← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

١ - حروف الإضافة والجر: وهي التي تفضي بمعاني الأفعال إلى الأسماء، ولها دلالة على المعنى، مثل الباء في قولنا: مررت بزيد، فإن الباء تدل على الإلصاق .. ، وهكذا، وسميت حروف جر لأنها تجر ما قبلها إلى ما بعدها، سواء كان الجار فعلًا، أو اسمًا، كما سيأتي تفصيل ذلك. ٢ - حروف العطف: وهي التي تجمع المعطوف والمعطوف عليه في حكم، ولكل منها معنى إضافي خاص، كما سيأتي. ويبحث علماء الأصول مع حروف المعاني بعض الظروف وكلمات الشرط، وهي أسماء، تشبيهًا للظروف والشروط بالحروف في بناء المعاني عليها، وعدم استقلالها في ذاتها، ويضعونها تحت عنوان: معاني الحروف، مع كونها أسماء من باب التجوز والتغليب (١). ولذلك نعرض في هذا الفصل حروف العطف، وحروف الجر، وأسماء الظرف، وأدوات الشرط، وذلك في أربعة مباحث.

стр. 667

المبحث الأول حروف العطف العطف في اللغة: الثني والرد والإمالة، يقال: عطف العودَ: إذا ثناه ورده، وعطف الشيء: أماله وحناه، وعطف إلى ناحية كذا: مال وتحوّل (١). والعطف في الكلام: أن تردَّ أحد المفردين إلى الآخر في الحكم، أو إحدى الجملتين إلى الأخرى في الحصول، ويكون العطف بأحد حروف العطف. وتشترك حروف العطف بالمعنى العام، وتختص الواو بمطلق الجمع، والفاء، وثمَّ، وحتى، بالترتيب، وأو، وأما، وأم بتعليق الحكم بأحد المذكورين، ولا، وبل، ولكن، ببيان مخالفة المعطوف للمعطوف عليه في حكمه. والواو هي أصل العطف؛ لأنها تثبت المشاركة، وتدل على مجرد الاشتراك، وأما سائر حروف العطف فتدل على معنى زائد على الاشتراك كما سبق بيانه، وسيأتي تفصيله. ونعرض في هذا المبحث أهم حروف العطف التي ترد كثيرًا في النصوص الشرعية، والنصوص التشريعية، ويتوقف الحكم على معناها. أولًا: الواو: وهي أكثر حروف العطف استعمالًا في الكلام، وهي لمطلق الجمع، عند جماهير أهل اللغة والأدب والنحو حتى ادّعى بعضهم الإجماع على ذلك (٢)، وهو رأي معظم علماء الشرع في المذاهب الأربعة (٣)، فالواو لا تدل على ترتيب ولا على معية أي: مقارنة، بل هي لمطلق الجمع بمعنى أي جمع

стр. 668

كان، سواء كان مرتبًا أم غير مرتب، وهو جمع أمرين وتشريكهما في الثبوت، أو النفي، مثل: قام زيد وعمرو، أي اشتركا في القيام، ولم يأت خالد وبكر، أي نفى الإتيان عنهما، دون بيان ترتيب أو معية. و استدلوا على ذلك بأدلة كثيرة ، أهمها: ١ - اللغة: نقل العلماء عن أئمة اللغة العربية، وبعد استقراء مواضع استعمال الواو، أنها لمطلق الجمع، كقولهم: جاء زيد وعمرو، فيفهم منه اجتماعهما في المجيء دون تعرض للترتيب في المجيء أو المقارنة فيه، ولو كانت للترتيب لوقع التناقض في القرآن الكريم في قصة واحدة، وقضية واحدة، ووقوع تقديم الدخول في آية، وتأخيره في آية، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف: ١٦١]، وكلام اللَّه منزه عن التناقض. وإن قول العرب: "لا تأكل السمكَ وتشربَ اللبنَ" معناه النهي عن الجمع بينهما من غير تعرض لمقارنة أو ترتيب في الوجود، سواء قدَّم هذا أم أخر ذلك. ٢ - الاستعمال: تستعمل الواو فيما يستحيل فيه الترتيب، كصيغ المفاعلة، مثل: تقاتل زيد وعمرو، واختصم بكر وخالد، فالمفاعلة تقتضي وقوع الفعلين معًا، فتكون الواو حقيقة في غير الترتيب، ولا تكون حقيقة في الترتيب، لمنع الاشتراك؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة. ويستحيل استعمال الواو في المواضع التي لا يصح فيها المقارنة، مثل اشترك زيدٌ وعمرو، أو المال بين زيد وعمرو، وسيّان قيامُك وقعودك، فهنا يستحيل الترتيب في هذه الأمثلة، مما يدل على أن الواو حقيقة للجمع دون ترتيب ولا مقارنة. كما تستعمل الواو حالة التصريح بتقديم أمر على آخر، مثل: جاء زيد وعمرو قبله، فلو دلَّت الواو على الترتيب لكان زيد أولًا، ثم عمرو، ووقع تناقض في الكلام.

стр. 669

٣ - القياس: إن الواو تفيد الجمع بين شيئين مختلفين دون ترتيب بينهما قياسًا على واو الجمع وألف التثنية في الأسماء المتماثلة دون دلالة على الترتيب، مثل جاء رجلان، أو حضر الرجال، ولا يمكن جمع الرجل والمرأة في كلمة واحدة، فأتى أهل اللغة بالواو للجمع فقط، فنقول: جاء رجل وامرأة، ولا نقصد الترتيب بينهما في المجيء. ٤ - عدم دخول الواو في جواب الشرط: فلو أفادت الترتيب لصح دخولها في جواب الشرط كالفاء؛ لأن جواب الشرط يعقب الشرط، وتستعمل فيه الفاء التي تدل على التعقيب، كقولك: إذا نجح الولد فأعطه مكافاة، ولا يصح أن تقول: إذا نجح الولد وأعطه مكافأة. واستدل الحنفية بذلك على عدم وجوب الترتيب في الوضوء؛ لأنها معطوفة بالواو في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أما الشافعية فاستدلوا على وجوب الترتيب ليس بالواو بل لأن اللَّه تعالى ذكر مسح الرأس بين غسل اليدين والرجلين، مما يدل على ترتيب الغسل فالمسح فالغسل، فأدخل ممسوحًا بين مغسولين، ولم يستدلوا بأن الواو للترتيب، فإنها لا تفيده بمجردها (١). آراء أخرى في حكم الواو: ١ - قال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: إن الواو للترتيب، وهو قول أبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، والواجب البدء في السعي بالصفا؛ لقوله ﷺ لمن سأله من الصحابة: "بِمَ نَبْدَأ؟ " فقال: "ابدَاؤُوا بما بَدَأ اللَّه به" (٢) فكان جواب الرسول ﷺ مبينًا أن الواو للترتيب، وردَّ الجمهور ذلك بأن الصحابة رضوان اللَّه عليهم من أهل اللغة، فلو كانت الواو للترتيب لما سألوا عن ذلك، والترتيب ثبت بالحديث، وليس من الآية.

стр. 670

واستدلوا بما رواه مسلم أن خطيبًا أعرابيًّا قال بين يدي النبي ﷺ : "مَنْ يُطعِ اللَّه ورسولَه فقد رَشَد، ومن يعْصِهما فقد غَوَى" فقال ﵊: "بئْسَ الخطيبُ أنت، قل: ومن يعصِ اللَّه ورسولَه فقد غوى" (١)، قالوا: فلو كانت الواو لمطلق الجمع لم يكن فرق بين العبارتين، وردّ الجمهور بأن إنكار الرسول ﷺ إنما كان ليؤكد تعظيم اللَّه تعالى بالذكر، وأن معصية اللَّه والرسول متلازمان، ولا يتصور الترتيب فيهما، بدليل ورود عبارة: "ومن يعصهما" في أقوال الرسول ﷺ نفسه (٢). وأكد الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي رحمهما اللَّه تعالى ذلك من بعض الأحكام الفقهية التي لا تتفق مع كون الواو لمطلق الجمع فيمن قال لزوجته قبل الدخول: أنت طالق وطالق وطالق (٣). ٢ - نُقل عن الإمام مالك رحمه اللَّه تعالى أن الواو للمعية والمقارنة، ونسب ذلك إلى الصاحبين أبي يوسف ومحمد من الحنفية، وقال النحوي ابن مالك رحمه اللَّه تعالى: "وكونها للمعية راجح"، وقال الآمدي الأصولي رحمه اللَّه تعالى: "وإن كان الأرجح في النفس هو الأول" أي: مذهب الجمهور القائلين بأن الواو لمطلق الجمع (٤).

