعبارة على تحريم أكل أموال اليتامى ظلمًا، وعلة ذلك تتبادر بمجرد معرفة اللغة، وهي تبديد هذه الأموال وتضييعها عليهم، فتدل الآية من طريق دلالة النص على تحريم إحراق أموال اليتامى وإتلافها بأي وسيلة، فيكون الإتلاف أو الإحراق حرامًا كالأكل؛ لمساواته له في علة الحكم (٢).

стр. 639

والأمثلة على ذلك كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فاللفظ يدل بالعبارة على وجوب العدة على المطلقة، لعلة تعرّف براءة الرحم، ويفهم منها بالإشارة لكل من يعرف اللغة وجوب العدة على كل حالة فسخ للزواج عن طريق القاضي وغيره لوجود علة وجوب العدة، ومثله أن النبي ﷺ رجم ماعزًا؛ لأنه زان مُحْصَن، وليس لكونه ماعزًا، فيثبت الرجم لكل زان محصن بدلالة النص، وأوجب رسول اللَّه ﷺ الكفارة بسبب الجماع في نهار رمضان على الأعرابي، تجب الكفارة بدلالة النص على كل من فعل ذلك في رمضان، ومن ذلك أن اللَّه وصف بعض أهل الكتاب بالائتمان على القنطار، فيفهم بدلالة النص بالأولى على ائتمانهم على الأقل، ووصف بعض أهل الكتاب بعدم الائتمان على الدينار، فيفهم بدلالة النص عدم ائتمانهم على الأكثر (١). والأمثلة في العقوبات الشرعية والقوانين كثيرة، فيشترك الدَّرْء مع المحاربين بالعقوبة، وإذا استفاد الجاني من الظرف المخفف على جناية القتل فيستفيد بالأولى من الظرف المخفف على ما دونها من جنسها، وأن القانون الجنائي (الفرنسي الأصل) أعطى الزوج حق وقف العقوبة على زوجته الزانية، فيدل ذلك أنه يحق له وقف الدعوى عليها بالأولى (٢). ٤ - دلالة الاقتضاء: هي دلالة الكلام على مسكوت عنه ويتوقف صدق الكلام أو صحته شرعًا على تقديره، فالمعنى من النص لا يستقيم إلا بتقديره الاقتضاء؛ لأن صحة الكلام واستقامة معناه يقتضي التقدير فيه، وكذلك صدق الكلام ومطابقته للواقع يقتضي التقدير فيه بما هو خارج عنه، فالدلالة على المعنى المقدر

стр. 640

يسمى اقتضاء؛ لأن استقامة الكلام تقتضيه وتستدعيه، والباعث على التقدير والزيادة هو المقتضي، والشيء المقدَّر المزيد هو المقتضَى، والدلالة هو الاقتضاء، وما ثبت بالتقدير والزيادة هو حكم المقتضَى (١). مثاله: قوله ﷺ : "رُفِعَ عن أمّتي الخطأُ والنسيانُ وما استُكرِهُوا عليه" (٢)، فالحديث يدل بلفظه وعبارته على رفع الفعل الذي يقع من أمة محمد ﷺ خطأ أو نسيانًا أو إكراهًا بعد وقوعه، وهذا يتنافى مع الواقع؛ لأن هذه الأمور موجودة في هذه الأمة، والفعل بعد وقوعه لا يُرفع، فهو محال، مما يقتضي تقدير شيء محذوف من الكلام حتى يكون صحيحًا، وهو الإثم أو الحكم، وتكون دلالة النص بالاقتضاء رفع إثم الخطأ والنسيان والإكراه، أو رفع حكمه وعدم ترتب أثره عليه، وبهذا التقدير يتفق الكلام مع الواقع، فالإثم محذوف، واقتضى تقديره لصحة معنى النص، فهو ثابت بدلالة الاقتضاء. ومثله حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٣) أي: ثوابها، وحديث: "لا صيام لمن لم يُبَيِّتِ الصِّيام من الليل" (٤) أي: لا صحة للصيام. ومثله قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أي: زواجهن، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، أي: أكلها والانتفاع بها؛ لأن الذات لا يتعلق بها التحريم، وإنما يتعلق التحريم بفعل المكلف، فيقدر المقتضَى في كل نص بما يناسبه، ويكون التقدير ثابتًا بطريق الاقتضاء. وقد يتوقف التقدير لصحة الكلام على العقل، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ

стр. 641

الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]، فالكلام لا يصح من الناحية العقلية؛ لأن القرية لا تُسأل، ولا تتكلم، فاقتضى التقدير: واسأل أهل القرية (١). حكم الدلالات الأربع وترتيبها: إن الدلالات الأربع السابقة عند الحنفية تدل على الحكم الشرعي على وجه القطع واليقين، إلا إذا وجد ما يصرفها إلى الظن كالتخصيص أو التأويل؛ لأن الحكم الثابت بها يثبت بنفس اللفظ، أو العلة المفهومة منه لغة، أو مما تقتضيه ضرورة صدق الكلام وصحة معناه. وإن هذه الدلالات مرتبة بحسب قوتها، فعبارة النص هي الأقوى، ثم الإشارة، ثم الدلالة، ثم الاقتضاء، وإذا وقع تعارض بينها يرجح الأقوى فالأقوى (٢)، كما مرت بعض الأمثلة.

стр. 642

المبحث الثاني منهج المتكلمين (الجمهور) في طرق دلالة اللفظ على المعنى التزم علماء الأصول من المتكلمين (الجمهور) منهجًا خاصًّا في تقسيم دلالة اللفظ، أو دلالة الخطاب الوارد في القرآن والسنة على الحكم الشرعي، ويعتمد هذا المنهج على ارتباط الدلالة بصريح اللفظ ومحل النطق، أو عدم ارتباطه به وعدم النطق. وتنقسم دلالة اللفظ إلى قسمين: ١ - المنطوق: وهو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي: إن دلالة المنطوق هي دلالة اللفظ على حكم ذكر في الكلام، ونطق به، سواء كان ذلك بالمطابقة، أو التضمن، أو الالتزام، وتسمى الدلالة اللفظية، وتشمل دلالة العبارة، ودلالة الإشارة، ودلالة الاقتضاء عند الحنفية، وأمثلة دلالة المنطوق كثيرة جدًّا، وهي معظِم أحكام الشرع المأخوذة مباشرة من القرآن والسنة، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فالآية تدل بمنطوقها على جواز البيع وتحريم الربا، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فالآية تدل بمنطوقها على النهي عن التأفف وتحريمه، وقوله ﷺ : "لا تُنكح المرأة على عمّتها" (١) يدل على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها في النكاح. ٢ - المفهوم: هو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي إن اللفظ دل على حكم شيء لم يذكر في الكلام، ولم ينطق به، بأن يثبت نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه، ويسمى الدلالة المعنوية أو الدلالة الالتزامية، وتدل على الحكم من باب دلالة الالتزام، وهو نوعان: مفهوم موافقة، وهو دلالة النص عند الحنفية، ويسمى كما سنرى فحوى الخطاب، ومفهوم مخالفة،

