← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وإما أن يكون ظني الدلالة، أي: يدل على معنى ويحتمل معنى آخر، أو يدل على معنيين فأكثر. فإذا كان النص الشرعي قطعي الثبوت وقطعي الدلالة فلا مجال فيه للاجتهاد، ولا يصح فيه الاجتهاد، وتنطبق عليه القاعدة السابقة بشكل كامل وصحيح "لا اجتهاد في مورد النص"، أو "لا مساغ للاجتهاد فيما فيه نصّ قطعي". وهذا ما أراده الغزالي رحمه اللَّه تعالى في تحديد المجتهد فيه، فقال: "هو كلُّ حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي" (١). وهذه الأحكام التي تثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة تشمل المسائل الأساسية في الدِّين، سواء كانت في مسائل الاعتقاد والتوحيد والإيمان، أو في العبادات، وسائر الأحكام العملية الأخرى، فالحكم فيها واحد قطعًا ويقينًا، حتى لا يكون الخلاف فيها مفضيًا للنزاع والخلاف وتفريق الصف، وانقسام الأمة. وهذه النصوص الذي تعني معنى واحدًا فقط، لا تقبل التأويل بصرفها عن ذلك المعنى، ولا تقبل النسخ لانتهاء مدته بانقطاع الوحي، كما سبق، ويطلق عليها علماء الأصول: المُحْكَم الذي يتحدد البحث فيه بتفسير معناه، وفهمه، بحسب مقتضى اللغة والشرع لبيان دلالته، أو معرفة علته للقياس عليه، أو استنباط مقاصده للاهتداء بها في حالات أخرى. ومن أمثلة ذلك وجوب الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وتحريم القتل والزنا والسرقة وشرب الخمر، وتحديد عقوباتها المقدرة لها بنصوص القرآن والسنَّة المتواترة القولية والفعلية، وكذا الكفارات المقدرة، والأعداد الواردة في الكفارات والحدود، مثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فهذان النَّصان لا يحتملان

стр. 807

الاجتهاد؛ لأنهما قطعيا الثبوت، من ناحية كونهما نصًّا قرآنيًّا ثابتًا بالتواتر، كما أنهما قطعيا الدلالة؛ لأن لفظ "مئة" ولفظ "ثمانين" من الألفاظ الخاصة التي تدل على معناها دلالة قطعية، ولا تحتمل معنى آخر. ٢ - الأحكام المجمع عليها: إن الإجماع في أصله اجتهاد، إما أن يقع في نصوص ظنية، ولكن يقع اتفاق جميع المجتهدين على أحكامها، فتصبح ثابتة بالإجماع، وإما أن يقع في مسائل لا نص عليها، ويتفق المجتهدون على حكم فيها، وفي هاتين الحالتين لا يصح الاجتهاد؛ لأن الإجماع جعل حجيتها قطعية، واستقرت الأحكام فيها، وخرجت عن مجال الاجتهاد ومحله، كبطلان عقد زواج المسلمة من غير المسلم، وجواز عقد الاستصناع، واعتبار الجد كالأب في الميراث، وخلافة أبي بكر الصديق ﵁، وغير ذلك. ويدخل في ذلك ما علم من الدِّين بالضرورة، مما شاع وانتشر بين المسلمين؛ لأنه إما أنه ثابت بدليل قطعي الثبوت والدلالة، أو غير ذلك، ولكن اشتهاره وانتشاره وشيوعه جعله كأنه إجماع، ولا يوجد له مخالف من المسلمين الذين يعتدّ بهم، كمشروعية البيع والزواج، وحرمة الربا وشهادة الزور وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين وسائر الكبائر (١). ثانيًا: ما يجوز فيه الاجتهاد: إن مجموع الأحكام التي لا يجوز فيها الاجتهاد معدودة ومحصورة، وما عدا ذلك فيجوز فيه الاجتهاد مما لا عدَّ له، ولا حصر، وتتلخص في أمرين، الأول: ما لا نصَّ فيه أصلًا، وهو كثير كثير، والثاني: ما فيه نص غير قطعي، وتفصيل ذلك فيما يجوز فيه الاجتهاد يشمل ما يلي:

