إذا نسبت "في" إلى الفعل فتكون بمعنى "مع" للمقارنة، كقوله: أنت طالق في دخولك الدار، "أي: مع دخولك؛ لأن الفعل لا يصلح ظرفًا للطلاق على معنى أن: يكون شاغلًا له (١)؛ لأن الفعل عرض لا يبقى، فتعذر العمل بحقيقة "في" فيُجعل مستعارًا لمعنى المقارنة؛ لأن الظرف في معنى المقارنة (٢).
وفرع الحنفية على معنى "في" بعض المسائل، وفرقوا بين قول القائل: صمت هذه السنة، وقوله: صمت في هذه السنة، وبين قول القائل: أنت طالق غدًا، وقوله: أنت طالق في الغد، وكذا إذا أضيفت "في" إلى المكان مثل: أنت طالق في الدار أو في الظل أو الشمس، فتطلق المرأة في الحال حيث كانت، لأن المكان لا يصلح ظرفًا للطلاق، إذ الظرف بمنزلة الوصف له، فلا فرق فيه بين الأمكنة، بخلاف إضافة الطلاق إلى الزمان فيصح ظرفًا له (٣).
رابعًا: مِنْ:
" مِنْ" حرف جر لابتداء الغاية حقيقة، والغاية هي النهاية، سواء في المكان اتفاقًا، وعلامتها أن تقارنها "إلى" نحو قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، [الإسراء: ١]، أم في الزمان عند كثيرين، نحو قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، [التوبة: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾، [الإسراء: ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، [الروم: ٤].
стр. 702
استعمالات مِن:
تستعمل "مِن" مجازًا في معان عدة، أهمها:
١ - التبعيض:
كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، [التوبة: ١٠٣]، أي: بعض أموالهم، ومثل: أكلت مِن الخبز، وأخذت من الدراهم، وتعرف بصلاحية إقامة البعض مقامها، وضابطها أن يصلح فيه بعض مضافًا إلى بعض، نحو قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾، [البقرة: ٢٥٣]، وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾، [غافر: ٧٨]، وقوله: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، [آل عمران: ٩٢].
٢ - بيان الجنس:
تكون "من" لتبيين الجنس، وضابطها أن يتقدمها عام، ويتأخر عنها خاص، مثل: ثوب من صوف، وخاتم من حديد، وقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾، [الحج: ٣٠].
٣ - التأكيد:
تأتي "من" زائدة للتاكيد، مثل: ما جاءني من أحد، وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾، [نوح: ٤]، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، [الأعراف: ٥٩]، والمعنى: يغفر لكم ذنوبكم، وما لكم إله غيره.
٤ - التعليل:
تستعمل "من" للتعليل، نحو قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾، [البقرة: ١٩]، أي: لأجل الصواعق.
٥ - البدل:
تستعمل "من" للبدل، نحو قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾، [التوبة: ٣٨]، أي: بدل الآخرة، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ [الزخرف: ٦٠]، أي: بدلكم.
٦ - انتهاء الغاية:
تستعمل "من" لانتهاء الغاية مثل "إلى" فتكون لابتداء الغاية من الفاعل، ولانتهاء غاية الفعل من المفعول، نحو: رأيت الهلال من داري من خلال
стр. 703
السحاب، أي: من مكاني إلى خلال السحاب، فابتداء الرؤية من الدار، وانتهاؤها في خلال السحاب، وقال بعض النحاة: إنها لابتداء الغاية في حق الفاعل أيضًا بتقدير: رأيت الهلال من داري ظاهرًا من خلال السحاب.
٧ - تنصيص العموم:
وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي، نحو ما جاءني من رجل، وعند عدم دخولها يحتمل نفس الجنس ونفي الوحدة، فتقول: ما جاء رجل، ويصح أن تقول: بل رجلان، فإن دخلت "مِن" صار النفي للجنس، وامتنع أن تقول: بل رجلان.
٨ - الفصل:
تستعمل "من" للفصل بين أمرين، نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وتُعرف بدخولها على ثاني المتضادين.
٩ - معنى الباء:
تستعمل "من" بمعنى "الباء" نحو قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أي: بطرف.
١٠ - معنى في:
تستعمل "من" بمعنى "في" نحو قوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠]، أي: في الأرض، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢]، أي: في قوم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ٩٢].
١١ - معنى عند:
تستعمل "من" بمعنى "عند" نحو قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]، أي: عند اللَّه، ومثله قوله ﷺ : "ولا يَنْفَعُ ذا الجَدّ منك الجَدُّ" (١).
стр. 704
١٢ - معنى على:
تستعمل "مِن" بمعنى "على" نحو قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، أي: على القوم.
١٣ - معنى عن:
تستعمل "مِن" بمعنى "عن" نحو قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، أي: عن ذكر اللَّه (١).
خامسًا: إلى:
" إلى" حرف جر، وتستعمل لانتهاء الغاية زمانًا ومكانًا بالاتفاق، مثل: سرت من البصرة إلى الكوفة، ومن الصباح إلى المساء.
وتكون "إلى" لانتهاء الغاية إذا كان صدر الكلام يحتمل الامتداد والانتهاء إلى مكان الغاية أو زمانها.
فإن لم يحتمل ذلك، فينظر: إن أمكن تعليق الكلام بمحذوف دل عليه الكلام فيقدر المحذوف، مثل: بعتُ إلى شهر، فالبيع ناجز لا يحتمل الانتهاء إلى غاية، لكن يمكن تعليقه بمحذوف دل عليه الكلام، وهو: بعتُ وأجّلت الثمن إلى شهر، وإن لم يمكن تعليق الكلام بمحذوف مفهوم ضمنًا، فيكون الأجل واردًا على صدر الكلام، مثل: أنت طالق إلى شهر، فيقع الطلاق عند مضي شهر.
دخول الغاية وعدمه:
اختلف العلماء في دخول المذكور بعد "إلى" فيما قبله، حتى يشمله
стр. 705
الحكم السابق أو لا يدخله، ووضعوا ضوابط للدخول وعدمه، والأشهر عدم دخوله (١)، مع تفصيل في ذلك:
أ- فإن كانت الغاية قائمة بنفسها، بأن كانت موجودة قبل التكلم، وليست مفتقرة إلى الكلام السابق فإنها لا تدخل، مثل: بعث هذه الأرض من هذا الحائط إلى ذاك، وأكلت السمكة إلى رأسِها، فالغايتان لا تدخلان في البيع والأكل، ومثله قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، فإن الإسراء إلى المسجد الأقصى لم يثبت حكمه بمقتضى هذا النص، وإنما ثبت بالأحاديث المشهورة.
ب- وإن لم تكن الغاية غاية بنفسها قبل التكلم، فيفرق بين حالتين:
الحالة الأولى: إن لم يكن صدر الكلام متناولًا للغاية، فلا تدخل الغاية في حكم ما قبلها، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فالصيام لا يتناول الليل، وإنما يمتد حكمه إلى الليل؛ لأنه لو دخل الليل في الصيام لأدى إلى الوصال في الصوم، وهو حرام، وتسمى هذه الغاية غاية مدّ.
الحالة الثانية: إن كان صدر الكلام متناولًا للغاية، فإنها تدخل في حكم ما قبلها، ويكون المقصود من الكلام هو إسقاط ما وراء الغاية، مثل قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فاليد اسم للمجموع من طرف الأصابع إلى المنكب، والأمر بغسل اليد يتناول موضع الغاية، فيبقى داخلًا تحت صدر الكلام لتناول الاسم له، ولما ذكرت الآية ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ كانت فائدة ذكر الغاية إسقاط ما وراء المرفق من حكم الغسل، فلا يمتد الحكم إلى غسل العضد، وتسمى غاية إسقاط.
