← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

[النساء: ١٠٥]، فهذه الآية تتضمن إقرار الاجتهاد بطريق القياس، والقياس نوع من الاجتهاد، ومثل ذلك الآيات الكريمة التي سبق بيانها في مشروعية القياس، فإنّها تدل على جواز الاجتهاد كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣]، وما ورد بعدها: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤، النحل: ١٢]، وغير ذلك مما ورد فيه قوله تعالى: ﴿يَعْقِلُونَ﴾. ٢ - قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]، فالأمر بطاعة اللَّه والرسول هو باتباع نصوص الكتاب والسنة، والمراد بالردّ إلى اللَّه والرسول عند التنازع فيما لم يرد فيه نص هو النظر في الكتاب والسنة لمعرفة علل الأحكام، ومقاصد الشريعة، وقواعدها العامة للاستنباط والاجتهاد والاستدلال على الأحكام الشرعية، وهذا هو الاجتهاد الشرعي الذي أوجبه اللَّه تعالى لبيان الحكم لما يحدث بين الناس من قضايا لم يرد فيها نص، فيعملون بشرع اللَّه، ويتجنبون الهوى والباطل. ٣ - قال اللَّه تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ : ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فكان رسول اللَّه ﷺ يشاور أصحابه فيما لم يوح إليه منه بشيء، ثم يختار من آرائهم ما كان عنده أقرب للصواب في أمر الحروب، ومكائد العدو، وفي أشياء كثيرة، مما يرد في الشورى والمشاورة مما لا وحي فيه، وكان الصحابة رضوان اللَّه عليهم يظهرون آراءهم، وما يؤدي إليه اجتهادهم، ويجتهد معهم، ويختار الصواب عنده منها، كرأي الحُباب في بدر، ورأي الأنصار في عدم إعطاء عُيَيْنة بن حصن نصف ثمار المدينة يوم الأحزاب، وغير ذلك، وأمر اللَّه بالتشاور والتراضي بين الزوجين عند الفصال وإرضاع المولود، ويتم ذلك بالاجتهاد واستخراج الرأي على غالب الظن، وهو الاجتهاد (١). ٤ - وردت آيات كثيرة يتوقف العمل بها على الاجتهاد فيها لتطبيقها، فمن

стр. 772

ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، والمعروف يحتاج إلى اجتهاد وتقدير، وقال تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولا يعرف مقدار المتعة إلا بالاجتهاد وغالب الظن؛ لاختلاف أحوال الناس في اليسار والإعسار، وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ومن غاب عن الكعبة فلا تصح صلاته بالتوجه إليها إلا عن طريق الاجتهاد وغالب الظن، وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وإصلاح مال اليتيم إنما يكون بتحري الاحتياط في تمييزه وحفظه وإحرازه، ويكون ذلك بغالب الظن، ومعظم آيات الأحكام تحتاج إلى النظر والاجتهاد وإعمال الفكر والذهن لمعرفة مرادها بغالب الظن، وهذا هو الاجتهاد وما يدخل فيه (١). ثانيًا: السنة: وردت أحاديث كثيرة جدًّا تنص صراحة على الاجتهاد، وأحاديث أخرى قولية وفعلية تدل على الاجتهاد صراحة أو إشارة، فمن ذلك: ١ - قال رسول اللَّه ﷺ : "إذَا حكمَ الحاكمُ فاجْتَهَدَ ثم أصابَ فلهُ أجْران، وإذا حَكَم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجرٌ" (٢)، فالحديث صريح في تجويز الاجتهاد والدعوة إليه والترغيب فيه، قال النووي رحمه اللَّه تعالى: "قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالمٍ أهل للحكم" (٣). ٢ - قال رسول اللَّه ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "كيف تَصْنَعُ إنْ عَرَضَ لكَ قضاءٌ؟ "، قال: أقضي بكتاب اللَّه، قال: "فإنْ لم يكُنْ في كتابِ اللَّه؟ " قال: فبسنةِ رسولِ اللَّه، قال: "فإنْ لم يكنْ في سنّةِ رسولِ اللَّه؟ "، قال:

стр. 773

أجتهدُ في رأي، ولا آلو، أي: لا أقصِّر، فضرب رسول اللَّه ﷺ على صدر معاذ، وقال: "الحمدُ للَّه الذي وفقَ رسولَ رسولِ اللَّه لما يُرضي اللَّهَ ورسُولَه" (١)، والأحاديث في ذلك كثيرة (٢). ثالثًا: الإجماع: أجمع الصحابة ومن بعدهم على مشروعية الاجتهاد، فكان الخلفاء الراشدون، وسائر الصحابة رضوان اللَّه عليهم إذا وقعت واقعة، أو حدثت قضية، رجعوا إلى كتاب اللَّه، فإن لم يجدوا فيه حكمًا، رجعوا إلى السنَّة، وسأل بعضهم الآخر، فإن لم يجدوا فيها حكم القضية، فزعوا إلى الاجتهاد حسب الأسس والأصول والقواعد والمنهج الذي دَرّبَهم عليه رسول اللَّه ﷺ ، حتى تواتر ذلك عن الصحابة، ولم يخالف في ذلك أحد، فكان إجماعًا (٣)، وسار عليه سلف الأمة وخلفها حتى وقتنا الحاضر، وسيبقى كذلك حتى تقوم الساعة. رابعًا: المعقول: سبق البيان في التمهيد للاجتهاد والتقليد والإفتاء أن اللَّه تعالى له في كل حادثة أو واقعة في الكون حكم شرعي، وأن نصوص القرآن والسنة محدودة، وأن وقائع الكون غير محدودة ولا محصورة، والمحدود لا يحيط بغير المحدود، فصار الاجتهاد في معرفة الحوادث والمستجدات أمرًا محتومًا عقلًا، وواجبًا شرعًا، وهذا ما أدركه المسلمون خلفًا عن سلف مما لا يحتاج إلى مزيد بيان، فهو أمر مسلم فيه، ومفروغ منه، وأن الاجتهاد أصل في أحكام الشرع (٤).

стр. 774

حكم الاجتهاد: إن معرفة الحكم الشرعي لكل واقعة أو حادثة أو قضية أو مسألة واجب شرعي قطعًا، فإذا كان الحكم موجودًا في نصوص الكتاب أو السنة فبها ونعمت وحصل المقصود، وكفى اللَّه المؤمنين القتال، وإن لم يكن موجودًا ومعروفًا في النصوص فيجب على علماء الأمة ومجتهديها وفقهائها أن يجتهدوا لمعرفة الحكم الشرعي، وبيانه للناس، قال القرافي رحمه اللَّه تعالى: "مذهب مالك وجمهور العلماء: وجوب الاجتهاد، وإبطال التقليد" (١)، هذا في الجملة. أما في التفصيل وبالنسبة للأفراد، فإن وقعت حادثة لشخص أو لجماعة، وسئل الفقيه العالم عنها، فإن حكم الاجتهاد تعتريه الأحكام التكليفية التالية متى توفرت بالشخص شروط الاجتهاد وملكة استنباط الأحكام الشرعية كالتالي: ١ - فرض العين: إذا وقعت حادثة، وتوفرت بالشخص الشروط، فيكون الاجتهاد فرضًا عينيًّا عليه في الحالات التالية: الحالة الأولى: يكون الاجتهاد فرض عين على المجتهد في حق نفسه، عند نزول الحادثة، فإذا وصل اجتهاده إلى حكم، لزمه العمل به؛ لأن حكم المجتهد هو حكم اللَّه تعالى في المسألة التي اجتهد بها بحسب ظنه الغالب، وينبغي عليه العمل بما غلب على ظنه أنه حكم اللَّه تعالى، ولا يجوز له أن يقلد مجتهدًا آخر. الحالة الثانية: يكون الاجتهاد فرض عين على المجتهد إذا كان قاضيًا وتعين عليه الحكم في المسألة؛ ليفصل فيها، وينهي النزاع والخصومة، ويصدر حكمًا بينهما. الحالة الثالثة: يكون الاجتهاد فرض عين على المجتهد إذا سئل عن حادثة وقعت، وخاف فوتها على غير وجهها الشرعي، ولم يوجد غيره؛ لأن ترك الاجتهاد ومعرفة الحكم الشرعي يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو

стр. 775

ممنوع شرعًا. ٢ - فرض الكفاية: يكون الاجتهاد فرض كفاية على المجتهد في حالتين: الحالة الأولى: إذا وجد عدد من المجتهدين عند وقوع الحادثة، فيكون الاجتهاد فرضًا كفائيًّا على كل منهم، فإن اجتهد أحدهم ووصل إلى الحكم، سقط الطلب عن الباقي، وإن تركه الجميع أثموا، ويتأكد فرض الكفاية على من خُصَّ بالسؤال عنها، فإن أجاب هو أو غيره سقط الفرض، وإلا أثموا جميعًا، ومثل ذلك إذا عرضت قضية على قاضيين مشتركين بالنظر (١). الحالة الثانية: إذا كان المجتهد واحدًا، وعرضت عليه قضية واقعة، ولكنها ليست على الفور، ولم يخف فوت الحادثة، ولم يوجد غيره، فيكون الاجتهاد فرضًا كفائيًّا في الحال، وله التأخير. ٣ - الندب: يكون الاجتهاد مندوبًا إذا عرضت على المجتهد حادثة لم تقع، سواء سئل عنها أم لم يسأل، فيندب له الاجتهاد لبيان حكم اللَّه تعالى فيها. ٤ - التحريم: يكون الاجتهاد حرامًا على المجتهد فيما لا يجوز الاجتهاد فيه، كالاجتهاد في مقابلة نص قطعي، أو سنة متواترة قطعية الدلالة، أو في مقابلة الإجماع الذي سبق الحادثة (٢)، وتسمية هذا النوع اجتهادًا إنما هو من قبيل التجوز والمجاز؛ لأنه في

