← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

٣ - دليل النسخ منفصل ومتأخر: يشترط في النسخ أن يكون الناسخ، أي: دليل النسخ، منفصلًا عن المنسوخ، ومتأخرًا عليه زمنيًّا، فإن كان الدليل متصلًا أو مقترنًا كالشرط والصفة والاستثناء، فلا يسمى نسخًا، وإنما هو تخصيص وبيان للحكم الأول، وهذا باتفاق العلماء، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فليس ذلك ناسخًا للصوم نهارًا. ويشترط لصحة النسخ تأخر الدليل الناسخ عن المنسوخ حتى يصدق عليه اسم ناسخ، فيكون المنسوخ متقدمًا على الناسخ (١)، وسوف نبين طرق معرفة تأخر الناسخ. ٤ - دليل النسخ خطاب شرعي: يشترط لصحة النسخ أن يكون بخطاب شرعي، وهو القرآن والسنة حصرًا، ولذلك يتحدد النسخ في حياة النبي ﷺ ، أما بعد موته فقد استقرت الأحكام نهائيًّا، وامتنع النسخ؛ لانقطاع الوحي. ولذلك لا يكون الإجماع ناسخًا؛ لأنه لا ينعقد إلا بعد موت النبي ﷺ ، ويشترط فيه استناده لدليل شرعي، أي: ألا يخالف نصًّا في القرآن والسنة، وبالتالي فلا يصح النسخ به، وكذلك القياس لا يصلح ناسخًا للنص. وإن ارتفاع الحكم عن المكلف بموته لا يعتبر نسخًا، بل هو سقوط للتكليف مع بقاء الحكم الشرعي لسائر الناس، وهذا الشرط متفق عليه (٢). ٥ - قوة دليل النسخ: يشترط في الدليل الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ، أو مساويًا له؛

стр. 737

لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، فالقرآن ينسخ القرآن، والحديث المتواتر ينسخ القرآن، والسنة ننسخ السنة، وخبر الآحاد ينسخ خبر الآحاد. فإن كان الناسخ أضعف من المنسوخ فلا ينسخه؛ لأن الضعيف لا يزيل القوي، وهذا مما قضت به العقول، ودل الإجماع عليه، فإن الصحابة لم ينسخوا نص القرآن إخبر الواحد (١)، وسيرد مزيد تفصيل لذلك. ٦ - عدم إمكان الجمع: يشترط لوقوع النسخ عدم إمكان الجمع بين الدليلين؛ ليتحقق التعارض مع تأخر أحدهما، ولذلك يقع النسخ إذا تعذر علينا الجمع بوجه صحيح، فلو أمكن الجمع بأي وجه، ولو بضرب من التأويل الذي يحتمله اللفظ، فلا يصار إلى النسخ؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إعمال أحدهما وترك الآخر، والنسخ إنهاء للحكم وعدم إعمال للنص، ولا يحتاج إليه إلا عند تعذر الجمع والتوفيق بينهما. قال المجد بن تيمية رحمه اللَّه تعالى: "لا يتحقق النسخ إلا مع التعارض، فأما مع إمكان الجمع فلا، وقول من قال: نُسِخ صومُ يوم عاشوراء برمضان، وقال: نسخت الزكاة كل صدقة سواها، فليس يصح إذا حمل على ظاهره؛ لأن الجمع بينهما لا منافاة فيه، وإنما وافق نسخُ عاشوراء فرض رمضان، ونسخُ سائر الصدقات، فرض الزكاة، فحصل النسخ معه، لا به" (٢).

стр. 738

أمور لا تشترط: ١ - تأخر التلاوة: لا يشترط في الناسخ، أي: دليل النسخ، أن يكون متأخرًا عن المنسوخ في التلاوة؛ لأن العبرة بالنزول، لا بالترتيب في الوضع؛ لأن النزول بحسب الحكم، والترتيب للتلاوة، وذلك كالآية التي دلت على عدة المرأة المتوفى عنها زوجها بالبقاء بالبيت سنة ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠]، فإنها متأخرة في التلاوة عن الآية التي حددت عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وكتابة الأولى في المصحف جاءت على خلاف ما وقع في النزول، والأمثلة الأخرى عزيزة (١). ٢ - البدل: لا يشترط في نسخ الحكم الشرعي أن يخلفه بدل؛ لأن اللَّه تعالى يفعل ما يشاء، وقد تكون المصلحة في نسخ الحكم بدون بدله، وهو ما وقع فعلًا في الشرع، كنسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﷺ ، ونسخ ادخار لحوم الأضاحي، ونسخ تحريم المباشرة في ليالي رمضان بقوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وكذلك نسخ وجوب الإمساك عن الطعام

стр. 739

والشراب بعد النوم في ليل رمضان في نفس الآية السابقة (١)، فقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، [البقرة: ١٨٧]، ونسخ قيام الليل، ونسخ الاعتداد بحول كامل في حق المتوفى عنها زوجها، فإنه نسخ لا إلى بدل في وجه؛ لأن الاكتفاء باعتداد الزوجة أربعة أشهر وعشرًا لا يصلح بدلًا؛ لأنه يشترط في البدل أن يكون مساويًا للمبدل منه، وقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، [البقرة: ١٠٦]، فالمراد نسخ لفظ الآية، وأن إسقاط الحكم المنسوخ خير من ثبوته. وقول الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "وليس ينسخ فرض أبدًا إلا أثبت مكانه فرض"، فالمراد أنه ينقل من حظر إلى إباحة، أو من إباحة إلى حظر، أو يخيّر على حسب الأحوال المفروض" (٢). أنواع النسخ: ينقسم النسخ عدة أقسام باعتبارات متعددة، أهمها أربعة: التقسيم الأول: أنواع النسخ باعتبار البدل في الدليل الناسخ: ينقسم النسخ باعتبار البدل إلى ثلاثة أنواع، وهي: ١ - النسخ إلى الأخف: وهو نسخ الحكم الأغلظ إلى حكم أخف منه،

стр. 740

مثل نسخ العدّة للمتوفى عنها زوجها من الحول الكامل إلى أربعة أشهر وعشر، ونسخ الحكم بوجوب مصابرة العشرين من المسلمين لمائتين من الكفار، والمائة لألف في الآية السابقة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [الأنفال: ٦٥]، إلى مصابرة المائة بمائتين، والألف من المسلمين لألفين من الكفار ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال: ٦٦]، فأوجب مصابرة الضعف فقط، وهو أخف من الأول. ٢ - النسخ إلى المساوي: وهو نسخ الحكم إلى حكم آخر يساويه في التخفيف والتغليظ، كنسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة. وهذان النوعان متفق عليهما. ٣ - النسخ إلى الأثقل: وهو أن ينسخ الحكم إلى حكم آخر أثقل منه على المكلف، أو أشد منه، أو أغلظ، وهذا مختلف فيه. فقال الجمهور بجوازه (١) كالعكس؛ لأن التكليف يرد على حسب ما يعلم اللَّه تعالى من المصالح للمكلف، وقد تكون المصلحة تارة في الأخف، وتارة في الثقل، والدليل على جوازه وقوعه فعلًا في الشرع، مثل الكف عن الكفار كان واجبًا بقوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨]، ثم نسخ بإيجاب القتال، وهو أثقل، أي: أكثر مشقة، ولكنه فيه مصلحة أعظم

стр. 741

بالشهادة والدعوة إلى الإسلام، وحماية الدين والأنفس والأعراض والأموال، ومثل نسخ الإمساك في البيوت للمرأة، والتعنيف للرجل في الزنا بالجلد والرجم (١)، ومثل نسخ وجوب صوم عاشوراء بصوم رمضان (٢)، ومثل نسخ التخيير الذي كان في أول الإسلام بين الصوم والفدية بالمال بفرضية الصيام على قول (٣)، ومثل نسخ تحليل الخمر بتحريمها، ونسخ نكاح المتعة بعد تجويزها على القول بأن ذلك نسخ. وخالف بعض الظاهرية وبعض الشافعية، وقالوا: لا يجوز النسخ إلى الأثقل والأغلظ والأشد، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، بالبقرة: ١٠٦]، ولما فيه من التنفير. ويرد عليهم أن الناسخ والمنسوخ هما من اليسر، أو أن المراد اليسر في الآخرة، بيسر الحساب وتخفيفه، أو أن الأغلظ في الناسخ إنما هو بالنسبة إلى المنسوخ، وهو بالنسبة إلى غيره تخفيف ويسر، كما أن الخير في الآية الثانية ينطبق على أن الناسخ الأغلظ ثوابه أكثر، فهو خير من المنسوخ من هذه الحيثية (٤).