استعمالات إلى:
стр. 706
١ - بمعنى "مع" للمصاحبة:
تأتي "إلى" بمعنى "مع" نحو قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، أي: مع اللَّه (١)، ونحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، أي: مع أموالكم، والمعنى: لا تضموها إلى أموالكم في الإنفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم (٢).
٢ - ابتداء الغاية:
تأتي "إلى" لابتداء الغاية، نحو: فلان خرج إلى شهر، أي: ابتداء خروجه إلى شهر، ولو قال شخص: أنت طالق إلى شهر، فلا تطلق إلا بعد شهر، لأنه يريد ابتداء الغاية (٣).
سادسًا: اللام:
اللام حرف جر، وهي حقيقة للاختصاص والملك (٤)، نحو: المال لزيد،
стр. 707
ونحو قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ [الأنبياء: ٨١]، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢].
استعمالات اللام:
١ - التعليل:
تستعمل اللام للتعليل، وهي التي يصلح موضعها "من أجل"، نحو قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥]، ونحو: زرتك لشرفك، ونحو قوله: أنتِ طالق لرضا زيد، أي: لإرضائه، فتطلق في الحال، سواء رضي زيد أم لم يرض؛ لأنه تعليل، لا تعليق، ونحو قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقوله تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان: ٤٩].
٢ - الاستحقاق:
تأتي بمعنى الاستحقاق، وهي الواقعة بين معنى وذات، نحو: النار للكافرين، وتكون الاختصاص كما سبق، ومعناه أنها تدل على أن بين الأول والثاني نسبة باعتبار ما دل عليه متعلقه، نحو: الجنة للمؤمنين، فهي للملك والاختصاص والاستحقاق (١).
стр. 708
٣ - العاقبة:
تستعمل اللام للعاقبة، ويُعبر عنها بلام الصَّيْرورة (١)، وبلام المآل، نحو قوله تعالى:
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].
٤ - التمليك:
تأتي اللام للتمليك، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]، ونحو: وهبتُ لزيد دينارًا.
٥ - الاختصاص:
تستعمل اللام للاختصاص، نحو: الجنة للمؤمنين، ونحو قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ [الأنبياء: ٨١]، وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
٦ - شبه الملك:
نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢].
٧ - توكيد النفي:
تستعمل اللام لتوكيد النفي، أيَّ. نفي كان، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ويعبر عنها بلام الجحود، لمجيئها بعد نفي؛ لأن الجحد هو نفي ما سبق ذكره، وضابطها أنها لو سقطت تمَّ الكلام بدونها، وإنما ذكرت توكيدًا لنفي الكون.
٨ - مطلق التوكيد:
تستعمل اللام لمطلق التوكيد، وهي الداخلة لتقوية عامل ضعيف
стр. 709
بالتأخير، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، والأصل: تعبرون الرؤيا، أو لكونه فرعًا في العمل، نحو قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ [البروج: ١٦]، أي فعال ما يريد.
٩ - معنى إلى:
تستعمل اللام بمعنى "إلى" نحو قوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ٥].
١٠ - معنى على:
تستعمل اللام بمعنى "على" نحو قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، ومنه قوله ﷺ لعائشة ﵂ في قصة بريرة: "واشترطي لهم الولاء" (١)، والمراد عليهم.
١١ - معنى في:
تستعمل اللام بمعنى "في" نحو قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، أي: في يوم القيامة.
١٢ - معنى عند:
تستعمل اللام بمعنى "عند" الوقتية، وما يجرى مجراها، كقوله ﷺ : "صومُوا لرُؤْيته، وأفطروا لرؤيته" (٢) ومنه قوله: كتبته لخمس ليال من كذا، أي: عند انقضائها، ومنه قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ [الفجر: ٢٤].
١٣ - معنى من:
تستعمل اللام بمعنى "مِن" نحو: سمعت له صراخًا، أي: منه.
١٤ - معنى عن:
стр. 710
تستعمل اللام بمعنى "عن" كقوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، أي: قالوا عنهم ذلك (١).
سابعًا: حتى:
سبق الكلام على حرف "حتى" العاطفة، وقلنا: إنها تكون أيضًا حرف جر، نحو: أكلت السمكةَ حتى رأسِها، وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: ٥]، فهي حرف جر بمنزلة "إلى" في المعنى والعمل (٢)، وسبق بيان معانيها واستعمالاتها الحقيقية والمجازية.
стр. 711
المبحث الثالث أسماء الظرف
إن أسماء الظرف ألحقت بحروف المعاني لأنها لا تفيد معانيها إلا بإلحاقها بأسماء أخر كالحروف، ويدرسها علماء الأصول في الدلالات لتعلق المسائل والأحكام الفقهية بها، ونقتصر على أربعة أسماء منها، وهي: مع، قبل، بعد، عند.
أولًا: مع:
" مع" اسم للمقارنة بين شيئين، ولا ينفك عن المقارنة، نحو: جاء خالد مع عمرو، أي: معًا، وقد تجيء بمعنى "بعد" كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾ [الشرح: ٥]، أي: بعد العسر يسر (١).
ثانيًا: قبل:
" قبل" ظرف يفيد التقديم، مثل جاء زيد قبل خالد، فالقبلية صفة لزيد، أي صفة معنوية، لا بمعنى النعت اللغوي.
وإن قال الرجل للمرأة قبل الدخول بها: أنتِ طالق واحدةً قبل واحدة، فتقع طلقة واحدة؛ لأن القبلية صفة للطلقة الأولى، ومتى وقع الطلاق قبل الدخول فلا تبقى المرأة محلًا لإيقاع طلقة أخرى.
وإن قال للمرأة غير المدخول بها: أنت طالق واحدة قبلها واحدة، فتقع طلقتان؛ لأن القبلية صفة للطلقة الثانية التي قرنها بالطلقة الأولى، وهو مما يملكه، ولأنه ليس في وسعه تقديم الثانية، بل في وسعه إيقاعها مقرونة مع الأولى، فيثبت من قصده قدر ما وسعه (٢).
стр. 712
ثالثًا: بعد:
"بعد" ظرف يقع للترتيب والتأخير، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، وهي عكس "قبل"، وتحتمل "بعد" الفور والتراخي.
وحكم "بعد" في الطلاق ضد حكم "قبل"، فلو قال رجل لزوجته غير المدخول بها: أنت طالق واحدة بعد واحدة، فتقع طلقتان، كما في قوله: قبلها واحدة؛ لأن البعدية تصير صفة للطلقة الأولى، ويمكنه الجمع بين التطليقتين.
ولو قال لغير المدخول بها: أنت طالق واحدة بعدها واحدة، تقع طلقة واحدة، كما في قوله: قبل واحدة؛ لأن البعدية صفة للثانية، فلم تجد محلًا لإيقاعها، فصارت لغوًا.
وكانت الأمثلة للقبلية والبعدية لغير المدخول بها؛ لأنها إذا وقع عليها الطلاق فلا يملك الرجل عليها طلقة ثانية؛ لأنها تبين بالأولى، لكن يملك أن يطلقها اثنتين وثلاثًا دفعة واحدة، أما المدخول بها فيقع الجميع؛ لأنها لا تبين في الطلقة الأولى، ويملك الرجل أن يطلقها طلاقًا آخر ما دامت في العدة.
وقد تجيء "بعد" بمعنى "مع" نحو قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم: ١٣]، يعني: مع ذلك (١).
رابعًا: عند:
" عند" ظرف للحضرة وللإقرار بالعين، فلو قال: لزيد عندي ألف دينار، فهو إقرار بالعين، وليس فيها دلالة على الضمان، بل ذلك مشعر بالأمانة، أي: الألف وديعة لا دَيْن في الذِّمة؛ لأن الحضرة تدل على الحفظ دون اللزوم، ولذلك يقبل قول الوديع المقر إذا تلفت، أو قال: رددتها، مع اليمين؛ لأن يده يد أمانة، لا ضمان.