стр. 776

الحقيقة أمر باطل، وليس اجتهادًا أصلًا، كما يحرم الاجتهاد على من فقد شروطه، ولم يكن له أهلًا. وسوف يتم تفصيل ما يجوز الاجتهاد فيه وما لا يجوز في مبحث قادم في مجال الاجتهاد ونطاقه ومحله. وإذا كان الاجتهاد فرضًا في الجملة، فهذا يستلزم عدم خلو الزمان عن مجتهد، وهذا ما يبحثه الأصوليون، ولو نظريًا، ولذلك نعرض هذه المسألة هنا. خلو العصر عن المجتهدين: اختلف العلماء في فكرة خلو العصر عن المجتهدين إلى قولين: القول الأول: لا يجوز خلو زمان من مجتهد يبيِّن للناس ما نُزل إليهم ويبيِّن لهم حكم الشرع في كل ما يقع، وهو قول الحنابلة وبعض الشافعية كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني والزبيدي وابن دقيق العيد والسيوطي وغيرهم. واستدلوا على ذلك بالسنة والمعقول. فمن السنّة قوله ﷺ : "لا تزالُ طائفةٌ من أُمّتي ظاهرين حتى تقوم الساعةُ". وفي وراية: "لا تزالُ طائفة من أُمّتي ظاهرينَ على الحقِّ لا يَضُرُّهم مَنْ خَذَلَهم حتى يأتي أمرُ اللَّه وهم كذلك" (١)، وهذا يدل على بقاء نفر من الأمة يظهرون حكم اللَّه تعالى، ويبينون الحق للناس، فإن خلا الزمان ممن يعرفون الحق، ويبصِّرون به غيرهم، لم يتحقق مضمون الحديث. ومن المعقول أنه لو عدم الفقهاء المجتهدون والعلماء المعلمون لم تقم الفرائض كلها، ولو عطلت الفرائض كلها لحقت النقمة بالخلق، كما جاء في الخبر: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق" (٢).

стр. 777

والعياذ باللَّه أن يتأخر الناس والعلماء ليكونوا مع الأشرار، ولذلك قال عدد من العلماء: لن تخلو الأرض من قائم للَّه بالحجّة في كل وقت ودهر وزمان، وإن كان قليلًا في كثير، وقالوا: لو أخلى اللَّه زمانًا من قائم بحجة زال التكليف، إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت الشريعة، ولو عُدِم الفقهاء لم تقم الفرائض كلها، ولو عُطِّلت الفرائض كلُّها لحلت النقمة بالخلق كما جاء في الخبر السابق، وأن الخلو من مجتهد يلزم منه إجماع الأمة على الخطأ، وهو مناف للخبر: "لا تجتمع أمتي على الخطأ"، "أمتي لا تجتمع على الخطأ" (١). القول الثاني: يجوز خلو العصر من المجتهدين، وهو رأي أكثر العلماء، وجزم به الفخر الرازي، والغزالي من الشافعية وبقية المذاهب. واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ : "إن اللَّه لا يَقْبضُ العلمَ انتزاعًا، يَنْتَزِعَهُ من العباد، ولكنْ يَقْبضُ العِلْمَ بقبضِ العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتَّخَذَ الناسُ رؤساءَ جهالًا، فسُئِلُوا، فأفتَوْا بغيرِ عِلْم، فضلُّوا وأَضَلُّوا" (٢)، فهذا يدل على خلو العلماء، وأن الناس كلَّهم جهال، لا مجتهد فيهم. المناقشة والترجيح: إن هذه المسألة -أصلًا- نظرية خيالية، وهي في آخر الزمان، ولعل أكثر العلماء لاحظوا عدم وجود المجتهدين اجتهادًا مطلقًا كالأئمة الأربعة، ولذلك قال الغزالي في "الوسيط": "قد خلا العصر عن المجتهد المطلق" وقال الرافعي: "الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم". وإن خلو العصر عن المجتهد المطلق لا يعني خلو الزمان عن المجتهدين

стр. 778

من سائر الطبقات الذين يبيّنون للناس أحكام الشرع ولو بالتخريج والقياس وغيره، ولذلك أكد السيوطي رحمه اللَّه تعالى أن الاجتهاد في كل عصر فرض، ثم بيَّن أنه لا يجوز عقلًا وشرعًا إخلاء العصر من مجتهد، وأكد كلامه باستعراض أسماء العلماء في كل طبقة ممن وصل إلى رتبة ما في الاجتهاد، وهذا صحيح ومنطقي، ونلمسه في تاريخ الإسلام والمسلمين، ونشاهده في عصرنا الحاضر، وأن الحديث الذي احتج به المانعون إنّما ذلك في آخر الزمان، وأنه من أشراط الساعة، وهذا ابن دقيق العيد رحمه اللَّه تعالى يقول: "لكنْ إلى الحدّ الذي تنتقض به القواعد بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان" وقال أيضًا: "والأرض لا تخلو من قائم للَّه بالحجّة، والأمة الشريفة لا بدَّ لها من سالك إلى الحق على واضح المَحَجَّة إلى أن يأتي أمر اللَّه في أشراط الساعة الكبرى" ونقل هذا الزركشي رحمه اللَّه تعالى ثم قال: "والحقُّ أن العصر خلا عن المجتهد المطلق، لا عن مجتهد في مذهب أحد الأئمة الأربعة" (١). وإن تقدم العلوم، وتيسر الطباعة، ونشر أمهات الكتب اليوم يؤكد توفر أسباب الاجتهاد على من توفرت فيه شروط من التخصص والتعمق والبحث والنظر، وقد قال الشوكاني قبل حوالي مئتي سنة قبل وجود المطابع: "فإنه لا يخض على من له أدنى فهم أن الاجتهاد قد يسّره اللَّه للمتأخرين تيسيرًا لم يكن للسابقين؛ لأن التفاسير للكتاب العزيز قد دُوِّنت، وصارت في الكثرة إلى حد لا يمكن حصره، والسنّة المطَهَّرة قد دُوّنت، وتكلم الأئمة على التفسير والتجريح، والتصحيح والترجيح بما هو زيادة عما يحتاجه المجتهد، وقد كان السلف الصالح ... يرحل للحديث الواحد من قطر إلى قطر،

стр. 779

فالاجتهاد على المتأخرين أيسر وأسهل من الاجتهاد على المتقدمين، ولا يخالف في هذا من له فهم صحيح وعقل سويّ" (١). وبهذا يتأكد أن الاجتهاد فرض، وعلى العلماء الفقهاء المختصين أن يبذلوا أقصى جهدهم في معرفة الأحكام الشرعية للوقائع الطارئة، والمستجدات التي تواجه الناس في كل زمان. وقال الماوردي رحمه اللَّه تعالى: "أن يكون الاجتهاد أصلًا يستخرج به حكم ما لم يرد فيه نص، ولا انعقد عليه إجماع" (٢). العلم بالاجتهاد: متى تم الاجتهاد بشروطه التي سنذكرها وجب العمل به في الحوادث والقضايا، سواء بالنسبة للمجتهد نفسه، أو لمن سأله وعلم برأيه، إلا لمجتهد آخر، وذلك لإجماع الصحابة فمن بعدهم، ويسمى الحكم الاجتهادي حكمًا شرعيًّا في الصحيح، وهو دين اللَّه وشرعه (٣).

стр. 780

المبحث الثاني أركان الاجتهاد وشروطه أركان الاجتهاد: الاجتهاد له ثلاثة أركان، وهي: ١ - نفس الاجتهاد: وهو العمل والفعل الذي يبذل فيه المجتهد وسعه لنيل حكم شرعي من الأدلة المقررة شرعًا عن طريق الاستنباط والاستدلال والقياس وغيره، مما ليس فيه نص قطعي الثبوت والدلالة، أو مما لم يسبق فيه إجماع، وسبق تعريف الاجتهاد، وسيرد لاحقًا مجاله، وشروطه. ٢ - المجتهد: وهو الفقيه البالغ العاقل الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد، وصار عنده ملكة يقتدر بها على استنتاج الأحكام من مآخذها، وبشروطها التي سترد. ٣ - المجتهد فيه: وهو الحكم الشرعي العملي أو العلمي الذي ليس فيه دليل قطعي، فالحكم هو الوصف للحادثة أو الواقعة، والشرعي لإخراج الأمور العقلية التي لا تحتمل الاجتهاد، ولأن الحق فيها واحد لا يتعدد، ولا يحتمل الاختلاف، والعملي هو الذي يقتضي عملًا بالقلب أو اللسان أو الأعضاء والجوارح مما يدخل في كسب المكلف إقدامًا أو إحجامًا، والعلمي هو ما تضمنه علم الأصول من المظنونات التي يستند العمل إليها، وعبارة "ليس فيه دليل قاطع" لتخرج الأحكام الثابتة بالدليل القطعي، مما يحرم فيه الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد ظن، والظن لا يقوي ولا يعارض القطع، وذلك كوجوب الصلوات الخمس، والزكاة، وصيام رمضان، والحج، وما اتفقت عليه الأئمة، وأجمع عليه الفقهاء من أحكام الشرع الجلية، كما سنبينه في مبحث محل الاجتهاد، أو مجاله، أو .......