стр. 742

التقسيم الثاني: أنواع النسخ باعتبار الحكم الشرعي: ينقسم النسخ باعتبار حكمه الشرعي إلى خمسة أنواع، وهي: ١ - نسخ الحكم بدون بدل، وهو ما سبق بيانه في عدم اشتراط البدل، كنسخ تقديم الصدقة بين مناجاة الرسول ﷺ ، فهو نسخ نهائي بلا بدل. ٢ - نسخ الوجوب إلى الندب، كنسخ ثبات الواحد للعشرة إلى ثباته للاثنين، ولكن ثباته للعشرة يبقى مندوبًا، ونسخ وجوب قيام الليل فصار مندوبًا. ٣ - نسخ الوجوب إلى الإباحة، كترك المباشرة بالليل للصائم بعد النوم، فصار مباحًا. ٤ - نسخ التحريم إلى الإباحة، كنسخ تحريم زيارة القبور، وأصبحت مباحة، أو مندوبة أحيانًا، ونسخ تحريم ادّخار لحوم الأضاحي إلى إباحته. ٥ - نسخ التخيير بين شيئين بإسقاط أحدهما وانحتام الآخر، كالتخيير في رمضان في أول الإسلام بين الصيام والفدية على قول ذكرناه سابقًا إلى انحتام الصوم (١). التقسيم الثالث: أنواع النسخ باعتبار قوة الدليل الناسخ: ينقسم النسخ باعتبار قوة الدليل الناسخ إلى ثلاثة أنواع، وهي: ١ - الناسخ والمنسوخ متساويان في القوة؛ وذلك كنسخ القرآن بالقرآن، ونسخ الحديث المتواتر بالحديث المتواتر، ونسخ خبر الآحاد بخبر الآحاد، وهذا باتفاق، وسوف نفصل ذلك في الحالات. أما الإجماع فلا يُنسخ بالإجماع، والقياس لا يُنسخ بالقياس عند جماهير العلماء.

стр. 743

٢ - الناسخ أقوى من المنسوخ: يجوز نسخ الآحاد بالمتواتر، ويجوز نسخ السنة بالقرآن عند الجمهور خلافًا للشافعي رحمه اللَّه تعالى؛ لأنه ينكر نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن كما سنبين. ٣ - الناسخ أضعف من المنسوخ: لا يصح النسخ بالأضعف في الجملة، أما في التفصيل فقال بعض العلماء بصحته ووقوعه، كنسخ الخبر المتواتر بالحديث المشهور عند الحنفية، ونسني القرآن بالسنة، ونسخ المتواتر بالآحاد عند الأكثرين (١)، وسنذكر تفصيل ذلك مع الأمثلة. التقسيم الرابع: أنواع النسخ بالنسبة للتلاوة والحكم: ينقسم نسخ القرآن بالقرآن باعتبار التلاوة والحكم بحسب كيفية وقوع النسخ، إلى ثلاثة أنواع، وهي: ١ - نسخ التلاوة والحكم: يجوز نسخ تلاوة آية ونسخ حكمها معًا، ودليله نسخ صحف إبراهيم ومن تقدم من الرسل ﵈، فكانت نازلة تقرأ ويعمل بها، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾ [الشعراء: ١٩٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩]، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٧]، ثم نسخت ولم يبق منها شيء في أيدينا لا تلاوة ولا عملًا، فيدل على انتساخ التلاوة والحكم معًا. ومثاله في شرعنا ما روته عائشة ﵂ قالت: "كان فيما أنزل من

стр. 744

القرآن: (عشر رضعات معلومات مُحَرِّمات) ثم نُسِخْنَ بخمس معلومات" (١)، فلم يبق هذا اللفظ في القرآن تلاوة، ونسخ حكم العشر، ولذلك يجوز للمحدث مسُّ ما نسخ لفظه، ويجوز للجنب والحائض قراءته (٢). ٢ - نسخ الحكم دون التلاوة: يجوز نسخ الحكم لإنهاء العمل به، مع بقاء الآية المنسوخة تُتلى في القرآن، وبقي اللفظ، وله حكم آيات القرآن في التلاوة، مثل آية المناجاة والصدقة بين يديها، ولم يعمل بهذه الآية المنسوخة قبل نسخها إلا علي بن أبي طالب ﵁، ومثل الاعتداد في الوفاة بالحول الذي نسخ باعتداد بأربعة أشهر وعشر، ونسخ الوصية للوالدين والأقربين بآيات الميراث، ونسخ حبس المرأة في البيت وإيذاء الرجل باللسان في حد الزنا بآية الجلد والرجم. والفائدة من بقاء التلاوة لمعرفة تاريخ التشريع، والتدرج في الأحكام، وللإعجاز بنظم المنسوخ لغيره من الآيات. ٣ - نسخ التلاوة دون الحكم: يجوز نسخ تلاوة كلمات أنزلت في القرآن مع بقاء حكمها الذي دلت عليه الكلمات المنسوخة، ومثاله ما رواه عمر ﵁ أنه قال: "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أو يقول قائل: لا نجدُ حدَّين في كتاب اللَّه، فلقد رجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب اللَّه، لأثبتها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) فإنا قد قرأناها" (٣)، وفي رواية الصحيحين عن عمر ﵁ أنه قال: "كان فيما أُنزل آيةُ الرجم، فقرأناها وعقلناها، ورجم رسولُ اللَّه ﷺ ورجمنا بعده" (٤)، ولذلك أجمع العلماء على أن حد المحصن الرجم، فهذا الحكم باق، واللفظ مرتفع؛ لرجم رسول اللَّه ﷺ

стр. 745

ماعزًا (١)، والغامدية (٢)، واليهوديين" (٣)، والمنسوخ يثبت بخبر الآحاد، ولا يشترط فيه التواتر (٤). حالات النسخ في المصادر الشرعية: يقع النسخ في المصادر الشرعية، وقد يكون الناسخ والمنسوخ في مصدر واحد، كنسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وهذا متفق عليه، وقد يكون في مصدرين كنسخ القرآن بالسنة، ونسخ السنة بالقرآن، وهما مختلف فيهما، كما سنذكره تفصيلًا، ويلحق بذلك نسخ الإجماع بالإجماع، ونسخ القياس بالقياس، وهو محل خلاف أيضًا. أولًا: نسخ القرآن بالقرآن: لا يجوز نسخ جميع القرآن باتفاق العلماء؛ لأنه معجزة الإسلام إلى الأبد، ولأن أحكامه تمثل آخر الشرائع، ولا يعقل رفع الشريعة وترك الناس بغير أحكام، قال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "يمتنع نسخ جميع القرآن بالإجماع .. ، وأما نسخ بعضه فجائز" (٥)، وقال ابن النجار الفتوحي رحمه اللَّه تعالى: "وأما نسخ جميع

стр. 746

القرآن، فممتنع بالإجماع؛ لأنه معجزة نبينا محمد ﷺ إلى الأبد، قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، أي: لا يأتيه ما يبطله" (١). ولذلك وضع العلماء شروطًا للنسخ حتى لا يقع التغالي والتوسع في آي القرآن الكريم، وخاصة إذا أمكن الجمع والتوفيق بين الآيات، وإن كان بعض العلماء يطلقون النسخ على التخصيص أو التقييد، ولذلك كانت مواطن النسخ قليلة ومحدودة ومعدودة كما ذكرناها في أول البحث. واتفق العلماء على جواز نسخ بعض القرآن ببعض (٢)، وهو نسخ القرآن بالقرآن، لتساويه في العلم القطعي ووجوب العمل، ولوقوعه فعلًا في القرآن، كما ذكرنا سابقًا. فمن ذلك: نسخ آية الوصية للوالدين والأقربين بآيات المواريث، وهذا ما بينه رسول اللَّه ﷺ بعدما أنزلت آيات الميراث: "إن اللَّه أعطى كل ذي حقّ حقَّه، فلا وصية لوارث" (٣). ومن ذلك: نسخ تحريم نكاح الزانية الوارد في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، وثبت نسخه بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فيحل نكاح الأيم ولو كانت زانية. ومن ذلك: نسخ الاعتداد بالحول في الوفاة بأربعة أشهر وعشر، كما سبق. ومن ذلك: نسخ وجوب ثبوت الواحد في القتال للعشرة بضرورة ثبات المسلم أمام اثنين فقط، كما سبق. ومن ذلك: نسخ تقديم الصدقة بين يدي الرسول ﷺ لمناجاته بإلغائها