стр. 643

وهو ما انفرد به الجمهور، ووقع فيه خلافهم مع الحنفية، وسنفرده بالدراسة. وأمثلة مفهوم الموافقة كثيرة، وسبق مثلها عند الحنفية، مثل دلالة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، على تحريم الضرب وغيره للوالدين، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، فالآية تدل بمنطوقها على تحريم أكل أموال اليتامى، وتدل بمفهوم الموافقة على تحريم الإتلاف والإحراق؛ لأن ذلك مساوٍ للأكل في الاعتداء على مال اليتيم (١). فالدلالات عند المتكلمين ستة، وهي أربعة في المنطوق (دلالة المنطوق الصريح، دلالة الاقتضاء، دلالة الإيماء، دلالة الإشارة) واثنتان في المفهوم (مفهوم الموافقة، مفهوم المخالفة). فيضيف الجمهور المتكلمون دلالة الإيماء، ودلالة مفهوم المخالفة، والأول عبارة عن تفصيل وتوسع، والثاني إضافة وزيادة، ولذلك فإن منهج المتكلمين ومنهج الحنفية متفقان في الأعم الأغلب، والأمثلة واحدة، والاختلاف في الاصطلاح والتسمية، والنتائج في الأحكام واحدة، ويبقى الاختلاف فعلًا في مفهوم المخالفة الذي سنخصص له المبحث الثالث. أنواع المنطوق: إن المعنى المستفاد من اللفظ من حيث النطق به نوعان، وهما: ١ - المنطوق الصريح: وهو الذي وضع اللفظ فيه لمعنى، فتكون دلالته

стр. 644

صريحة على ذلك المعنى، سواء كانت الدلالة بالمطابقة الكاملة، أو بالتضمن التي تدل على جزء المعنى، وسواء كان اللفظ حقيقة أو مجازًا. ٢ - المنطوق غير الصريح: وهو المعنى الذي يلزم من اللفظ، بأن يدل اللفظ على ذلك المعنى في غير ما وضع له، وتكون الدلالة بالالتزام، وتسمى دلالة الالتزام. أنواع دلالة المنطوق غير الصريح: تنقسم دلالة الالتزام (المنطوق غير الصريح) إلى ثلاثة أنواع، وهي: ١ - دلالة الاقتضاء: وهي مقصودة للمتكلم، ويتوقف عليها صدق اللفظ، أو يتوقف عليها صحته عقلًا، أو يتوقف عليها صحته شرعًا، وسميت كذلك لاقتضائها شيئًا زائدًا على اللفظ. ومثال ما يتوقف عليه صدق الكلام تقدير رفع الإثم أو المؤاخذة والعقاب في حديث "رُفِع عن أمتي الخطأ والنسيانُ وما استكرهوا عليه" (١) فإن ذات الخطأ والنسيان لم يرتفعا، فيتضمن الحديث ما يتوقف عليه صدقه من الإثم أو المؤاخذة ونحوه. ومثال ما يتوقف عليه صحة اللفظ عقلًا قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ [يوسف: ٨٢]، فالآية تتضمن سؤال أهل القرية وأهل العير، وإلا لم يصح ذلك عقلًا؛ لأن القرية والعير لا يُسألان، ومثله قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾ [الشعراء: ٦٣]، أي: فضرب فانفلق، وقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: فأفطر فعدة من أيام أخر.

стр. 645

ومثال ما يتوقف عليه صحة اللفظ شرعًا قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، فالآية تدل بعبارتها على فقر المهاجرين مع أنهم كانوا أصحاب دور وأموال في مكة، وهذا الإطلاق لا يكون صحيحًا إلا إذا قدَّرنا زوال ملكهم عما تركوه في مكة، وأنه صار مملوكًا للكفار بالاستيلاء عليه، فتقدير زوال الملك يستدل به بطريق الاقتضاء لتصحيح الكلام شرعًا. ومثله أن يقول شخص لآخر: تصدَّق بمتاعك هذا عني بمائة دينار، فالصدقة لا تصح إلا مما يملكه الشخص، فلا يصح هذا الكلام إلا إذا ملك المتاع، فيتوقف صحته شرعًا على تقدير شيء، وهو بَيْع المتاع للمتكلم، وكأنه يقول: بعني متاعَك بمائة، ثم تصدَّق به نيابة عني، فيكون البيع ثابتًا بدلالة اللفظ بطريق الاقتضاء. ومثله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أي حرّم عليكمْ زواجُ أمهاكم، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي: أكل لحمها، وهو كثير (١). ٢ - دلالة الإشارة: وهي غير مقصودة للمتكلم، وهي: دلالة اللفظ على لازم غير مقصود، ولا يتوقف عليها صدق الكلام أو صحته، فيقال: أشار النص إلى الحكم. ومثاله: قوله تعالى عن الطفل: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فإن ذلك يدل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.

стр. 646

ومثله: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنه يلزم من ذلك جواز الإصباح جنبًا، وصحة صوم الجنب. ومثاله: قوله ﷺ عن النساء: "تَمْكُثُ إحداهُنَّ شَطْرَ عُمُرِها لا تُصَلّي" (١)، فهذا الحديث سيق لبيان نقصان الدِّين، فلزم منه أن يكون أكثر مدة الحيض خمسة عشر يومًا، لأنه ذكر الشطر مبالغة في بيان نقصان الدِّين (٢). ٣ - دلالة الإيماء أو التنبيه: هي أن يقترن مقصود المتكلم في اللفظ بوصف يدل على أنه علة الحكم، فالإيماء أو التنبيه من اللفظ يدل على أمر لازم مقصود للمتكلم، ولا يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلًا أو شرعًا، ولولا تلك الدلالة لكان اقتران اللفظ بغيره غير مقبول ولا مستساغ؛ لأنه لا ملاءمة بينه وبين ما اقترن به. وهذا الأمر يتعلق بأحد مسالك العلة في القياس، ويتمثل ذلك بصور عديدة: منها: ترتيب الحكم على الوصف بفاء التعقيب، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فالأمر بقطع اليد رتَّبه الشارع على السرقة، فكانت السرقة علة للقطع، ولولا ذلك لكان هذا الاقتران غير مقبول، وكقوله ﷺ : "مَنْ أَحْيا أرضًا مَيْتَةً فهي له" (٣) فرتَّب الرسول ﷺ مِلك الأرض الموات على إحيائها بحرف الفاء، فدل على أن الإحياء علة الملك. ومثله: قول أحد الصحابة: "سَها رسول اللَّه ﷺ في الصلاة فسجد"