стр. 781

نطاقه (١). شروط الاجتهاد: تنصب معظم شروط الاجتهاد على صفات المجتهد، أما شروط الاجتهاد نفسه فستأتي ضمنًا في شروط المجتهد، وفي شروط المجتهد فيه التي سنذكرها في مجال الاجتهاد ونطاقه، ولذلك نخصص هذه الفقرة لبيان شروط المجتهد المطلق الذي كان يطلق عليه سابقًا الفقيه. يشترط في المجتهد أن تتوفر فيه الشروط التالية، حتى يسوغ له الاجتهاد، ويثاب على فعله، ويقبل قوله، ويعتد به، ويجوز اتباعه، أو تقليده، أو الأخذ به (٢)، وهي: ١ - العلم بكتاب اللَّه تعالى: يشترط في المجتهده أن يكون عالمًا بمعاني القرآن الكريم، ولا يشترط معرفته بجميع الكتاب، بل ما يتعلق فيه بالأحكام العملية، وهي التي قدَّرها العلماء بخمس مئة آية في الغالب، ولا يشترط حفظه لها عن ظهر قلب، وإنما يكفي أن يكون عالمًا بموضعها، وإمكان الرجوع إليها عند الحاجة، واستحضارها للاحتجاج بها. قال الشوكاني رحمه اللَّه تعالى: "ودعوى الانحصار في هذا المقدار إنما هي باعتبار الظاهر، للقطع بأن في الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكام الشرعية أضعاف أضعاف ذلك، بل من له فهم صحيح وتدبر

стр. 782

كامل يستخرج الأحكام من الآيات الواردة لمجرد القصص والأمثال، قيل: ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالة على الأحكام دلالة أولية بالذات، لا بطريق التضمن والالتزام" (١). والمراد من العلم بالآيات من الناحية اللغوية، وذلك بمعرفة معنى المفردات والمركبات، وخواصها في إرادة المعنى إما بالسليقة العربية، وإما بتعلُّم علوم العربية في الصرف والنحو والمعاني والبيان وسائر فنون البلاغة، وكذلك معرفة الآيات شرعًا بإدراك العلل والمعاني المؤثرة في الأحكام، وأوجه دلالة اللفظ على المعنى مما سبق بيانه من العبارة والإشارة والدلالة والاقتضاء، والمنطوق والمفهوم، ومعرفة أقسام اللفظ التي سبق بيانها كالعام والخاص والمشترك والمجمل والمفسر والمحكم وغيرها، وأن يعلم الناسخ والمنسوخ وغير ذلك مما سيأتي في قواعد أصول الفقه، وكذلك أسباب النزول للآيات، وأسباب الورود للأحاديث، ليستعين بها في معرفة المراد من النص، وما يتعلق به من تخصيص أو تعميم (٢). ٢ - العلم بالسُّنَّة المتعلقة بالأحكام: وذلك بأن يعرف أحاديث الأحكام، لغة وشرعًا، كما سبق في القرآن، ولا يشترط حفظها، وإنما يكفيه العلم بمواقعها، والمعرفة بكيفية الرجوع إليها عند الاستنباط، ويعلم صحة الحديث وضعفه سندًا ومتنًا، ويتجنب الموضوع مطلقًا، وحدد ابن العربي أحاديث الأحكام بثلاثة آلاف، ونقل عن أحمد أنها ألف ومئتان، وشدد في رواية أنها خمس مئة ألف، وفي رواية

стр. 783

ثلاث مئة ألف، ولعله أراد أحاديث النبي ﷺ وآثار الصحابة والتابعين. ووضح ذلك الشوكاني رحمه اللَّه تعالى فقال: "والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لا بدَّ أن يكون عالمًا بما اشتملت عليه مجاميع السنَّة التي صنَّفها أهل الفن، كالأمهات الست (وهي: صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وما يلحق بها (كالموطأ وسنن الدارمي والدارقطني والبيهقي) مشرفًا على ما اشتملت عليه المسانيد والمستخرجات (كمسند أحمد، ومستدرك الحاكم) والكتب التي التزم مصنفوها الصحة (مثل صحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة، ومصنف عبد الرزاق) حتى لا يلجأ المجتهد إلى القول بالرأي والقياس مع وجود النص، وهذا ما يتعلق بمتن الحديث ... وأن يكون ممن له تمييز بين الصحيح منها والحسن والضعيف .. ، بل المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل ... " (١)، ويمكن الاعتماد على كتب أحاديث الأحكام، وكتب تخريج أحاديث الأحكام، وما ورد فيها من عزو وتخريج وبيان للصحيح والضعيف (٢). ٣ - العلم بالناسخ والمنسوخ: يشترط في المجتهد معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنّة، وهي محصورة في آيات وأحاديث كما سبق، حتى لا يعتمد المجتهد على منسوخ متروك في القرآن والسنة، وذلك عند الاجتهاد والفتوى، وجمع ذلك في عدة كتب (٣). ٤ - معرفة مسائل الإجماع: بدأ الاجتهاد في الجيل الأول قبل الإجماع، فإن اتفقت آراء المجتهدين صار إجماعًا، ويحتل مرتبة القطع، فلا يجوز خرقُه ولا مخالفته.

стр. 784

ويشترط في المجتهد اللاحق أن يكون متمكنًا من معرفة مسائل الإجماع؛ ليكون رأيه موافقًا للإجماع، ويجتنب الاجتهاد والفتوى بخلاف ما أجمع عليه، فيكون قد خرق الإجماع، وبالتالي يكون رأيه باطلًا ومردودًا. ولا يلزم المجتهد حفظ جميع مسائل الإجماع، ولكن يشترط أن يعلم أن المسألة التي يجتهد فيها ليس فيها إجماع، وأن فتواه ليست مخالفة للإجماع، بل موافقة لمذهب عالم، أو أنها حادثة جديدة، ولم يسبق بحثها أو الإجماع فيها (١). ويتفرع عن ذلك أن يعرف المجتهد المسائل الخلافية التي اختلفت فيها وجهات النظر عند الاجتهاد فيها، وبيَّن الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى الحكمة من ذلك، فقال: "ولا يكون لأحد أن يقيس (يجتهد) حتى يكون عالمًا بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم ... ، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه؛ لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة، ويزداد به تثبيتًا فيما اعتقد من الصواب، وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه، حتى يعرف أين قال ما يقول، وترك ما يترك، ولا يكون بما قال أعنى منه بما خالفه، حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك إن شاء الله" (٢). وهذا يبين أن دراسة أسباب اختلاف الفقهاء والإحاطة بأدلتهم، وأسس وجهات نظرهم المتفاوتة يربي ملكة الاستنباط والنقد والتمحيص للأدلة، والفحص للمعاني، وينمي في الشخص أهلية الاجتهاد والنظر والاستنباط الصحيح (٣).

стр. 785

٥ - معرفة القياس: يشترط في المجتهد أن يكون عارفًا بوجوه القياس وشرائطه المعتبرة، وأن يعرف علل الأحكام، وطرق الاستنباط من النصوص والمصالح وأصول الشرع؛ لأن القياس أحد أبواب الاجتهاد الرئيسة، مع باقي أبواب أصول الفقه كما سنرى. ٦ - معرفة علوم اللغة العربية: يشترط في المجتهد أن يعرف علوم اللغة العربية من نحو وصرف ومعان وبيان، وأساليب الأدباء؛ لأن القرآن والسنة جاءا باللغة العربية، وبحسب دلالات أهل اللغة، وذلك لمعرفة مراد الشرع وقصده، بمقتضى أساليب العرب، وبالتالي فإن مبحث دلالات الألفاظ التي سبق بيانها تتوقف على معرفة كلام العرب وفهمه في الألفاظ والمفردات، والجمل والتراكيب، والحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والإطلاق والتقييد، والمجمل والمبين، والأمر والنهي، والاستثناء، ودليل الخطاب وفحواه ومفهومه، وغير ذلك؛ لأن بعض الأحكام تتوقف على ذلك توقفًا ضروريًّا، وقد يختلف الحكم بحسب حركة الإعراب بالرفع أو النصب أو الجر. ولا يشترط حفظ لغة العرب عن ظهر قلب، ولكن يكفي أن يكون قادرًا على استخراج المراد من المظان والمؤلفات، وأن يعرف قدرًا كافيًا يستطيع به فهم الخطاب العربي، وعادات العرب، ومقاصد الألفاظ والمعاني؛ لأن اللغة هي الآلة والأداة التي يستعين بها لفهم النص وتحديد المراد منه؛ لاستنباط الأحكام والعلل، والقياس عليها، ويتقرر ذلك بمعرفة اللغة نثرًا وشعرًا، ونحوًا وصرفًا وغيره. ٧ - العلم بأصول الفقه: يشترط في المجتهد أن يكون عالمًا بأصول الفقه؛ لأنه الأداة الثانية بعد اللغة؛ ليكون المجتهد قادرًا على استخراج أحكام الفقه من الأدلة الشرعية، وضمن مصادر التشريع الصحيحة المقررة في علم أصول الفقه، وبناء على

стр. 786

قواعد الاستنباط والاستدلال التي حددها علم أصول الفقه، وسبق بيانها في الباب السابق، ولذلك أكد الفخر الرازي أن علم أصول الفقه أهم العلوم للمجتهد، وسبقه إلى ذلك الغزالي رحمه اللَّه تعالى مبينًا أن أعظم علوم الاجتهاد هي الحديث واللغة وأصول الفقه، وسبقهما إمام الحرمين الجويني رحمه اللَّه تعالى الذي قال: أهم العلوم للمجتهد أصول الفقه. ويدخل في علم أصول الفقه معرفة مقاصد الشريعة العامة التي تنير الطريق عند استنباط الأحكام، حتى لا يجمد العقل والفكر على الظاهر، وحرفية النص، وقطعه عن سائر النصوص التي تحدد أسرار الشريعة وغاياتها العامة، مما يساعد على تحديد المراد من النصوص، وترجيح أحد المعاني التي تتفق مع المقاصد دون غيرها، وسبق في الجزء الأول بيان مقاصد الشريعة، وأنها تنحصر في تحقيق مصالح الناس، بجلب النفع لهم ودرء المفاسد عنهم، وتدور على حفظ النفس والعقل والدين والنسل والمال (١). ولا يشترط في المجتهد أن يكون عالمًا بفروع الفقه، ولا بعلم الكلام، لكن لا بدَّ من اعتقاد صحيح جازم، ولا يشترط معرفة العقيدة على طريقة المتكلمين بأدلتهم التي يحررونها، ويحصل الاجتهاد بممارسة الفقه؛ لأنه طريق لتحصيل الدربة والمعرفة والخبرة للاجتهاد (٢).