فائدة:
قال الحنفية: إن أسماء الظروف تدل على الظرف مع تفاوت معانيها،
стр. 713
فإذا قال الشخص لامرأته: أنت طالق كل يوم، فتطلق طلقة واحدة؛ لأن كل الأيام ظرف واحد للطلاق، فلا يقع إلا تطليقة واحدة، أما إن قال: في كل يوم، أو مع كل يوم، أو عند كل يوم، فتطلق ثلاثًا؛ لأن إثبات اسم الظرف يجعل كل يوم بانفراده ظرفًا على حدة، فيتجدد عند كل يوم طلاق، حتى يبلغ أقصاه وهو ثلاث (١).
стр. 714
المبحث الرابع حروف الشرط
إن حروف الشرط كلمات وألفاظ، وسميت حروفًا باعتبار أن الأصل فيها كلمة "إن" وهو حرف اختص بمعنى الشرط، وليس له معنى سواه، بخلاف سائر ألفاظ الشرط، فإنها تستعمل في معان أخرى سوى الشرط.
وأعرض هنا أربعة حروف، وهي: إنْ، إذا، متى، كيف.
أولًا: إِنْ:
إن موضوعة حقيقة للشرط، أي: لتعليق حصول مضمون جملة بحصول جملة أخرى فقط، من غير اعتبار ظرفية ونحوها، كما في: إذا، ومتى، مثالها قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
والغالب استعمال "إنْ" فيما يمكن وقوعه، وهو الأمر المعدوم ولكنه على خطر الوجود، أي: إنه متردد بين الوجود وعدمه، نحو: إن قام زيد قمت، ونحو: إن زرتني أكرمتك، ولا تستعمل فيما هو قطعي الوجود أو قطعي الانتفاء، نحو: إن جاء غد أكرمتك.
وقد تأتي أحيانًا في الأمر المحقق الوجود، نحو: إن مات زيد زرتك، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، ومنه قول الشاعر:
كم شَامِتٍ بي إنْ ... هلكتُ وقائلٍ للَّه درُّه
ولكن إذا استعملت فيما لا بد من وقوعه، فلا بدَّ أن يكون زمن وقوعه مبهمًا، كالأمثلة السابقة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٨].
ولا تدخل "إن" على المستحيل إلا لنكتة، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١].
وتجئ "إن" للنفي إن تلاها "إلا" نحو قوله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إلا فِي﴾ [الملك: ٢٠]، أو إن تلاها "لمّا" نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ [الطارق: ٤]، أو إن تلاها غيرهما، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ
стр. 715
بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨].
ويتفرع على استعمال "إن" للشرط والتعليق أن الرجل إن قال لامرأته: إن لم أطلقك فأنت طالق، فلا تطلق إلا في آخر حياة الزوج أو حياتها هي؛ لأن عدم الطلاق، وهو الشرط الذي علق عليه الطلاق، لا يتحقق إلا قبيل الوفاة، حيث يتحقق عجزه عن إيقاع الطلاق عليها، فيتحقق شرطه، وإذا كان مدخولًا بها فيعتبر طلاقه فِرارًا، فلها الميراث عند الجمهور، خلافا للشافعية الذين لا يقولون بطلاق الفِرار (١).
ثانيًا: إذا:
إذا ظرف لما يستقبل غالبًا من الزمن، وتضاف إلى جملة فعلية في معنى الاستقبال، متضمنة لمعنى الشرط غالبًا، نحو: إذا جاء زيد فقم إليه، ولكن لا يثبت لها سائر أحكام الشرط، فلا يجزم بها المضارع.
ولا تكون إلا في المحقق، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ﴾، [الإسراء: ٦٧]، فإن مس الضر في البحر محقق (٢)، وبذلك تشترك "إذا" مع "إن" في عدم الدخول على المستحيل، ولكن تنفرد "إن" بالمشكوك فيه والموهوم، وتنفرد "إذا" بالمجزوم به، مع اختلاف بين العلماء في دخولها على المظنون.
وإن "إذا" تدخل في أمر مقطوع فيه، فإما أن يكون متحققًا في الحال، كقول الشاعر:
وإذا تكونُ كريهةٌ ادْعَى لها ... وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعى جُندبُ (٣)
وإما أن تدخل في أمر منتظر مقطوع بتحققه في المستقبل، نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا
стр. 716
السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ [الانفطار: ١]، وتختص بالدخول على الجملة الفعلية المعنى.
استعمالات إذا:
١ - المفاجأة:
تأتي "إذا" حرفًا لمفاجأة، وهي التي يقع بعدها المبتدأ، وهذا هو الفرق بينها وبين الشرطية التي يقع بعدها الفعل، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، [الروم: ٢٥]، ومثال المفاجأة أيضًا قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠)﴾ [طه: ٢٠]، ولا تحتاج "إذا" المفاجأة إلى جواب، ومعناها الحال، ومعنى المفاجأة حضور الشيء معك في وصف من أوصافك الفعلية، وكلما كان ألصق كانت المفاجأة فيه أقوى.
٢ - لمجرد الوقت:
تستعمل "إذا" لمجرد الوقت من غير أن تكون ظرفًا مختصة بأحد الأزمنة، ومجردة عن الشرط، وذلك إذا كان الوقت لماض أو لحال، ومثال الماضي قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ﴾، [التوبة: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾، [الجمعة: ١١]، ومثالها للحال بعد القسم قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١]، فإن "إذا" هنا مجردة عن الشرط، ولذلك لا تحتاج إلى جواب.
وقال نحاة الكوفة: تستعمل "إذا" للوقت والشرط على السو اء، فإن كانت للشرط فيجازى بها على اعتبار سقوط الوقت عنها كأنها حرف شرط، وتصير مثل "إن"، وإن كانت للوقت فلا يجازى بها، وهو اختيار الإمام أبي حنيفة رحمه اللَّه تعالى، وفي حالة الشرط تكون بمعنى تعليق حصول مضمون جملة بحصول مضمون ما دخلت عليه، ويجزم بها الفعل المضارع، ويكون استعمالها في أمر على خطر الوجود، ومثاله قول الشاعر:
واستَغْنِ ما أَغْناكَ ربُّك بالغِنى ... وإذا تُصبْك خَصَاصَةٌ فتجمَّلِ (١)
стр. 717
وأخذ الصاحبان من الحنفية وسائر العلماء بقول البصريين، ولذلك وقع الاختلاف في حكم القائل: إذا لم أطلقك فأنت طالق، فقال أبو حنيفة: لا يقع الطلاق حتى يموت أحدهما، لأن "إذا" للشرط، مثل قوله: إن لم أطلقك، وقال الصاحبان والشافعية: يقع الطلاق بمجرد الفراغ ومضي زمن يطلق فيه ولم يطلق، كما في قوله: "متى لم أطلقك"، وإن "إذا" هنا للوقت وتنفك عن الشرط (١).
ثالثًا: متى:
" متى" اسم للوقت المبهم، أي: إنها للظرق خاصة، فإذا استعملت في الشرط فلا يسقط معنى الظرفية، بعكس "إذا"، فإن "متى" لازمة للظرفية لا تتجرد عنها.
ولا خلاف في أن "متى" شرط يجزم به الفعل المضارع، مثل: متى تخرجْ أخرجْ، ومتى تَذْهبْ أذهبْ، ومنه قول الشاعر:
متى تأتِهِ تعشُو إلى ضَوْء نارهِ ... تجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدها خيرُ مُوْقِدِ
والأصل أن "متى" في اللغة تفيد التكرار، واصطلح أكثر الفقهاء على أنها للمرة الواحدة، نحو: إذا فعلت، ولذلك قال عامة الفقهاء: إذا قال لامرأته: إن فعلت كذا فأنت، طالق، أنه على المرة الواحدة، وكذا: إذا فعلت، بخلاف: "كلما" فإنها للتكرار، أما لو قال: متى خرجت، أو متى ما خرجت، أو مهما خرجت، فإنها لا تفيد التكرار.