стр. 647

فالسهو سبب للسجود، "زنا ماعز فرجمه" فالزنا علة وسبب الرجم. ومنها: الحكم الذي يبينه الرسول ﷺ جوابًا عن سؤال أو على واقعة، كقول الأعرابي: "هَلَكْتُ، يا رسولَ اللَّه، واقعتُ أهْلي في رمضان" فقال رسول اللَّه ﷺ : "أعتق رقبة" (١) فالكفارة ترتبت على وقاع الرجل أهله في نهار رمضان، فهذا يدل بطريق الإيماء والتنبيه على أن الوقاع كان علة لوجوب الكفارة، فالأعرابي عرض واقعته لبيان حكمها الشرعي، والنبي ﷺ ذكر ذلك الحكم في معرض الجواب له. ومنها: تقدير الشارع وصفًا يدل على التعليل، كقوله ﷺ لما سُئل عن بيع الرطب بالتمر: "أيَنْقُصُ الرَّطبُ إذا يَبسِ؟ " قالوا: نعم، فنهى عنه، فكان تقدير نقصان الرطب، بالجفاف تعليلًا لتحريمه، وغير ذلك ممّا بيّنه علماء الأصول في مباحث العلة في القياس (٢). أنواع المفهوم: سبق تعريف المفهوم بأنه: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي: إن اللفظ دل على حكم لم يذكر في الكلام، ولم ينطق به، بأن يثبت نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه. والمفهوم نوعان:

стр. 648

١ - مفهوم الموافقة: هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه، نفيًا وإثباتًا، لاشتراكهما في معنى يُدرك من اللفظ بمجرد معرفة اللغة، دون الحاجة إلى بحث واجتهاد، وسمي مفهوم موافقة، لأن المسكوت عنه موافق للمنطوق في الحكم، ويسمى دَلالة النص عند الحنفية، وسبقت أمثلته. ثم إن كانت العلة في المسكوت عنه أولى بالحكم من العلة في المنطوق سمي المفهوم: فَحْوى الخطاب، كتحريم الضرب للوالدين المستفاد من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فهو أولى من تحريم التأفف. وإن كانت العلة في المسكوت عنه مساوية للحكم في المنطوق، سمي المفهوم: لَحْن الخطاب، كتحريم إحراق مال اليتامى المساوي لتحريم الأكل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، فالإحراق مساوٍ للأكل (١). ٢ - مفهوم المخالفة: هو دلالة اللفظ على نفي الحكم الثابت للمنطوق عن المسكوت، لانتفاء قيد من قيود المنطوق، ويسمى:. دليل الخطاب؛ لأن دليله من جنس الخطاب، أو لأن الخطاب دلَّ عليه، أو لمخالفته منظوم الخطاب ومنطوقه. مثاله: قوله ﷺ : "في الغَنَمِ السَّائِمةِ زكاةٌ" (٢) فيدل بمنطوقه على وجوب الزكاة في الغنم إذا كانت سائمة ترعى في البراري، ويدل بمفهوم المخالفة

стр. 649

على عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة في البيوت (١)، وستأتي أمثلة أخرى. واعتبر المتكلمون (الجمهور) مفهوم المخالفة أحد الدلالات للألفاظ لاستنباط الأحكام عن طريقه، بينما منعه الحنفية نهائيًّا في النصوص الشرعية، ولم يعتدوا به، ولم يستنبطوا الأحكام عن طريقه، ويسمونه المخصوص بالذكر، ويرفضون الأخذ به، ويسمون مفاهيم المخالفة استدلالات فاسدة، ولذلك وقع اختلاف كبير بين المتكلمين والحنفية في هذا الخصوص، مع كثرة الأنواع في مفهوم المخالفة، ولذلك نفرده في المبحث التالي.

стр. 650

المبحث الثالث مفهوم المخالفة سبق بيان تعريف مفهوم المخالفة الذي يعتبره المتكلمون أحد الدلالات، ويضعون شروطًا له، ويعدّدون أنواعه، وخالفهم الحنفية فيه، وترتب على ذلك الاختلاف في الأحكام الفقهية المستنبطة عن طريقه، مع اختلاف بين المتكلمين أنفسهم في بعض الأنواع، أو بعض الأمثلة. أنواع مفهوم المخالفة: إن مفهوم المخالفة له أنواع كثيرة، أهمها ستة، وأولها مفهوم الصفة، ويعتبر رأس المفاهيم، والخمسة ترجع في المعنى إلى الصفة، كما قاله الجويني رحمه اللَّه تعالى (١)، وهي: ١ - مفهوم الصفة: هو دلالة اللفظ المقيد بصفة على نقيض هذا الحكم للمسكوت الذي انتفى عنه ذلك الوصف (٢)، وليس المراد بالصفةِ الصفةَ النحوية، وهي النعت فحسب، بل يشمل ما في معناها كالتقييد بالزمان والمكان والإضافة والحال. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ

стр. 651

الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فتدل الآية بمنطوقها على أن المسلم إذا لم يملك مهر الحرة، فيحل له الزواج بالإماء المؤمنات، وتدل بمفهوم المخالفة على أنه يحرم عليه الزواج بالإماء الكافرات؛ لأن الحل مقيد بوصف الإيمان، فينتفي الحل بانتفاء هذا الوصف. ومثاله: قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، فكل منهما ظرف زمان وهو قيد فيهما، فيُشرع الحج في أشهره دون غيرها، وتجب الجمعة يوم الجمعة دون غيره، وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، فهذا ظرف مكان، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فهو حال كالصفة، فتحرم المباشرة حال الاعتكاف، وتحل عند عدم الاعتكاف. ومثاله: قوله ﷺ "في الغَنَمِ السَّائمةِ زَكاةٌ" (١)، فيدل المنطوق على وجوب الزكاة في السائمة التي ترعى في البوادي والجبال، ويدل بمفهوم المخالفة على عدم الزكاة في الغنم المعلوفة في البيوت، ومثله قول جابر ﵁: "أن النبي ﷺ قَضَى بالشُّفْعةِ في في كل ما لم يُقْسَم" (٢)، فيدل بمفهوم المخالفة على عدم مشروعية الشفعة فيما يقبل القسمة، وهو ما صرح به جابر راوي الحديث بقوله: "فإذا وَقَعَتِ الحدودُ وصُرِّفت الطُرُق فلا شُفْعة" واستدل بهذا الحديث من حصر الشفعة عند الخلطة أي: الشركة، لا بالجوار، ومثله حديث: "من باعَ نخلًا مُؤَبَّرة فثمرتُها للبائع إلا أنْ يَشْترط المُبْتاع " (٣)، فيدل بمنطوقه أن ثمرة النخل المؤبرة يستحقها البائع، ويدل بمفهومه أن ثمرة النخل الذي بيع قبل التأبير لا يستحقها البائع، بل المشتري، ومثله حديث "مَطْلُ الغني ظُلمْ يُحِلُّ عِرْضَه وعقوبتَه" (٤)، فيدل بمنطوقه على أن مماطلة المدين الغني القادر على الدفع