стр. 747

نهائيًّا، كما سبق (١). ثانيًا: نسخ السنة بالسنة: اتفق العلماء على جواز نسخ السنة بالسنة إجمالًا، وأما التفصيل ففيه حالتان: الأولى: ١ - نسخ المتواتر بالمتواتر، ٢ - نسخ المتواتر بالآحاد، ٣ - ونسخ الآحاد بالمتواتر، ٤ - أضاف الحنفية نسخ المتواتر بالمشهور، فجائز عقلًا، ولكن لم يقع فعلًا حتى نقل بعضهم الإجماع عليه، لعدم وجوده، ولأن التواتر هو في السند، ويكون لاحقًا بعد وفاة النبي ﷺ ، ومعظم السنة آحاد، والمتواتر قليل. وقال الظاهرية، ورواية عن أحمد والطوفي من الحنابلة، والباجي والقرطبي من المالكية، بوقوع نسخ المتواتر بالآحاد، واحتجوا بأن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة المتواترة؛ لأنه لم يثبت بالقرآن ما يدل عليه، وثبت بالسنة، وتواتر إلى جميع المسلمين، وكان الصحابة يصلون إلى بيت المقدس بالخبر المتواتر، ومن ذلك مسجد ذي القبلتين، فأتاهم رجل، وأخبرهم أن: "القبلة قد تحولت إلى الكعبة"، فاستداروا وهم في صلاتهم، وقبلوا خبر الواحد لنسخ المتواتر، كما كان النبي ﵊ يرسل الآحاد لتبليغ الأحكام، وفيها الناسخ والمنسوخ المتواتر. وقالوا: إن القرآن ينسخ بالسنة بحديث الأحاد، كما سيأتي، فإذا ثبت نسخ الكتاب بخبر الآحاد، جاز نسخ السنة المتواترة بخبر الآحاد (٢).

стр. 748

وردّ الجمهور عليهم بأن قصة مسجد ذي القبلتين هي أصلًا من أخبار الآحاد، وعلى فرض ثبوتها، فلعله انضم إليها ما يفيد العلم كقربهم من مسجد الرسول ﷺ ، وسماعهم ضجة الناس، وترقبهم تحول القبلة إلى البيت الحرام، وأن إرسال الآحاد للتبليغ، فيجوز فيه خبر الآحاد، وليس فيه دلالة على وقوع نسخ المتواتر بالآحاد، وأن نسخ القرآن بالسنة الآحاد فيه خلاف، ويحمل في الغالب على التخصيص، لا على النسخ. الحالة الثانية: نسخ خبر الآحاد بخبر الآحاد، وهذا جائز شرعًا، وواقع فعلًا، وسبقت أدلته، كنسخ تحريم زيارة القبور، ونسخ تحريم ادخار لحوم الأضاحي، وأن النبي ﷺ قال في شارب الخمر: "فإن شربها الرابعة فاقتلوه" (١)، ثم نسخ بحديث آحاد وفيه "أنه حمل إليه من شربها الرابعة فلم يقتله" (٢)، وله أمثلة أخرى (٣). ثالثًا: نسخ السنة بالقرآن: اختلف العلماء في نسخ السنة بالقرآن على قولين: القول الأول: جواز نسخ السنة بالقرآن، وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة والظاهرية، وكئير من الشافعية، واستدلوا على ذلك بوقوعه فعلًا في عدة أمثلة: ١ - نسخ استقبال القبلة إلى بيت المقدس المقرر بالسنة، بقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ

стр. 749

الْحَرَامِ﴾، [البقرة: ١٤٤]، فنسخت الآية التوجه إلى بيت المقدس. ٢ - نسخ ما جاء في صلح الحديبية بين النبي ﷺ وأهل مكة (٦ هـ) من أن "إذا أتى محمدًا واحد منهم بغير إذن وليه رذه محمد إليه"، فنسخ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فالآية نسخت ما ثبت بالسنة. ٣ - إن آية تحريم الخمر ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، نسخت تحليل الخمر المفهوم من السنة، وتحريم المباشرة في ليالي الصوم الثابت في السنة نسخ بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ووجوب صوم يوم عاشوراء الثابت بالسنة في قول نسخ بفرض صيام رمضان في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. القول الثاني: منع نسخ السنة بالقرآن، وهو قول الشافعي رحمه اللَّه تعالى، وقال: وسنة رسول اللَّه لا ينسخها إلا سنة لرسول اللَّه، ويفترض الشافعي أن سنة أخرى نسخت السنة السابقة؛ لأن وظيفة الرسول البيان لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، واحتاط الشافعي للدفاع عن السنة، وهو ناصر الحديث أو ناصر السنة، بالخوف من ترك السنة بدعوى معارضتها للقرآن بدافع الهوى والتشهي كما حصل في القرن الثاني الهجري، ويحدث الآن، علمًا بأن الشافعي رحمه اللَّه تعالى يوافق الجمهور في جميع الأحكام السابقة الثابتة في الآيات الكريمة، وانتهاء العمل بالأحكام الثابتة في الأحاديث السابقة (١). ولذلك يظهر أن الخلاف لفظي، واصطلاحي، والخلاف محصور في

стр. 750

الدليل الناسخ فقط، هل هو سنة ثانية، أم بالقرآن نفسه. رابعًا: نسخ القرآن بالسُّنة: القرآن الكريم متواتر، وثابت قطعًا، والسنة منها المتواتر وهو ثابت قطعًا، ومنها المشهور عند الحنفية وهو الذي كان آحادًا من الصحابة، ثم صار متواترًا بعدهم، وخبر الآحاد الذي رواه في مختلف طبقاته عدد لم يبلغ عدد التواتر، وهو ظني الثبوت. وسبقت الإشارة إلى الاختلاف في اشتراط قوة الدليل الناسخ بالسنة للمنسوخ، ومن ذلك نسخ القرآن بالسنة، وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين (١): القول الأول: يجوز نسخ آية من القرآن بالسنة عقلًا، ووقع ذلك شرعًا، وهو رأي جمهور العلماء، وهم الحنفية والمالكية وبعض الحنابلة، والظاهرية، لاستفاضتها، ولكن الحنفية أجازوا نسخ القرآن بالسنة المتواترة أو المشهورة بين الناس، والمالكية وبعض الحنابلة حصروا ذلك بالمتواتر، وذهب ابن حزم الظاهري إلى جواز نسخ القرآن بالمتواتر وخبر الآحاد؛ لأن خبر الآحاد عنده قطعي كالمتواتر، واستدل أصحاب هذا القول بأمثلة واقعية، منها: ١ - إن حديث "لا وصية لوارث" (٢)، نسخ آية الوصية للوالدين والأقربين في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]. ويرد هذا الاستدلال بأن الناسخ لوجوب الوصية هو آية المواريث، وهو

стр. 751

ما صرّح به الصحابي ابن عباس ﵄ حيث قال: "إنَّ الذي نسخ آية الوصية آيةُ المواريث" (١)، وقال بعض العلماء: لا نسخ في الآية؛ لأنه يمكن الجمع بين آية الوصية والحديث، أو بين آية الو صية وآيات المواريث بحمل الوصية على غير الوارث، وكون آيات المواريث للوالدين والأقربين الوارثين. ٢ - إن الأحاديث الثابتة برجم الزاني المحصن نسخت جلد الزاني المحصن الثابت بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. ويرد على ذلك أن آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" هي الناسخة لآية الجلد، أو أن أحاديث الرجم هي مخصصة للآية، وليست من قبيل النسخ. ٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فهذه الآية حرمت ثلاثة أمور، وأفادت إباحة أكل ما عداها، فَنُسِخ بعض هذا بالأحاديث التي "نهى فيها النبي ﷺ عن أكل كل ذي نابٍ من السّباع، وكل ذي مِخْلَبٍ من الطير" (٢)، فهذا نسخ للقرآن بالسنة (٣). ويرد على ذلك أن هذا تخصيص للآية، وليس نسخًا لها. القول الثاني: لا يجوز نسخ القرآن بالسنة، وهو رأي الشافعي وأكثر أصحابه، والمشهور عن الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى (٤)، سواء كانت السنة متواترة أو