стр. 787

شروط المجتهد المقيد: إن الشروط السابقة تختص بالمجتهد المطلق، وهو نادر الحصول في العصور المتأخرة والحاضرة، أما المجتهد المقيد، أو المجتهد الجزئي في مسألة أو بجانب فقهي كالمعاملات المالية، أو الجهاد وما يتعلق به، أو الجنايات، أو الإثبات، أو القضاء، أو الميراث، فلا يشترط فيه جميع الشروط السابقة، وإنما يشترط فيه أن يكون عالمًا بذلك الجانب الذي يجتهد فيه وما يتعلق بهذا الاختصاص، وهذا ما يؤدي إلى جواز تجزؤ الاجتهاد كما سنرى. كما أن المجتهد في المذهب لا يشترط أن تتوفر فيه شروط المجتهد المطلق السابقة، وإنما يكفيه أن يكون ملمًّا بمذهبه، وقول إمام المذهب، وآراء علماء المذهب والمجتهدين فيه، وأصول المذهب التي اعتمد عليها الإمام، والأدلة الفرعية التي استدل بها الفقهاء على حكم معين، ليستطيع التخريج أو الترجيح في المذهب، وبالتالي بيان أحكام النوازل المستجدة حسب ذلك المذهب. يقول الغزالي رحمه اللَّه تعالى: "وليس الاجتهاد عندي مَنْصبًا لا يتجزأ، بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض" (١). ويقول الآمدي رحمه اللَّه تعالى: "أما الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفًا بما يتعلق بتلك المسألة، وما لا بدَّ منه فيها، ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق بها" (٢). وهذه الشروط الخاصة للمجتهد المقيد، أو المجتهد في المذهب، هي المطلوبة الآن، مما يحصّلها الباحث والدارس المتخصص في الشريعة والفقه وأصول الفقه (٣).

стр. 788

وهذا يقودنا إلى معرفة مراتب المجتهدين ، وأنواع الاجتهاد. مراتب المجتهدين: المجتهد إما مستقل أو غير مستقل، وغير المستقل أربعة أقسام، فتكون مراتب المجتهدين خمسًا، وهي: ١ - المجتهد المستقل المطلق: وهو الذي توفرت فيه الشروط السابقة، وكان له قواعد لنفسه، وأصول خاصة يعتمد عليها، ويبني عليها أحكام الفقه، ويمارسها في الاجتهاد، وكان اجتهاده في عامة أبواب الفقه، ويبذل جهده في معرفة النوازل والوقائع وما يُسأل عنه، وهذا هو المجتهد المطلق المستقل. وهذا الصنف لم يعد متوفرًا، ويمتنع على الإنسان أن تتوفر فيه هذه الصفات، وخاصة مع اتساع العصر، وتنوع العلوم، وكثرة الوقائع والنوازل، والاعتماد على التخصص العام، والتخصص الفرعي الدقيق في مختلف العلوم وفي شؤون الحياة. ومن أمثلة المجتهد المطلق فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة الذين جاؤوا بعدهم واشتهروا بالاجتهاد المطلق كالإمام زيد، ومحمد الباقر، وأبي حنيفة، وجعفر الصادق، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والليث بن سعد، والثوري، وابن جرير الطبري، وأبي ثور، وابن المنذر، وغيرهم كثير. ٢ - المجتهد المطلق غير المستقل: وهو الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد كالصنف السابق، لكن لم يضع لنفسه قواعد ينفرد بها، بل التزم طريقة إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد، فهو مجتهد مطلق منتسب، فهو لم يقلد إمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقته في الاجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه، وقرأ كثيرًا منه على أهله، فوجده صوابًا، وأولى من غيره، وذلك مثل أبي يوسف ومحمد وزفر من الحنفية، وابن القاسم

стр. 789

وأشهب من المالكية، والبويطي والزعفراني والمزني من الشافعية. ٣ - المجتهد المقيد: ويسمى: المجتهد في المذهب، أو مجتهد التخريج؛ لأنه مقيد في مذهب إمام معين، وعاملٌ على تقرير أصوله بالدليل، ولا يتعدى أصوله وقواعده، ويتقنها مع فقهها وأدلة مسائلها، وفي ذات الوقت فإنه يعرف القياس، ويقدر على التخريج والاستنباط على أصول إمامه، ويلحق الفروع بالأصول والقواعد التي لإمامه (١)، كالحسن بن زياد الكرخي والطحاوي من الحنفية، والأبهري وابن أبي زيد من المالكية، وأبي إسحاق الشيرازي وأبي إسحاق المروزي من الشافعية، وغيرهم. ويقوم مجتهد التخريج بنشاط في أقوال إمامه، فإذا أفتى الإمام في مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين، نقل حكم كل منهما إلى الأخرى، وصار في كل مسألة قولان بالاجتهاد والتخريج، ما لم يفرق الإمام بينهما، أو يقرب الزمن. ٤ - مجتهد الترجيح: وهو فقيه النفس، الحافظ لمذهب إمامه، العارف بأدلته، القائم بتقريرها، ثم يصور ويحرّر للمسائل الجديدة، ويمهد لها ويقررها، ويزيف ما يخالفها، ويرجح بين أقوال الإمام، ووجوه الأصحاب، ولم يبلغ رتبة المجتهد في المذهب، أو مجتهد التخريج؛ لاقتصاره على حفظ المذهب، وعدم الارتياض في الاستنباط، وعدم ممارسته، ولم يتبحر في أصول الفقه ونحوه، ولكن لا يخلو علمه عن معرفة أطرافه، مثل القدوري والمرغيناني صاحب "الهداية" من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب والشيخ خليل من

стр. 790

المالكية، وأبي الطيب الطبري وأبي حامد الإسفراييني والرافعي والنووي من الشافعية، والقاضي أبي يعلى وابن قدامة وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، وغيرهم كثير في كل مذهب، ممن لم يخل منهم عصر. ٥ - مجتهد الفتيا: وهو الفقيه الذي يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه، ويعتمد عليه في نقل المذهب والفتوى به فيما يحكيه من كتب المذهب، ومنصوصات الإمام، وتفريعات الأصحاب المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم، فإن لم يجد حكمًا منقولًا في مذهبه، أعطى ما في معناه مما يدركه بأدنى فكر وتأمل، وأنه لا فارق بين الأمرين، وهذا النوع أكثر من أن يحصى في كل مذهب، وفي كل عصر ممن يتصدر للفتوى والتعليم (١)، وسوف نعود لبيانه في الفصل الثالث عن الإفتاء، وهم المسمَّون اليوم بالعلماء والفقهاء والمختصين بالشريعة، وهم القائمون على الاجتهاد الجزئي، وبيان أحكام النوازل والمستجدات، ويتولون الإفتاء وبيان الأحكام للناس. أقسام المجتهدين: تعارف العلماء من السلف في العصور الأولى على إطلاق اسم الفقيه على المجتهد، كما أطلقوا عليه لقب المفتي، وسار الأمر على هذا المنوال في القرون الثلاثة الأولى، ثم بدأ يظهر التمييز بين المجتهد والمفتي والفقيه والعالم، ولكن بقي التداخل بينهم موجودًا، لذلك قسم ابن القيم رحمه اللَّه تعالى المجتهدين أو المفتين إلى أربعة أقسام، يحسن بيانهم للمقارنة بينهم

стр. 791

وبين مراتب المجتهدين عند الأصوليين، فقال: "المفتون الذين نَصبُوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام: "أحدهم: العالم بكتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة، فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت، ولا ينافي اجتهادُه تقليدَه لغيره أحيانًا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال الشافعي ﵀ ورضي عنه في موضع من الحج: "قلته تقليدًا لعطاء". "فهذا النوع يسوغ لهم الإفتاء، ويسوغ استفتاؤهم، ويتأدى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال فيهم النبي ﷺ : "إنَّ اللَّه يبعثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كلِّ مئةِ سنةٍ مَنْ يجدّدُ لها دينها" (١)، وهم غرسُ اللَّه الذين لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه: "لن تخلُو الأرضُ من قائمٍ للَّه بحجته". "النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها، وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه، من غير أن يكون مقلِّدًا لإمامه، لا في الحكم ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتَّبه وقرَّره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا، مثل القاضي أبي يعلى من الحنابلة". "النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرر به بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها، لكن لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره ألبتة، وهذا شأن أكثر المصنفين في مذاهب أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف". "وكثير منهم من يظن أنه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية،