стр. 652

تُحل عقوبته والكلام في حقه، ويدل بمفهومه على أن مطل المدين المعْسِر لا يُحل عرضه وعقوبته. حجية مفهوم الصفة: إن مفهوم المخالفة للصفة حجة عند الشافعية والحنابلة وبعض المالكية أي: إن اللفظ المقترن بصفة يدل على نفي الحكم عند انتفاء تلك الصفة، وخالف في ذلك الحنفية وأكثر المعتزلة وبعض المالكية، وقالوا: إن التقييد بالصفة الخاصة لا يدل على نفي الحكم عند انتفاء تلك الصفة (١)، والراجح الأول؛ لأنه يتفق مع الاستعمال اللغوي في وضع الصفة في الكلام، وإلا كانت بدون فائدة. ٢ - مفهوم الشرط: هو دلالة اللفظ المعلق فيه الحكم على شرط على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت عنه الذي انتفى عنه ذلك الشرط، والمراد به الشرط اللغوي، مثل إن، وإذا، وليس الشرط الأصولي القسيم للسبب والمانع. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فيدل بمنطوقة على وجوب النفقة للمطلقة البائن إذا كانت حاملًا، ويدل بمفهوم المخالفة على عدم وجوب النفقة للمطلقة البائن (المبتوتة) غير الحامل، ومثله قوله تعالى؛ ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ

стр. 653

هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، فإنه يدل بمنطوقه على حل أخذ الزوج من مال زوجته ومهرها إن طابت نفسها بذلك، ويدل بمفهوم المخالفة على حرمة أخذ شيء من مال المرأة إذا لم تطب نفسها به، فالرضا شرط في الحل، ومثله ما سبق في مفهوم الصفة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، أنه يحرم الزواج بالإماء المؤمنات عند القدرة (الطَّوْل)؛ لأن الآية اشترطت عدم القدرة للحل. ومثله: قوله ﷺ : "الواهبُ أحقُّ بهبتِه ما لم يُثَبْ منها" (١)، أي: يعوض، فإنه يدل على حق الواهب بالرجوع في هبته إذا لم يُعوّض عنها، ويدل بمفهوم المخالفة على منع الواهب من الرجوع في هبته إن عُوّض عنها. حجية مفهوم الشرط: إن مفهوم الشرط عند أكثر المالكية والشافعية والحنابلة حجة، حتى قال الحنابلة: إنه أقوى من الصفة؛ لأن التقييد بالشرط يدل على انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط، ولأن الشرط يلزم من عدمه عدم المشروط، وقال الحنفية وأكثر المعتزلة وبعض المالكية: إن التقييد بالشرط لا يدل على انتفاء المشروط بانتفاء الشرط، وإنما ذلك منفي بالأصل، وهو عدم المشروط حال عدم الشرط (٢)، والراجح قول الجمهور حتى يكون لذكر الشرط فائدة ودلالة في الأسلوب.

стр. 654

٣ - مفهوم الغاية: هو دلالة اللفظ الدال على حكم مقيد بغاية على ثبوت نقيض الحكم بعد هذه الغاية، وللغاية لفظان: إلى، حتى، والغاية انتهاء الشيء وتمامه، وحكم الغاية أن يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فتدل الآية بمنطوقها على إباحة تناول الطعام والشراب في الليل إلى الفجر، وتدل بالمفهوم المخالف على تحريم ذلك بعد الغاية، وهي طلوع الفجر، وتدل على جواز تناول المفطرات بدخول الليل بعد الإمساك عنها طوال النهار، وتدل بالمنطوق على وجوب الصيام بياض النهار، وتدل بالمفهوم المخالف على عدم وجوب الصيام في الليل. ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فتدل الآية على تحريم إتيان النساء زمن الحيض، وقبل الاغتسال، وتدل بمفهوم المخالفة على جواز الإتيان بعد الحيض والاغتسال. ومثاله: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فتدل بالمنطوق على تحريم المطلقة ثلاثًا على زوجها حتى تتزوج بآخر، وتدل بمفهوم المخالفة على أنها إذا نكحت زوجًا آخر حلَّت لزوجها الأول. ومثاله: قوله ﷺ : "لا زكاةَ في مَالٍ حتى يَحُولَ عليه الحَوْلُ" (١)، فالحديث يدل بمنطوقه على عدم وجوب الزكاة قبل مرور سنة على تملك النصاب فيه، ويدل بمفهوم المخالفة على وجوب الزكاة عند حَوَلان الحَوْل على تملك النصاب. حجية مفهوم الغاية: قال جمهور العلماء من الفقهاء والمتكلمين: إن مفهوم الغاية حجة يجب الحمل بها، فإذا قُيّدَ الحكم بغاية دل على نفي الحكم فيما بعد الغاية،

стр. 655

وأضافوا: إن دلالة مفهوم الغاية أقوى من مفهوم الصفة، وأقوى من مفهوم الشرط من جهة الدلالة؛ لأن العلماء أجمعوا على التسمية بحروف الغاية، وغاية الشيء نهايته، فلو ثبت الحكم السابق للغاية على ما بعدها لم يُفِدْ تسميتها غاية. وقال أكثر الحنفية وبعض الفقهاء وبعض المتكلمين بمنع مفهوم الغاية، وأنه لا يدل على الحكم (١)، والراجح القول الأول؛ لاتفاقه مع أسلوب اللغة العربية. ٤ - مفهوم العدد: هو دلالة النص الذي قيد فيه الحكم بعدد مخصوص على ثبوت حكم للمسكوت مخالف لحكم المنطوق؛ لانتفاء ذلك القيد (٢). مثاله: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فالجلد تقيّد في الآية الأولى بمئة، وفي الثانية بثمانين، فيدل بالمنطوق أن العقوبة مائة في الأولى، وثمانين في الثانية، ويدل بمفهوم المخالفة على أن الزائد عليها لا يجب. ومثله: قوله ﷺ : "إذا بلغَ الماءُ قُلَّتينِ لم يَحْمل خَبَثًا" وفي رواية: "لم يَنْجُس" (٣)، فيدل بالمنطوق أن الماء الكثير لا ينجس إذا أصابته نجاسة إلا