стр. 752

مشهورة، أو خبر آحاد. قال الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "لا يَنْسخ كتابَ اللَّه إلا كتابهُ ... فهو المزيل المثبت لما شاء منه، جل ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحد من خلقه" ثم قال: "وهكذا سنة رسول اللَّه: لا ينسخها إلا سنة لرسول اللَّه" (١). واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، أهمها: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦]، قال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "فأخبر اللَّه أن نسخ القرآن وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله" (٢)؛ لأن السنة ليست بخير من القرآن، ولا مثله، فلا تكون ناسخة له، ودلت آخر الآية أن اختصاص التبديل محصور بمن له القدرة الكاملة، وهو اللَّه تعالى، فكان النسخ بكلامه وهو القرآن، لا السنة. واعترض على ذلك أن السنة من عند اللَّه تعالى كالقرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾، [النجم: ٣ - ٤]. لكن القرآن معجز ومتعبد بتلاوته وهو كلام اللَّه تعالى، وليست السنة كذلك، وأن المراد بالخيرية والمثلية هو في الحكم بحسب مصلحة الناس، لا باللفظ، وقد يكون الناسخ في السنة أنفع للمكلف بكثرة الثواب وغيره. ٢ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]، فصرح القرآن أن اللَّه يبدل آية بآية، فلا تكون السنة ناسخة لآية. ٣ - قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥]، فالسنة لا تكون بديلًا عن القرآن، والتبديل لا يكون من عند النبي ﷺ .

стр. 753

٤ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فالسنة مبيّنة للقرآن، لا ناسخة له، ووظيفة الرسول ﷺ البيان فقط للقرآن، فلا يصح نسخ القرآن بالسنة. وردّ على الاستدلال بالآيات الثلاث أن ما يأتي به رسول اللَّه هو من عند اللَّه، وأن التبديل من اللَّه، ويبينه الرسول، وأن النسخ نوع من البيان؛ لأنه بيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق شرعي متراخ عنه، والسنة مبيّنة للقرآن، فلا مانع من كونها ناسخة له، وأن التبديل يكون للرسم والتلاوة، والمراد هنا نسخ الحكم الذي ورد في الآية بحكم ورد في السنة (١). وأرى أن الخلاف لفظي واصطلاحي، ولم يترتب عليه اختلاف في الأحكام، وأن ما يسميه الشافعي رحمه اللَّه تعالى نسخًا يسميه الحنفية وغيرهم تخصيصًا، وأن الشافعي يرى أن اللَّه ينسخ بآية أخرى، ثم يبين الرسول ﷺ النسخ والعمل بها. وقد استغرب بعض العلماء موقف الشافعي في ذلك، وهو المعروف بناصر السنة، أو ناصر الحديث، ثم يمنع نسخ القرآن بالسنة، ويخالف الجمهور في ذلك؟ (٢). والمتأمل في آراء الشافعي ﵀ يدرك أنه لا ينتقص السنة، ولا يشكك بذرة فيها، ولكنه يعتقد أن القرآن كلام اللَّه تعالى لا يشبهه شيء، ولا يصل إلى مكانته كلام البشر، ولو كان صادرًا من رسول اللَّه ﷺ ، ويعتقد أن

стр. 754

رسول اللَّه هو المبيّن عن ربه كلامه وأحكامه، وأنه يعرف يقينًا مراد اللَّه في كتابه، وأن بعض الآيات تنسخ أخرى ولو ضمنًا، فيبينها رسول اللَّه ﷺ في السنة، فيكون النسخ للقرآن بالقرآن، والسنة تبين ذلك وتكشفه، بدليل أنه لم يظهر أثر للاختلاف، وأن الشافعي يوافق سائر الأئمة فيما قالوا بنسخها، قال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "وهذا تعظيم عظيم، وأدب مع الكتاب والسنة، وفهم بموقع أحدهما من الآخر" (١). وجوه معرفة النسخ والناسخ: إذا ورد في النصوص الشرعية نصان متعارضان، ولم يمكن الجمع بينهما بحال، وتحققت شروط النسخ السابقة، فيكون أحدهما ناسخًا، والآخر منسوخًا؛ لأنه لا تعارض ولا تناقض في الشريعة؛ لأنه يمتنع اجتماع الأمرين المتعارضين في حال واحدة لشخص واحد. ويعرف النسخ والناسخ إما بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع، أو بأحد دلائل الأصول الأخرى، وهي: ١ - الكتاب: يعرف النسخ والناسخ بالكتاب بأحد الوجوه التالية؛ لأنه إذا تقدم أحد الحكمين وتأخر الآخر، فيكون المتقدم منسوخًا، والمتأخر ناسخًا، والمراد من التقدم التقدم في التنزيل، لا في التلاوة، فإن العدة بأربعة أشهر سابقة في التلاوة على العدة بالحول، مع أنها ناسخة لها، كما سبق بيانه، وهذا له وجهان: أ- مقتضى اللفظ الصريح الذي يدل على النسخ، كقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦]؛ فإنه يقتضي نسخ ما جاء في الآية قبلها ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، فالأولى تقتضي صراحة نسخ ثبات الواحد للعشرة، وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنه يقتضي صراحة نسخ الإمساك بعد الفطر، وقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾

стр. 755

ب- التنبيه في القرآن، بأن يذكر لفظًا يتضمن التنبيه على النسخ، كما في نسخ الإمساك للزناة في البيوت، الذي جاء ضمنًا في حد الزنا، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ وقال تعالى بعد ذلك مباشرة: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، ثم نزل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وبيَّن ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: "خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا" (١)، أي: بالحدّ في آية النور (٢). د- الاستدلال، وذلك بأن تكون إحدى الآيتين مكية، والأخرى مدنية، فيكون المنزل في المدينة ناسخًا للمنزل بمكة، وكذلك ما ذكرناه مما كان متقدمًا في التنزيل فيكون منسوخًا بما ثبت تأخره بدليل صحيح. ٢ - السنة: يعرف النسخ والناسخ بالسنة بأحد الوجوه التالية: أ- التصريح من النبي ﷺ بقوله: هذا ناسخ أو ما في معناه، كقوله: "كنتُ نَهَيْتُكُم عن زيارةِ القُبورِ، فزُورُوها" (٣)، فهذا يفيد أنه سبق النهي عن الزيارة، ثم أمر بها، فيكون الأمر ناسخًا للنهي المتقدم، وكذا قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي من أجل الدافَّة، فكلوا وادّخروا" (٤). ب- فعل النبي ﷺ ، كرجمه ماعزًا، ولم يجلده، فإنه ناسخ لقوله ﷺ : "الثيّب بالثيّب جلد مائة ورجمٌ بالحجارة" (٥)، ومثل عدم قتله لشارب الخمر

стр. 756

بعد شربه الرابعة، فإنه ناسخ لقوله ﷺ : "إذا شرب الرابعة فاقتلوه" (١)، ومثله أن النبي ﷺ "أكل لحمًا ولم يتوضأ" (٢)، فإنه نسخ قوله: "توضؤوا مما مست النار" (٣). وقال أكثر الأصوليين: إن الفعل لا ينسخ القول، وإنما يستدل بالفعل على تقدم النسخ بالقول، فيكون القول منسوخًا بمثله من القول، لكن الفعل بيَّن ذلك القول. ٣ - الإجماع: قال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ إلا بخبر -عن الرسول- آخر مؤقت يدل على أن أحدهما بعد الآخر، أو بقول من سمع الحديث، أو العامة" (٤)، وقال العلماء: يكون الإجماع مبيّنًا لا ناسخًا، وقالوا: يستدل بالإجماع على أن معه خبرًا به وقع النسخ، لكن قال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "والتحقيق أن الإجماع لا ينسخ به؛ لأنه لا ينعقد إلا بعد الرسول، وبعده يرتفع النسخ، وإنما النسخ يرفع بدليل الإجماع، وعلى هذا ينزل نص الشافعي والأصحاب" (٥). ومثال ذلك نسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان بالإجماع، ونسخ الحقوق المتعلقة بالمال بفريضة الزكاة بالإجماع. ٤ - نقل الصحابي (٦):