стр. 808

١ - النصوص القطعية الثبوت الظنية الدلالة: إن النصوص القطعية الثبوت تشمل كما سبق نصوص القرآن والأحاديث المتواترة، فإن كانت ظنية الدلالة بأن يحتمل النَّص أكثر من معنى واحد فإنه محل للاجتهاد فيه للبحث عن معرفة المعنى المراد من النص، وقوة دلالته على المعنى، كأن يكون النص عامًّا، أو مطلقًا، وكل منهما يدل على عدة معان، وقد تكون دلالة اللفظ بطريق العبارة أو الإشارة، أو بالمنطوق، أو بالمفهوم، أو غير ذلك مما سبق بيانه في باب الدلالات، وقد يكون العام باقيًا على عمومه، وقد يكون مخصَّصًا، مع الاختلاف في تخصيصه، وقد يكون المطلق باقيًا على إطلاقه، وقد يكون مقيدًا، والأمر الوارد بالنص القطعي يدل في الأصل على الوجوب، ولكنه قد يراد منه الندب أو الإباحة أو غيرهما، والنهي الوارد في النص القطعي يدل في الأصل على التحريم، وقد يصرف إلى الكراهة أو غيرها، وهكذا سائر مباحث الدلالات، أو تفسير النصوص السابقة، كالاختلاف في مقدار مسح الرأس في الوضوء، والاختلاف في معنى القرء، وغير ذلك مما سبق بيانه. ٢ - النصوص الظنية الثبوت الظنية الدلالة: إن الأحاديث المشهورة، وأحاديث الآحاد التي ثبتت بطريق الظن، تكون محلًا للاجتهاد، وإن كانت قطعية الدلالة، كحديث نصاب الغنم والإبل في الزكاة، فهو قطعي الدلالة، لكنه يحتمل الاجتهاد فيه، للبحث في السند، وطريق الوصول، ودرجة الرواة من العدالة والضبط وغيرهما مما يؤدي حتمًا إلى الاختلاف حسب تقدير المجتهدين، وهو أحد أسباب اختلاف الفقهاء، كما سبق بيانه في الجزء الأول، فبعضهم يثبت عنده الحديث، ويطمئن إليه، ويثبت الحكم الوارد فيه، وبعضهم لا يثبت عنده الحديث، ولا يطمئن له، فيرفض الأخذ به، وهذا مجال للاجتهاد، ويؤدي إلى اختلاف المجتهدين، وهو كثير في الأحكام العملية. وهذه النصوص الظنية الثبوت كثيرًا ما تكون ظنية الدلالة، وتحتمل أكثر من معنى، فإن اتفق العلماء على صحة ثبوتها (بالطريق الظني) فيرد الاجتهاد في مضمونها ومتنها، مما يسميه الجمهور بالدراية، فقد يثبت الحديث عند

стр. 809

مجتهدَيْن، ولكنهما يختلفان في دلالته، كحديث: "البيّعان بالخيار ما لم يفترقا"، وقد يختلفان في عمومه وتخصيصه، وإطلاقه وتقييده، ونوع دلالته بالمنطوق والمفهوم، والعبارة والإشارة، وغير ذلك، وهو محل للاجتهاد، وقد يعتمدون على القواعد اللغوية ومقاصد الشريعة لترجيح المعنى المراد على الآخر. ٣ - ما لا نص فيه ولا إجماع: إن القضايا التي لم يرد فيها نص أصلًا، ولم يقع عليها إجماع، يجب على المجتهدين أن يبحثوا عن حكمها بالأدلة العقلية التي أقرها الشرع، كالقياس، والاستحسان، والاستصلاح، والمصالح المرسلة، والاستصحاب، والعرف، وغيره من أدلة الأحكام ومصادر التشريع المختلف فيها، وكلها تدخل في باب الاجتهاد، وتكون محلًا للاجتهاد، ومجالًا للمجتهد، وهذا باب واسع جدًّا، ومسائله لا تُحدّ، ولا تُعدّ، ولا تُحصى، وتتبع التطور، وكل القضايا المستجدة، والطوارئ في كل عصر حتى تقوم الساعة، ولذلك يعتبر باب الاجتهاد واسعًا، ومجاله رحبًا، ليستوعب كل ما يحتاجه المسلمون (١). تجزؤ الاجتهاد: يترتب على معرفة شروط الاجتهاد، وتوفرها في الشخص، وبيان المجتهد فيه ومجاله ونطاقه وما يسوغ فيه، يترتب مسألة أصولية مهمة، وخاصة في عصرنا الحاضر، وهي تجزؤ الاجتهاد. ومعنى تجزؤ الاجتهاد جريانه في بعض المسائل دون بعض، بأن يحصل للمجتهد ما هو مناط الاجتهاد من الأدلة في بعض المسائل دون غيرها، فيتمكن العالم من استنباط الحكم في مسألة فقهية دون غيرها، أو في باب فقهي كالعبادات، أو الشركات، أو الجهاد، أو السياسة الشرعية، أو طرق الإثبات، أو الفرائض، ممن توفرت فيه شر وط الاجتهاد، وعرف استنباط بعض الأحكام دون بعض. واختلف العلماء في مشروعية تجزؤ الاجتهاد إلى قولين:

стр. 810

القول الأول: يجوز تجزؤ الاجتهاد، بأن يعرف المجتهد جميع مآخذ المسألة الواحدة من الكتاب والسنة ليجتهد بها، وهو رأي أكثر العلماء، فقال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "الصحيح جواز تجزؤ الاجتهاد، بمعنى أن يكون مجتهدًا في باب دون غيره، وعزاه الهندي للأكثرين ... ، وقال ابن دقيق العيد: وهو المختار" (١)، وقال ابن النجار الفتوحي رحمه اللَّه تعالى: "الاجتهاد يتجزأ عند أصحابنا والأكثر" (٢)، وقال الغزالي: "يجوز أن يكون منتصبًا للاجتهاد في باب دون باب" (٣). القول الثاني: عدم جواز تجزؤ الاجتهاد، وهو رأي بعض العلماء القدامى، وأيده الشوكاني، ومال إليه بعض المعاصرين (٤). أدلة القول الأول: استدل الأكثر على مشروعية جواز تجزؤ الاجتهاد بعدة أدلة، منها: ١ - إن العالم إذا اطّلع على أدلة مسألة ما، أو باب معين، وعرف أحكامه، وجمع كل ما يتعلق به، فيجب عليه أن يجتهد، ولا يجوز له تقليد غيره؛ لأن ترك ما فهمه باجتهاده يكون تركًا للعلم، وهذا ما أراده ابن دقيق العيد فقال: "قد تمكن العناية بباب من الأبواب الفقهية حتى تحصل له المعرفة، وإذا حصلت المعرفة بالمأخذ أمكن الاجتهاد" (٥).

стр. 811

٢ - يلزم من القول بمنع تجزؤ الاجتهاد أن يكون المجتهد عالمًا بجميع أحكام الشرع وأدلتها، وهذا غير صحيح، ولا مقبول، ويخالف الواقع، لأنه ليس في وسع البشر، ولم يشترط أحد في المجتهد والمفتي والفقيه أن يكون عالمًا بجميع أحكام المسائل وأدلتها، وإن الصحابة رضوان اللَّه عليهم توقفوا في كثير من الأحيان، والأئمة المجتهدون -اجتهادًا مطلقًا- لم يصلوا إلى هذه المرتبة دفعة واحدة، ولم يتوقف اجتهادهم حتى حازوا جميع العلوم، وعندما وصلوا إلى الاجتهاد المطلق توقفوا عن بعض المسائل، فقد سئل الإمام مالك عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع، وقال في ست وثلاثين منها: لا أدري، وكذلك توقف الشافعي، والإمام أحمد، وغيرهما. ٣ - إذا جمع العالم الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد أدلة المسألة أو الباب، واطلع على أماراتها، كان هو وغيره سواء في تلك المسألة أو الباب، وكونه لا يعلم أمارات وأدلة باب آخر لا يؤثر على علمه السابق، ويجوز له الاجتهاد كما يجوز لغيره؛ لأنه قد عرف الحق بدليله. أدلة القول الثاني: استدل المانعون لتجزؤ الاجتهاد بأدلة، منها: ١ - إن أكثر علوم الاجتهاد يتعلق بعضها ببعض، والاجتهاد ملكة وأهلية معينة تتوقف على فهم روح الشريعة ومقاصدها ومبادئها العامة، كالبلاغة والشعر، فإن تحققت الأهلية استطاع صاحبها الاجتهاد في كل المسائل، ومن عجز عن بعضها عجز عن الاجتهاد في كلها. ٢ - إن المسائل التي يجتهد بها الشخص قد تكون متعلقة بما يجهله، وبالتالي فإن اجتهاده الجزئي يشوبه الخلل والنقص، فلا يحصل. ويبدو ترجيح قول الجمهور، وأنه يجوز تجزؤ الاجتهاد، وهو يتفق مع الواقع، فالمجتهد المطاق الذي حاز درجة الاجتهاد الكامل لا يمكنه، ولا يتصور، أن يجتهد في كل المسائل دفعة واحدة، وأن يكون مطلعًا في وقت واحد على جميع المسائل والأحكام والأدلة، وأن المجتهد الجزئي يعلم بكل

стр. 812

ما يتعلق بالمسألة أو الباب، وهذا ما وقع فعلًا بعد عصر الأئمة المجتهدين، وطوال العصور اللاحقة التي تسمى عصور التقليد، فكان الاجتهاد الجزئي قائمًا، وإن التخصصات الدقيقة في عصرنا في باب فقهي، مع دراسة أصول الفقه، تخوّل صاحبها الاجتهاد الجزئي فيها، وهو الواقع الملموس في علماء العصر الذين يتعمقون في باب فقهي، ويكتبون فيه الرسائل العلمية المعمقة والشاملة. ونختم هذا الترجيح بقول ابن قيم الجوزية رحمه اللَّه تعالى: "الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهدًا في نوع من العلم، مقلدًا في غيره، أو في باب من أبوابه، كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض، وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد، أو الحج، أو غير ذلك، فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ ثلاثة أوجه، أصحها: الجواز، بل هو الصواب المقطوع به" (١).