стр. 671

استعمالات الواو: تستعمل الواو مجازًا لمعان أخرى، أهمها: ١ - بمعنى مع: كقولهم: جاء البرد والتدفئة، ونحوه من المفعول معه، أي البرد مع التدفئة. ٢ - بمعنى أو: كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، وقوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، أي: مثنى أو ثلاث أو رباع. ٣ - بمعنى رب: كقول الشاعر: وبَلْدةٍ ليس بها أَنيسُ ... إلا اليعافيرُ وإلا العِيْسُ (١) أي: ورب بلدة. وقول الشاعر: ونارٍ لو نَفَخْتَ بها أضاءَت ... ولكنْ أنتَ تنفخُ في رَمَادٍ ٤ - بمعنى القسم: وتسمى واو القسم، كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ - ٢]، وهو في أوائل السور كثير. ٥ - بمعنى الاستئناف: وهو كثير، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ١]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ [مريم: ٦٥ - ٦٦]. ٦ - الحال: تأتي الواو لحالٍ، أي بمعنى الحال، نحو: جاء زيد والشمس

стр. 672

طالعة، ومثل: جاء خالد وهو يضحك (١). ثانيًا: الفاء: الفاء العاطفة للجمع والترتيب والتعقيب، باتفاق الأدباء، والعلماء، ويعبر عن ذلك أيضًا بالترتيب بلا مهلة، أي: إن المعطوف بعد المعطوف عليه بحسب ما يمكن، فالفاء تدل على وقوع الثاني عقب الأول بغير مهلة، لكن في كل شيء بحسبه. والدليل على أن الفاء للتعقيب أنه يجب أن يُربط جزاء الشرط بها إذا لم يكن فعلًا؛ لأن الجزاء يعقب الشرط، فيجب أن يدخل فيه لفظ يفيد التعقيب، مثل: إن قام زيد فعمرو قائم، فالجزاء، وهو قيام عمرو، يوجد عقب الشرط، وهو قيام زيد، ومثل: إن دخلتِ الدار فأنت طالق، فلا يقع الطلاق، وهو الجزاء، إلا بعد وقوع الشرط، وهو الدخول، فيقع الطلاق عقبه على الترتيب من غير تراخ. أما إن كان الجزاء فعلًا ففيه تفصيل، فإن كان فعلًا ماضيًا فلا يجوز دخول الفاء عليه، نحو: إن قام زيد قام عمرو، إلا إذا سبقَ فعلَ الجزاء الماضي (قد)، فيجب دخول الفاء نحو: إن قمتَ فقد قمتُ. وإن كان الفعل مضارعًا جاز دخول الفاء عليه، ولا يجب، نحو: إن قام زيد يقوم عمرو، إلا إذا كان فعل الجزاء المضارع مسبوقًا بالسين أو سوف، أو كان منفيًّا بلا، فيجب دخول الفاء، نحو إن نجحتَ فسوف أكرمُك، وإن سافرت فلا تغفلْ عن ذكر اللَّه. وإن كان فعل الجزاء أمرًا فيجب دخول الفاء، نحو: إن استيقظت من النوم فصلِّ الفرض. واستدل الفقهاء أيضًا على أن الفاء للتعقيب أنها تدخل على المعلول الذي يعقب العلة، نحو: جاء الشتاء فتأهب، وإنما تدخل الفاء على العلل

стр. 673

إذا كان ذلك مما يدوم ويمتد؛ لأن العلة إذا كانت دائمة كانت في حالة الدوام متراخية عن ابتداء الحكم، فيصح دخول الفاء عليها بهذا الاعتبار، وتسمى الفاء هنا فاء التعليل؛ لأنها بمعنى لام التعليل. أنواع التعقيب: إن الترتيب والتعقيب في الفاء نوعان: ١ - الترتيب والتعقيب المعنوي: مثل: قام زيد فعمرو، أي: لتعقيب المعنى في الزمان في عطف الفرد، ومثله: جاء خالد فسعيد. ٢ - الترتيب والتعقيب الذكري: أي للتفصيل بعد الإجمال في عطف الجمل، أو هو عطف، مفصل على مجمل، كقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦]، وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]، ومثله: توضأ فغسل وجهه، ومثله: قال فأحسن، خطب فأوجز، أعطى فأجزل. وقد يختلف العلماء في اعتبار الفاء من النوع الأول أم من الثاني، كما في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فقال الجمهور: الفاء هنا للتعقيب الذكري، ويترتب على ذلك أن الفيء في مدة التربص وبعدها، وعند مضيها يوقفه القاضي إلى أن يفيء أو يطلق، وقال الحنفية: إنها للتعقيب المعنوي، فالفيء في المدة لا غير، فإن مضت وقع الطلاق بالمضي. استعمالات الفاء: ١ - التعقيب مجازًا: كقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)﴾ [طه: ٦١]، فالافتراء في الدنيا، والسحت وهو الاستئصال إنما هو في الآخرة، لكن لما كان الاستئصال مقطوعًا بوقوعه جزاء للمفتري جعل كالواقع عقب الافتراء مجازًا، ومثله قوله

стр. 674

تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فالرهن مما يتأخر عن المداينة، وتأويله أن حكم المداينة الرهينةُ، فكان التعقيب مجازًا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ [الأعراف: ٤]، فإن مجيء البأس مقدم على الإهلاك، وتأويله أنه للترتيب الذكري، أو فيه حذف تقديره: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]. ٢ - بمعنى الواو: كقول الشاعر امرئ القيس: قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومَنْزِلِ ... بسِقْط اللِّوى بَيْنَ الدَّخولِ فحَوْمَلِ ٣ - السبببة: تأبي الفاء سببية، أي: ما قبلها سبب لما بعدها، وهو كثير في عطف الجمل، كقوله تعالى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، وكذا في عطف الصفات، كقوله تعالى: ﴿لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٢ - ٥٤]. ٤ - رابطة للجواب: تأتي الفاء رابطة للجواب في ست حالات: الأولى: أن يكون الجواب جملة اسمية، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]. الثانية: أن يكون الجواب جملة فعلية، وهي التي فعلها جامد، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا﴾ [الكهف: ٣٩ - ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨]. الثالثة: أن يكون فعلها إنشاء، كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ [الملك: ٣٠]، وهنا جملة اسمية وإنشاء، وقوله: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ

стр. 675

مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]. الرابعة: أن يكون فعلها ماضيًا لفظًا ومعنى، إما حقيقة نحو قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦]، وإما مجازًا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، فهذا الفعل نُزّل منزلة ما قد وقع؛ لتحقق وقوعه. الخامسة: أن تقترن الفاء بحرف استقبال، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥]. السادسة: أن تقترن الفاء بحرف له الصدر (١)، كقول الشاعر: فإنْ أَهْلِك فذي حَنَقٍ لظَاهُ ... عليَّ تكادُ تَلْتَهِبُ التهابًا (٢) ثالثًا: ثُمَّ: وهي حرف عطف، وتفيد الترتيب مع التراخي، أي: تدل على وقوع الثاني بعد الأول بمهلة، فيكون بين المعطوف والمعطوف عليه مهلة في الفعل المتعلق بهما، فإن قلتَ: جاء زيد ثم عمرو، وضربت بكرًا ثم خالدًا، كان المعنى أنه وقع بينهما مهلة، وهذا عند المذاهب الأربعة (٣).