وإذا قال الرجل لزوجته: متى لم أطلقك فأنت طالق، فإنه يقع الطلاق بمضي مدة بعد السكوت؛ لأنه حينئذ يتحقق معنى ظرفية "متى"، وهو وجود وقت لم يصدر فيه الطلاق.
وإذا قال: طلّقي نفسكِ متى شئتِ، فإنها مخيّرة في إيقاع الطلاق حسب
стр. 718
مشيئتها، سواء في مجلس الخيار، أو فيما وراءه؛ لأن "متى" تعم الأزمنة كلها باعتبار إبهامها (١).
رابعًا: كيف:
كيف للاستفهام، وهو السؤال عن الحال الخاصة من عدة أحوال، وتحمل على الحقيقة إذا استقام المعنى مع صدر الكلام بأن يصح تعلق الكيفية بصدر الكلام، مثل: أنت طالق كيف شئت، فإن الطلاق له عدة أحوال، بأن يكون رجعيًّا أو بائنًا، ولذلك تبقى هذه الكيفية مفوضة للزوجة في المجلس؛ لأن كلمة "كيف" إنما تدل على تفويض الأحوال والصفات دون الأصل عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين يبقى التفويض لها بأصل الطلاق أيضًا في أي وقت، وعند الشافعية قولان.
وإن لم يستقم المعنى مع صدر الكلام بأن لم يصح تعلق الكيفية به، فيبطل معنى "كيف" مثل: أنتَ حرٌّ كيف شئت، فيعتق العبد حالًا عند أبي حنيفة؛ لأن العتق لا كيفية له، وقال الصاحبان: لا يعتق العبد ما لم يشأ في المجلس.
وإذا وقع بعد "كيف" مفرد كانت في موضع الخبر، نحو: كيف زيدٌ، وإن وقع بعدها جملة فعند سيبويه أنها في موضع نصب على الظرف؛ لأنها في تقدير الظرف، وتقديرها: على أي حال، وهي في تأويل الجار والمجرور، واسم الظرف يطلق عليها مجازًا، وعند غيره إنها في موضع نصب على الحال (٢).
إلى هنا ننتهي من حروف المعاني التي تدل على أمور عدة، ويترتب عليها آثار في تفسير النصوص واستنباط الأحكام الفقهية.
стр. 719
الفصل السابع النسخ
مقدمة:
قبل التحدث في النسخ لا بدّ من الإشارة إلى بعض الأمور المهمة التي تتعلق به، وهي:
١ - إن بحث النسخ يدخل في قسم الدَّلالات، أو دلالات الألفاظ، أو تفسير النصوص، التي تتعلق بمباحث الكتاب والسنة لبيان الأحكام منها، ويسمى النسخ بيان التبديل، وفيه جمع بين النَّصين المتعارضين، فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم، ولذلك اعتبره الشافعي رحمه اللَّه تعالى من بيان الأحكام، وكان أول من حرّر الكلام فيه في كتابه القيم المشهور "الرسالة" في الأصول.
٢ - إن بحث النسخ -اليوم- هو بحث تاريخي بحت؛ لأنه يتعلق بزمن النبوة حصرًا، ووقت نزول الوحي الإلهي، ثم انتهى النسخ في الشريعة بانقطاع الوحي، وانتهاء النبوة، واستقرت الأحكام الواردة في القرآن والسنة، وأصبحت مُحْكَمة، ولا يمكن النسخ بعد ذلك مطلقًا.
٣ - إن فائدة دراسة النسخ بعد عصر النبوة تنحصر في أمرين:
أ- إن معرفة الناسخ والمنسوخ شرط من شروط الاجتهاد حتى يعرف المجتهد الآيات والأحاديث المنسوخة التي انتهى العمل بها، وألغيت الأحكام الواردة فيها، وأنها تذكر لمجرد العلم، وللتحرز من الاعتماد عليها.
ب- إن المبادئ الأساسية الشرعية للنسخ مقررة في جميع الأنظمة والقوانين التي يصدرها الإمام بمقتضى السياسة الشرعية، وبما يعتمد على المصالح، والأعراف، وما تصدره الدول اليوم من قرارات ومراسيم وأنظمة وقوانين، فإنها تخضع للنسخ والإلغاء والإبطال بصدور ما يخالفها.
تعريف النسخ:
النسخ لغة: له معنيان:
стр. 720
الأول: النسخ: هو النقل والتحويل، كقوله: نسخت الكتاب، أي: نقلته، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، [الجاثية: ٢٩]، ومنه التناسخ في المواريث، فإنه نقل الميراث من وارث إلى آخر.
والثاني: النسخ: هو الإبطال والإزالة، ومنه: نَسخَتِ الشمس الظل، ونسخت الريح آثار القدم، أي: أزالته ورفعته، ومنه تناسخ القرون والأزمنة، أي: إزالتها ورفعها، وأكثر العلماء على أن النسخ حقيقة في الإزالة والإبطال، مجاز في النقل والتحويل، وقيل غير ذلك (١).
والنسخ في الاصطلاح له تعريفات كثيرة، أشهرها: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر (٢).
والمراد ارتفاع دوام الحكم، أي: ارتفاع تعلق الحكم بفعل المكلف، بأن يرتفع أمده المحدد له، لا رفعه حقيقة، لأنه أمر واقع، وتقييده بالشرعي ليخرج الحكم العقلي كالمباح الثابت بالبراءة الأصلية عند من يقول به، فإنَّ رفع الحكم العقلي وما ثبت بالبراءة الأصلية لا يسمى نسخًا، بل هو ابتداء حكم شرعي، ولا يكون النسخ إلا بدليل شرعي، وهو خطاب الشارع، فلا يحصل النسخ بالعقل وكلام البشر، وإذا انتهى الحكم الشرعي بطريق عقلي كالموت، والغفلة، والعجز، فلا يكون نسخًا، وتقييده بالمتأخر؛ ليخرج المقترن بالحكم كالاستثناء، والتقييد بالشرط والغاية، فلا يسمى نسخًا، بل هو بيان لإتمام
стр. 721
المعنى بعد ثبوته أو تقييد له بمدة أو شرط، فهو تخصيص، في حين أن النسخ رفع الشيء بعد ثبوته.
ومن هنا يظهر الفرق بين النسخ والتخصيص؛ لأن التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ مما لا يكون مندرجًا تحت إرادة المتكلم ابتداء، أي: إن الحكم يتعلق ببعض أفراد العام من أول الأمر، في حين أن النسخ يتعلق ابتداء بجميع الأفراد، ثم يرتفع هذا الحكم بالناسخ.
ويظهر الفرق بين النسخ والتقييد؛ لأن التقييد للمطلق يقلِّل شيوعه بقيد يُضيِّق دائرته، ويظل النص المطلق دليلًا على الحكم، ولا يرفع، في حين أن النسخ إنهاء للعمل بالحكم السابق (١).
وقوع النسخ وأدلة مشروعيته:
اتفق العلماء على جواز النسخ في الشريعة، وأنه جائز عقلًا، وواقع فعلًا (٢) في كثير من الأحكام الشرعية الواردة في القرآن الكريم، والسنة الشريفة، والأدلة على ذلك كثيرة، منها:
стр. 722
١ - الكتاب:
قال اللَّه تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦].