стр. 813

المبحث الخامس الإصابة والخطأ في الاجتهاد يتعلق بالاجتهاد اعتماد الإصابة حتمًا فيه، أو احتمال الخطأ، ويتقدم على ذلك معرفة القصد الذي يتوجب على المجتهد التوجه إليه، ثم نختم ذلك بحكم المخطئ في الاجتهاد، هل يعتبر آثمًا أم مأجورًا؟ أولًا: القصد في الاجتهاد: اختلفت عبارات العلماء في ذلك، وهذا بحث نظري بحت لا يترتب عليه أثر عملي، ولذلك نعرضه بإيجاز. قال الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "يجب على المجتهد أن يقصد باجتهاده أمرين، وهما طلب الحق عند اللَّه تعالى، وإصابة العين التي يجتهد بها"، وهذا هو المعول عليه في مذهبه؛ لأن الحق ما كان عند اللَّه حقًّا، لا عند غيره. وقال المزني رحمه اللَّه تعالى، وهو تلميذ الشافعي: يجب على المجتهد أن يقصد باجتهاده طلب الحق عند نفسه، أي: ما يستطيعه ويتوصل إليه فقط؛ لأن ما عند اللَّه لا يعلم إلا بالنُّصوص. وقال بعض أهل العراق من الفقهاء والمتكلمين: إن الذي يجب على المجتهد هو الاجتهاد فحسب، ليعمل بما يؤديه إليه اجتهاده، فيجعلون عليه الاجتهاد، ولا يجعلون عليه طلب الحق بالاجتهاد؛ لأنه مكلف بالاجتهاد فقط، ويقال: إنه مذهب أبي يوسف رحمه اللَّه تعالى؛ لأن ما أخفاه اللَّه تعالى فلا طريق للناس إلى إظهاره، وفي التزامه من المجتهد أو إلزامه به تكليف بما لا يستطاع، كإحياء الأجسام، وقلب الأعيان. وفصل الإمام أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى، فقال: يجب على المجتهد في بعض الأحكام طلب الحق بالاجتهاد كالشافعية، ويجب عليه في بعض الأحكام مجرد الاجتهاد ليعمل بما يؤديه إليه اجتهاده، كقول أبي يوسف. ويرد على القول الثاني أن الاجتهاد نفسه استدلال، والحكم الذي وصل

стр. 814

إليه المجتهد هو الحق المطلوب به، فلم يجز أن يكون القصد هو الاستدلال دون الحكم المطلوب به؛ لأن الاستدلال مقصود لمعرفة الحكم، وقد وضع اللَّه تعالى أمارات توصل إلى حكم ما أخفاه، فلم يخرج عن الاستطاعة. ولعل الراجح هو قول الشافعي رحمه اللَّه تعالى؛ لأن الهدف من الاجتهاد، وتكليف المجتهد بالاجتهاد، هو لمعرفة الحق الذي يظن أنه حكم اللَّه تعالى في المسألة المجتهد فيها، وهو نتيجة الاجتهاد، وهو ما يجري عليه العمل من المجتهدين عامة (١). ثانيًا: اعتماد الإصابة واحتمال الخطأ في الاجتهاد: إن اعتماد الإصابة حتمًا في الاجتهاد، واحتمال الخطأ فيه، يختلف بحسب المجتهد فيه، ولذلك لا بد من التفصيل. ١ - الاجتهاد في العقليات: الأمور العقلية تشمل ما يصح للناظر درك حقيقتها بنظر العقل المحض، ولو قبل ورود الشرع، كإثبات وجود الصانع الخالق، وحدوث العالَم، وصفات اللَّه تعالى واجب الوجوب الواجبة والجائزة والمستحيلة، وبعثة الرسل، وتصديقهم بالمعجزات، كما يشمل الأمور الشرعية التي تستند إلى ثبوت أمر عقلي، كعذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية اللَّه تعالى، وعدم خلق القرآن، وخلق الاستطاعة في كسب الأعمال (٢)، وخروج الموحدين من النار، وغير ذلك.

стр. 815

فمن اجتهد في هذه الأمور العقلية، فيجب أن يهتدي إلى الحق والصواب فيها؛ لأن الحق فيها واحد لا يتعدد، والمصيب فيها واحد بعينه، وهذا رأي عامة الأصوليين، وقال بعضهم: إنه إجماع (١)، لأن تعدد الأقوال فيها يؤدي إلى اجتماع النقيضين أو الضدين، وهو باطل، والحق واحد، فمن أصابه أصاب الحق، ومن أخطأه فهو آثم، ثم يختلف الإثم، فإن كان الخطأ فيها يرجع إلى الإيمان باللَّه ورسوله فالمخطئ كافر (٢)، واستدل العلماء على ذلك بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [صَ: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٧]، وقال عن الكفار: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]، فاللَّه سبحانه ذمهم على معتقدهم، وتوعدهم بالعقاب عليه، ولو كانوا معذورين فيه لما كان الوعيد، ويؤكد ذلك أن رسول اللَّه ﷺ طالب الكفار من اليهود والنصارى بتصديقه واعتقاد رسالته، وذمّهم على معتقداتهم، ولو كانوا مجتهدين فيها، وأجمعت الأمة على ذم الكفار، ومطالبتهم بترك اعتقادهم، وطالبوهم باعتناق رسالة الإسلام.