стр. 676

لكن اختلف أئمة الحنفية في المراد من التراخي، وفي ظهور أثره، فقال الإمام أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى: إن التراخي راجع إلى المتكلم، ويظهر أثره في الحكم والتكلم جميعًا، فهو بمنزلة ما لو سكت ثم استأنف قولًا، فكأنه تكلم بالمعطوف عليه، ثم سكت، ثم تكلم بما بعد ثمَّ، فصار كل منهما بمنزلة كلام منفصل عن الآخر؛ لأن ثمَّ تفيد مطلق التراخي، والمطلق ينصرف إلى المعنى الكامل فيه، فيثبت أثره في التكلم والحكم، وقال الصاحبان: أبو يوسف ومحمد رحمهما اللَّه تعالى: التراخي راجع إلى الحكم لا في التكلم، كما في كلمة "بعد"؛ لأن الكلام متصل حقيقة، فلا يجعل التكلم منفصلًا، ولا يصح الانفصال مع العطف، فيبقى الاتصال حكمًا مراعاة لحق العطف. ويظهر أثر الاختلاف في المثال، فإذا قال رجل لامرأته قبل الدخول: أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار، فعند أبي حنيفة يقع طلقة واحدة، ويلغو ما بعده، كأنه سكت على اللفظ الأول، ثم استأنف، ويكون التراخي في التكلم بمنزلة الكلام المنفصل عن بعضه، ولا يقع الطلاق الثاني والثالث؛ لأن المرأة بانت بالطلاق الأول، ولم تعد محلًا للثاني والثالث، وكذا عند الصاحبين في المرأة غير المدخول بها، أما إن قال ذلك للمرأة المدخول بها فيقع الثلاث مرتبًا عند وجود الشرط لصلوح المحل بها عند الصاحبين، وعند أبي حنيفة يقع الأول عند وقوع الشرط، ويقع الثاني، والثالث حالًا لصلاح المحل (١). استعمالات ثمَّ: ١ - ثم بمعنى الواو مجازًا:

стр. 677

تستعمل "ثم" بمعنى الواو مجازًا، كقوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣ - ١٤]، ثم قال اللَّه تعالى بعدها: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧]، فالإيمان مقدم على العمل، ويبتنى عليه سائر الأعمال الصالحة، وهو شرط لصحتها وقبولها من الشخص، فدل على أن "ثم" هنا بمعنى الواو، ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]، فهنا يتعذر العمل بحقيقة "ثم" للتراخي؛ لأن اللَّه تعالى شهيد على فعلهم قبل الرجوع إليه، كما هو شهيد عليه بعد ذلك، فتكون "ثم" بمعنى الواو. ٢ - ثم لتفاوت الرتبة: إن "ثم" لترتيب الثاني على الأول في الوجود بمهلة بينهما في الزمان، وتأتي لتفاوت الرتبة بمهلة في المعنى، مع ما بينهما من قدر مشترك، كقول الشاعر: إنَّ مَنْ سَادَ ثم سَادَ أبُوه ... ثمَّ سَادَ قَبْلَ ذلك جَدُّهُ (١) فهذا يدل على تفاوت رتبة الابن من أبيه، أو لتفاوت رتبة سيادته من سيادة أبيه (٢). رابعًا: أو: إن "أو" حرف عطف في اللغة، وهي لأحد الشيئين، وحقيقتها وأصلها أنها تتناول أحد ما تدخل عليه لا جميعه، وتكون للشك أو للتخيير، والشك يعني أن المتكلم شاكٌّ لا يعلم أحد الشيئين على التعيين، كقوله: جاء هذا أو

стр. 678

هذا، فهو شك في أيهما هو الذي جاء، والحقيقة أن الشك يحصل من محلِّ الكلام، وهو الإخبار، والمتكلم يفهم غيره بذلك، ونحو قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣] (١). وتأتي "أو" لأحد ثلاثة معان، بحسب ما تدخل عليه في الإثبات، أو في النفي، أو في الإنشاء. فإن دخلت "أو" على الخبر حالة الإثبات فإنها تتناول أحد المذكورات لا جميعها، كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقوله تعالى في فدية الإحصار بالحج: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وإن دخلت "أو" حالة النفي تناولت كل واحد مما دخلت عليه، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، أي: لا هذا ولا ذاك، وتقديره: لا تطع أحدًا منهما، وهو نكرة في سياق النفي فيعم، كما سبق في صيغ العموم، وكذا إن حلف لا يفعل هذا أو هذا، حنث بفعل أحدهما، لأنه يعم الاثنين. وإن دخلت "أو" على الإنشاء فتدل على التخيير أو الإباحة (٢)، فالتخيير نحو: خذ دينارًا أو درهمًا، تزوج هندًا أو أختها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] (٣)، والإباحة نحو: جالس الفقهاء أو المحدثين، ونحو

стр. 679

قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، فالاستثناء كان من التحريم، فأفاد الإباحة في جميِع هذه الأشياء، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، فهنا لا تفيد الشك قطعًا (١). وإذا دخلت "أو" على مفردين فإنها تفيد ثبوت الحكم لأحدهما، نحو: جاءني زيد أو عمرو، وإذا دخلت على جملتين أفادت حصول مضمون إحداهما، نحو قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وقوله تعالي: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، فتدل "أو" على أحد الفعلين (٢). استعمالات أو: تستعمل "أو" لمعان عدة، أهمها: ١ - الإبهام أو التشكيك: تأتي "أو" للإبهام، ويعبر عنه بالتشكيك، نحو: قام زيد أو عمرو، إذا علم القائل القائم منهما، ولكنه قصد الإبهام على المخاطب، فهذا تشكيك من جهة المتكلم، وإبهام من جهة السامع. ٢ - بمعنى أو: تأتي "أو" لمطلق الجمع بين أمرين كالواو، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ

стр. 680

إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات: ١٤٧]، على رأي الكوفيين، ونحو قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، ومعناه: وأشد قسوة. ٣ - التقسيم أو التفريق: تأتي "أو" للتقسيم أو للتفريق بين أمرين فأكثر، نحو: الكلمة اسم أو فعل أو حرف. ٤ - بمعنى إلى: تأتي "أو" بمعنى "إلى" نحو: لألزمنَّك أو تقضيني حقي، أي: إلى أن تقضيني حقي. ٥ - بمعنى إلا: تأتي "أو" بمعنى "إلا" نحو: لأقتلن الكافر أو يسلم، أي: إلا أن يسلم، ومنه قول الشاعر: وكنتُ إذا غَمَزْتُ قَناة قَوْمٍ ... كسَرْتُ كُعُوبَها أو تَسْتَقيما (١) أي: إلا أن تستقيم. ٦ - الإضراب: تأتي "أو" بمعنى الإضراب، كحرف "بل"، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات: ١٤٧]، على رأي من لم يجعلها لمطلق الجمع. ٧ - التفصيل والتنويع: تأتي "أو" للتفصيل بين حالات، وهو قول جمهور الفقهاء (٢) في آية المحاربة وقطاع الطريق التي وردت في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، فالإمام (أو القاضي) ليس مخيرًا عند الجمهور، لأن الآية فصّلت العقوبات حسب الجرائم، فمن حارب وقتل وأخذ المال صُلب، ومن قتل فقط قُتل، ومن أخذ المال قُطع، ومن أخاف السبيل نُفي من