стр. 792

لكونه مجتزيًا بنصوص إمامه، فهي عنده كنصوص الشارع، وقد اكتفى بها مِن كلفة التعب والمشقة، وقد كفاه الإمام استنباط الأحكام ومؤنة استخراجها من النصوص، وقد يرى إمامه ذكر حكمًا بدليله، فيكتفي هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له". "وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطولة والمختصرة، وهؤلاء لا يدَّعون الاجتهاد، ولا يقرون بالتقليد" (١). "النوع الرابع: طائفة تفقهت في مذهب من انتسبت إليه، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه، فإن ذكروا الكتاب والسنة يومًا في مسألة، فعلى وجه التبرك والفضيلة، لا على وجه الاحتجاج والعمل، وإذا رأوا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وغيرهم من الصحابة ﵃ قد أفتوا بفتيا، ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفهم، أخذوا بفتيا إمامهم، وتركوا فتاوى الصحابة، قائلين: الإمام أعلم بذلك منا، ونحن قلّدناه، فلا نتعداه ولا نخطاه، بل هو أعلم بما ذهب إليه منا". "ومن عدا هؤلاء فمتكلف متخلف، قد دنا بنفسه عن رتبة المشتغلين، وقصَّر عن درجة المحصلين، فهو مكذلك مع المكذلكين، وإن ساعد القدر واستقل بالجواب، قال: يجوز شرطه، ويصح شرطه، ويجوز ما لم يمنع منه مانع شرعي، ويرجع في ذلك إلى رأي الحاكم، ونحو ذلك من الأجوبة التي يستحسنها كل جاهل، ويستحي منها كل فاضل" (٢). مراتب العلماء اليوم: إذا أردنا أن نطبق هذه الأسس على علماء الشريعة اليوم، فنستطيع أن

стр. 793

نصنفهم حسب الشهادات التي يحصلون عليها في الغالب، أي: إن المتخرج من الثانوية الشرعية، أو المعاهد الدينية، يمثل النوع الرابع الذي ينقل رأي إمام مذهبه ويفتي به، ولا قدرة له ولا طاقة على الاجتهاد للمسائل الجديدة، والمتخرج من كليّات الشريعة يعتبر من النوع الثالث ممن ينقل قول إمامه مع دليله، وقد يقيس عليه، والمتخرج من تخصص الماجستير في الشريعة فهو من النوع الثاني، فهو مجتهد مقيد في مذهب إمامه، وقد يختار ويجتهد في حدود ضيقة، والمتخصص في الشريعة مع البحث والدراسة ودرجة العالِمية الدكتوراه يعتبر من النوع الأول، فهو مجتهد غير مستقل، فيرجح ويفتي، ويجتهد في مجال اختصاصه، ويختار.

стр. 794

المبحث الثالث أهمية الاجتهاد والحاجة إليه سبق في مطلع الباب الثالث إشارة إلى أهمية الاجتهاد، وأنه من المقرر شرعًا أن لكل حادثة أو واقعة في الكون حكمًا شرعيًّا، وأن نصوص الشرع الواردة في القرآن والسنة لبيان الأحكام محدودة، ولكن فيها إعجاز بلاغي، وشمولي، وموضوعي، وكلي لأحكام الذين عامة، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وجاءت السنة النبوية بجوامع الكلم، وبيان الأحكام الواردة في القرآن، وبيان أسس التشريع ومبادئه وقواعده، وحددت مقاصد التشريع وغاياته وأهدافه، ليأتي العلماء الفقهاء المجتهدون لمتابعة المسيرة، التي أقرها القرآن الكريم والسنة الشريفة في مشروعية الاجتهاد التي سبق بيانها. وكان الاجتهاد أحد المصادر الرئيسة الثلاثة التي أقرها رسول اللَّه ﷺ في حديث معاذ ﵁: "القرآن، والسنة، والاجتهاد". وإن النصوص الشرعية -وهي الأصل والأساس- متوقفة ومعتمدة على الوحي، وقد انقطع الوحي بوفاة رسول اللَّه ﷺ ، وختمت الشريعة النضية، ولكنها أقرت الاجتهاد ليكون بابًا مفتوحًا أمام المجتهدين حتى تقوم الساعة؛ لتلبية حاجات الأمة في التشريع، وكشف أحكام اللَّه تعالى في كل ما يعرض للمسلمين خاصة، وللبشرية عامة، وإلا وقع النقص في التشريع، والجمود في البيان، وهو ما يأباه الذين، ويحمّل أتباعه مسؤولية التقصير في الدنيا والآخرة، ولذلك كان اتساع الاجتهاد ونشاطه وحركته وتطوره يتناسب طردًا مع حال الأمة الإسلامية في التقدم والرقي، والحضارة والثقافة، والحكم والدعوة، والتشريع والتنظيم، والعلم والتعليم، ونتيجة لذلك طرح فتح باب الاجتهاد في العصور الأولى، وشاع في عصر الجمود والتخلف والانحطاط فكرة سدّ باب الاجتهاد، ثم عادت الأمور إلى مجاريها للدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، والحرص على ممارسته، كما سنرى بعد قليل.

стр. 795

مكانة الاجتهاد: تظهر أهمية الاجتهاد ومكانته من خلال النقاط التالية: ١ - الاجتهاد حكم شرعي: إن الاجتهاد -كما سبق في مشروعيته- حكم شرعي مقرر ثابت بالنصوص والإجماع، وهو مهم للغاية، ويجب ممارسته وتطبيقه والعمل به وجوبًا شرعيًّا، فيثاب فاعله، ويعاقب الأهل له بتركه، وإذا تركه الجميع أثموا، كما سبق في بيانا حكمه، فالاجتهاد -في حد ذاته- عبادة، وتعبد للَّه تعالى في وسائله وغايته، وتقرب لرضوانه في الدنيا والآخرة، ليفوز المجتهد بمكانة العلماء الثابتة شرعًا. وإن تعطيل الاجتهاد، أو ادّعاء غلقه، والعزوف عنه، يعطّل حكمًا أساسيًّا مهمًا في الشرع، كإقامة الدولة الإسلامية، والجهاد، وأركان الإسلام، وينعكس أثره السيِّء على سائر المسلمين، والأمة، والمجتمع، والدعوة، والتطور، والحياة، ومستقبل المسلمين، ومكانتهم في الأرض، وتحت الشمس، وبين الأمم، كما حصل في العصور الأخيرة. ٢ - أحكام النوازل والمستجدات: إن الاجتهاد هو الوسيلة الوحيدة للمسلمين لإيجاد الأحكام والحلول للمشكلات الطارئة، والنوازل الواقعة، والمستجدات المتلاحقة، بغية معرفة حكم اللَّه تعالى فيها، وتسهيل حياة المسلمين، وتيسير ظروفهم وأحوالهم وشؤونهم، وبيان مصالحهم في ضوء الشريعة الغراء، بجلب المصالح والمنافع لهم، ودفع المضار والمفاسد، والهلاك والضرر عنهم، وحمايتهم من السيطرة التشريعية الأجنبية، أو الاستعمار التشريعي، واستيراد الأحكام من الأعداء، وإبعاد الجمود الفكري والعقلي والشرعي عن حياتهم. ٣ - صلاحية الشريعة: إن الاجتهاد هو الوسيلة الوحيدة التي تؤكد صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، وتبين خصائص الشريعة وسماتها وواقعيتها ومرونتها

стр. 796

وقدرتها على التطبيق، ومجاراتها لتطور الحياة، وكانت السلاح الوضاء أمام العلماء والدّعاة في الدّعوة لتطبيق شرع اللَّه وأحكامه ودينه في جميع الأعصار والأمصار، وإلا تعطلت الشريعة، وفقدت سر بقائها، وتعرض أهلها للغزو الفكري والتشريعي ليحل محل الفقه الإسلامي. ٤ - الثروة الفقهية التشريعية: إن الاجتهاد في العصور الأولى، وحتى في المراحل اللاحقة، كان الوسيلة الوحيدة حيث أعطى الأمة الإسلامية ثروة فقهية زاخرة، وتراثًا غزيرًا، تضاهي بها العالم، ويندر وجود مثيلها عند أمة أخرى، وزوَّد المسلمين بملايين المؤلفات والمصنفات والموسوعات والمجلدات والكتب الفقهية التي عوّل عليها العالم أجمع في العصور الحديثة، والنهضة المعاصرة، ويستفيد منها المسلمون، ويتخيرون ما يقوى دليله، ويصلح للعصر، ثم يجتهدون فيما وراءه. ولا يزال الاجتهاد -بل يجب أن يكون- السلاح الذي يعوِّل عليه المسلمون اليوم في إغناء شعوبهم أولًا، وتزويد العالم ثانيًا، بالحلول الشرعية التي تنبثق من الأصول الشرعية، لتحقيق مصالح الناس بأفضل الوسائل، وأنجع المناهج، ويكفي أن نشير مثلًا إلى ما حققه الاجتهاد المعاصر في الاقتصاد الإسلامي، وبيان الأحكام الشرعية المؤصلة للمؤسسات المالية الإسلامية، كالمصارف، والتأمين، والسوق المالية، وسائر المعاملات المعاصرة، مما ينعم به المسلمون اليوم، وبربطهم بدينهم وعقيدتهم وتراثهم، ويحقق مصالحهم، ويدفع عنهم غائلة النظم المادية الأخرى. ٥ - إعمال الفكر والعقل: إن الاجتهاد -بحد ذاته- يغذي فكر المسلمين عامة، والعلماء خاصة، ويمنحهم الإثراء العقلي، والتفتح الذهني، وتشغيل الدماغ والعقل فيما يعود بالخير والنفع على الأمة والإنسانية، ويساهم في تطوير البحث النظري والشرعي، ويوسع مدارك المتعلمين والمتفقهين على جميع المستويات، ويعمق الحوار الجاد، والمناظرات العلمية الفاعلة والنافعة للناس، وبالتالي يتجدد الفكر بدلًا من الجمود والتعطيل، والمحاكاة والتقليد الذي يساهم