فالآية صريحة بأن اللَّه تعالى ينسخ بعض الآيات، ويأتي بخير منها أو مثلها، وأن اللَّه يعلم ذلك ابتداء، وأنه يقدر على النسخ، وسيأتي مزيد من المثلة في نسخ القرآن بالقرآن في عدة آيات: في نسخ القبلة، والوصية للوالدين والأقربين، والعدد الذي يجب الثبوت أمامه في القتال، وعدة المتوفى عنها زوجها، وتقديم الصدقة قبل المناجاة، ومنع القتال في الشهر الحرام، وغيرها (١).
٢ - السنة:
روى بريدة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "كنتُ نهيتُكُم عن زيارةِ القبورِ فَزُورُها"، وفي رواية الترمذي زيادة: "فإنَّها تذكِّركم الآخرة" (٢)،
فالحديث صريح أن النبي ﷺ نهى عن زيارة القبور سابقًا، ثم أمر به، ورغب فيه، ونسخ حكم النهي السابق، وسترد أحاديث أخرى من السنة، كالنهي عن ادّخار لحوم الأضاحي، ثم السماح به، ونسخ وجوب صوم عاشوراء بصوم رمضان، وغيره.
٣ - الإجماع:
أجمع الصحابة والسلف على أن شريعة محمد ﷺ ناسخة لجميع الشرائع السابقة، في غير أصول العقيدة والأخلاق، كتحريم الشحوم، وكل ذلك ظفر على اليهود بسبب ظلمهم وأكلهم أموال الناس بالباطل بالربا وغيره، ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾،
стр. 723
[الأنعام: ١٤٥]، والقتل للتوبة، وقطع الثوب للنجاسة، وغير ذلك (١).
كما أجمع الصحابة على دلالات الآيات الكريمة التي جاء فيها نسخ، وكذلك أجمعوا على دلالة الأحاديث التي ورد فيها نسخ، كنسخ التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة، ونسخ الوصية للوالدين والأقربين بآيات الميراث، ونسخ وجوب تقديم الصدقة بين مناجاة النبي ﷺ بالآية التي بعدها التي تعفو عن ذلك، ونسخ وجوب تربص المرأة المتوفى عنها زوجها حولًا كاملًا بعدة الوفاة الواردة في آية أخرى، وهي أربعة أشهر وعشرة أيام.
٤ - المعقول:
إن القول بالنسخ، وتغيير الأحكام حسب الأزمان والأحوال، يتفق مع العقل الصحيح، وإن وقوعه، لا يترتب عليه مستحيل، وإن نسخ الأحكام الشرعية تابع لمشيئة اللَّه تعالى، واللَّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وقد اتفق العلماء على أن الأحكام الشرعية نزلت لتحقيق مصالح العباد، ومن المقرر عقلًا، وملاحظٍ واقعًا، أن مصالح الناس تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأقوام، وإن مراعاة هذه المصالح يتفق مع نسخ الأحكام التي تكون صالحة لقوم، أو لزمن، وغير صالحة لقوم آخرين، أو لزمن لاحق.
ويلخص مشروعية النسخ أنه جائز عقلًا، وواقع شرعًا، وورد في الكتاب الكريم والسنة الشريفة (٢)، وأنه واقع ملموس في تاريخ الدولة الإسلامية في السياسة الشرعية والأمور التنظيمية، ويُرى بالعين، ويُسمع بالأذن اليوم في الأنظمة والقوانين واللوائح والمقررات وغيرها، وهذا ما
стр. 724
حكاه العلماء المحققون، والشراح المعاصرون.
وسيتأكد ذلك من بيان حكمة النسخ والأمثلة على وقوع النسخ في القرآن والسنة.
حكمة وقوع النسخ وأمثلته:
قبل بيان حكمة النسخ وأمثلته لا بدَّ من التنبيه إلى أن النسخ لا يقع فيما يعرف نفعه بالعقل في المعاش والمعاد كاصول الاعتقاد كالإيمان، والتوحيد، وأحكام العقيدة كمعرفة اللَّه تعالى، وطاعته، وتعظيمه، ورحمته، وأصول الفضائل كالصدق والأمانة والكرم وشيم الأخلاق، وحسن المعاملة، وإنما ينحصر النسخ في الأحكام التي يتوقف معرفتها، وبيان منفعتها على الدليل السمعي في الشرع، فيمكن طريان النسخ والتبديل عليها، مثل كيفية الطاعات الفعلية، والعبادات الحقيقية، وأحكام المعاملات باختلاف أنواعها، فيمكن طريان النسخ والتبديل عليها لحكمة ظاهرة (١) تأخذ إحدى الصور التالية:
أولًا: مراعاة مصالح الناس:
إن المقصد الرئيسي للشريعة هو تحقيق مصالح العباد، وهذه المصالح يتوقف تحقيقها على مراعاة العناصر المؤثرة فيها كاختلاف العادات، والأزمان، والبلدان، ولذلك تتغير مصلحة الناس، وهذا يقتضي تغيير الحكم الذي يحقق هذه المصلحة، وقد تشرع الأحكام لأسباب معينة، ومصالح موقوتة، ثم تزول تلك الأسباب والمصالح، فيقتضي ذلك تغيير الأحكام وتبديلها، وإلا أصبحت إما خالية من المصلحة، وإما معارضة للمصلحة ومنافية لها، وهذا ما بينته الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، [البقرة: ١٠٦]، أي: خير منها للمكلفين رحمة بهم، وقد يكون ذلك بالأثقل، لما يستلزمه من تكثير الثواب، وما يترتب عليه من فوائد.
стр. 725
وأمثلة ذلك كثيرة، منها:
١ - نسخ الشرائع السابقة:
إن شرائع الأنبياء السابقين جاءت لتحقيق مصالح الناس بحسب زمانهم وأحوالهم، ولمّا تطور الزمان، ونضجت البشرية، وسهل الاتصال بين الأقوام والأمم، وجاءت الدعوة الواحدة لمختلف الشعوب والقبائل، فاقتضى الحال أن تكون الشريعة الخاتمة عامة وشاملة وخالدة، ولذلك اتفق العلماء على أن شريعة محمد ﷺ نسخت الشرائع السابقة، ولذلك كانت الآيات تنزل لمخاطبة الناس بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ثم تقرر ذلك بشكل قطعي وجازم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، [آل عمران: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، [آل عمران: ٨٥]، والأدلة على ذلك كثيرة، أما الجزئيات والفروع الثابتة في الشرائع السابقة فقد اختلف العلماء في نسخها بشريعتنا، أو عدم نسخها (١)، وسبق بيان ذلك في مصدر شرع من قبلنا.
٢ - زيارة القبور:
سبق بيان حديث بُرَيْدة ﵁، وفيه أن النبي ﷺ منع الناس من زيارة القبور لقرب عهدهم بالجاهلية، وعبادة الأصنام، وتقديس الآباء، واتخاذ الأجداد أصنامًا، فخشي على ضعاف الإيمان أن يتسرب شيء من ذلك إلى نفوسهم، فحرم الزيارة، ولما قوي الإيمان، واستقر في النفوس، وزالت الوثنية، وهدمت الأصنام، نسخ التحريم، وأعلن الجواز، فقال ﵊: "كنتُ نهيْتُكم عن زيارةِ القُبُورِ فزُورُوها، فإنَّها تذكركم الآخرة" (٢).
٣ - ادّخار لحوم الأضاحي:
نزل على المسلمين وفود وضيوف إلى المدينة في عيد الأضحى،
стр. 726
واقتضت المصلحة الشرعية إكرام الضيوف، والتوسعة عليهم، وإدخال السرور إلى قلوبهم، فمنع رسول اللَّه ﷺ على أهل المدينة أن يدّخروا شيئًا من لحوم الأضاحي؛ ليتم توزيعها كاملة، فيعم النفع بها، ولما تغيرت الأحوال أعلن رسول اللَّه ﷺ نسخ ذلك، ونص على بيان العلة، فقال ﵊: "كنتُ نهيْتُكم عن ادِّخارِ لحومِ الأضاحي من أجلِ الدّافّة (الوفود والضيوف) ألا فكلوا وادّخروا" (١)، واقتضت المصلحة نسخ المنع، وإباحة الادخار والاستفادة من الأضحية، وكان النهي لسبب، فلما زال السبب ارتفع النهي.