стр. 681

الأرض، بقرينة أن الجزاء يزداد بازدياد الجناية، وينقص بنقصانها، فوزِّعت العقوبات وتنوعت على حسب الأفعال، وأيد الجمهور رأيهم بما رواه ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ "وادع أبا برزة هلال بن عويمر الأسلمي على ألا يعينه ولا يعين عليه، فجاءه أناس يريدون الإسلام، فقطع عليهم أصحابه الطريق، فنزل جبريل ﵇ بالحد فيهم: أن من قتلَ وأخذَ المال صُلب، ومن قتل ولم يأخذ المالَ قُتل، ومن أَخذَ المال ولم يقتل قُطعت يدُه ورجلهُ من خلاف، ومن جاء مسلمًا هَدَم الإسلام ما كان منه في الشرك" وفي رواية: "ومن أخاف الطريق ولم يأخذ المال ولم يقتل نُفي" (١). ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥]، فلا توجد فرقة تميز بين اليهودية والنصرانية، وإنما اهو إخبار عن جملة اليهود والنصارى أنهم قالوا، ثم فصَّل ما قاله كل منهم. ٨ - الإيهام: قد تأتي "أو" لمجرد الإيهام وإظهار النصفة، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. ٩ - أو بمعنى حتى: قد تستعار "أو" بمعنى حتى إذا وقع بعدها مضارع منصوب، نحو: لألزَمنَّك أو تعطيني، أي: حتى تعطيني، ولهذا قال النحاة: إنها بمعنى إلى؛ لأن الفعل الأول يمتد إلى وقوع الثاني، أو يمتد في جميع الأوقات إلى وقت وقوع الثاني بعده فينقطع امتداده، ومثله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، أي: حتى تقع توبتهم أو تعذيبهم (٢).

стр. 682

خامسًا: حتى العاطفة: إن "حتى" العاطفة هي للغاية، أي: للدلالة على أن ما بعدها غاية لما قبلها، ويتبع ما بعدها لما قبلها في الإعراب، ويكون المعطوف بها غاية لما قبلها في الزيادة التي تشمل القوة والتعظيم، أو في النقص الذي يشمل الضعف والتحقير، لأن معناها الغاية، مثل: مات الناسُ حتى الأنبياءُ، وقدِم الحُجَّاجُ حتى المشاةُ، ومثله الجارة نحو قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: ٥]، فليلة القدر سلام إلى غاية طلوع الفجر. وهي لمجرد العطف، فلا تفيد الترتيب كالواو عند الجمهور؛ نحو: حفظتُ القرآن حتى سورةَ البقرة، سواء كانت سورة البقرة أول ما حفظت أو متوسطًا أو آخرًا. ويشترط في حتى العاطفة أن يكون المعطوف جزءًا من المعطوف عليه، نحو: قدم الحجاجُ حتى المشاة، أو كجزئه، نحو: أعجبني عليٌّ حتى حديثُهُ، فإن حديثه ليس بعضًا منه، ولكنه كالبعض، لأنه معنى من معانيه، ولا يحصل ذلك إلا بذكر الكل قبل الجزء، ولا يصح أن يقال: جاء الرجال حتى هند؛ لأن المعطوف ليس جزءًا من المعطوف عليه، ولا يقال: جاء القوم حتى الحمار، ولا جاء زيد حتى القوم، لسبق الجزء على الكل، ولا تقول: جاء زيد حتى عمرو، للمساواة بينهما، وكل ذلك يقع بعطف الواو. وقد يكون المعطوف بحتى مباينًا لمتبوعه في الجنس، لكنه موافق له في المعنى، فتقدر بعضيته، كقول الشاعر: ألقى الصَحِيفةَ كيْ يُخفِّفَ رَحْلَهُ ... والزادَ حتى نَعْلَهُ ألقاها (١) فالمعنى ألقى ما يثقله حتى نعله. كما يشترط في حتى العاطفة أن يكون الحكم مما ينقضي شيئًا فشيئًا حتى

стр. 683

ينتهي إلى المعطوف، لكن بحسب اعتبار المتكلم، لا بحسب الوجود نفسه، فقد يتعلق الحكم بالمعطوف أولًا، مثل: مات كل أب لي حتى آدم. وتتعين حتى للعطف في قول القائل: أكلتُ السمكةَ حتى رأسَها، بالنصب، كما أن حتى العاطفة لا تخرج عن معنى الغاية كما سبق. حكم حتى: قال جمهور أهل اللغة والعلماء: إنها لمجرد العطف، ولا تفيد الترتيب كالواو، وقال بعضهم: إنها تقتضي الترتيب والتعقيب كالفاء، ولعلهم أرادوا أنها بمعنى الفاء للمناسبة الظاهرة بين التعقيب والغاية، وقال آخرون: إنها تفيد الترتيب والمهلة، مثل "ثمَّ"، ولعلهم أرادوا ذلك مجازًا؛ لأن الفاء و"ثم" يرتبان أحد الفعلين على الآخر في الوجود، أما حتَّى فإنها ترتب ترتيب الغاية والنهاية. استعمالات حتى: تستعمل حتى في عدة أحوال، منها: ١ - حرف جر: تستعمل حتى حرف جر بمنزلة "إلى" في المعنى والعمل، تقول: أكلتُ السمكةَ حتى رأسِها، أي: إلى رأسها. ٢ - حرف ابتداء واستئناف: تستعمل حتى حرف ابتداء، أي: حرفًا تبتدأ بعده الجمل، أي: تستأنف، ويقع بعدها جملة اسمية، وقد يذكر بعدَها خبرُها، مثل: ضربتُ القومَ حتى زيدٌ غضبانُ، وقد يحذف الخبر، مثل أكلتُ السمكةَ حتى رأسُها، بالرفع، أي: مأكولٌ. وقد يقع بعدها جملة فعلية، وتكون حتى إمّا للغاية، أو السببية والمجازاة، أو للعطف المحض، أو التشريك حسب العبارة والسياق. فإن كان صدر الكلام أي: ما قبل حتى يحتمل الامتداد، وما بعدها يصلح لانتهاء ذلك الأمر الممتد إليه، فتكون حتى للغاية، كما سبق، مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، أي: يمتد القتال لغاية إعطاء الجزية، ومثل قوله

стр. 684

تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧]، أي: لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى يتم الاستئذان. وإن لم يحتمل صدر الكلام، وآخره الانتهاء، وكان الصدر سببًا للفعل الواقع بعد حتى، فتكون بمعنى كي مفيدة السببية والمجازاة، كقوله: أسلمتُ حتى أدخلَ الجنة، فالدخول في الإسلام لا يوجب الانتهاء إلى دخول الجنة حقيقة، وإنما مجازًا، باعتباره يكون داعيًا إلى ذلك. وإن لم يصلح الصدر سببًا للثاني فتكون حتى للعطف المحض من غير دلالة على غاية أو مجازاة، كقوله: للَّه عليَّ صومُ يوم إن لم آتك غدًا حتى أتغدى عندك، فهي للعطف المحض لتعذر الغاية والسببية. ٣ - التعليل: تستعمل "حتى" للتعليل، نحو قوله: كلمته حتى يأمر لي بشيء، وزرته حتى يرضى، وعلامتها أن يصلح موضعَها حرفُ "كي"، وهي التي مرت للسببية، ومنه قولك: أَسْلِم حتى تدخل الجنة. ٤ - الاستثناء: تستعمل "حتى" في الاستثناء بمعنى "إلا" وهو قليل؛ لأنه عكس الغاية، فلا يكون ما بعدها تابعًا لما قبلها، نحو: ما جاء أحد حتى خالدًا، أي: إلا خالدًا (١). سادسًا: لكن: لكن العاطفة حرف مخفف النون، ومعناه الاستدراك، أي: التدارك، قال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "وفسّره المحققون برفع التوهم الناشئ عن الكلام السابق، مثل: ما جاءني زيد لكن عمرو، وذلك إذا توهم المخاطَبُ