стр. 816

فإن كان الاجتهاد والخطأ في الأمور العقلية في غير الإيمان باللَّه ورسوله، فإن المخطئ آثم، وهو كافر النعمة ومبتدع وفاسق؛ لأنه عدل عن الحق وضل، كمن يقول بعدم رؤية اللَّه تعالى، وخلق القرآن، وكسب الأعمال (١). ٢ - الاجتهاد في المسائل الأصولية: وهي المسائل الأصولية القطعية، مثل كون الإجماع، والقياس، وخبر الواحد، حجة؛ لأن أدلتها قطعية، فالاجتهاد فيها كالاجتهاد في العقليات، فالحق فيها واحد، ويجب على المجتهد أن يصيب الحق فيها، والمخالف فيها مخطئ آثم، ولكنه غير كافر عند أهل السنة، وقال المعتزلة بتكفيره؛ لأنهم يكفرون خصومَهم، ويكفِّرُ كل فريق منهم الآخر (٢). ٣ - الاجتهاد في المسائل الفقهية الفرعية: إن المسائل الفقهية الفرعية قسمان: قطعية، وظنية، ويختلف حكم الاجتهاد فيهما. أ- المسائل الفقهية القطعية: وهي المسائل الثابتة بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، والمسائل المجمع عليها، وأصبحت معلومة من الدين بالضرورة، أي: بالبداهة، فلا تحتاج إلى نظر واجتهاد، كوجوب الصلوات الخمس، والزكاة، وصوم رمضان، والحج، وتحريم الزنا، والقتل، والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، ونحوها مما هو معلوم من الدِّين قطعًا. إن حكم هذه المسائل بالنسبة للتصويب والتخطئة في الاجتهاد، وحكم المخطئ فيها من حيث التأثيم، كحكم الاجتهاد في العقليات، فليس كل مجتهد فيها مصيبًا، والحق فيها واحد لا يتعدد، وهو المعلوم للجميع،

стр. 817

والموافق له مصيب، والمخالف له مخطئ آثم، فإن كانت ثابتة قطعًا ومعلومة من الدين بالضرورة فإنكارها كفر، والمنكر كافر؛ لأن الإنكار فيهما تكذيب للشرع، وإن كانت فيما علم قطعًا بالنظر لا بالضرورة، كالأحكام المعلومة بالإجماع فمنكرها ليس بكافر، ولكنه آثم مخطئ (١). قال ابن النجار رحمه اللَّه تعالى: "والقضية الجزئية التي فيها نص قاطع المصيب فيها واحد بالاتفاق، وإن دقَّ مسلك ذلك القاطع" (٢). ب- المسائل الفقهية الظنية: وهي المسائل الفقهية التي ليس عليها دليل قاطع، وهي محل الاجتهاد، والحكم فيها أن المجتهد إن أصاب فهو مثاب وله أجران، وإن أخطأ فلا إثم عليه، وله أجر الاجتهاد، لقوله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر" (٣)، ولأن المسألة الظنية ليس فيها دليل قاطع، واختلف فيها الصحابة والتابعون والأئمة، ولم ينكر واحد منهم على الآخر، وكان كل مجتهد أو فقيه أو مفت يخبر الناس بما وصل إليه اجتهاده، وأنه حكم اللَّه تعالى، ويفتيهم به، ولا يمنع أحدهم الآخر من الإفتاء بذلك، ولا يمنع العامة من تقليده، ولا يمنع القاضي من الحكم به، بينما يتشددون في تأثيم القسم الأول، ويخطئون القائلين به، كمانعي الزكاة، والخوارج وغيرهم. وهذا القسم يمثل معظم الفروع الفقهية في العبادات والمعاملات والمواريث وغيرها، كمقدار مسح الرأس، وخيار المجلس، وميراث الجد مع الإخوة، والزكاة في مال الصغير، ونفي وجوب الوتر، وقراءة الفاتحة خلف الإمام؛ لأن الأدلة فيها غامضة، ويرجع فيها للاجتهاد.

стр. 818

وبيَّن ابن السمعاني رحمه اللَّه تعالى الحكمة في ذلك فقال: "ويشبه أن يكون سبب غموضها امتحانًا من اللَّه لعباده، ليتفاضل بينهم في درجات العلم ومراتب الكرامة، كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، وعلى هذا يتأول ما ورد في بعض الأخبار "اختلاف أمتي رحمة" فعلى هذا النوع يحمل هذا اللفظ دون النوع الآخر، فيكون اللفظ عامًّا، والمراد خاص" (١). المصوبة والمخطئة في الاجتهاد: ترتب على قول العلماء في الاجتهاد في المسائل الفقهية الفروعية الظنية مسألة تصويب المجتهد، وتعني: هل كل مجتهد فيها مصيب أم أن المصيب فيها واحد، وما عداه مخطئ؟ وظهر في هذه المسألة آراء كثيرة، ونُقول متعددة، تنضوي تحت رأيين مشهورين، الأول: رأي المصوبة، والثاني: رأي المخطئة. وسبب الخلاف هو اختلاف العلماء في مسألة أخرى، وهي: هل للَّه تعالى حكم واحد معين في كل مسألة، فمن وصله من المجتهدين كان مصيبًا، ومن لم يصله كان مخطئًا؟ أم أن حكم اللَّه تعالى فيما يسوغ الاجتهاد فيه من الظنيات هو ما وصل إليه كل مجتهد، وأن كل مجتهد مصيب؟ وتمخض الأمر إلى مذهبين، وهما: مذهب المصوِّبة، ومذهب المخطئة، وهذا ما نريد بيانه باختصار مع الأدلة؛ لأن المسألة نظرية، وغيبية، وشبه خيالية، ولا يترتب عليها حكم شرعي (٢).