стр. 797

بتهيئة النفوس للاستعمار الفكري والثقافي والتشريعي، فالاجتهاد يطرد ذلك، ويجعل العلماء والفقهاء والمجتهدين والأمة في المكان الذي يحبه اللَّه ويرضاه، ويدعو إليه ويرغب به. ٦ - الارتباط بمصادر التشريع: إن الاجتهاد العملي يعمق الارتباط بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، ويُحكم الصلة بآثار الصحابة والتابعين، ويتفاعل مع فتاوى السلف والخلف، ويوثق الصلة باللغة العربية والتراث العظيم، وتاريخ التشريع الإسلامي في مختلف أطواره، فيستفيد المجتهد من كل ذلك، ثم يبدع وينتج ويستخرج الأحكام الشرعية التي تنفع الناس، ويوجد الحلول الإسلامية لمجريات الحياة. ٧ - الارتباط بالواقع والحياة: إن المجتهد في قضايا عصره يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحياة الناس، وهموم الأمة، والنوازل التي تقع، فيكون مجتهدًا وعالمًا واقعيًّا يفهم حياته وعصره، ولا يبقى في البرج العاجي الخالي من الناس، ويقطع عنه أحلام الماضي، والتغني بالآباء والأجداد، بل يعيش مع أهل العصر، ويكشف لهم الطريق الشرعي لمعاملاتهم على ضوء الكتاب والسنة وسائر مصادر التشريع الإسلامي. وهذا يقودنا إلى دراسة الفتوى ل غلق باب الاجتهاد ، ثم بيات الدعوة إلى فتحه، واستمرار الاجتهاد طوال العصور. غلق باب الاجتهاد: إن أهمية الاجتهاد، ومعرفة مكانته، وممارسته عمليًّا، يتوقف على توفر المجتهدين، وتحقق الشروط المطلوبة فيهم، حتى لا يكون الاجتهاد وسيلة للدس والتخريب، والهدم، وتحريف الدِّين، والعبث بأحكامه، والانحراف به نحو الهاوية بالاتجاه المعاكس لمشروعيته أصلًا. وهذا ما خشي منه العلماء الغيورون على دينهم فيما بعد القرن الرابع، لما رأوا من ضعف الدولة الإسلامية، وانقسامها إلى دويلات وممالك، وتشرذم كثير من العلماء مع الحكام المتنفذين، وضعف الاستقلال الفكري،

стр. 798

وجمود النشاط العلمي، وشيوع المذاهب الفقهية واستقرارها، ونتج عن ذلك التعصب المذهبي، والعكوف على نصوص الأئمة والفقهاء السابقين، وإثارة الخلافات المذهبية، والمناظرات والمجادلات الضيقة، والوقوف على الفروع الفقهية والجزئيات الخلافية، مع ضعف الملكات، وغياب الحركة الاجتهادية، وضعف الوازع الديني، حتى وصل الأمر إلى ادّعاء الاجتهاد من غير أهله، والتصدي للفتوى وإبداء الآراء المخالفة لأبسط الأسس والقواعد الشرعية، ولذلك أعلن كثير من العلماء غلق باب الاجتهاد؛ لسد الطريق أمام الجهال أو أنصاف العلماء، للوقوف حصرًا على أقوال المذهب المنتشرة والسائدة، وذلك بحسن نية، ومن باب السياسة الشرعية التي تعالج حالة قائمة، أو أمرًا مؤقتًا، أو فوضى اجتهادية، وظرفًا طارئًا، وليس لها دليل شرعي صحيح، أو حجة قوية، ثم شاع ذلك وانتشر (١). وكان من أثر هذه الدعوة، ورفع هذا الشعار أن فترت الهمّة، وجمد النشاط، وخف الاجتهاد إلى أدنى مستواه، وانصرف معظم الفقهاء إلى تدوين الكتب المذهبية والخلافية، واختصارها في متون، ثم وضع الشروح والحواشي عليها، وجمع أقوال إمام المذهب، ولمّ شتات الوجوه وأقوال الأصحاب والأتباع، مع الالتزام المذهبي والتعصب له، وعدم قبول رأي المذهب الآخر، حتى ضاق بعض الحكام والناس من الفراغ التشريعي لتطور، الحياة ومستجدات الزمن، واستغل أعداء الإسلام هذه الحالة، فجاؤوا بتشريعاتهم ونظمهم التي فرضوها على المسلمين. فتح باب الاجتهاد: إن الأسباب التي دعت بعض العلماء إلى الفتوى بقفل باب الاجتهاد لم تكن عامة، ولم يتم الاتفاق عليها، ولم تصدر بصيغة رسمية بمنع العلماء من

стр. 799

الاجتهاد، بل بقي الباب مفتوحًا، وإن ولجه القليلون، ومارسه بعض الأفراد. وكانت أبواب العلم مفتوحة، والمدارس والمعاهد والجامعات والمساجد العلمية تمارس وظيفتها إلى حد ما، ومن هنا ظهر في كل مذهب، وفي كل بلد، وفي كل عصر، عدد من فقهاء المذاهب، ووصل كثير منهم إلى درجة الاجتهاد، إما لطبقة المجتهد في المذهب، أو مجتهد التخريج، أو مجتهد الترجيح، أو مجتهد الفتيا، وأعلن كثير منهم الوصول إلى درجة الاجتهاد، ولكن الظروف والتعصب وشيوع الجمود لم تشجعه على ذلك، ولم تفتح له الأذهان، مع انتشار فتوى غلق باب الاجتهاد، وضعف الثقة بالنفس أحيانًا، وبسبب الحسد والتعصب أحيانًا أخرى. ومن رجع إلى كتب تاريخ التشريع الإسلامي عامة، وكتب طبقات الفقهاء في كل مذهب، تيقن وجود هؤلاء المجتهدين غير المستقلين، والذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد المطلق أو المجتهد المستقل (١). ويتأكد ذلك يقينًا بأن العصور التي عرفت بسد باب الاجتهاد هي التي ظهر فيها العلماء في كل مذهب يحققون آراءه، ويرجحون بين الروايات، ويمحصون الأدلة، ويحددون القول الراجح والمعتمد في المذهب من جهة، ثم يخرجون الآراء للقضايا المستحدثة، والأمور الطارئة قياسًا على ما ورد في المذهب، وتفريعًا لأصوله وقواعده، من أمثال الكمال بن الهمام وابن عابدين في المذهب الحنفي، والشيخ خليل والقرافي والونشريسي في

стр. 800

المذهب المالكي، والرافعي والنووي والرملي في المذهب الشافعي، وابن قدامة وابن مفلح ويونس البهوتي في المذهب الحنبلي، والصنعاني والشوكاني في المذهب الزيدي، وغيرهم كثير، وفي سائر المذاهب، ممن كان لهم الفضل في تنقيح المذهب، وتحقيقه، ونقله، والتدليل للمعتمد فيه، والتصنيف فيه، وتعلميه، وتخريج المسائل الجديدة قياسًا على نظائرها وأشباهها، ولكنهم لم يستطيعوا مسايرة ومجاراة التقدم الدائم، أو التطور السريع، والنوازل الواقعة (١). وأكد العلامة السبوطي رحمه اللَّه تعالى (٩١١ هـ) على وجود الاجتهاد طوال التاريخ الإسلامي، وأنه مستمر في جميع المراحل، وأنه ظهر في كل بلد، وفي كل مذهب، عدد من العلماء الذين بلغوا رتبة الاجتهاد، والذين مارسوه فعلًا، وسمى كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض"، وجمع نصوص العلماء من جميع المذاهب الفقهية القائلين بفرضية الاجتهاد وذم التقليد، ووجود المجتهدين فعلًا في كل مذهب، ومما نقله عن محيي السنة أبي محمد البغوي في كتابه "التهذيب" وهو من أجل الكتب المصنفة في الفقه، قوله: "العلم ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية ... ، وفرض الكفاية هو أن يتعلم ما يبلغ رتبة الاجتهاد ومحل الفتوى والقضاء، ويخرج من عداد المقلدين، فعلى كافة الناس القيام بتعلمه، غير أنه إذا قام من كل ناحية واحد أو اثنان سقط الفرض عن الباقين، فإذا قعد الكل عن تعلمه عصَوْا جميعًا؛ لم فيه من تعطيل أحكام الشرع، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]، إلى آخر كلامه" (٢). وسبق إلى ذلك الشهرستاني رحمه اللَّه تعالى (٥٤٨ هـ) في كتابه "الملل والنحل" وبيَّن عصيان أهل العصر بأسرهم إذا قصروا في القيام بفرض

стр. 801

الاجتهاد، وأقام الأدلة على فرضيته، ومنها الدليل العقلي القطعي، فقال: "وبالجملة نعلم قطعًا ويقينًا أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعًا أيضًا أنه لم يرد في كل حادثة نص، ولا يُتصور ذلك أيضًا، والنصوص إذا كانت متناهية، والوقائع غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، عُلم قطعًا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد" (١). وسبق الاثنين حُجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه اللَّه تعالى (٥٠٥ هـ) فقال: الاجتهاد ركن عظيم في الشريعة، لا ينكره منكر، وعليه عول الصحابة، بعد أن استأثر اللَّه برسوله ﷺ ، وتابعهم عليه التابعون إلى زماننا هذا، ولا يستقل به أحد، ولكن لا بدَّ من أوصاف وشرائط، مجملها أن نقول: المجتهد: هو المستقل بأحكام الشرع نصًّا واستنباطًا، وأشرنا نصًّا إلى الكتاب والسنة، وبالاستنباط إلى الأقيسة والمعاني" (٢). ونقل السيوطي رحمه اللَّه تعالى عبارة ابن عبد السلام من أئمة المالكية في كتابه "شرح مختصر ابن الحاجب" (٦٤٦ هـ) في باب القضاء، حيث يقول: "إن رتبة الاجتهاد مقدور على تحصيلها، وهي شرط في الفتوى والقضاء، وهي موجودة إلى الزمان الذي أخبر عنه ﵊ بانقطاع العلم، ولم نصل إليه الآن، وإلا كانت الأمة مجتمعة على الخطأ، وذلك باطل". ثم علق السيوطي على ذلك فقال: "فانظر كيف صرح بأن رتبة الاجتهاد غير متعذرة، وأنها باقية إلى زمانه، وبأنه يلزم من فقدها اجتماع الأمة على الباطل، وهو محال" (٣). وهكذا يظهر أن باب الاجتهاد ولم يفلق حقيقة، وإنما كانت الفتوى في بعض العلوم لسد الطريق أمام أصحاب الأهواء، ومن يتتبع تاريخ الفقهاء