стр. 685

عدم مجيء عمرو أيضًا، بناء على مخالطة وملابسة بينهما" (١). وبيَّن ابن النجار رحمه اللَّه تعالى حكمها فقال: "ومعنى الاستدراك: أن تنسب لما بعدها حكمًا مخالفًا لحكم ما قبلها، ولذلك لا بدَّ أن يتقدمها كلام مناقض لما بعدها" (٢). شروط الاستدراك: يشترط في "لكن" لتكون للعطف والاستدراك أربعة شروط: ١ - أن يتقدمها نفي، أو نهي. ٢ - أن يكون الكلام متصلًا بعضه ببعض غير منفصل ليتحقق العطف. ٣ - أن يكون محل الإثبات غير محل النفي ليمكن الجمع بينهما، ولا يتناقض آخر الكلام ما أوله. ٤ - ألّا تقترن بالواو، بأن يليها اسم، وهذا الاسم إما أن يكون مفردًا، وإما أن يكون جملة، بحسب ما تدخل عليه نفيًا أو إثباتًا. ففي عطف المفرد على المفرد يجب أن يكون ما قبلها منفيًا؛ لتحصل المغايرة، نحو ما جاء خالد لكن زيد، وفي عطف الجمل يجب اختلافهما في النفي والإثبات، ليحصل اختلاف الكلامين، فإن كانت الجملة الأولى مثبتة، وجب أن تكون الثانية منفية، مثل: رأيت زيدًا، لكن عمرًا لم يأت. وإن كانت الجملة الأولى منفية، وجب أن تكون الثانية مثبتة، نحو: ما ضربت زيدًا بل كلمتُ عمرًا، ويكفي أن يكون اختلاف الكلامين نفيًا وإثباتًا من جهة المعنى، سواء كانا مختلفين لفظًا كالأمثلة السابقة، أم لا، نحو: سافر خالد لكن زيد حاضر. وإن حرف "لكن" إذا عطف الجمل فهو نظير "بل" في الوقوع بعد النفي والإثبات، مع فروق بينهما كما سيأتي، وإنها في عطف المفردات نقيض "لا"

стр. 686

حيث تختص "لا" بما بعد الإيجاب، و"لكن" بما بعد النفي. استعمالات لكن: ١ - الابتداء: تستعمل "لكن" قبل جملة لابتداء الكلام، وليست حرف عطف، وفي هذه الحالة تقع بعد إيجاب، ونفي، ونهي، وأمر، لكنها لا تقع بعد الاستفهام. وتكون "لكن" استئنافية ابتدائية إذا فقدت شرطًا من الشروط السابقة، بألا يتسق الكلام بالاتصال، أو ألا يكون محل الإثبات غير محل النفي، وإذا لم يتقدمها نفي أو نهي، وإذا اقترنت بالواو، كمن اشترى سيارة بمائة، فقال البائع: لا أجيز البيع، لكن أجيزه بمائتين، فأبطل الأول، واستأنف عقدًا مستأنفًا. ٢ - لكنّ المشددة: إنّ [لكنّ] مشدَّدَ النون هي حرف مشبه بالفعل، تنصب الاسم وترفع الخبر، ومعناها الاستدراك أيضًا (١). سابعًا: بل: تأتي "بل" للعطف والإضراب، فهي إضراب عن الكلام الأول الذي قبلها، وإثبات للكلام الثاني الذي بعدها، وتستعمل في حالتي النفي والإثبات قبلها على سبيل التدارك للغلط، ويأتي بعدها المنفي والمثبت. فإن كان ما بعدها مفردًا في إثبات فتعطي حكم ما قبلها لما بعدها، نحو: جاء زيد، بل عمرو، وأكرم خالدًا، بل سعيدًا، فيثبت مجيء عمرو، وإكرام سعيد، ويكون الكلام الأول كأنه غير مذكور، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦ - ٦٧].

стр. 687

وإن كان ما بعدها مفردًا في نفي، فإنها تقرر ضد حكم ما قبلها لما بعدها، نحو: ما قام زيد بل عمرو، ولا تضرب خالدًا بل سعيدًا، فنفى قيام زيد وأثبت قيام عمرو، ونهى عن ضرب خالد، وأثبت الضرب لسعيد، ويكون الكلام الأول كأنه غير موجود على سبيل التدارك للغلط في الأول، بنفي الحكم عنه. ومعنى الإعراض عن الكلام الأول هو أنه يجعله كأنه غير مذكور، ويكون الحكم منصبًا على الثاني فقط، فلا يكون في العطف بـ "بل" إلا إخبار واحد، بخلاف "لكن". وقيل: إن "بل" للإعراض عما قبلها، أي جعله في حكم المسكوت عنه، فإذا انضم إليها "لا" صار نصًّا في نفي الأول، نحو: جاء زيد لا بل عمرو، وفي قول ثالث لبعض العلماء أن "بل" تكون ناقلة للحكم الأول لما بعدها، كما في الإثبات وما في حكمه، نحو: ما قام عمرو بل زيد، أي ما قام زيد أيضًا، ونحو: لا تضرب خالدًا، بل سعيدًا، أي لا تضرب سعيدًا أيضًا. أما إذا كان ما بعد "بل" جملة فلها معنى آخر، وهو الإضراب الإبطالي أو الانتقالي، كما سيأتي. الفرق بين "بل" و"لكن ": ١ - إن "لكن" في عطف المفرد على المفرد أخص من "بل" في الاستدراك، فإن "بل" تكون بعد الإيجاب، مثل: ضربت زيدًا بل عمرًا، وبعد النفي، نحو: ما جاء خالد بل سعيد، وأما "لكن" فلا تستدرك إلا بعد النفي، نحو: ما ضربت زيدًا لكن عمرًا، ولا يصح القول: ضربت زيدًا لكن عمرًا. ٢ - إن موجَب الاستدراك بحرف "لكن" هو إثبات ما بعده، وأما نفي الأول فليس من أحكامها، ويثبت ذلك بدليله، وهو النفي الموجود فيه صريحًا، بخلاف حرف "بل" فإن موجَبها وضعًا نفي الأول وإثبات الثاني. شروط الإضراب: يشترط لتكون "بل" للإضراب أن يكون صدر الكلام محتملًا للرد والرجوع عنه، فإن كان لا يحتمل صار بمنزلة العطف المحض، وتفيد إثبات

стр. 688

الأمر الثاني مضمومًا إلى الأول على سبيل الجمع دون ترتيب، نحو قول الرجل لامرأته: أنت طالق واحدة، لا بل اثنتين، فإنها تطلق ثلاثًا؛ لأنه لا يملك الرجوع عما أوقعه من الطلاق (١). استعمال "بل ": إذا وقعت "بل" قبل جملة فلا تكون عاطفة، سواء كانت الجملة اسمية أم فعلية، وإنما تكون لابتداء وإضراب، وهو نوعان: ١ - إبطال الحكم السابق: نحو قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠]، ونحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [الأنبياء: ٢٦]، أي: بل هم، ونحو قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾ [الطور: ٣٣]. ٢ - الانتقال: وهو إضراب للانتقال من حكم إلى حكم من غير إبطال الأول، نحو قوله تعالى ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ [المؤمنون: ٦٢ - ٦٣]، وقوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ [النمل: ٦٦]، ففي هذه الأمثلة لم تبطل شيئًا مما سبق، وإنما فيه انتقال من خبر عنهم إلى خبر آخر (٢)، والحاصل أن

стр. 689

الإضراب الانتقالي قطع للخبر لا للمخبَرِ عنه (١). ثامنًا: لا: بقي من حروف العطف: إما، أم، لا، ونبين معنى لا. إن "لا" تكون عاطفة، وفيها معنى النفي، ولا تعمل في لفظها شيئًا، نحو: قام زيد لا عمرو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ [يس: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ [القيامة: ٣١]، فالمعنى لم يصدّق ولم يصلِّ. وقال ابن الخشاب رحمه اللَّه تعالى: وهي عكس "بل"؛ لأن "بل" أضربت بها عن الأول إلى الثاني، فثبت المعنى الذي كان للأول للثاني، و"لا" بدَّلت معها بإثبات المعنى للأول فانتفى بها عن الثاني، ولهذا لم يعطف بها بعد النفي،، فلا تقول: ما جاءني زيد لا عمرو، لأنك لم تثبت للأول شيئًا فتنفيه بها عن الثاني" (٢). استعمالات لا: ١ - المزيدة: تأتي "لا" مزيدة، كقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾، [الأعراف: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]. ويشترط في زيادتها قصد تأكيد معنى النفي الذي انطوى عليه سياق الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢]، فهي تأكيد للنفي المعنوي الذي تضمنه