стр. 819

أولًا: المصوِّبة وأدلتهم: تقول المصوِّبة: إن كل مجتهد مصيب في اجتهاده، وإنَّ كل قول من أقوال المجتهدين فيها حق، وإن كل واحد منهم مصيب، وهو رأي الأشعرية والمعتزلة والقاضي الباقلاني من المالكية وصاحبي أبي حنيفة، والقاضي سريج من الشافعية. والباعث لهم اعتقادهم أن ليس للَّه تعالى في المسألة التي لا نص فيها -قبل الاجتهاد- حكم معين من جواز، أو حظر، أو حلال، أو حرام، وأن حكم اللَّه تعالى فيها تابع لظن المجتهد. ثم اختلفت عباراتهم في البيان، فقال الأشعرية: إن الواقعة التي لا نص فيها ولا إجماع ليس فيها حكم معين، وإنما يتعين الحكم بالظن، ثم يكون حكم اللَّه فيها هو ما غلب على ظن كل مجتهد، وينتج عن قولهم: إنَّ الحقَّ يتعدد، وكل مجتهد مصيب. وقال المعتزلة: إن الواقعة التي لا نص فيها، لها حكم معين عند اللَّه، ويتوجب على المجتهد أن يطلبه، وإن لم يكلف إصابته، ويكون المجتهد مصيبًا وإن أخطأ ذلك الحكم المعين ما دام قد بذل جهده في طلبه، وينتج عن قولهم: إن الحق لا يتعدد، ولكن بما أنه لا يمكن معرفته يقينًا، فكل مجتهد مصيب. واستدل المصوِّبة على قولهم بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول. ١ - الكتاب: قال اللَّه تعالى في قصة داود وسليمان ﵉ مع اختلافهما في الحكم: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، فالآية دلت على أن كل مجتهد مصيب، مع اختلافهما، ولو كان أحدهما مخطئًا، لما وصفه القرآن بالحكم والعلم، فتبين أن كل مجتهد مصيب.

стр. 820

وناقش العلماء هذا الاستدلال بأن الآية دلت أن كل واحد منهما أوتي حكمًا وعلمًا، وهذا نكرة في سياق النفي، فلا تعم، ولا تدل على الصواب والحكم والعلم في حكم المسألة التي نظراها، والآية حجة عليهم؛ لأن اللَّه تعالى بين بعد ذلك مباشرة أن الحق فيما قضى به سليمان ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ مما يدل أن الحق معه فقط. ٢ - السنة: قال رسول اللَّه ﷺ : "أصحابي كالنجوم، بأيَّهم اقتدَيْتهُم اهتديتم" (١)، فالحديث جعل الاقتداء بكل واحد من الصحابة هدى، مع اختلافهم في الأحكام إثباتًا ونفيًا، فدلّ أن كلًّا منهم مصيب. واعترض العلماء على هذا الدليل بأن الحديث ضعيف لا يحتج به في مثل هذه المسألة المهمة، ولو فُرضت صحته، فلا عموم له؛ لأنه لا يلزم من العموم في الأشخاص العموم في الأحوال، كما يمكن حمل الحديث على الاقتداء بالصحابة في الرواية، لا في الرأي والاجتهاد، فالحديث لا يدل على محل النزاع. ٣ - الإجماع: ثبت بالتواتر المعنوي أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم اجتهدوا واختلفوا، وأجمعوا على تسويغ الخلاف بينهم، ولم ينكر أحد ذلك، ولم يخطئ بعضهم بعضًا في الاجتهاد، مع احترام الرأي الآخر، وتعظيم بعضهم لبعض، فدل ذلك على أن كل واحد مصيب فيما ذهب إليه، ولو كان المصيب واحدًا والآخر مخطئًا لأنكر عليه، وقد ثبت إنكارهم لمن خالف النص أو الإجماع، مما يدل على أن كل مجتهد مصيب. واعترض العلماء على هذا الاستدلال، وأنه ثبت أن بعضهم خطّأ، الآخر، وهذا لا يتنافى مع أدب الحوار والخلاف والاحترام، وإن الإنكار يتحتم إذا تعين المخطئ، وهذا غير معين، وكان كل مجتهد يعمل بما غلب