стр. 802

وطبقاتهم في كل عصر، وفي كل مذهب، تأكد أن الاجتهاد لم يتوقف في أي مذهب وفي أي عصر، ولكن تتفاوت نسبته وعمقه، مع الاعتراف بوجود التقصير في عصور التخلف والانحطاط مما أدى إلى عدم مواكبة أحداث الزمن ووقائعه. الاجتهاد في العصر الحاضر: أحس المسلمون عامة، والعلماء خاصة منذ مطلع القرن الرابع عشر الهجري، والعشرين ميلادي، بضررورة العودة إلى رحاب الشريعة الغراء في التطبيق والحياة، وأدركوا عوامل الخمود والكسل والركود التي سبقت ذلك، فشمروا عن ساعد الجد، وطالبوا بالالتزام بالشرع الحنيف، وساهموا في فتح الكليات والجامعات والمعاهد، ودرسوا مختلف العلوم الإسلامية، وخاصة أصول الفقه، والفقه المقارن بين المذاهب، والموازنة مع القوانين الأجنبية المستوردة، وأدلوا بدلوهم تدريجيًّا في الاجتهاد، وبيان الأحكام في النوازل والمستجدات، ومارسوا الاجتهاد عمليًّا، وتعالت أصواتهم بالدعوة مجددًا إلى فتح باب الاجتهاد، وإنهاء دعوى أو فتوى غلق باب الاجتهاد، وطلبوا من العلماء الذين تتوفر فيهم شروط الاجتهاد أن يتولوا القيام به، ولو جزئيًّا، ليعود الأمر إلى الأصل الشرعي، وقرر معظم العلماء أن باب الاجتهاد لم يغلق أصلًا، وإنما وضعت القيود عليه خشية العبث به، ولوجود الموانع أمامه، وإذا زال المانع عاد الممنوع، وأن الأمة والعلماء مدعوّون قطعًا لتحصيل شروط الاجتهاد، ثم العمل بموجبه، وأن فضل اللَّه على عباده لم ولن ينحصر في وقت دون آخر، ولم ولن يتحدد بجيل دون آخر، وأن الخير في هذه الأمة حتى تقوم الساعة، ويجب أن تنفض عن كواهلها عوارض الكسل والخمود، لتمارس نشاطها الفقهي والاجتهاد. وإن الظروف المعاصرة تستدعي الاجتهاد وتوجبه لسببين رئيسين: السبب الأول: الصحوة الإسلامية المعاصرة، والمرافقة للتطور التقني في تدوين الكتب الشرعية في علوم القرآن، وعلوم السنة، وأصول الفقه، والموسوعات الفقهية، وإحياء التراث، وتحقيقه، ونشره، وسهولة الطباعة لأمهات الكتب في مختلف العلوم، مما يسهل على العلماء الزاد العلمي، وييسر لهم سبل الاجتهاد.

стр. 803

السبب الثاني: التطور المعاصر في مختلف شؤون الحياة، وكثرة المستجدات والنوازل والوقائع التي تحتاج إلى بيان الأحكام الشرعية لها، ووجود التحدي من الأنظمة والتشريعات الوافدة من الاتجاه المعاكس، والنظريات المادية، والهيمنة الفكرية، والعولمة، والغزو الثقافي والتشريعي، وظهور الاستعمار القانوني المعاصر. وذلك بالإضافة إلى الدواعي الشرعية السابقة لضرورة الاجتهاد، وحتمية وجوده، وأهميته، وأداء وظيفته. وظهر في العصر الحاضر المجامع الفقهية، والندوات، والمؤتمرات التي تجمع كبار العلماء لبحث القضايا المعاصرة، والاجتهاد الجماعي فيها، وإصدار الفتاوى بالاتفاق أو بالأغلبية لبيان الحلول الشرعية لقضايا الأمة والمجتمع والمؤسسات والشركات والأفراد، واختيار الآراء المناسبة من مختلف المذاهب بما يوافق روح العصر والتقدم والرقي والمكتشفات العلمية الحديثة. وظهر في معظم البلاد العربية والإسلامية هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث، ودار الفتوى، ومنصب المفتي العام، ودوائر الشؤون الإسلامية، بالإضافة إلى أساتذة الفقه وأصول الفقه وتاريخ التشريع والفقه المقارن في الكليات والجامعات والمعاهد العليا ممن يجيدون البحث العلمي، ويكتبون البحوث المحكمة والمعمقة، ويقدمون الدراسات والأوراق للندوات والمؤتمرات ومجامع الفقه، إضافة إلى كبار القضاة الذين يتمرسون على فصل المنازعات والاختلافات التي لم يسبق لها مثيل، فيجتهدون في إصدار الأحكام الشرعية فيها، ويستقر عليها العمل، وتصبح سوابق قضائية، وتنتقل من بلد إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى، وتجمع في مدونات، وتطبع وتنشر. وهكذا يحافظ الاجتهاد في عصرنا الحاضر -كما كان في السابق- على حياة التشريع، ومرونة الفقه، وتطوره، وفعاليته، ويحافظ الاجتهاد على بقاء الفقه الإسلامي في المعاملات، ويتطلع إليه الخاصة والعامة لحل المشكلات، وإيجاد الحلول الموافقة للشرع للمعضلات التي رانت على القلوب بعد سيطرة الفكر المادي، والاستعمار التشريعي.

стр. 804

وإذا كان الاجتهاد المطلق، والمجتهد المستقل، يصعب حصوله اليوم، فإن سائر أنواع الاجتهاد، وسائر طبقات المجتهدين، ومراتبهم، موجودة، وإن معظم شروط الاجتهاد -اليوم- متحققة ومتوفرة، وستبقى حتى تقوم الساعة، وهو ما عبّر عنه الغزالي والشهرستاني وابن عبد السلام والسيوطي وغيرهم، وهو ما ينادي به كبار العلماء والفقهاء في هذا العصر، لتظل راية الشرع عالية خفاقة بإذن اللَّه تعالى.

стр. 805

المبحث الرابع مجال الاجتهاد نخصص هذا المبحث لبيان مجال الاجتهاد، أو محل الاجتهاد، أو نطاق الاجتهاد، وهو الركن الثالث من أركان الاجتهاد السابقة، وهو المجتهد فبه، لبيان ما يسوغ الاجتهاد فيه. وأشرنا سابقًا إلى أن الأحكام الشرعية كلها تؤخذ من مصدرين أساسيين، وهما: النصوص الشرعية، والاجتهاد. ولكن وضعَ الفقهاءُ وعلماء الأصول قاعدة أساسية مهمة، وهي: لا اجتهاد في مورد النص، ويتبادر إلى ذهن كثير من الناس أن الاجتهاد مقابل للنص، وأنه لا اجتهاد نهائيًّا في النصوص؟! وهذا غير دقيق نهائيًّا، وغير مقصود للعلماء؛ لأن الاجتهاد يقع بالنصوص قطعًا ويقينًا بالاتفاق، ومن هنا تظهر أهمية هذا المبحث لبيان مجال الاجتهاد أو نطاقه أو محله أو المجتهد فيه. ونسارع إلى القول: إن مجال الاجتهاد واسع جدًّا جدًّا، ويكاد يغطي معظم الأحكام الشرعية، وأنه لا يخرج عن مجال الاجتهاد إلا أمران فقط، ولذلك نحدد ما يخرج عن الاجتهاد أولًا، ثم نبين ما يتناوله الاجتهاد ثانيًا. أولًا: ما لا يجوز الاجتهاد فيه: لا يجوز الاجتهاد، ولا يصح، وإن حصل وقع باطلًا، في أمرين فقط، وهما: النصوص القطعية الثبوت والدلالة، وما وقع عليه الإجماع. ١ - النصوص القطعية في الثبوت والدلالة: إن النصوص الشرعية تعني ما ثبت في القرآن الكريم والسنة الشريفة، ولكن هذه النصوص بعضها قطعي الثبوت، وهو القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، وبعضها ظني الثبوت، وهو الأحاديث المشهورة، وأحاديث الآحاد، وكل من القسمين إما أن يكون قطعي الدلالة، أي: له معنى واحد محدد متبادر إلى الذهن، وليس فيه احتمال آخر أصلًا غير المعنى السابق،

стр. 806

وإما أن يكون ظني الدلالة، أي: يدل على معنى ويحتمل معنى آخر، أو يدل على معنيين فأكثر. فإذا كان النص الشرعي قطعي الثبوت وقطعي الدلالة فلا مجال فيه للاجتهاد، ولا يصح فيه الاجتهاد، وتنطبق عليه القاعدة السابقة بشكل كامل وصحيح "لا اجتهاد في مورد النص"، أو "لا مساغ للاجتهاد فيما فيه نصّ قطعي". وهذا ما أراده الغزالي رحمه اللَّه تعالى في تحديد المجتهد فيه، فقال: "هو كلُّ حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي" (١). وهذه الأحكام التي تثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة تشمل المسائل الأساسية في الدِّين، سواء كانت في مسائل الاعتقاد والتوحيد والإيمان، أو في العبادات، وسائر الأحكام العملية الأخرى، فالحكم فيها واحد قطعًا ويقينًا، حتى لا يكون الخلاف فيها مفضيًا للنزاع والخلاف وتفريق الصف، وانقسام الأمة. وهذه النصوص الذي تعني معنى واحدًا فقط، لا تقبل التأويل بصرفها عن ذلك المعنى، ولا تقبل النسخ لانتهاء مدته بانقطاع الوحي، كما سبق، ويطلق عليها علماء الأصول: المُحْكَم الذي يتحدد البحث فيه بتفسير معناه، وفهمه، بحسب مقتضى اللغة والشرع لبيان دلالته، أو معرفة علته للقياس عليه، أو استنباط مقاصده للاهتداء بها في حالات أخرى. ومن أمثلة ذلك وجوب الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وتحريم القتل والزنا والسرقة وشرب الخمر، وتحديد عقوباتها المقدرة لها بنصوص القرآن والسنَّة المتواترة القولية والفعلية، وكذا الكفارات المقدرة، والأعداد الواردة في الكفارات والحدود، مثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فهذان النَّصان لا يحتملان