стр. 690

"منعك". ٢ - الناهية: تستعمل في المظنون حصوله، بخلاف "لن" فإنها تستعمل في المشكوك حصوله، ومن ثمَّ كان النفي بـ "لن" آكد، وإن "لا" لتأكيد النفي، بعكس "إن" لتأكيد الإثبات. ٣ - الناصبة: إذا دخلت "لا" على الاسم النكرة لنفي الجنس، فإنها تصبح مبنية وتنصب اسمها، نحو: لا رجلَ في الدار. ٤ - عمل ليس: إذا دخلت "لا" على الاسم النكرة لنفي الوحدة، فإنها تعمل عمل ليس، فترفع الاسم وتنصب الخبر، نحو: لا رجلٌ في الدار، بل رجلان. ٥ - غير العاملة: إذا دخلت "لا" على المعارف، فلا تعمل شيئًا، ويلزمها التكرار، نحو: لا زيد فيها ولا عمرو، وتكون "لا" عكس "بل"؛ لأن "بل" فيها إضراب عن الأول إلى الثاني نحو: جاء زيد بل عمرو (١).

стр. 691

المبحث الثاني حروف الجر حروف الجر كثيرة، وتسمى حروف الإضافة -كما سبق- لأنها تفضي بمعاني الأفعال إلى الأسماء، وعملها الأساسي الجر؛ لأنها تجر فعلًا إلى اسم، أي: تنسبه له، نحو: مررت بزيد، أو تجر اسمًا إلى اسم، نحو: المال لزيد، ونعرض أهمها تباعًا، وهي: الباء، وعلى، ومن، وإلى، وفي، واللام، وحتى (١). أولًا: الباء: الباء للإلصاق، وهو أن يضاف الفعل إلى الاسم، فيلصق به بعدما كان لا يضاف إليه لولا دخولها، فهو تعليق الشيء بالشيء، وإيصاله به. والإلصاق إما حقيقة، نحو: أمسكتُ الحبلَ بيدي، وإما مجازًا، نحو: مررتُ بزيد، فإن المرور لم يلصق به، وإنما ألصق بمكان يقرب من زيد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فهي هنا على رأي الحنفية أنها للإلصاق، أي ألصقوا أيديكم برؤوسكم. والأصل أن الباء، للإلصاق، ولا تنفك عنه، وقد تتجرد له حصرًا، وقد يدخلها مع ذلك معنى آخر، فيكون مجازًا. استعمالات الباء: تستعمل الباء لمعان عدة -مع الإلصاق-، فمن ذلك: ١ - التعدية: وتسمى باء النقل؛ لأنها تنقل وتصيّر الفاعل مفعولًا، نحو قوله تعالى:

стр. 692

﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، وأصله ذهب نورهم. ٢ - السببية: فيكون ما بعدها سببًا لما قبلها، نحو قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، [العنكبوت: ٤٠]، أي: بسبب ذنبه، وأدخل بعض النحويين باء الاستعانة بالسببية. ٣ - التعليل: بأن تدل على علة الحكم، نحو قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾، [النساء: ١٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤]، أي: لأجل دعائك. والفرق بين السببية والتعليل أن العلة موجبة لمعلولها، أما السبب فقد يكون علة، وقد يكون أمارة. ٤ - المصاحبة: وهي التي تكون بمعنى "مع" أو يغني عنها وعن مصحوبها الحال، نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٧٠]، أي: مع الحق، أو محقًا، ومثل: اشتريت الفرس بسرجه، وجاء زيد بسلاحه. ٥ - الظرفية: وتكون بمعني "في" للزمان، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨]، أو للمكان، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وقد تكون الظرفية مجازية، نحو: بكلامك بهجة، وجاءت بمعنى "في" في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤]، بمعنى في دعائك، على قول، ومنه: جلست بالسوق، أي: في السوق. ٦ - البدلية: وهي التي يجيء موضعها "بدل"، نحو قوله ﷺ : "ما يسرني بها حُمُرُ

стр. 693

النَّعَم" (١)، أي: بدلها. ٧ - المقابلة: وهي التي تدخل على الثمن والعوض، نحو: اشتريت الفرس بألف، والغالب أنها تدخل على الثمن، وربما دخلت على المثمن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١]، ولم يقل؛ ولا تشتروا آياتي بثمن قليل. ٨ - المجاوزة: وهي التي تكثر بعد السؤال، نحو قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، وتقل بعد غيره، نحو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]، وقيل بأنها باء السببية هنا. ٩ - الاستعلاء: تأتي الباء بمعنى "على"، نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾، [آل عمران: ٧٥]، أي: على دينار، وحكاه الجويني ﵀ عن الشافعي رحمه اللَّه تعالى. ١٠ - القسم: والباء أصل حروف القسم، نحو: باللَّه لأفعلنَّ. ١١ - الغاية: وهي بمعنى إليَّ، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾، [يوسف: ١٠٠]، أي: إليَّ. ١٢ - التوكيد: وهي الزائدة، إما مع الفاعل، نحو: أحسن بزيد، على قول البصريين أنه فاعل، أو مع المفعول، نحو قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، [مريم: ٢٥]، أو مع المبتدأ، نحو: بحسبك درهم، أو مع الخبر، نحو قوله تعالى:

стр. 694

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، [الزمر: ٣٦]، وقال المالكية: إنها للتوكيد في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أي: امسحوا رؤوسكم كاملة، ومثالها زائدة، قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، [البقرة: ١٩٥]. ١٣ - الاستعانة: أي: طلب المعونة بشيء على شيء، وهي الداخلة على آلة الفعل ونحوها، نحو: كتبت بالقلم، وقطعت بالسكين، وضربت بالسيف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، [البقرة: ٤٥]. ونظرًا لكونها للاستعانة فإنها تدخل على الوسائل التي يستعان بها على المقاصد، كالأثمان في البيوع، مثل: اشتريت الثوب بعشرة دراهم، فالعشرة ثمن يصح الاستبدال به بدلالة الباء، ولأن الثمن غير مقصود لذاته في البيع، بل هو تبع للمقصود وهو المبيع، فكان الثمن بمنزلة الآلة للشيء. وقال الحنفية: إن الباء إذا دخلت في آلة المسح فتعني استيعاب الممسوح، مثل: مسحت الحائط بيدي، أو مسحت بيدي الحائط، فيستوعب الحائط بالمسح، وإذا دخلت الباء على محل المسح اقتضت استيعاب الآلة، كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، [المائدة: ٦]، اي: امسحوا أيديكم برؤوسكم، أي: ألصقوها برؤوسكم، وهذا لا يقتضي استيعاب الرأس، بل يقتضي وضع آلة المسح وهي اليد على الرأس وإلصاقها، فيكون المفروض في الوضوء هو مسح بعض الرأس بمقدار اليد التي تساوي ربع لرأس (١). ١٤ - التبعيض: أي: تدل على البعض بمعنى "من" نحو قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾،

стр. 695

[الإنسان: ٦]، أي: منها، وقال بذلك الشافعية في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، أي: بعض رؤوسكم، فيكفي مسح القليل. وأنكر الحنفية دلالة الباء على التبعيض مطلقًا؛ لأنه لا أصل لذلك في اللغة، ويؤدي ذلك إلى التكرار والترادف مع كلمة "مِن" ويؤدي للاشتراك، وهو كون اللفظ الواحد دالًا على معنيين مختلفين، والترادف والاشتراك خلاف الأصل، فهي للإلصاق حصرًا، واحتجوا بقول ابن جني وابن بَرْهان: "من زعم أن الباء للتبعيض فقد أتى على أهل اللغة بما لا يعرفون". وقال الشافعية: أن الباء إذا دخلت عمى فعل لازم، فإنها تكون للإلصاق، مثل قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، [البقرة: ١٧]، ونحو: مررت بخالد، وتفيد الشمول والعموم، وإن دخلت على فعل متعد، فتكون للتبعيض، كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، ولا تفيد الشمول والعموم. وردَّ الشافعية على ابن جني وابن بَرْهان بما ورد في كلام العرب من أن الباء تدل على التبعيض، وذلك أمر مشتهر أثبته أئمة اللغة كالأصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك، ومنه قول الشاعر: شَربْنَ بماءَ البَحْر، ثم ترفَّعت ... متى لُجَجٍ خَضْرٍ لهنَّ نئيجُ (١) أي: من ماء البحر، وقول الشاعر: فلثمتُ فاها آخِذًا بقُرُونها ... شرْب النَّزيف ببَرْدِ ماءَ الحَشْرج (٢) أي: من برد ماء، وفيه أمثلة أخرى (٣).