стр. 757

إذا نقل الصحابي رواية بتقدم أحد الحكمين وتأخر الآخر، فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم؛ لأنه لا مدخل للاجتهاد في ذلك، كما لو روى صحابي أن أحد الحكمين شرع بمكة، والآخر بالمدينة، أو أن أحدهما في غزوة بدر، والثاني في عام الفتح، أو قال: نزلت آية كذا بعد آية كذا، أو قال: كان آخر الأمرين من رسول اللَّه ﷺ كذا، كقول جابر ﵁ قال: "كان آخر الأمرين من رسول اللَّه ﷺ ترك الوضوء مما مسَّت النار" (١)، وكقول أبيّ بن كعب ﵁: "كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم أمر بالغسل" (٢)، فالمتأخر ينسخ المتقدم. ٥ - كون أحد الحكمين شرعيًّا، والآخر حسب العادات السابقة، فيكون الحكم الشرعي ناسخًا للعادة. والخلاصة أن معرفة الناسخ تكون إما بلفظ النسخ أو ما في معناه، أو بالتاريخ المتأخر لما يعارضه (٣). مسائل في النسخ: ورد في مباحث النسخ عدة مسائل يذكرها العلماء، ويتوسعون بها، وهي

стр. 758

إما مسائل تاريخية قد انتهى أمدها، ولا فائدة من عرضها ودراستها، كالنسخ قبل التمكن من الفعل، والنسخ قبل علم المكلف بالحكم، وإما أنها مسائل اصطلاحية، والاختلاف فيها لفظي واصطلاحي، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولا يترتب عليها حكم شرعي. ونشير باختصار شديد إلى بيان بعضها: ١ - النسخ قبل التمكن من الفعل أو قبل العلم به: اتفق العلماء على جواز النسخ بعد اعتقاد المنسوخ والعمل به، سواء عمل به كل الناس كاستقبال بيت المقدس، أو عمل به بعضهم كتقديم الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ ، واتفقوا على جواز النسخ بعد العلم بالفعل والتمكن منه. واختلفوا في وقوع النسخ قبل العلم بالحكم كنسخ فرض خمسين صلاة إلى خمس صلوات ليلة الإسراء والمعراج قبل علم المكلفين بالتكليف بالخمسين، فبعضهم اعتبره نسخًا، وأنه يكفي أن رسول اللَّه ﷺ علم بذلك، وهو أحد المكلفين، ومنع ذلك غيرهم، وفصل آخرون. واختلفوا في وقوع النسخ قبل التمكن من الفعل كالمثال السابق فقد علمه رسول اللَّه ﷺ ، وقبل التمكن من الفعل نسخ إلى خمس صلوات، وأنكر بعضهم أن يكون ذلك نسخًا، ومثل أمر اللَّه تعالى سيدنا إبراهيم بذبح ولده، ثم نسخ ذلك عنه قبل أن يتمكن من الذبح، وفي ذلك أدلة ومناقشات لا فائدة منها (١).

стр. 759

٢ - النسخ بالزيادة على النص: إذا وردت زيادة غير مستقلة، ومتأخرة عن النص، فتكون نسخًا عند الحنفية، وليست نسخًا عند الجمهور، وإنما يعمل بها وتضاف لما سبق دون نسخ، مثل حديث "إنما الأعمال بالنيات" (١)، فهو زيادة على مضمون آية الوضوء، ومثل حديث التغريب للزاني غير المحصن (٢)، فهو زيادة على حد الجلد في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، واشتراط الطهارة في الطوات في قوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة" (٣)، فهو زيادة على قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ومثل وصف الرقبة بالإيمان للعتق في كفارة اليمين وكفارة الظهار، فهو زيادة على النص القرآني المطلق عن التقييد بهذا الوصف ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، [المجادلة: ٣، المائدة: ٨٩]. وهذا خلاف اصطلاحي، فالجمهور يعتبرونه تخصيصًا، والحنفية يعتبرونه نسخًا مع بعض الآثار في ذلك كقبول خبر الواحد في التخصيص دون النسخ، ولكل أدلته ومناقشته (٤). ٣ - نسخ الأخبار: إذا كان الخبر يتضمن حكمًا شرعيًّا تكليفيًّا، فيجوز نسخه باتفاق؛ لأنه

стр. 760

في معنى الأمر، أو النهي، كما لو قال أمرتكم، أو نهيتكم. أما إذا كان الخبر حقيقيًّا لبيان المخبر عنه، فقال الجمهور: لا يصح نسخه بتكليف المكلف بما ينافي الخبر، واعتقاد عكس المخبر به، فكأنه تجويز للكذب والغلط، ويؤدي إلى البَداء والجهل، وفصل آخرون في نوع الأخبار، فأجازوا نسخ بعضها دون الآخر، ولكل دليله ومناقشته، ولا فائدة عملية من ذلك (١). ٤ - نسخ المنطوق والمفهوم: ذكرنا سابقًا أن دلالة اللفظ على الحكم إما أن تكون بمنطوقه، وتسمى دلالة المنطوق، وإما أن تكون بمفهومه، وتسمى دلالة المفهوم، والمفهوم إما أن يكون حكمه موافقًا لحكم المنطوق، ويسمى -عند المتكلمين- مفهوم الموافقة، أو فحوى الخطاب، أو تنبيه الخطاب، ويسمى عند الحنفية دلالة النص، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فيدل بمنطوقه على تحريم التأفف، وبمفهومه على تحريم الضرب، وإما أن يكون المفهوم مخالفًا لحكم المنطوق، ويسمى مفهوم المخالفة، أو دليل الخطاب، أو لحن الخطاب. ودلالة المنطوق تغاير دلالة المفهوم، لكن بينهما تلازم، فهل يمكن نسخ أحدهما دون الآخر؟ اتفق الأصوليون على جواز نسخ حكم المنطوق والمفهوم الموافق معًا، ثم اختلفوا في جواز نسخ أحدهما دون الآخر، فقال بعضهم: يجوز نسخ أحدهما دون الآخر، وقال آخرون لا يجوز نسخ أحدهما دون الآخر، وقال

стр. 761

فريق ثالث: إن نسخ المفهوم يستلزم نسخ المنطوق، وأما نسخ المنطوق فلا يستلزم نسخ المفهوم، وقال فريق رابع: إذا نسخ المنطوق نسخ مفهوم الموافقة؛ لأن الأول أصل للثاني، ولكن إذا نسخ المفهوم، فلا يلزم نسخ أصله المنطوق؛ لأن المفهوم فرع، ونسخه لا يلزم منه نسخ حكم الأصل، ولكل رأي تعليله، مما لا فائدة عملية من ذلك، فهو بحث نظري فكري مما لا طائل تحته (١). وبعد: فإننا نلاحظ أن مباحث النسخ مهمة، وأنها تطبق عمليًّا في الحياة في جميع الأنظمة واللوائح والقوانين، ولكن النسخ في الشرع انتهى أمده، وأغلق بابه بختم النبوة، وانقطاع الوحي، وأن بعض العلماء توسع في النسخ كثيرًا حتى اعتبر أكثر أنواع التخصيص نسخًا، وقيده آخرون وحصروه في حالات، وهو الراجح في نظري، ويجب ألا يفتح باب النسخ بمعناه الاصطلاحي أو العرفي تجاه النصوص الشرعية، ويكفي معرفة الأحكام المنسوخة حتى لا يفتى بها أو يعمل بها.