стр. 656

إذا تغير طعمه أو لونه أو رائحته، ويدل بمفهوم المخالفة على أن الماء القليل، وهو دون القلتين يتنجس بملاقاة النجاسة. حجية مفهوم العدد: يرى جمهور الفقهاء والمتكلمين على أن الحكم المتعلق بعدد يدل بمجرده على إثبات العدد، ويدل في ذات الوقت على نفي الزائد، وقال الحنفية والمعتزلة بعدم دلالة العدد في النّص على نفي الحكم عن غيره، ومحل الخلاف في عدد لم يُقصد به التكثير كالألف والسبعين، وما يستعمل في لغة العرب للمبالغة، كما سيأتي في شروط مفهوم المخالفة، والراجح القول الأول؛ لأن حكم المنطوق تعلق بعدد مخصوص، وحتى لا يخلو التحديد من فائدة، ولذلك قال الشوكاني رحمه اللَّه تعالى: "والحق ما ذهب إليه الأولون، والعمل به معلوم من لغة العرب، ومن الشرع" (١). ٥ - مفهوم اللقب: المراد من اللقب هو الاسم الذي يعبر به عن الذات، سواء كان عَلَمًا، أو اسم جنس، أو نوع، وتعريفه: تخصيص اسم بحكم، بأن يدل المنطوق على نفي الحكم عما عداه. مثاله: قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقوله ﷺ عن الربا: "الذَّهبُ بالذهب، والفضةُ بالفضة" (٢)، ومثال اسم النوع قوله ﷺ : "في الغَنَم زكاةٌ" (٣).

стр. 657

حجية مفهوم اللقب: ذهب جمهور المتكلمين والحنفية إلى عدم الاحتجاج بمفهوم اللقب، ففى الأمثلة السابقة لا يستدل على عدم تعلق الرسالة بغير محمد ﷺ ، وعدم تعلُّق الربا بغير الذهب والفضة، وعدم وجوب الزكاة على غير الغنم؛ لأن ذكر اللقب لا يفيد تقييدًا ولا تخصيصًا ولا احترازًا عما سواه. وذهب بعض العلماء إلى حجية مفهوم اللقب أي: أن ينتفي الحكم المتعلق باللقب عن غيره، ويثبت للغير نقيض الحكم المذكور (١)، والراجح قول الجمهور؛ لأن النطق بالحكم الخاص أو لنوع لا ينفي الحكم عن غيره. ٦ - مفهوم الحصر: هو انتقاء الحكم المحصور عن غير ما حصر فيه، وثبوت نقيضه له، ويتم الحصر بحرف "إنما"، وحصر المبتدأ في الخبر بكونه معرفًا باللام، أو الإضافة. مثاله: قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٢)، فيدل بمنطوقه على حصر قبول الأعمال في المنوي، ويدل بمفهومه على عدم اعتبار العمل غير المنوي، ومثل قوله ﷺ : "مِفْتاحُ الصَّلاة الطُهُور، وتحريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التسليم" (٣) فيدل بمنطوقه على حصر صحة الصلاة بالطهارة،

стр. 658

وحصر التحريم بالتكبير، وحصر التحليل بالتسليم، ويدل بمفهوم المخالفة على عدم هذه الأحكام عند عدم وجود الطهارة والتكبير والتسليم، ومثل: صديقي عمرو، فإنه يفيد الحصر؛ لأن المراد الجنس، فيدل بمفهوم المخالفة على نفي الصداقة عن غير عمرو. حجية مفهوم الحصر: ذهب بعض العلماء إلى حجية مفهوم الحصر، وأن اللفظ يدل على الحصر بالمذكور دون غيره، وقال بعض الفقهاء والأصوليين بعدم حجيته؛ لأن اللفظ لا يدل على الحصر (١)، والراجح الأول؛ لأن أدوات الحصر قد وضعت في اللغة لإثبات النفي والإثبات، فيدل المنطوق على إثبات الحكم للمنطوق، ونفيه عن المسكوت عنه. شروط العمل بمفهوم المخالفة: اشترط الجمهور القائلون بالاحتجاج في مفهوم المخالفة شروطًا، بعضها راجع للمسكوت عنه، وبعضها راجع للمذكور المنطوق، وهذه الشروط تقلل من العمل بمفهوم المخالفة، وتقرب الآراء مع المخالفين القائلين بعدم حجية مفهوم المخالفة، وأهم هذه الشروط هي (٢): ١ - ألا يدل على المسكوت دليل خاص. فيعمل بمنطوق الدليل الخاص، مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ

стр. 659

وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فيدل المفهوم عدم قتل الذكر بالأنثى قصاصًا، ثم جاء نص خاص يدل على وجوب القصاص بين الرجل والمرأة في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فهذا يشمل القصاص بين النفس والنفس مطلقًا، وأيدت السنة ذلك، ومثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فتدل الآية بمفهوم المخالفة على عدم قصر الصلاة حالة الأمن، وهذا ملغى بالحديث الذي أجاز رخصة القصر مطلقًا، وقال ﷺ : "صَدَقةٌ تصَدَّق اللَّهُ بها عليكم فاقبلُوا صَدَقتَه" (١) فإنه يدل على حكم المسكوت، وهو قصر الصلاة حالة الأمن (٢). ٢ - ألا يعارض مفهومَ المخالفة ما هو أرجح منه في الدلالة، كدلالة النَّص ودلالة التنبيه أو الإيماء، ودلالة مفهوم الموافقة أو القياس الجلي، فيسقط مفهوم المخالفة، ويقدم الاستدلال بهذه الدلالات، كما سبق بيانه عند شرحها. ٣ - ألا يكون للقيد الذي قيد به النص فائدة أخرى غير نفي الحكم عن المسكوت عنه خلافًا للمنطوق، مثل الترغيب، أو الترهيب، أو التنفير، أو التفخيم، أو تأكيد الحال، أو الامتنان، أو نحو ذلك. ومثال التنفير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، فلا مفهوم للأضعاف بجواز الربا القليل؛ لأنه جاء للتنفير من الحالة التي كانت في الجاهلية، وتطبق اليوم باسم الفائدة المركبة، فالقيد بالأضعاف للتنفير؛ بدليل قوله تعالى في تحريم الربا القليل