стр. 696

ثانيًا: على: " على" حرف جر للاستعلاء، أي: لوقوع الشيء على الشيء وعلوه فوقه، يقال: فلان علينا أمير؛ لأن للأمير علوًا وارتفاعًا على غيره، ويقال: زيد على السطح، أي: يعلوه. والاستعلاء إما ذاتي حسي، نحو قوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، [هود: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ [المؤمنون: ٢٢]، وإما معنوي، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾، [المائدة: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، [آل عمران: ٩٧]. ولما كانت "على" للاستعلاء، فإنها تدل على الإلزام والوجوب لغة؛ لأن الاستعلاء لا يكون إلا في الإلزام والإيجاب، فإذا قال الشخص: لزيد علي ألف درهم، فإنه يكون ملزمًا له بدين لا غير؛ لأن الدَّيْن يستعلي من يلزمه، ولذا يقال: ركبه الدَّيْن، فالدَّيْن يعلوه ويركبه بحسب المعنى والتقدير. استعمال على: تستعمل "على" مجازًا لمعان أخرى، أهمها: ١ - التفويض: كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، [آل عمران: ١٥٩]، أي: إذا عقدت قلبك على أمر بعد الاستشارة فاجعل تفويضك فيه إلى اللَّه. ٢ - المصاحبة: أي: بمعنى "مع" نحو قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾، [البقرة: ١٧٧]،

стр. 697

أي: مع حبه له، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، [النساء: ٢]، أي: مع أموالكم. ٣ - المجاوزة: أي: بمعنى "عن" نحو قول الشاعر القُحَيْف العقيلي: إذَا رَضيتْ عَلَيَّ بنو قُشَيْرٍ ... لعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضاها أي: إذا رضيت عني. ٤ - التعليل: أي: بمعنى "في" نحو قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، [البقرة: ١٨٥]، أي: لهدايتكم. ٥ - الظرفية: أي: بمعنى "في " نحو قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، [البقرة: ١٠٢]، أي: في ملك سليمان. ٦ - الاستدراك: أي: بمعنى "لكن" نحو قولك: فلان لا يدخل الجنة لسوء صنعه، على أنه لا ييئس من رحمة اللَّه، أي: لكن لا ييئس. ٧ - الزيادة: أي: تكون زائدة للتأكيد، نحو قوله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ" (١)، أي: يمينًا. ٨ - الإسمية: تستعمل "على" اسمًا إذا دخل عليها حرف جر، كقول الشاعر مزاحم العقيلي يصف القطا:

стр. 698

غَدَتْ مِن عَلَيْهِ بعدَما تَمَّ ظمْؤُها ... تصِلُّ وعن قيضٍ ببيداءَ مَجْهَلِ وتكون اسمًا عند الأخفش إذا كان مجرورها وفاعل متعلقِها ضميرين لمسمى واحد، نحو قوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، [الأحزاب: ٣٧]، وقال جماعة: إنها اسم دائمًا. ٩ - الشرط: تستعمل "على" للشرط، نحو قوله تعالى: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، [الممتحنة: ١٢]، أي: بشرط عدم الإشراك. ١٠ - بمعنى الباء: تستعمل "على" بمعنى "الباء" مجازًا أي: للإلصاق، في المعاوضات المحضة، كالبيع والإجارة، لمناسبة اللزوم فيها للإلصاق بين العوض والمعوض، نحو قولك: بعتك هذا الثوب على ألف، فالمعنى بألف؛ لأن الشرط لا يمكن في المعاوضات؛ لأنها لا تقبل الشرط، وكذا في الطلاق على عوض. لكن قال أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى: "على" في الطلاق للشرط؛ لأنه يقبل الشرط، فيحمل على معناه الأصلي، فإذا قالت: طلقني ثلاثًا على ألف، فطلقها واحدة، لا يجب ثلث الألف؛ لأنها للشرط، وأجزاء الشرط لا تنقسم على أجزاء المشروط؛ لأن وقوع المشروط والشرط يحصل بالتعاقب، فلا يتقدم جزء من المشروط على الشرط، وقال الصاحبان من الحنفية: يجب عليه ثلث الألف؛ لأن "على" بمعنى الباء، فتكون الألف عوضًا، لا شرطًا (١). ثالثًا: في: " في" حرف جر تدل على الظرفية الزمانية أو المكانية، أي: تجعل ما

стр. 699

تدخل عليه ظرفًا لما قبلها ووعاءً له، مثالهما قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٢ - ٤]، فالأولى للمكان، والثانية للزمان. وتكون الظرفية إما حقيقة إذا كان الظرف ومظروفه جسمين، نحو جلست في المسجد، وزيد في الدار، والمال في الكيس، وإما مجازًا وتقديرًا إذاكان الظرف ومظروفه معنيين، أو كان أحدهما معنى، نحو: البركة في القناعة، والإيمان في القلب، وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾ [البروج: ١٩]. وأما قوله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، [طه: ٧١]، فقال أكثر النحاة: إنها للظرفية؛ لأنه لما كان المصلوب متمكنًا على الجذع كتمكن الشيء في المكان، عبّر عنه بفي، وقال بعضهم: إنها بمعنى "على" أي: لأصلبنكم على جذاع النخل على طريق المجاز. استعمالات في: تستعمل "في" مجازًا في عدة استعمالات، وبمعانٍ أخرى، أهمها: ١ - بمعنى على للاستعلاء: تأتي "في" بمعنى "على"، كما في قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، [طه: ٧١]، أي: على جذوع، وكقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾، [الطور: ٣٨]، أي: عليه، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، [الأنعام: ١١]، وكقوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، [الملك: ١٧]، أي: على السماء. ٢ - التعليل: تأتي "في" للتعليل، نحو قوله تعالىِ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾، [يوسف: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، [النور: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾، [الأنفال: ٦٨]. ٣ - السببية:

стр. 700

تأتي "في" للسببية، كقوله ﷺ : "في النَّفْسِ المؤمنةِ مائة" (١)، أي: قتل النفس سبب لوجوب هذا المقدار، وقوله ﷺ : "دخلتِ امرأةٌ النَّار في هرّة" (٢)، أي: بسبب هرة، وقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾، [النور: ١٤]، أي: بسببه، وقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾، [الأنفال: ٦٨]. ٤ - التوكيد: تأتي "في" زائدة للتوكيد، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾، [هود: ٤١]، أي: اركبوها، لأن الركوب يستعمل بدون "في" فهي مزيدة توكيدًا. ٥ - التعويض: تأتي "في" زائدة عوضًا عن أخرى محذوفة؛ كقوله: رغبتُ فيمن رغبتُ، أي: فيه. ٦ - معنى الباء: تأتي "في" بمعنى "الباء" نحو قوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾، [الشورى: ١١]، أي يكثرهم به. ٧ - معنى إلى: تأتي "في" بمعنى "إلى"، نحول قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾، [إبرهيم: ٩]، أي: إلى أفواههم غيظًا. ٨ - معنى من: تأتي "في" بمعنى "مِنْ" الجارة، كقول امرئ القيس: ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال أي: من ثلاثة أحوال. ٩ - معنى مع للمقارنة:

стр. 701

إذا نسبت "في" إلى الفعل فتكون بمعنى "مع" للمقارنة، كقوله: أنت طالق في دخولك الدار، "أي: مع دخولك؛ لأن الفعل لا يصلح ظرفًا للطلاق على معنى أن: يكون شاغلًا له (١)؛ لأن الفعل عرض لا يبقى، فتعذر العمل بحقيقة "في" فيُجعل مستعارًا لمعنى المقارنة؛ لأن الظرف في معنى المقارنة (٢). وفرع الحنفية على معنى "في" بعض المسائل، وفرقوا بين قول القائل: صمت هذه السنة، وقوله: صمت في هذه السنة، وبين قول القائل: أنت طالق غدًا، وقوله: أنت طالق في الغد، وكذا إذا أضيفت "في" إلى المكان مثل: أنت طالق في الدار أو في الظل أو الشمس، فتطلق المرأة في الحال حيث كانت، لأن المكان لا يصلح ظرفًا للطلاق، إذ الظرف بمنزلة الوصف له، فلا فرق فيه بين الأمكنة، بخلاف إضافة الطلاق إلى الزمان فيصح ظرفًا له (٣). رابعًا: مِنْ: " مِنْ" حرف جر لابتداء الغاية حقيقة، والغاية هي النهاية، سواء في المكان اتفاقًا، وعلامتها أن تقارنها "إلى" نحو قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، [الإسراء: ١]، أم في الزمان عند كثيرين، نحو قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، [التوبة: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾، [الإسراء: ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، [الروم: ٤].

стр. 702

استعمالات مِن: تستعمل "مِن" مجازًا في معان عدة، أهمها: ١ - التبعيض: كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، [التوبة: ١٠٣]، أي: بعض أموالهم، ومثل: أكلت مِن الخبز، وأخذت من الدراهم، وتعرف بصلاحية إقامة البعض مقامها، وضابطها أن يصلح فيه بعض مضافًا إلى بعض، نحو قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾، [البقرة: ٢٥٣]، وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾، [غافر: ٧٨]، وقوله: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، [آل عمران: ٩٢]. ٢ - بيان الجنس: تكون "من" لتبيين الجنس، وضابطها أن يتقدمها عام، ويتأخر عنها خاص، مثل: ثوب من صوف، وخاتم من حديد، وقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾، [الحج: ٣٠]. ٣ - التأكيد: تأتي "من" زائدة للتاكيد، مثل: ما جاءني من أحد، وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾، [نوح: ٤]، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، [الأعراف: ٥٩]، والمعنى: يغفر لكم ذنوبكم، وما لكم إله غيره. ٤ - التعليل: تستعمل "من" للتعليل، نحو قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾، [البقرة: ١٩]، أي: لأجل الصواعق. ٥ - البدل: تستعمل "من" للبدل، نحو قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾، [التوبة: ٣٨]، أي: بدل الآخرة، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ [الزخرف: ٦٠]، أي: بدلكم. ٦ - انتهاء الغاية: تستعمل "من" لانتهاء الغاية مثل "إلى" فتكون لابتداء الغاية من الفاعل، ولانتهاء غاية الفعل من المفعول، نحو: رأيت الهلال من داري من خلال

стр. 703

السحاب، أي: من مكاني إلى خلال السحاب، فابتداء الرؤية من الدار، وانتهاؤها في خلال السحاب، وقال بعض النحاة: إنها لابتداء الغاية في حق الفاعل أيضًا بتقدير: رأيت الهلال من داري ظاهرًا من خلال السحاب. ٧ - تنصيص العموم: وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي، نحو ما جاءني من رجل، وعند عدم دخولها يحتمل نفس الجنس ونفي الوحدة، فتقول: ما جاء رجل، ويصح أن تقول: بل رجلان، فإن دخلت "مِن" صار النفي للجنس، وامتنع أن تقول: بل رجلان. ٨ - الفصل: تستعمل "من" للفصل بين أمرين، نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وتُعرف بدخولها على ثاني المتضادين. ٩ - معنى الباء: تستعمل "من" بمعنى "الباء" نحو قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أي: بطرف. ١٠ - معنى في: تستعمل "من" بمعنى "في" نحو قوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠]، أي: في الأرض، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢]، أي: في قوم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ٩٢]. ١١ - معنى عند: تستعمل "من" بمعنى "عند" نحو قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]، أي: عند اللَّه، ومثله قوله ﷺ : "ولا يَنْفَعُ ذا الجَدّ منك الجَدُّ" (١).

стр. 704

١٢ - معنى على: تستعمل "مِن" بمعنى "على" نحو قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، أي: على القوم. ١٣ - معنى عن: تستعمل "مِن" بمعنى "عن" نحو قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، أي: عن ذكر اللَّه (١). خامسًا: إلى: " إلى" حرف جر، وتستعمل لانتهاء الغاية زمانًا ومكانًا بالاتفاق، مثل: سرت من البصرة إلى الكوفة، ومن الصباح إلى المساء. وتكون "إلى" لانتهاء الغاية إذا كان صدر الكلام يحتمل الامتداد والانتهاء إلى مكان الغاية أو زمانها. فإن لم يحتمل ذلك، فينظر: إن أمكن تعليق الكلام بمحذوف دل عليه الكلام فيقدر المحذوف، مثل: بعتُ إلى شهر، فالبيع ناجز لا يحتمل الانتهاء إلى غاية، لكن يمكن تعليقه بمحذوف دل عليه الكلام، وهو: بعتُ وأجّلت الثمن إلى شهر، وإن لم يمكن تعليق الكلام بمحذوف مفهوم ضمنًا، فيكون الأجل واردًا على صدر الكلام، مثل: أنت طالق إلى شهر، فيقع الطلاق عند مضي شهر. دخول الغاية وعدمه: اختلف العلماء في دخول المذكور بعد "إلى" فيما قبله، حتى يشمله

стр. 705

الحكم السابق أو لا يدخله، ووضعوا ضوابط للدخول وعدمه، والأشهر عدم دخوله (١)، مع تفصيل في ذلك: أ- فإن كانت الغاية قائمة بنفسها، بأن كانت موجودة قبل التكلم، وليست مفتقرة إلى الكلام السابق فإنها لا تدخل، مثل: بعث هذه الأرض من هذا الحائط إلى ذاك، وأكلت السمكة إلى رأسِها، فالغايتان لا تدخلان في البيع والأكل، ومثله قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، فإن الإسراء إلى المسجد الأقصى لم يثبت حكمه بمقتضى هذا النص، وإنما ثبت بالأحاديث المشهورة. ب- وإن لم تكن الغاية غاية بنفسها قبل التكلم، فيفرق بين حالتين: الحالة الأولى: إن لم يكن صدر الكلام متناولًا للغاية، فلا تدخل الغاية في حكم ما قبلها، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فالصيام لا يتناول الليل، وإنما يمتد حكمه إلى الليل؛ لأنه لو دخل الليل في الصيام لأدى إلى الوصال في الصوم، وهو حرام، وتسمى هذه الغاية غاية مدّ. الحالة الثانية: إن كان صدر الكلام متناولًا للغاية، فإنها تدخل في حكم ما قبلها، ويكون المقصود من الكلام هو إسقاط ما وراء الغاية، مثل قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فاليد اسم للمجموع من طرف الأصابع إلى المنكب، والأمر بغسل اليد يتناول موضع الغاية، فيبقى داخلًا تحت صدر الكلام لتناول الاسم له، ولما ذكرت الآية ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ كانت فائدة ذكر الغاية إسقاط ما وراء المرفق من حكم الغسل، فلا يمتد الحكم إلى غسل العضد، وتسمى غاية إسقاط. استعمالات إلى:
следующие страницы →