стр. 762

الباب الرابع الاجتهاد والتقليد والإفتاء تمهيد: إن من المقرر شرعًا أن كل حادثة أو واقعة في الكون أو أمر في الدنيا يتعلق بالإنسان له حكم شرعي عند اللَّه تعالى، عَرَفه من عَرَفه، وجهله من جهله، وأنه يجب على علماء الأمة أن يبيِّنوا ذلك حتمًا لازمًا، وفرضًا مؤكدًا، وهذا أمر غير محدود ولا محصور، ولا ينتهي مع التقدم والتطور. وإن النصوص الواردة في القرآن والسنة لبيان الأحكام الشرعية محدودة ومحصورة، وإن أحداث الكون التي تتلعق بالإنسان في مختلف الأزمنة والأمكنة، ومع تطور الحياة، وتقدم العلوم، ورقي الأمم والحضارات، غير محدودة ولا محصورة. وإن المحدود والمحصور لا يحيط بغير المحدود وغير المحصور، وهذا يقتضي حتمًا أن يكون مع القرآن والسنة مصدر شرعي مقرر ومقبول يبين أحكام الحوادث التي لم يرد فيها نص، ويوجب حتمًا أن يوجد في الأمة من تتوفر فيه الأهلية لذلك. وهذا ما أدركه صحابة رسول اللَّه ﷺ الذين تربوا في مدرسة النبوّة، وتخرجوا على يدي رسول اللَّه ﷺ ، وعرفوا مقاصد الشريعة وأهدافها وغاياتها وأسرارها، ولذلك لما عيَّن رسول اللَّه ﷺ مُعاذَ بن جَبَل ﵁ على القضاء أراد اختباره، وسأله: "كَيْفَ تقضي إنْ عَرَضَ لك القضاءُ يا معاذُ؟ " فأجابَ: أقضي بكتابِ اللَّه تعالى، قالَ: "فإنْ لم تجِدْ في كتاب اللَّه؟ " قال: فبسنَّةِ رسولِ اللَّه، قال: "فإنْ لم تجدْ في سنهِ رسولِ اللَّه؟ "، قال: أجتهدُ

стр. 763

رأيي، ولا آلُو، أي: لا أُقصِّر، فسرّ رسول اللَّه ﷺ من هذا الفهم الدقيق، والجواب الحصيف، والمنهج القويم، وأقره على مبدأ الاجتهاد عند عدم النص في القرآن والسنة، وقال عليه الصلاة والإسلام: "الحمدُ للَّه الذي وَفَّق رسولَ رسولِ اللَّه، لما يُرْضي اللَّهَ ورسولَه" (١)، وأصبح هذا المبدأ مقررًا في الشرع، ومنهجًا للأمة والعلماء، وهو المعروف بالاجتهاد، وهو المصدر الرئيسي الثالث في الشريعة، ومنه يتفرع الإجماع وسائر المصادر. ولكن ليس كل مسلم مؤهلًا للاجتهاد، وليس كل المسلمين علماءَ وفقهاء لبذل الجهد لمعرفة حكم اللَّه تعالى، ولم يكلفهم الشرع -أصلًا- بذلك، بل قرر المبدأ الإسلامي الخالد، والعام الشامل، وهو وجوب سؤال أهل العلم والاختصاص، وهم المجتهدون والعلماء والفقهاء، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧]، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، ولذلك يسأل المسلمُ العادي، أو الأمي والجاهل، يسأل الفقيه العالم المجتهد عن حكم اللَّه تعالى، ويتبعه فيه ويقلده، وهو ما يعرف بالتقليد الذي يعتبر مقابلًا للاجتهاد. والسائل عن الحكم الشرعي يسمى مُسْتفتيًا، والمسؤول عن الحكم يُسمّى مفتيًا بأن يخبر عن حكم، ولذلك يلحق الإفتاء بالاجتهاد والتقليد. وهذه المبادئ والمناهج الثلاثة: الاجتهاد، والتقليد، والإفتاء، يضبطها علم أصول الفقه، ويضع مبادئها، وقواعدها، وأصولها، وأحكامها، ولذلك كانت مباحث الاجتهاد والتقليد والإفتاء من المباحث المهمة الأساسية في علم أصول الفقه، وهذا ما ندرسه في هذا الباب، وذلك في ثلاثة فصول، وهي: الفصل الأول: الاجتهاد. الفصل الثاني: التقليد.

стр. 764

الفصل الثالث: الإفتاء. ونسأل اللَّه التوفيق، ونستمد منه العون والتأييد، فهو نعم المولى والنصير والمجيب، وعليه الاعتماد والتكلان.

стр. 765

الفصل الأول الاجتهاد نبذة تاريخية عن الاجتهاد: بدأ الاجتهاد الجزئي في العهد النبوي، سواء كان ذلك من النبي ﷺ على قول، كما سنرى، أم كان من الصحابة الذين كانوا يعْرِضون اجتهاداتهم على رسول اللَّه ﷺ ، فيقر الصواب الذي يتفق مع الشرع، وينكر الخطأ الذي يخالف الدِّين. ثم مر الاجتهاد في ثلاثة أطوار رئيسة، وهي: الطور الأول: بدأ الاجتهاد رويدًا رويدًا بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ ، وانتقاله للرفيق الأعلى، فتصدّى كبار الصحابة وعلماؤهم، وفقاؤهم وقضاتهم وولاتهم للاجتهاد، لبيان حكم اللَّه تعالى فيما يستجد من أحداث، مما ليس له حكم في الكتاب والسنة، وأدَّوْا وظيفتهم كاملة، وغَطَّوا أحكام ما وقع في عصرهم، وإن كان قليلًا إلى حد ما. ولما انتشر الإسلام، وزادت الفتوحات، ودخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، وامتدت الدولة الإسلامية إلى عواصم الأمم الأخرى، وبلاد الحضارات السائدة، توسع الصحابة ثم التابعون غب الاجتهاد، وادهرت الركة الفقهية، وبرز الفقهاء المجتهدون من التابعين إلى أن بلغوا الذروة والقمة في القرن الثاني الهجري (١).

стр. 766

وسار الاجتهاد بعد ذلك على وتيرة واحدة، وزخم كبير طوال قرنين تقريبًا، وبلغ الفقه الإسلامي أوجَهُ، ونما، وازدهر، واستجاب لحاجات الناس ومقتضيات تطور الحياة، وأنتج ثروة فقهية زاهرة، مع بعض الخمول أحيانًا، وتراجع بعض الفقهاء والعلماء عن مسابقة الركب، واللحاق بالمقدمة، وفي ذات الوقت بدأ يظهر التقليد للأئمة والعلماء والمذاهب في مختلف الأصقاع والبلدان (١)، ولكن كان أكثر العلماء والفقهاء مجتهدين، حتى المحدثون منهم، كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، وجميع القضاة، ومعظم الولاة والخلفاء، وأكثرهم يجتهد ويستنبط الأحكام من المصادر المختلفة بطرق الاجتهاد السليمة، وكانت جماهير الأمة يستفتونهم، ويأخذون عنهم، ويتبعون آراءهم وأحكامهم. الطور الثاني: وذلك ابتداء من منتصف القرن الرابع الهجري حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، أي: حوالي ألف سنة، وبدأ الاجتهاد في أول هذا الطور يتراجع، ويتجزأ، ويضطرب، ويتخلخل، ثم بدأ يتسرب إليه أنصاف العلماء ومن دونهم الذين بدؤوا يتطاولون على الاجتهاد، ويعبث بعضهم فيه، ويخرج على الأمة والناس بالأوهام والسخافات، وما يتناقض مع الشرع، ويتعارض مع قواعد أصول الفقه، ويتجاوز ضوابط الاجتهاد، وضعفت الأمة، وبدأ الانحطاط في المجتمع والدولة، مما دعا العلماء الغيورين على الدِّين أن يتصدَّوْا لهذه الآراء الواهية، وأن يقفوا أمام أدعياء العلم، وأن يعلنوا إغلاق باب الاجتهاد ليوصدوا هذا الباب أمام من ليس أهلًا للاجتهاد والنظر، ويقطعوا الطريق أمام أصحاب الأهواء من مختلف الفرق والمذاهب، وانحصر الاجتهاد غالبًا في مجتهد المذهب، ومجتهد المسائل، ومجتهد التخريج، ومجتهد الترجيح ... ، وأصبح أكثر الفقهاء والعلماء من هذه الطبقات، وإن ظهر لبعضهم اجتهادات قيمة، وآراء سديدة، وبزغ بينهم مجتهدون، ولكنهم قلة.