стр. 660

والكثير: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. ومثال الترغيب والحث على الامتثال قوله ﷺ : "لا يحلُّ لامرأةٍ تُؤْمنُ باللَّه واليومِ الآخِر أن تَحُدُّ فوقَ ثلاثةِ أيامِ إلا على زَوْجها أربعةَ أشهرٍ وعشرًا" (١) فقيد "تؤمن باللَّه واليوم الآخر" قُصِد منه التفخيم وتأكيد الحال للحث على الامتثال لأمر اللَّه ورسوله؛ لأنه مدعاة لامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فلا يستدل منه على إباحة الإحداد على غير الزوج أكثر من ثلاثة أيام لغير المؤمنة. ومثال إفادة التكثير والمبالغة قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، فإن قيد العدد بسبعين لا مفهوم له، فالزائد على السبعين لا يحقق فائدة؛ لأنه ذكر على سبيل المبالغة في الاستغفار، وأنه مع المبالغة لا فائدة لمن يُستغفر لهم. ومثال الامتنان قوله تعالى عن البحر: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، فقوله "طريًّا" للامتنان على نعم اللَّه الموجودة في البحر، فلا يدل على منع أكل ما ليس بطري. ٤ - ألا يكون ذكر القيد في النص قد خرج مَخْرج الأعم الأغلب أو لمراعاة الواقع، كما في قوله تعالى في تحريم بنات الزوجة (الربائب): ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فإن الغالب أن تكون الربيبة في حجر زوج أمها، فجاء القيد به، ولا يؤخذ منه مفهوم المخالفة، فالربيبة محرمة سواء كانت في الحجر أم لا، ولكن يعمل بمفهوم المخالفة في القيد الثاني "اللاتي دخلتم بهن" فلا تحرم الربيبة إلا إذا تمَّ الدخول بالزوجة، فإن لم يدخل بها فلا تحرم بنتها، ولذلك قالوا: "الدخول بالأمهات يحرِّم البنات". ومثله قوله تعالى في الخلع: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ

стр. 661

أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، فإن الغالب أن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق، ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فالخلع في الغالب لا يكون إلا عند الخوف من ترك أوامر اللَّه، فتفتدي الزوجة نفسها بمال تعطيه للزوج مقابل حصولها على الطلاق. ٥ - أن يكون الكلام الذي ذكر فيه القيد مستقلًا، فإن ذكر على وجه التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإن عبارة "في المساجد" لا مفهوم لها؛ لأن المعتكف ممنوع من المباشرة مطلقًا، سواء كان في المسجد أو خرج منه لعذر شرعي. آراء الأصوليين في الاحتجاج بمفهوم المخالفة: اتفق علماء الأصول على أمرين في الاحتجاج بمفهوم المخالفة، وهي: ١ - اتفق العلماء -إلا قلة قليلة- على عدم الاحتجاج بمفهوم اللقب، فإذا قال اللَّه تعالى: "محمد رسول اللَّه" لا يفهم منه ألا يكون غيره رسولًا، وإذا عدد رسول اللَّه ﷺ الأصناف الستة التي يجري فيها الربا، لا يفهم منه أن الربا لا يجري في غيرها، ولذلك اتفقوا على قياس العملة الورقية على النقدين، وقاسوا على الأربعة الأخرى غيرها مع اختلاف في العلة، ولا يحتج بمفهوم اللقب سواء كان في نص شرعي أو في كلام الناس. ٢ - اتفق العلماء على الاحتجاج بمفهوم المخالفة في غير النصوص الشرعية، من كلام الناس كالعقود، وشروط الواقف، والموصي، وغيره، وكذا في كلام العلماء والمؤلفين، نزولًا على حكم العرف والعادة، فلا يقيد الناس كلامهم بقيد إلا الفائدة، ولذلك قال العلماء: إن مفاهيم الكتب حجة. ٣ - إن الشروط التي وضعها الجمهور لمفهوم المخالفة لبناء الأحكام على مقتضاه، والأمثلة التي ذكروها، تلتقي مع المخالفين لمفهوم المخالفة، وتصبح وجهات النظر متقاربة، وتصبح ثمرة الخلاف محدودة في الفروع والجزئيات. واختلف علماء الأصول في الاحتجاج بمفهوم المخالفة فيما عدا الحالات

стр. 662

الثلاث السابقة، فذهب الجمهور إلى الاحتجاج بمفهوم المخالفة عند القيد بشرط، أو صفة، أو عدد، أو غاية، أو حصر، ويكون مفهوم المخالفة حجة على ثبوت نقيض الحكم المنطوق للمفهوم عند عدم القيد، والنصُّ يدل بمنطوقه على حكم، وبمفهومه المخالف على نقيض الحكم الأول، واستدلوا بأن ذلك متبادر للأذهان، ويتفق مع المنطق البياني، وأساليب العربية، حتى لا يكون القيد عبثًا لا فائدة له، مع أن كلام الشرع منزه عن العبث. وذهب الحنفية ومن معهم إلى عدم الاحتجاج بمفهوم المخالفة، واعتبروه من الاستدلالات الفاسدة، وأن النص الشرعي يدل على حكم المنطوق فقط، ويجب البحث عن حكم المسكوت عنه عند فقد القيد، بدليل أن دلالة المفهوم ليس مطردًا في أساليب اللغة، وورد مثله كثيرًا في الشرع فيما ذكره الجمهور في الشروط، مع اختلاف القائلين بمفهوم المخالفة في كثير من أمثلته، واحتمال الخطأ والغلط في استنباط المفهوم، وهو ممتنع شرعًا. واستدل كل فريق بأدلة أخرى، ونكتفي بما سبق؛ لأنه يحقق المقصود، ومن أراد التوسع فليرجع إلى كتب الأصول والفقه (١). ملحق: دور القياس في تفسير النصوص: إن النصوص سواء كانت شرعية أم قانونية لا يمكن أن تغطي جميع الصور والحالات والوقائع والأحداث، التي تقع في الحياة، كما أن التشريع لا يمكن أن يتناول الوقائع والأحداث التي تقع في المستقبل، ويتفتق عنها الذهن، ويخترعها التطور والعقل، سواء كان في المعاملات أو في المخالفات والجنايات أو في الضرائب وغيرها. وإن النصوص -سواء كانت شرعية أم قانونية- إنما شرعت لتحقيق