стр. 821

على ظنه، وهو مثاب عليه، مع تعدد الأقوال. ٤ - المعقول: قرر العلماء أن كل واحد من المجتهدين ملزم باتباع ما غلب على ظنه، فهذا يدل على كونه صوابًا، وأن كل مجتهد مصيب، ولو كان الحق متعينًا في جهة واحدة أو قول واحد، لما وجب على المجتهدين ذلك، ولو كان الحق متعينًا عن اللَّه في باب الاجتهاد في كل مسألة، لنصب عليه دليلًا قطعيًّا دفعًا للإشكال، ويكون الاجتهاد المخالف لذلك فسقًا، وفاعله آثم، كالمخالف في العقليات؛ لأنه حكم بغير ما أنزل اللَّه، وهذا لا ينطبق على المجتهدين، فثبت أن كل مجتهد مصيب. واعترض العلماء على ذلك بأنه لا يُلزم الشارع بمراعاة وجه الحكمة والمصلحة في ذات التشريع، فقد تكون الحكمة مختصة بعلم اللَّه تعالى، ويدعو المجتهدين للاجتهاد فيها؛ ولأن المجتهد مكلف بالعمل بما أداه إليه اجتهاده، ولم يكلف بإصابة الحق، فلو أداه اجتهاده إلى حكم، لزمه العمل به، ولو كان خطأ في الواقع وعند الله تعالى مما لا يعلمه الإنسان. كما يترتب على قول المصوبة أن حكم اللَّه تابع لظن المجتهد، وقد يجتهد اثنان ويختلفان، فيقع اجتماع النقيضين أو الضدين، وأن هذا التناقض منسوب للَّه تعالى، وهذا غير مقبول شرعًا (١). ثانيًا: المخطئة وأدلتهم: تقول المخطئة: إن المصيب في الاجتهاد في المسألة واحد، وغيره مخطئ، وإن الحق لا يتعدد، لأن للَّه تعالى حكمًا معينًا في كل واقعة قبل الاجتهاد، فمن أصابه باجتهاده فهو المصيب، ومن لم يصبه فهو المخطئ، فالمصيب واحد، مع إثبات الأجرين للمصيب، والأجر الواحد للمخطئ؛ لأن المجتهد ليس مكلفًا بإصابة الدليل؛ لخفائه وغموضه، لذلك كان معذورًا بخطئه، مأجورًا عند اللَّه على اجتهاده (٢).

стр. 822

هذا من الناحية النظرية، ومن الناحية العملية فالمجتهد مأمور بالعمل بما أداه إليه اجتهاده، وكذا من اتبعه وقلَّده، وأن مخالفه مصيب في العمل بما وصل إليه اجتهاده، وإن كان مخطئًا في ظن مخالفه (١)، وهذا قول الإمام مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة في قول، وهو التحقيق عند الحنفية، وعند معظم الفقهاء. قال الإمام أحمد: إن الحق واحد عند اللَّه، فليس كل مجتهد مصيبًا، ولكن المصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد؛ لتحريه الصواب وطلبه إياه. وقال ابن النجار الفتوحي الحنبلي: "والمسألة الظنية: الحق فيها واحد عند الله تعالى، وعليه دليل، وعلى المجتهد طلبه حتى يظن أنه وصله، فمن أصابه فمصيب، وإلا فمخطئ مثاب عند أحمد وأكثر أصحابه، وقاله الأوزاعي ومالك والشافعي ... ، وذكره أبو المعالي (الجويني) عن معظم الفقهاء" ثم قال: "ولا يأثم مجتهد في حكم شرعي اجتهادي، ويثاب عند الأربعة؛ وخالف الظاهرية وجمع" (٢).

стр. 823

واستدل الجمهوز على قولهم بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول. ١ - الكتاب: قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]، قال الماوردي رحمه اللَّه تعالى: "وقد نسب اللَّه تعالى نبيه داود إلى الخطأ، وسليمان إلى الإصابة" (١)، وتدل الآية أن اللَّه تعالى خصص سليمان بفهم الحق في الواقعة، دون داود، حتى يكون التخصيص مفيدًا، فتبين أن حكم اللَّه واحد، وأن المصيب فيه واحد. لكن اعترض بعض العلماء على هذا الاستدلال بأن الدلالة على عدم فهم داود كانت بطريق المفهوم، وهو مختلف بالاحتجاج به. ٢ - السنة: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصابَ فله أجران، وإن اجتهد فاخطأ فله أجر" (٢)، وهذا يدل على أن الاجتهاد قسمان: صواب وخطأ، وأن المجتهد قد يُصيب وقد يخطئ، وأن من أصاب الحق فهو المصيب، وما عداه فهو مخطئ، فالحق واحد لمن أصابه، ولو كان الحق متعددًا لكان كل مجتهد مصيبًا، وهو خلاف الحديث. واعترض بعض العلماء على الاستدلال، بأن الحديث لا يدل على محل النزاع في كون الحق واحدًا، والمصيب واحدًا، بل يدل فقط على أن المجتهد إذا اجتهد في مسألة منصوص عليها، أو مجمع عليها، وأصاب، فله أجران، وإن أخطأ فله أجر. واستدل الجمهور بحديث صريح في محل النزاع، وهو قوله ﷺ لأمير السرية: "وإنْ طلبَ منك أهلُ حصن النزولَ على حكم اللَّه، فلا تُنْزِلْهم على حكمِ اللَّه، فإنَّك لا تدري: أتصيبُ حكمَ اللَّه فيهم أم لا" (٣)، وتأكد ذلك مع سيدنا علي وابن عباس