стр. 767

ونتج عن ذلك جمود الفقه الإسلامي، وركود الحركة الفقهية، وطغيان التقليد، والاقتصار على المتون، واختصار الكتب، وتدوين الشروح والحواشي والموسوعات المذهبية، أو المقارنة بين المذاهب، والتزام جماهير الأمة اتباع المذاهب المتعددة التي استقرت وشاعت، ثم اختفى بعضها وانقرض كمذهب الأوزاعي، والمذهب الظاهري، وسيطرت المذاهب الأربعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي على معظم أرجاء البلاد الإسلامية، وبقي إلى جانبهم المذهب الزيدي، والإمامي الجعفري، والإباضي. ونتج عن هذه الحالة -مع إقفال باب الاجتهاد- البقاء على وحدة الأمة الإسلامية، والحفاظ على الثروة الفقهية الموروثة من الطور الأول، وفي ذات الوقت وقف الفقه عن مجاراة الحياة، ووقف الفقهاء والعلماء وراء الراكب، وأحس الناس بعجز العلماء، وقصور الأحكام، وخاصة مع التعصب المذهبي، والالتزام بمذهب دون غيره، ورافق ذلك الضعف السياسي، وتسلط الدول الأخرى على البلاد الإسلامية شيئًا فشيئًا، فتحلّل الناس والحكام من الأحكام الشرعية جزئيًّا، والتمسوا الحلول المستوردة من القوانين والأنظمة الأجنبية، إلى أن غابت معظم الأحكام الشرعية عن معظم البلاد الإسلامية، وتسرب الغزو الفكري، والنظريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الغربية، حتى وصل الأمر إلى التشكيك بالإسلام، وفصل الدِّين والشرع عن الدولة والمجتمع، والهجوم على القرآن والسنة، والطعن أو الغمز أو اللمز صراحة أو ضمنًا بالفقه الإسلامي، وانتهى معظم المسلمين إلى الحضيض، مع تسرب ومضات خاطفة لظهور بعض المجتهد الذين يصرون على استمرار الاجتهاد (١). الطور الثالث: أحسَّ العلماء الغيورون بالوضع الراهن السيِّء، وتلمسوا الحلول لإنقاذ الأمة، وأيقنوا أن فتح باب الاجتهاد هو أحد الوسائل المهمة

стр. 768

لحل المشكلة، وعادوا إلى إحياء قواعد أصول الفقه، والاجتهاد في القضايا المعاصرة والمستجدة، وفتحت الجامعات الإسلامية، وكليات الشريعة، وظهرت كوكبة من العلماء في القرن الرابع عشر تدعو للصحوة الإسلامية والتشريعية، والعودة إلى الينابيع، وإكمال العمل الذي كان في العهود السابقة للسلف الصالح، وانشئت المجامع الفقهية، ومجمع البحوث، والمؤتمرات والندوات التي ضمت في جنباتها كبار علماء العصر الذين أدلَوْا بدلوهم، وأثبتوا أن فضل اللَّه لا ينقطع؛ ولا ينحصر بجيل وأفراد، وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، لكن ولجه من هو له أهل، واندس فيه من ليس أهلًا له، بل هجم عليه غير المختصين أصلًا بالدين والشريعة، ثم بدأ الأمر يتمحص لمن يستحق أن يكون أهلًا للاجتهاد بجدارة، حتى قال الشوكاني رحمه اللَّه تعالى: "ومن حصر فضل اللَّه على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة المطهرة على ما تقدم عصره، فقد تجرأ على اللَّه ، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده، ثم على عباده الذين تعبّدهم اللَّه بالكتاب والسنة" (١). وعادت دراسة أصول الفقه ليتم تطبيقها، ومنها أهلية الاجتهاد وشروطه وضوابطه، ليمارسها العلماء، ويعملوا بموجبها، ويؤكدوا صلاحية هذه الشريعة لكل زمان ومكان، وأن كل واقعة في الكون تتصل بالإنسان لها حكم شرعي يجب على العلماء والفقهاء بيانه. وهذا ما سنعرضه في هذا الفصل عن الاجتهاد وأحكامه، وذلك في المباحث التالية.

стр. 769

المبحث الأول تعريف الاجتهاد ، ومشروعيته، وحكمه تعريف الاجتهاد: الاجتهاد لغة: افتعال من الجُهدْ -بالضم والفتح- وهو الطاقة والمشقة، من جَهَد أي: جدَّ وطلب الأمر حتى بلغ المشقة، ووصل إلى الغاية، وهو بذل المجهود واستفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور، ويختص بما فيه كلفة ومشقة، ويخرج عنه ما لا مشقة فيه (١). والاجتهاد اصطلاحًا: هو استفراغ الفقيه وسعه لدَرْك حكم شرعي (٢)، فالاستفراغ معناه بذل الوسع والطاقة، من ذي الفقه، بحيث تحسُّ نفسه بالعجز عن الزيادة للمعرفة الظنية أو القطعية فيما يسوغ فيه الاجتهاد، لتحصيل الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

стр. 770

والمراد من الفقيه عند الأصوليين قديمًا: المجتهد، وأما إطلاقه على من يحفظ الفروع الفقهية فهو اصطلاح عند غيرهم، وكان لفظ الفقيه والمجتهد مترادفين في العصور الأولى، ثم انفصلا، وصار الفقيه هو المجتهد عند الأصوليين، والعالم بالفقه هو الفقيه عند الفقهاء. والاجتهاد ينتج عنه الاستنباط، والاستدلال عامة، أو من دلالات النصوص، أو مما لم يرد فيه نص، وينتج عن جميع ذلك القياس والاستحسان والاستصلاح والاستصحاب، وسد الذرائع، وغيرها، وسيرد تفصيل مجال الاجتهاد، أو وجوهه أو محله أو نطاقه الذي يستعمل فيه، مما يدل على اتساع دائرة الاجتهاد، وأنه أوسع من القياس، وأوسع من الرأي (١). مشروعية الاجتهاد: الاجتهاد مطلوب في الشرع، وهو أصل من أصول الشريعة، كما سبق في حديث معاذ، ووردت فيه أدلة كثيرة تدل على طلبه إما صراحة، وإما إشارة، سواء في القرآن والسنة والإجماع والمعقول. أولًا: الكتاب: وردت آيات كثيرة تأمر بالنظر والبحث وإعمال العقل والفكر لمعرفة أحكام اللَّه تعالى، وتدل على أن الاجتهاد أصل من أصول الشريعة إما بطريق التصريح أو الإشارة والتنبيه، فمن ذلك: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾

стр. 771

[النساء: ١٠٥]، فهذه الآية تتضمن إقرار الاجتهاد بطريق القياس، والقياس نوع من الاجتهاد، ومثل ذلك الآيات الكريمة التي سبق بيانها في مشروعية القياس، فإنّها تدل على جواز الاجتهاد كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣]، وما ورد بعدها: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤، النحل: ١٢]، وغير ذلك مما ورد فيه قوله تعالى: ﴿يَعْقِلُونَ﴾. ٢ - قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]، فالأمر بطاعة اللَّه والرسول هو باتباع نصوص الكتاب والسنة، والمراد بالردّ إلى اللَّه والرسول عند التنازع فيما لم يرد فيه نص هو النظر في الكتاب والسنة لمعرفة علل الأحكام، ومقاصد الشريعة، وقواعدها العامة للاستنباط والاجتهاد والاستدلال على الأحكام الشرعية، وهذا هو الاجتهاد الشرعي الذي أوجبه اللَّه تعالى لبيان الحكم لما يحدث بين الناس من قضايا لم يرد فيها نص، فيعملون بشرع اللَّه، ويتجنبون الهوى والباطل. ٣ - قال اللَّه تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ : ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فكان رسول اللَّه ﷺ يشاور أصحابه فيما لم يوح إليه منه بشيء، ثم يختار من آرائهم ما كان عنده أقرب للصواب في أمر الحروب، ومكائد العدو، وفي أشياء كثيرة، مما يرد في الشورى والمشاورة مما لا وحي فيه، وكان الصحابة رضوان اللَّه عليهم يظهرون آراءهم، وما يؤدي إليه اجتهادهم، ويجتهد معهم، ويختار الصواب عنده منها، كرأي الحُباب في بدر، ورأي الأنصار في عدم إعطاء عُيَيْنة بن حصن نصف ثمار المدينة يوم الأحزاب، وغير ذلك، وأمر اللَّه بالتشاور والتراضي بين الزوجين عند الفصال وإرضاع المولود، ويتم ذلك بالاجتهاد واستخراج الرأي على غالب الظن، وهو الاجتهاد (١). ٤ - وردت آيات كثيرة يتوقف العمل بها على الاجتهاد فيها لتطبيقها، فمن