стр. 663

مصالح الناس، وبنيت على عللٍ مطّردة، وليست عبثًا لغير علة، إلا ما ورد فيه نص خاص لحالة خاصة بدليل مقبول. لذلك فتح الشرع والعقل باب الاجتهاد، وشرع القياس، ليتم تطبيق النصوص السابقة علي جميع الحالات والصور والوقائع المستجدة التي تماثل ما تمَّ النص عليه، هذا ما يقتضيه العقل، والمنطق، والعدل، بأن تكون الحالات المتشابهة لها أحكام واحدة. وهنا يأتي دور العلماء والفقهاء والأئمة والمجتهدين والمفسرين وشراح القوانين والقضاة والمحامين لبيان علة الحكم، ودلالة النص، ومن ثمَّ تعدّيه إلى الحالات المتماثلة ليشمل النّص الجميع، ويتم القياس عمليًّا (١)، وذلك بمعناه العام الذي يشمل مختلف صنوف الاجتهاد فيما لا نص فيه. والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، وسبق بيان بعضها في باب القياس، وفي الدلالات وتفسير النصوص، وإن وقع اختلاف في الاجتهاد والتطبيق فلا ضَيْر فيه، فالاختلاف واقع حتمًا، وعلامة صحة، وليس علة مرض. فمن ذلك الاستدلال بدلالة النص، أي ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه لاشتراكهما في علة يفهمها كل عارف باللغة، وذلك أن القارئ أو السامع يفهم من روح النص ومعقوله أنه يدل على محل النطق، وعلى كل واقعة تشابهه وتساويه في العلة، كمن يسمع قوله تعالى في الوصية بالوالدين: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فيدرك أنه يحرم الضرب بالأولى، ومن يسمع قوله تعالى عند الوصية بالتيامى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، فيدرك من النص حرمة أكل مال اليتيم، ويفهم فورًا أنه يحرم إتلافه وحرقه وغصبه والاعتداء عليه.

стр. 664

والقاضي يحرص على تطبيق النص الشرعي أو القانوني على الحالة التي ورد النص فيها، ويدرك بداهة أنه يجب تطبيق النص على جميع الصور والحالات التي تستجد أو تطرأ أو تقع مشابهة لما ورد في النص، ويطبق نفس الحكم المدني، أو نفس العقوبة على جميع الحالات المتماثلة. ومن الأمثلة القانونية أن القانون المدني نص على حجية الورقة الموقَّع عليها بالإمضاء؛ لأن توقيع الموقع يذل على شخصه، وقاس الشراح والقضاة عليها الورقة المبصومة بالأصبع، وأنها حجة على باصمها؛ للاشتراك في العلة، ثم تعدلت النصوص وأضيفت البصمة بالنص. ونص قانون العقوبات على منع المحاكمة في السرقة بين الأصول والفروع وبين الزوجين إلا بناء على طلب المجني عليه؛ لعلة القرابة والزوجية بين الجاني والمجني عليه، وقاس الشراح والقضاة على السرقة النصب واغتصاب المال بالتهديد وإصدار شيك بدون رصيد بين الأصول والفروع وبين الزوجين، لوجود نفس العلة بين الجناة والمجني عليهم (١). وإذا أخذنا القياس بمعناه الواسع الشامل فإنه يشمل جميع الاجتهادات والمصادر التبعية أو الاختلافات الفقهية وآراء المجتهدين والفقهاء والعلماء، ويشمل آراء شراح القوانين واجتهادات القضاة والمحاكم، وحتى اجتهادات محكمة النقض واللوائح التي تفسر وتشرح الأنظمة والقوانين الصادرة من المجالس التشريعية.

стр. 665

الفصل السادس حروف المعاني مقدمة: إن الحروف في اللغة العربية ثلاثة أقسام: الأول: حروف المباني، وهي التي تُبنى منها الكلمة، مثل الباء، والكاف، والراء في كلمة بكر، والكاف، والتاء، والباء في كلمة كتب، فهذه الحروف تتركب منها الكلمة ولا تدخل في علم أصول الفقه. الثاني: حروف المعاني، وهي التي وُضعت لمعان تتميز بها عن حروف المباني، وهذه الحروف لا تدل على معنى في ذاتها، بل تدل على معنى في غيرها، كحرف العطف، وحرف الجر، وهذه هي المقصودة في هذا الفصل، وتدرس في أصول الفقه؛ لصلتها الوثيقة بالاجتهاد لاستنباط الحكم بواسطتها لمعرفة الأحكام الشرعية، وتوقف فهم العبارات على فهم معنى الحرف، وتدرس في علم النحو، والفقه، وأصول الفقه (١). الثالث: الحروف المشبهة بالفعل، وهي التي تدخل على الجملة الاسمية، فتنصب المبتدأ وترفع الخبر، وهي إنَّ، وأنَّ، وكأن، ولكن، ولعل، وغيرها، وتدرس في علم النحو. أصناف حروف المعاني: تتوزع حروف المعاني على عدة أصناف (٢)، أهمها:

стр. 666

١ - حروف الإضافة والجر: وهي التي تفضي بمعاني الأفعال إلى الأسماء، ولها دلالة على المعنى، مثل الباء في قولنا: مررت بزيد، فإن الباء تدل على الإلصاق .. ، وهكذا، وسميت حروف جر لأنها تجر ما قبلها إلى ما بعدها، سواء كان الجار فعلًا، أو اسمًا، كما سيأتي تفصيل ذلك. ٢ - حروف العطف: وهي التي تجمع المعطوف والمعطوف عليه في حكم، ولكل منها معنى إضافي خاص، كما سيأتي. ويبحث علماء الأصول مع حروف المعاني بعض الظروف وكلمات الشرط، وهي أسماء، تشبيهًا للظروف والشروط بالحروف في بناء المعاني عليها، وعدم استقلالها في ذاتها، ويضعونها تحت عنوان: معاني الحروف، مع كونها أسماء من باب التجوز والتغليب (١). ولذلك نعرض في هذا الفصل حروف العطف، وحروف الجر، وأسماء الظرف، وأدوات الشرط، وذلك في أربعة مباحث.