стр. 807

الاجتهاد؛ لأنهما قطعيا الثبوت، من ناحية كونهما نصًّا قرآنيًّا ثابتًا بالتواتر، كما أنهما قطعيا الدلالة؛ لأن لفظ "مئة" ولفظ "ثمانين" من الألفاظ الخاصة التي تدل على معناها دلالة قطعية، ولا تحتمل معنى آخر. ٢ - الأحكام المجمع عليها: إن الإجماع في أصله اجتهاد، إما أن يقع في نصوص ظنية، ولكن يقع اتفاق جميع المجتهدين على أحكامها، فتصبح ثابتة بالإجماع، وإما أن يقع في مسائل لا نص عليها، ويتفق المجتهدون على حكم فيها، وفي هاتين الحالتين لا يصح الاجتهاد؛ لأن الإجماع جعل حجيتها قطعية، واستقرت الأحكام فيها، وخرجت عن مجال الاجتهاد ومحله، كبطلان عقد زواج المسلمة من غير المسلم، وجواز عقد الاستصناع، واعتبار الجد كالأب في الميراث، وخلافة أبي بكر الصديق ﵁، وغير ذلك. ويدخل في ذلك ما علم من الدِّين بالضرورة، مما شاع وانتشر بين المسلمين؛ لأنه إما أنه ثابت بدليل قطعي الثبوت والدلالة، أو غير ذلك، ولكن اشتهاره وانتشاره وشيوعه جعله كأنه إجماع، ولا يوجد له مخالف من المسلمين الذين يعتدّ بهم، كمشروعية البيع والزواج، وحرمة الربا وشهادة الزور وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين وسائر الكبائر (١). ثانيًا: ما يجوز فيه الاجتهاد: إن مجموع الأحكام التي لا يجوز فيها الاجتهاد معدودة ومحصورة، وما عدا ذلك فيجوز فيه الاجتهاد مما لا عدَّ له، ولا حصر، وتتلخص في أمرين، الأول: ما لا نصَّ فيه أصلًا، وهو كثير كثير، والثاني: ما فيه نص غير قطعي، وتفصيل ذلك فيما يجوز فيه الاجتهاد يشمل ما يلي:

стр. 808

١ - النصوص القطعية الثبوت الظنية الدلالة: إن النصوص القطعية الثبوت تشمل كما سبق نصوص القرآن والأحاديث المتواترة، فإن كانت ظنية الدلالة بأن يحتمل النَّص أكثر من معنى واحد فإنه محل للاجتهاد فيه للبحث عن معرفة المعنى المراد من النص، وقوة دلالته على المعنى، كأن يكون النص عامًّا، أو مطلقًا، وكل منهما يدل على عدة معان، وقد تكون دلالة اللفظ بطريق العبارة أو الإشارة، أو بالمنطوق، أو بالمفهوم، أو غير ذلك مما سبق بيانه في باب الدلالات، وقد يكون العام باقيًا على عمومه، وقد يكون مخصَّصًا، مع الاختلاف في تخصيصه، وقد يكون المطلق باقيًا على إطلاقه، وقد يكون مقيدًا، والأمر الوارد بالنص القطعي يدل في الأصل على الوجوب، ولكنه قد يراد منه الندب أو الإباحة أو غيرهما، والنهي الوارد في النص القطعي يدل في الأصل على التحريم، وقد يصرف إلى الكراهة أو غيرها، وهكذا سائر مباحث الدلالات، أو تفسير النصوص السابقة، كالاختلاف في مقدار مسح الرأس في الوضوء، والاختلاف في معنى القرء، وغير ذلك مما سبق بيانه. ٢ - النصوص الظنية الثبوت الظنية الدلالة: إن الأحاديث المشهورة، وأحاديث الآحاد التي ثبتت بطريق الظن، تكون محلًا للاجتهاد، وإن كانت قطعية الدلالة، كحديث نصاب الغنم والإبل في الزكاة، فهو قطعي الدلالة، لكنه يحتمل الاجتهاد فيه، للبحث في السند، وطريق الوصول، ودرجة الرواة من العدالة والضبط وغيرهما مما يؤدي حتمًا إلى الاختلاف حسب تقدير المجتهدين، وهو أحد أسباب اختلاف الفقهاء، كما سبق بيانه في الجزء الأول، فبعضهم يثبت عنده الحديث، ويطمئن إليه، ويثبت الحكم الوارد فيه، وبعضهم لا يثبت عنده الحديث، ولا يطمئن له، فيرفض الأخذ به، وهذا مجال للاجتهاد، ويؤدي إلى اختلاف المجتهدين، وهو كثير في الأحكام العملية. وهذه النصوص الظنية الثبوت كثيرًا ما تكون ظنية الدلالة، وتحتمل أكثر من معنى، فإن اتفق العلماء على صحة ثبوتها (بالطريق الظني) فيرد الاجتهاد في مضمونها ومتنها، مما يسميه الجمهور بالدراية، فقد يثبت الحديث عند

стр. 809

مجتهدَيْن، ولكنهما يختلفان في دلالته، كحديث: "البيّعان بالخيار ما لم يفترقا"، وقد يختلفان في عمومه وتخصيصه، وإطلاقه وتقييده، ونوع دلالته بالمنطوق والمفهوم، والعبارة والإشارة، وغير ذلك، وهو محل للاجتهاد، وقد يعتمدون على القواعد اللغوية ومقاصد الشريعة لترجيح المعنى المراد على الآخر. ٣ - ما لا نص فيه ولا إجماع: إن القضايا التي لم يرد فيها نص أصلًا، ولم يقع عليها إجماع، يجب على المجتهدين أن يبحثوا عن حكمها بالأدلة العقلية التي أقرها الشرع، كالقياس، والاستحسان، والاستصلاح، والمصالح المرسلة، والاستصحاب، والعرف، وغيره من أدلة الأحكام ومصادر التشريع المختلف فيها، وكلها تدخل في باب الاجتهاد، وتكون محلًا للاجتهاد، ومجالًا للمجتهد، وهذا باب واسع جدًّا، ومسائله لا تُحدّ، ولا تُعدّ، ولا تُحصى، وتتبع التطور، وكل القضايا المستجدة، والطوارئ في كل عصر حتى تقوم الساعة، ولذلك يعتبر باب الاجتهاد واسعًا، ومجاله رحبًا، ليستوعب كل ما يحتاجه المسلمون (١). تجزؤ الاجتهاد: يترتب على معرفة شروط الاجتهاد، وتوفرها في الشخص، وبيان المجتهد فيه ومجاله ونطاقه وما يسوغ فيه، يترتب مسألة أصولية مهمة، وخاصة في عصرنا الحاضر، وهي تجزؤ الاجتهاد. ومعنى تجزؤ الاجتهاد جريانه في بعض المسائل دون بعض، بأن يحصل للمجتهد ما هو مناط الاجتهاد من الأدلة في بعض المسائل دون غيرها، فيتمكن العالم من استنباط الحكم في مسألة فقهية دون غيرها، أو في باب فقهي كالعبادات، أو الشركات، أو الجهاد، أو السياسة الشرعية، أو طرق الإثبات، أو الفرائض، ممن توفرت فيه شر وط الاجتهاد، وعرف استنباط بعض الأحكام دون بعض. واختلف العلماء في مشروعية تجزؤ الاجتهاد إلى قولين:

стр. 810

القول الأول: يجوز تجزؤ الاجتهاد، بأن يعرف المجتهد جميع مآخذ المسألة الواحدة من الكتاب والسنة ليجتهد بها، وهو رأي أكثر العلماء، فقال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "الصحيح جواز تجزؤ الاجتهاد، بمعنى أن يكون مجتهدًا في باب دون غيره، وعزاه الهندي للأكثرين ... ، وقال ابن دقيق العيد: وهو المختار" (١)، وقال ابن النجار الفتوحي رحمه اللَّه تعالى: "الاجتهاد يتجزأ عند أصحابنا والأكثر" (٢)، وقال الغزالي: "يجوز أن يكون منتصبًا للاجتهاد في باب دون باب" (٣). القول الثاني: عدم جواز تجزؤ الاجتهاد، وهو رأي بعض العلماء القدامى، وأيده الشوكاني، ومال إليه بعض المعاصرين (٤). أدلة القول الأول: استدل الأكثر على مشروعية جواز تجزؤ الاجتهاد بعدة أدلة، منها: ١ - إن العالم إذا اطّلع على أدلة مسألة ما، أو باب معين، وعرف أحكامه، وجمع كل ما يتعلق به، فيجب عليه أن يجتهد، ولا يجوز له تقليد غيره؛ لأن ترك ما فهمه باجتهاده يكون تركًا للعلم، وهذا ما أراده ابن دقيق العيد فقال: "قد تمكن العناية بباب من الأبواب الفقهية حتى تحصل له المعرفة، وإذا حصلت المعرفة بالمأخذ أمكن الاجتهاد" (٥).
следующие страницы →