٤ - زواج المتعة:
كان زواج المتعة شائعًا في الجاهلية، ومرّ المسلمون في أول الدعوة في المدينة المنورة بظروف شديدة وقاسية في الجهاد والغزوات والسرايا، فسكت الشرع الحنيف في مبدأ الأمر على زواج المتعة، وأذن به في بعض الغزوات، ئم نسخه باستقرار نظام الزواج الذي يقرر الحقوق الكاملة للمرأة، بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وبيَّن ذلك عليٌّ ﵁ قال: "إن رسولَ اللَّه ﷺ نهَى عن نكاحِ المتعةِ يوْمَ خَيْبَر، وعن لحومِ الحُمُر الإنسية" (٢).
٥ - عدة المرأة المتوفى عنها زوجها:
كانت عدة المرأة المتوفى عنها زوجها في الجاهلية سنة كاملة، فأمر اللَّه المسلمين أن يوصُوا لأزواجهم نفقة طوال العدة لمدة سنة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، ثم نسخ اللَّه تعالى ذلك وجعل عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ
стр. 727
أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وذلك تخفيفًا على الأرملة، وانتقالًا من عادة الجاهلية إلى الحكم الشرعي الخالد.
ثانيًا: التدرج في التشريع:
كان التدرج في التشريع أحد خصائص الشريعة الغراء؛ لمراعاة واقع الحياة، وطبيعة النفوس، وما ألفته من عادات وقيم ومبادئ وأحكام، وأخذًا بمبدأ التدرج في التربية الذي تلتزم به جميع مناهج التربية في العالم، ولأخذ الناس من السهل إلى الصعب، ومن الخفيف إلى الأشد، وغير ذلك من حِكم التدرج (١).
ومبدأ التدرج يقتضي تشريع أحكام معينة تتناسب مع الناس والظروف والأنفس والأحوال، ورفع الحرج، ومراعاة الطبيعة البشرية، ثم الانتقال بعدها إلى الأحكام الدائمة الخالدة التي تصلح للبقاء واختلاف الزمان، وهذا ما وقع كثيرًا في الأحكام الشرعية (٢)، فمن ذلك:
١ - العبادات: شرعت الصلاة في أول الأمر صلاتين في الغداة والعشي حتى نهاية العام العاشر للبعثة، ثم فرضت الصلوات الخمس، وفرض الصيام في يوم عاشوراء، ثم نسخ وفرض صيام شهر رمضان كاملًا، وكانت الزكاة اختيارية في أول الأمر، ثم فرضت في السنة الثانية للهجرة، وكانت العمرة هي المطلوبة في عام الحديبية، ثم فرض الحج في السنة التاسعة للهجرة على القول الراجح.
٢ - الخمر: جاء تحريم الخمر متدرجًا على أربع مراحل، فاعتبر أولًا مقابلًا للرزق الحسن، ثم تقرر أن إثمه أكبر من نفعه، ثم حُرّم قبل الصلاة، ثم نزل التحريم الكامل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].
٣ - الربا: ورد تحريم الربا على أربع مراحل أيضًا، فوصفه اللَّه بأنه لا نماء
стр. 728
فيه ولا بركة، ثم ذكر سببًا لتحريم بعض الطيبات، ثم حرّمه إذا كان أضعافًا مضاعفة، ثم جاء التحريم النهائي لجميع أنواع الربا، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]، وأكدت السنة ذلك.
٤ - عقوبة الزنا: كان الزنا شائعًا ومنتشرًا في الجاهلية، وسعى الشرع إلى اقتلاعه بالتربية والتوجيه على سبيل التدرج، شأن الطبيب الذي يعالج المريض، ويرعى أحوال المدمن شيئًا فشيئًا، فنزل تحريم الزنا، ولم تفرض العقوبة على الزاني إلا بعد ذلك، وعلى سبيل التدرج؛ فجعل اللَّه تعالى عقوبة الزاني أولًا الحبس في البيوت ومجرد الإيذاء المعنوي، فقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥ - ١٦]، ولما تأهلت النفوس بالإيمان، وتقتل العقوبة، نسخ اللَّه تعالى ما سبق، وأنزل العقوبة الصارمة بجلد الزاني غير المحصن -أي: غير المتزوج- مائة جلدة، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ٢]، ونزل قوله تعالى فيما نسخت تلاوته وبقي حكمه: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" وطبق ذلك رسول اللَّه ﷺ .
٥ - الجهاد: عرض القرآن الكريم أمر الجهاد والقتال في أوائل سور القرآن نزولًا، في سورة المزمل المكية، فقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ولم يأذن القرآن الكريم بالقتال طوال العهد المكي وأمر بالصبر على الإيذاء، والعفو عن المعتدين، والإعراض عنهم، فقال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦]، وبعد الهجرة وقيام الدولة الإسلامية أذن اللَّه تعالى للمسلمين بالقتال دفاعًا عن أنفسهم، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩]، ثم فرض القتال إذا قاتل الكفار، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]، ثم أمر بالقتال لمجرد خوف
стр. 729
الفتنة، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، ثم أمر بالقتال في غير الأشهر الحرم، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (١) [التوبة: ٥]، ثم نسخ ذلك، وأباح القتال في الأشهر الحرم لمن يقاتل فيها، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ثم نسخ اللَّه ذلك فأباح القتال في جميع السنة ولجميع المشركين وإن لم يقاتلوا، فقال : ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
٦ - الصبر في القتال: لما كثر المعتدون والمتآمرون على نقض الإسلام وإبادة المسلمين في المدينة، أمر اللَّه تعالى المؤمنين بالصبر، على يقابل الواحد منهم عشرة من الكفار، ثم نسخ اللَّه ذلك، وخفف على المؤمنين بأن يصبر الواحد لاثنين، فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [الأنفال: ٦٥]، ثم صرح القرآن بالتخفيف في الآية بعدها فقال : ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال: ٦٦].
٧ - الوصية والميراث: كان نظام الإرث في الجاهلية مستأصلًا وجائرًا، وكان مستحكمًا في النفوس والواقع والتطبيق، فنزلت الأحكام الشرعية في ذلك بالتدرج لتلغي ما كان سائدًا، فأوجب اللَّه تعالى الوصية للوالدين والأقربين عامة، ذكورًا وإناثًا، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ
ويختبر إيمانهم في الطاعة والالتزام والاستسلام للَّه تعالى، فمن ذلك:
١ - تحويل القبلة: لما هاجر رسول اللَّه ﷺ والمسلمون إلى المدينة المنورة أمرهم اللَّه تعالى بالتوجه في الصلاة نحو بيت المقدس، وهو القِبلة الأولى للمسلمين، واستمر الأمر كذلك ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، ثم أنزل اللَّه تعالى تحويل القِبلة إلى الوسجد الحرام، ونسخ التوجه إلى بيت المقدس، فقال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
وبين اللَّه تعالى الحكمة من ذلك وهو ابتلاء المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
٢ - تقديم الصدقة: طلب اللَّه تعالى من المسلمين تقديم صدقة قبيل مقابلة رسول اللَّه ﷺ ابتلاءً واختبارًا لإيمانهم، ولمعرفة مكانة الرسول ﷺ وشأنه في نفوسهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [المجادلة: ١٢].
ثم نسخ اللَّه تعالى تقديم الصدقة للمناجاة، وخفف اللَّه عنهم شفقة بهم، فقال تعالى:
﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾ [المجادلة: ١٣].