стр. 772

ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، والمعروف يحتاج إلى اجتهاد وتقدير، وقال تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولا يعرف مقدار المتعة إلا بالاجتهاد وغالب الظن؛ لاختلاف أحوال الناس في اليسار والإعسار، وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ومن غاب عن الكعبة فلا تصح صلاته بالتوجه إليها إلا عن طريق الاجتهاد وغالب الظن، وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وإصلاح مال اليتيم إنما يكون بتحري الاحتياط في تمييزه وحفظه وإحرازه، ويكون ذلك بغالب الظن، ومعظم آيات الأحكام تحتاج إلى النظر والاجتهاد وإعمال الفكر والذهن لمعرفة مرادها بغالب الظن، وهذا هو الاجتهاد وما يدخل فيه (١). ثانيًا: السنة: وردت أحاديث كثيرة جدًّا تنص صراحة على الاجتهاد، وأحاديث أخرى قولية وفعلية تدل على الاجتهاد صراحة أو إشارة، فمن ذلك: ١ - قال رسول اللَّه ﷺ : "إذَا حكمَ الحاكمُ فاجْتَهَدَ ثم أصابَ فلهُ أجْران، وإذا حَكَم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجرٌ" (٢)، فالحديث صريح في تجويز الاجتهاد والدعوة إليه والترغيب فيه، قال النووي رحمه اللَّه تعالى: "قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالمٍ أهل للحكم" (٣). ٢ - قال رسول اللَّه ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "كيف تَصْنَعُ إنْ عَرَضَ لكَ قضاءٌ؟ "، قال: أقضي بكتاب اللَّه، قال: "فإنْ لم يكُنْ في كتابِ اللَّه؟ " قال: فبسنةِ رسولِ اللَّه، قال: "فإنْ لم يكنْ في سنّةِ رسولِ اللَّه؟ "، قال:

стр. 773

أجتهدُ في رأي، ولا آلو، أي: لا أقصِّر، فضرب رسول اللَّه ﷺ على صدر معاذ، وقال: "الحمدُ للَّه الذي وفقَ رسولَ رسولِ اللَّه لما يُرضي اللَّهَ ورسُولَه" (١)، والأحاديث في ذلك كثيرة (٢). ثالثًا: الإجماع: أجمع الصحابة ومن بعدهم على مشروعية الاجتهاد، فكان الخلفاء الراشدون، وسائر الصحابة رضوان اللَّه عليهم إذا وقعت واقعة، أو حدثت قضية، رجعوا إلى كتاب اللَّه، فإن لم يجدوا فيه حكمًا، رجعوا إلى السنَّة، وسأل بعضهم الآخر، فإن لم يجدوا فيها حكم القضية، فزعوا إلى الاجتهاد حسب الأسس والأصول والقواعد والمنهج الذي دَرّبَهم عليه رسول اللَّه ﷺ ، حتى تواتر ذلك عن الصحابة، ولم يخالف في ذلك أحد، فكان إجماعًا (٣)، وسار عليه سلف الأمة وخلفها حتى وقتنا الحاضر، وسيبقى كذلك حتى تقوم الساعة. رابعًا: المعقول: سبق البيان في التمهيد للاجتهاد والتقليد والإفتاء أن اللَّه تعالى له في كل حادثة أو واقعة في الكون حكم شرعي، وأن نصوص القرآن والسنة محدودة، وأن وقائع الكون غير محدودة ولا محصورة، والمحدود لا يحيط بغير المحدود، فصار الاجتهاد في معرفة الحوادث والمستجدات أمرًا محتومًا عقلًا، وواجبًا شرعًا، وهذا ما أدركه المسلمون خلفًا عن سلف مما لا يحتاج إلى مزيد بيان، فهو أمر مسلم فيه، ومفروغ منه، وأن الاجتهاد أصل في أحكام الشرع (٤).

стр. 774

حكم الاجتهاد: إن معرفة الحكم الشرعي لكل واقعة أو حادثة أو قضية أو مسألة واجب شرعي قطعًا، فإذا كان الحكم موجودًا في نصوص الكتاب أو السنة فبها ونعمت وحصل المقصود، وكفى اللَّه المؤمنين القتال، وإن لم يكن موجودًا ومعروفًا في النصوص فيجب على علماء الأمة ومجتهديها وفقهائها أن يجتهدوا لمعرفة الحكم الشرعي، وبيانه للناس، قال القرافي رحمه اللَّه تعالى: "مذهب مالك وجمهور العلماء: وجوب الاجتهاد، وإبطال التقليد" (١)، هذا في الجملة. أما في التفصيل وبالنسبة للأفراد، فإن وقعت حادثة لشخص أو لجماعة، وسئل الفقيه العالم عنها، فإن حكم الاجتهاد تعتريه الأحكام التكليفية التالية متى توفرت بالشخص شروط الاجتهاد وملكة استنباط الأحكام الشرعية كالتالي: ١ - فرض العين: إذا وقعت حادثة، وتوفرت بالشخص الشروط، فيكون الاجتهاد فرضًا عينيًّا عليه في الحالات التالية: الحالة الأولى: يكون الاجتهاد فرض عين على المجتهد في حق نفسه، عند نزول الحادثة، فإذا وصل اجتهاده إلى حكم، لزمه العمل به؛ لأن حكم المجتهد هو حكم اللَّه تعالى في المسألة التي اجتهد بها بحسب ظنه الغالب، وينبغي عليه العمل بما غلب على ظنه أنه حكم اللَّه تعالى، ولا يجوز له أن يقلد مجتهدًا آخر. الحالة الثانية: يكون الاجتهاد فرض عين على المجتهد إذا كان قاضيًا وتعين عليه الحكم في المسألة؛ ليفصل فيها، وينهي النزاع والخصومة، ويصدر حكمًا بينهما. الحالة الثالثة: يكون الاجتهاد فرض عين على المجتهد إذا سئل عن حادثة وقعت، وخاف فوتها على غير وجهها الشرعي، ولم يوجد غيره؛ لأن ترك الاجتهاد ومعرفة الحكم الشرعي يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو

стр. 775

ممنوع شرعًا. ٢ - فرض الكفاية: يكون الاجتهاد فرض كفاية على المجتهد في حالتين: الحالة الأولى: إذا وجد عدد من المجتهدين عند وقوع الحادثة، فيكون الاجتهاد فرضًا كفائيًّا على كل منهم، فإن اجتهد أحدهم ووصل إلى الحكم، سقط الطلب عن الباقي، وإن تركه الجميع أثموا، ويتأكد فرض الكفاية على من خُصَّ بالسؤال عنها، فإن أجاب هو أو غيره سقط الفرض، وإلا أثموا جميعًا، ومثل ذلك إذا عرضت قضية على قاضيين مشتركين بالنظر (١). الحالة الثانية: إذا كان المجتهد واحدًا، وعرضت عليه قضية واقعة، ولكنها ليست على الفور، ولم يخف فوت الحادثة، ولم يوجد غيره، فيكون الاجتهاد فرضًا كفائيًّا في الحال، وله التأخير. ٣ - الندب: يكون الاجتهاد مندوبًا إذا عرضت على المجتهد حادثة لم تقع، سواء سئل عنها أم لم يسأل، فيندب له الاجتهاد لبيان حكم اللَّه تعالى فيها. ٤ - التحريم: يكون الاجتهاد حرامًا على المجتهد فيما لا يجوز الاجتهاد فيه، كالاجتهاد في مقابلة نص قطعي، أو سنة متواترة قطعية الدلالة، أو في مقابلة الإجماع الذي سبق الحادثة (٢)، وتسمية هذا النوع اجتهادًا إنما هو من قبيل التجوز والمجاز؛ لأنه في
следующие страницы →