стр. 667

المبحث الأول حروف العطف العطف في اللغة: الثني والرد والإمالة، يقال: عطف العودَ: إذا ثناه ورده، وعطف الشيء: أماله وحناه، وعطف إلى ناحية كذا: مال وتحوّل (١). والعطف في الكلام: أن تردَّ أحد المفردين إلى الآخر في الحكم، أو إحدى الجملتين إلى الأخرى في الحصول، ويكون العطف بأحد حروف العطف. وتشترك حروف العطف بالمعنى العام، وتختص الواو بمطلق الجمع، والفاء، وثمَّ، وحتى، بالترتيب، وأو، وأما، وأم بتعليق الحكم بأحد المذكورين، ولا، وبل، ولكن، ببيان مخالفة المعطوف للمعطوف عليه في حكمه. والواو هي أصل العطف؛ لأنها تثبت المشاركة، وتدل على مجرد الاشتراك، وأما سائر حروف العطف فتدل على معنى زائد على الاشتراك كما سبق بيانه، وسيأتي تفصيله. ونعرض في هذا المبحث أهم حروف العطف التي ترد كثيرًا في النصوص الشرعية، والنصوص التشريعية، ويتوقف الحكم على معناها. أولًا: الواو: وهي أكثر حروف العطف استعمالًا في الكلام، وهي لمطلق الجمع، عند جماهير أهل اللغة والأدب والنحو حتى ادّعى بعضهم الإجماع على ذلك (٢)، وهو رأي معظم علماء الشرع في المذاهب الأربعة (٣)، فالواو لا تدل على ترتيب ولا على معية أي: مقارنة، بل هي لمطلق الجمع بمعنى أي جمع

стр. 668

كان، سواء كان مرتبًا أم غير مرتب، وهو جمع أمرين وتشريكهما في الثبوت، أو النفي، مثل: قام زيد وعمرو، أي اشتركا في القيام، ولم يأت خالد وبكر، أي نفى الإتيان عنهما، دون بيان ترتيب أو معية. و استدلوا على ذلك بأدلة كثيرة ، أهمها: ١ - اللغة: نقل العلماء عن أئمة اللغة العربية، وبعد استقراء مواضع استعمال الواو، أنها لمطلق الجمع، كقولهم: جاء زيد وعمرو، فيفهم منه اجتماعهما في المجيء دون تعرض للترتيب في المجيء أو المقارنة فيه، ولو كانت للترتيب لوقع التناقض في القرآن الكريم في قصة واحدة، وقضية واحدة، ووقوع تقديم الدخول في آية، وتأخيره في آية، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف: ١٦١]، وكلام اللَّه منزه عن التناقض. وإن قول العرب: "لا تأكل السمكَ وتشربَ اللبنَ" معناه النهي عن الجمع بينهما من غير تعرض لمقارنة أو ترتيب في الوجود، سواء قدَّم هذا أم أخر ذلك. ٢ - الاستعمال: تستعمل الواو فيما يستحيل فيه الترتيب، كصيغ المفاعلة، مثل: تقاتل زيد وعمرو، واختصم بكر وخالد، فالمفاعلة تقتضي وقوع الفعلين معًا، فتكون الواو حقيقة في غير الترتيب، ولا تكون حقيقة في الترتيب، لمنع الاشتراك؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة. ويستحيل استعمال الواو في المواضع التي لا يصح فيها المقارنة، مثل اشترك زيدٌ وعمرو، أو المال بين زيد وعمرو، وسيّان قيامُك وقعودك، فهنا يستحيل الترتيب في هذه الأمثلة، مما يدل على أن الواو حقيقة للجمع دون ترتيب ولا مقارنة. كما تستعمل الواو حالة التصريح بتقديم أمر على آخر، مثل: جاء زيد وعمرو قبله، فلو دلَّت الواو على الترتيب لكان زيد أولًا، ثم عمرو، ووقع تناقض في الكلام.

стр. 669

٣ - القياس: إن الواو تفيد الجمع بين شيئين مختلفين دون ترتيب بينهما قياسًا على واو الجمع وألف التثنية في الأسماء المتماثلة دون دلالة على الترتيب، مثل جاء رجلان، أو حضر الرجال، ولا يمكن جمع الرجل والمرأة في كلمة واحدة، فأتى أهل اللغة بالواو للجمع فقط، فنقول: جاء رجل وامرأة، ولا نقصد الترتيب بينهما في المجيء. ٤ - عدم دخول الواو في جواب الشرط: فلو أفادت الترتيب لصح دخولها في جواب الشرط كالفاء؛ لأن جواب الشرط يعقب الشرط، وتستعمل فيه الفاء التي تدل على التعقيب، كقولك: إذا نجح الولد فأعطه مكافاة، ولا يصح أن تقول: إذا نجح الولد وأعطه مكافأة. واستدل الحنفية بذلك على عدم وجوب الترتيب في الوضوء؛ لأنها معطوفة بالواو في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أما الشافعية فاستدلوا على وجوب الترتيب ليس بالواو بل لأن اللَّه تعالى ذكر مسح الرأس بين غسل اليدين والرجلين، مما يدل على ترتيب الغسل فالمسح فالغسل، فأدخل ممسوحًا بين مغسولين، ولم يستدلوا بأن الواو للترتيب، فإنها لا تفيده بمجردها (١). آراء أخرى في حكم الواو: ١ - قال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: إن الواو للترتيب، وهو قول أبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، والواجب البدء في السعي بالصفا؛ لقوله ﷺ لمن سأله من الصحابة: "بِمَ نَبْدَأ؟ " فقال: "ابدَاؤُوا بما بَدَأ اللَّه به" (٢) فكان جواب الرسول ﷺ مبينًا أن الواو للترتيب، وردَّ الجمهور ذلك بأن الصحابة رضوان اللَّه عليهم من أهل اللغة، فلو كانت الواو للترتيب لما سألوا عن ذلك، والترتيب ثبت بالحديث، وليس من الآية.

стр. 670

واستدلوا بما رواه مسلم أن خطيبًا أعرابيًّا قال بين يدي النبي ﷺ : "مَنْ يُطعِ اللَّه ورسولَه فقد رَشَد، ومن يعْصِهما فقد غَوَى" فقال ﵊: "بئْسَ الخطيبُ أنت، قل: ومن يعصِ اللَّه ورسولَه فقد غوى" (١)، قالوا: فلو كانت الواو لمطلق الجمع لم يكن فرق بين العبارتين، وردّ الجمهور بأن إنكار الرسول ﷺ إنما كان ليؤكد تعظيم اللَّه تعالى بالذكر، وأن معصية اللَّه والرسول متلازمان، ولا يتصور الترتيب فيهما، بدليل ورود عبارة: "ومن يعصهما" في أقوال الرسول ﷺ نفسه (٢). وأكد الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي رحمهما اللَّه تعالى ذلك من بعض الأحكام الفقهية التي لا تتفق مع كون الواو لمطلق الجمع فيمن قال لزوجته قبل الدخول: أنت طالق وطالق وطالق (٣). ٢ - نُقل عن الإمام مالك رحمه اللَّه تعالى أن الواو للمعية والمقارنة، ونسب ذلك إلى الصاحبين أبي يوسف ومحمد من الحنفية، وقال النحوي ابن مالك رحمه اللَّه تعالى: "وكونها للمعية راجح"، وقال الآمدي الأصولي رحمه اللَّه تعالى: "وإن كان الأرجح في النفس هو الأول" أي: مذهب الجمهور القائلين بأن الواو لمطلق الجمع (٤).
следующие страницы →