رابعًا: حِكم أخرى للنسخ:
إن النسخ له حِكم كثيرة:
منها: أن الأعمال البدنية إذا انتقلت من سلف إلى خلف صارت كالعادة عند الناس، وظنوا أنها مطلوبة لذاتها، وغفلوا عن المقصود الأصلي بها، وهو معرفة اللَّه تعالى وتمجيده عن طريق رعاية القلب والروح والمعرفة والمحبة للَّه، فيأتي النسخ ليذكر بذلك حتى لا تنشغل النفس بالصور والأشكال عن اللَّه تعالى.
ومنها: أن الخلق فطروا على المَلَلِ من الشيء، فوضع لكل مِلَّة في كل
стр. 732
عصر شريعة جديدة لينشطوا بها.
ومنها: بيان شرف النبي ﷺ وشرف شريعته التي نسخت ما قبلها، ولن ينسخها شيء بعدها.
ومنها: البشارة للمؤمنين برفع التكليف عنهم في الجنة بدليل رفع مؤنتها وتخفيفها في الدنيا.
ومنها: أن النسخ بحد ذاته رحمة من اللَّه بعباده، وتخفيف عنهم، ولو كان الناسخ أثقل؛ لما يستلزم ذلك من كثرة الثواب، فيكون يسيرًا على المؤمن لما يتصور من كثرة الثواب عليه (١).
أركان النسخ:
النسخ له أربعة أركان، وهي: الناسخ، وأداة النسخ، والمنسوخ، والمنسوخ عنه.
١ - الناسخ: هو اللَّه تعالى حقيقة؛ لأنه صاحب الحق والشأن المطلق في رفع الحكم الشرعي وفق مشيئته وإرادته، وهو الناسخ حقيقة، قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، فاللَّه هو الناسخ، وقد يطلق لفظ الناسخ مجازًا على الحكم الشرعي، فيقال: إن وجوب صوم رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء، ويقال: هذا الحكم ناسخ لذلك، فهذا ناسخ مجازًا، والناسخ الحقيقي هو اللَّه تعالى.
وقد يطلق لفظ الناسخ مجازًا على نفس النص الناسخ، فيقال: هذه الآية نسخت تلك، وآية السيف نسخت آيات السلم والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، فهي ناسخة مجازًا، فهو توسُّع؛ لأن النسخ يقع بالخطاب الدال على النسخ، وقد يطلق لفظ الناسخ مجازًا على المعتقد لنسخ الحكم، فيقال: فلان ينسخ القرآن بالسنة، أي: يعتقد ذلك، والشافعي يقول: السنة
стр. 733
لا تنسخ القرآن، أي: لا يعتقد ذلك، كما سنرى.
٢ - أداة النسخ: هي القول الدال على رفع الحكم الثابت، ويشترط في أداة النسخ عدة شروط، بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، كما سنرى.
٣ - المنسوخ: هو الحكم المرفوع الذي انتهى العمل به، وبطل حكمه، ولا يجوز العمل به، كالتوجه في الصلاة إلى بيت المقدس، فهو حكم منسوخ لا يجوز العمل به، ونسخ تقديم الصدقة بين يدي النبي ﷺ قبل مناجاته، وحكم التربص حولًا كاملًا في حق المتوفى عنها زوجها.
وقد يكون المنسوخ لم ينته حكمه ولم يرفع، وإنما انتقل من الوجوب إلى الندب، كصوم يوم عاشوراء، والوصية للوالدين والأقربين غير الوارثين.
٤ - المنسوخ منه: هو المكلَّفُ بالحكم الشرعي سابقًا، والمكلَّفُ المطالَبُ بالحكم الشرعي الناسخ الجديد، مع التعبد به (١).
وهذه الأركان الثلاثة الأخيرة لها شروط حتى يتحقق النسخ، كما أن الركن الأول بمعناه المجازي له شروط أيضًا، ولكنها تدخل في الشروط السابقة التي سنعرضها مفصلة.
شروط النسخ:
يشترط لصحة وقوع النسخ عدة شروط، وهي:
١ - الحكم المنسوخ شرعي:
يشترط أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًّا، أي: ثبت بالشرع، لا بالعقل، فما ثبت بالبراءة الأصلية، عدم التكليف، فلا يعتبر التكليف بإيجاب العبادة نسخًا عند الجمهور، وقال أكثر الحنفية: إن رفع الإباحة الأصلية نسخ؛ لأن البراءة الأصلية ثبتت، عندهم بالشرع؛ لأن الناس لم يتركوا سدى في زمان من
стр. 734
الأزمنة، فرفعها يكون نسخًا.
كما أن ما ثبت بفعل الناس وعادتهم، ثم أُقِرُّوا عليه في أول الإسلام، ثم رفع، لا يكون نسخًا، وإنما هو ابتداء شرع، كاستباحة الخمر وغيره في أول الإسلام حسب العادة المألوفة السابقة، ثم جاء التحريم، فليس ذلك بنسخ (١).
٢ - قبول الحكم للنسخ:
يشترط أن يكون الحكم الشرعي قابلًا للنسخ، فإن كان لا يقبل ذلك، فلا يجوز نسخه، كالأحكام المتعلقة بأصول الدين والتوحيد والاعتقاد، وأصول العبادات، وأصول الفضائل والرذائل، كالصدق والأمانة والعدل، والكذب والخيانة والظلم وسائر الفواحش مما لا يختلف باختلاف الأحوال والأمم.
والأحكام التي لا تقبل النسخ ثلاثة أنواع:
أ- المؤبد صراحة: وهو ما ثبت بالنص الصريح بتأبيده، مثل قوله تعالى في أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [المائدة: ١١٩]، وقوله تعالى في أهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]، ومثل قوله ﷺ : "الجهاد ماض منذ بعثني اللَّه إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال" (٢).
ب- المؤبد دلالة: وهو شريعة محمد ﷺ التي استقرت بانتهاء الوحي وقبض النبي ﷺ ، فإنها مؤبدة لا تحتمل النسخ؛ لأن رسول اللَّه ﷺ خاتم النبيين، ولا نبي بعده، فلا نسخ لشرعه.
ب- الحكم المؤقت: إذا ثبت توقيت الحكم الشرعي لوقت معين فلا يجوز نسخه قبل مضي الوقت؛ لأن الحكم ينتهي بانتهاء وقته، ولذلك لم يقع ذلك شرعًا.
ولا يدخل في ذلك ما يتبادر إلى الذهن توقيته في بعض الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
стр. 735
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فالمقصود تحريم القربان حين الحيض دائمًا، وإباحة الأكل والشرب في ليالي رمضان حتى الفجر، وهي ليست مؤقتة، بل ثابتة على الدوام.
لكن حصل اختلاف لفظي أو ظاهري في حقيقة التأبيد، وجواز النسخ فيما لحقه تأبيد، فقال الجمهور وهم الشافعية والمالكية والحنابلة وجماعة من الحنفية: يجوز نسخ ما لحقه تأبيد؛ لأن التأبيد ظاهر في جميع الأزمان لعمومه، والمراد منه بعض الأزمان دون بعض، ولأن العادة في لفظ التأبيد هو المبالغة لا الدوام، كما تقول: لازم غريمك أبدًا، وأنت تريد لازمه إلى وقت القضاء، والمراد به لا تتركه إلى أن ينقضي وقته، ولأن المطلق يقتضي التأبيد كالمؤكد، ومع ذلك يجوز نسخه، ولأنه لما جاز انقطاع المؤبد بالاستثناء، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥]، فجاز انقطاعه بالنسخ كالمطلق.
وقال أكثر الحنفية: لا يجوز نسخ ما لحقه تأبيد؛ لأنه يؤدي إلى التناقض والبداء، والشارع الى حكيم منزه عن ذلك، فلا يصح القول بنسخه، ولأن التأبيد كالتنصيص على كل وقت من أوقات الزمان بخصوصه، وهذا لا يجري فيه النسخ باتفاق، فكذلك المؤبد والمؤقت، وإرادة بعض الأزمنة في الخطاب الدائم مجاز لا يصار إليه إلا بقرينة، فالتأبيد مانع من احتمال النسخ (١).
والراجح أن التأبيد أو التأقيت إن كان حقيقيًّا فالقول الثاني هو الراجح، وإن قصد به المبالغة ومجرد المثال فالقول الأول هو الراجح.
стр. 736
٣ - دليل النسخ منفصل ومتأخر:
يشترط في النسخ أن يكون الناسخ، أي: دليل النسخ، منفصلًا عن المنسوخ، ومتأخرًا عليه زمنيًّا، فإن كان الدليل متصلًا أو مقترنًا كالشرط والصفة والاستثناء، فلا يسمى نسخًا، وإنما هو تخصيص وبيان للحكم الأول، وهذا باتفاق العلماء، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فليس ذلك ناسخًا للصوم نهارًا.
ويشترط لصحة النسخ تأخر الدليل الناسخ عن المنسوخ حتى يصدق عليه اسم ناسخ، فيكون المنسوخ متقدمًا على الناسخ (١)، وسوف نبين طرق معرفة تأخر الناسخ.
٤ - دليل النسخ خطاب شرعي:
يشترط لصحة النسخ أن يكون بخطاب شرعي، وهو القرآن والسنة حصرًا، ولذلك يتحدد النسخ في حياة النبي ﷺ ، أما بعد موته فقد استقرت الأحكام نهائيًّا، وامتنع النسخ؛ لانقطاع الوحي.
ولذلك لا يكون الإجماع ناسخًا؛ لأنه لا ينعقد إلا بعد موت النبي ﷺ ، ويشترط فيه استناده لدليل شرعي، أي: ألا يخالف نصًّا في القرآن والسنة، وبالتالي فلا يصح النسخ به، وكذلك القياس لا يصلح ناسخًا للنص.
وإن ارتفاع الحكم عن المكلف بموته لا يعتبر نسخًا، بل هو سقوط للتكليف مع بقاء الحكم الشرعي لسائر الناس، وهذا الشرط متفق عليه (٢).
٥ - قوة دليل النسخ:
يشترط في الدليل الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ، أو مساويًا له؛
стр. 737
لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، فالقرآن ينسخ القرآن، والحديث المتواتر ينسخ القرآن، والسنة ننسخ السنة، وخبر الآحاد ينسخ خبر الآحاد.
فإن كان الناسخ أضعف من المنسوخ فلا ينسخه؛ لأن الضعيف لا يزيل القوي، وهذا مما قضت به العقول، ودل الإجماع عليه، فإن الصحابة لم ينسخوا نص القرآن إخبر الواحد (١)، وسيرد مزيد تفصيل لذلك.
٦ - عدم إمكان الجمع:
يشترط لوقوع النسخ عدم إمكان الجمع بين الدليلين؛ ليتحقق التعارض مع تأخر أحدهما، ولذلك يقع النسخ إذا تعذر علينا الجمع بوجه صحيح، فلو أمكن الجمع بأي وجه، ولو بضرب من التأويل الذي يحتمله اللفظ، فلا يصار إلى النسخ؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إعمال أحدهما وترك الآخر، والنسخ إنهاء للحكم وعدم إعمال للنص، ولا يحتاج إليه إلا عند تعذر الجمع والتوفيق بينهما.
قال المجد بن تيمية رحمه اللَّه تعالى: "لا يتحقق النسخ إلا مع التعارض، فأما مع إمكان الجمع فلا، وقول من قال: نُسِخ صومُ يوم عاشوراء برمضان، وقال: نسخت الزكاة كل صدقة سواها، فليس يصح إذا حمل على ظاهره؛ لأن الجمع بينهما لا منافاة فيه، وإنما وافق نسخُ عاشوراء فرض رمضان، ونسخُ سائر الصدقات، فرض الزكاة، فحصل النسخ معه، لا به" (٢).
стр. 738
أمور لا تشترط:
١ - تأخر التلاوة:
لا يشترط في الناسخ، أي: دليل النسخ، أن يكون متأخرًا عن المنسوخ في التلاوة؛ لأن العبرة بالنزول، لا بالترتيب في الوضع؛ لأن النزول بحسب الحكم، والترتيب للتلاوة، وذلك كالآية التي دلت على عدة المرأة المتوفى عنها زوجها بالبقاء بالبيت سنة ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠]، فإنها متأخرة في التلاوة عن الآية التي حددت عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وكتابة الأولى في المصحف جاءت على خلاف ما وقع في النزول، والأمثلة الأخرى عزيزة (١).
٢ - البدل:
لا يشترط في نسخ الحكم الشرعي أن يخلفه بدل؛ لأن اللَّه تعالى يفعل ما يشاء، وقد تكون المصلحة في نسخ الحكم بدون بدله، وهو ما وقع فعلًا في الشرع، كنسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﷺ ، ونسخ ادخار لحوم الأضاحي، ونسخ تحريم المباشرة في ليالي رمضان بقوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وكذلك نسخ وجوب الإمساك عن الطعام
стр. 739
والشراب بعد النوم في ليل رمضان في نفس الآية السابقة (١)، فقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، [البقرة: ١٨٧]، ونسخ قيام الليل، ونسخ الاعتداد بحول كامل في حق المتوفى عنها زوجها، فإنه نسخ لا إلى بدل في وجه؛ لأن الاكتفاء باعتداد الزوجة أربعة أشهر وعشرًا لا يصلح بدلًا؛ لأنه يشترط في البدل أن يكون مساويًا للمبدل منه، وقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، [البقرة: ١٠٦]، فالمراد نسخ لفظ الآية، وأن إسقاط الحكم المنسوخ خير من ثبوته.
وقول الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "وليس ينسخ فرض أبدًا إلا أثبت مكانه فرض"، فالمراد أنه ينقل من حظر إلى إباحة، أو من إباحة إلى حظر، أو يخيّر على حسب الأحوال المفروض" (٢).
أنواع النسخ:
ينقسم النسخ عدة أقسام باعتبارات متعددة، أهمها أربعة:
التقسيم الأول: أنواع النسخ باعتبار البدل في الدليل الناسخ:
ينقسم النسخ باعتبار البدل إلى ثلاثة أنواع، وهي:
١ - النسخ إلى الأخف: وهو نسخ الحكم الأغلظ إلى حكم أخف منه،
стр. 740
مثل نسخ العدّة للمتوفى عنها زوجها من الحول الكامل إلى أربعة أشهر وعشر، ونسخ الحكم بوجوب مصابرة العشرين من المسلمين لمائتين من الكفار، والمائة لألف في الآية السابقة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [الأنفال: ٦٥]، إلى مصابرة المائة بمائتين، والألف من المسلمين لألفين من الكفار ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال: ٦٦]، فأوجب مصابرة الضعف فقط، وهو أخف من الأول.
٢ - النسخ إلى المساوي: وهو نسخ الحكم إلى حكم آخر يساويه في التخفيف والتغليظ، كنسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة.
وهذان النوعان متفق عليهما.
٣ - النسخ إلى الأثقل: وهو أن ينسخ الحكم إلى حكم آخر أثقل منه على المكلف، أو أشد منه، أو أغلظ، وهذا مختلف فيه.
فقال الجمهور بجوازه (١) كالعكس؛ لأن التكليف يرد على حسب ما يعلم اللَّه تعالى من المصالح للمكلف، وقد تكون المصلحة تارة في الأخف، وتارة في الثقل، والدليل على جوازه وقوعه فعلًا في الشرع، مثل الكف عن الكفار كان واجبًا بقوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨]، ثم نسخ بإيجاب القتال، وهو أثقل، أي: أكثر مشقة، ولكنه فيه مصلحة أعظم