стр. 824

رضي اللَّه عنهم في مناظرة ومجادلة الخوارج بالمعقول. ٣ - الإجماع: اجتهد الصحابة ﵃ في القضايا التي لا يوجد فيها نص، وأبدى المجتهدون منهم رأيهم في ذلك، وأجمعوا على إطلاق لفظ الخطأ في الاجتهاد الذي صدر منهم مما يدل على أن الحق واحد، فمن أصابه فهو مصيب، ومن أخطأه فهو مخطئ، والأمثلة من تاريخ الصحابة كثيرة، منها: قال أبو بكر ﵁ عندما سئل عن الكَلالة، وهم الذين لا والد لهم ولا ولد، قال: "أقول فيها برأيي، فإنْ يكنْ صوابًا فمن اللَّه، وإنْ كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسولهُ منه بريئان". وقال عمر ﵁ لكاتبه: "اكتب: هذا ما رأى عمر، فإن يكن خطأ فمنه، وإن يكن صوابًا فمن اللَّه"، وقال للمرأة التي اعترضت عليه في تحديد المهر: "أصابت امرأة، وأخطأ عمر". وقال علي ﵁ في المرأة التي استدعاها عمر، فأجهضت ما في بطنها، وردّ على عثمان وعبد الرحمن بن عوف القائلين لعمر: "إنما أنت مؤدب، لا نرى عليك شيئًا"، فقال علي: "إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ، وإن لم يجتهدا فقد غشاك، أرى عليك الدِّية". وقال ابن مسعود في المفوِّضة التي مات عنها زوجها قبل الدخول، وليس لها صداق مفروض، قال: أقول فيها برأي، فإن كان صوابًا فمن اللَّه ورسولهِ، وإنْ كان خطأ فمني ومن الشيطان، إنَّها تستحقُّ مهرَ المثل في تركة المتوفى". وقال ابن عباس ﵄ في إنكار العَوْل في الفرائض: "من شاء باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج عددًا، لم يجعل في مال واحد نصفًا ونصفًا وثلثًا، هذان نصفان ذهبا بالمال، فأين موضوع الثلث؟ " والمباهلة: الملاعنة على عادة العرب، وذكرها القرآن الكريم (١).

стр. 825

وأخبار الصحابة كثيرة في الخطأ والصواب في الاجتهاد، وأن الحق واحد، مما يؤيد قول الجمهور القائلين بالتخطئة، وأن الحق واحد، والمصيب واحد. واعترض بعض العلماء على الاستدلال بهذه الآثار والإجماع أنها خاصة في غير الأهل للاجتهاد، أو الأهل للاجتهاد إذا قصر، أو لم يقصر، ولكنه خالف النص والإجماع والقياس الجلي. ٤ - المعقول: إن القول بتعدد الحق، وتصويب المجتهدين المختلفين في النفي والإثبات، أو الحل والحرمة، أو الصحة والفساد في مسألة واحدة وزمن واحد، يؤدي إلى اجتماع النقيضين أو الضدين، ونسبته إلى الشرع، وهذا محال وباطل، فكل ما يؤدي إليه فهو باطل. واعترض بعض العلماء على هذا الاستدلال بأن التناقض الممنوع إذا كان في شخص واحد، وحالة واحدة، أما بالنسبة لشخصين أو لحالين، فليس تناقضًا، ولا ممنوعًا، فالمقيم يصلي أربعًا، ويفصل بين الصلاتين، ويصوم، فإن سافر صلى قصرًا، وجمع بين الصلاتين، وأفطر، والميتة محرَّمة في الأحوال العادية، وتحل لنفس الشخص عند الضرورة، ولا تناقض في ذلك، ومثله الاجتهاد والاختلاف فيه بين شخصين، كل منهما حكم بما أداه إليه اجتهاده بالحل أو بالحرمة، ولا تناقض في ذلك، وهو الواقع (١).

стр. 826

الترجيح: إن النفس تميل إلى ترجيح قول الجمهور، بأن للَّه تعالى في كل مسألة حكمًا معينًا عنده، وأن المجتهد يبحث في الأدلة والأمارات ليجتهد، ويقصد إصابة الحق، فإن أصابه فهو المصيب، وله أجران، وهذا في علم اللَّه تعالى، وإن أخطأه فهو مخطئ، وله ثواب وأجر واحد. ولكن الناظر في أدلة الفريقين يرى أن الاختلاف لفظي واصطلاحي، ويمكن التوفيق بين الرأيين، فقول الجمهور يحمل على الناحية النظرية بأن حكم اللَّه تعالى واحد في المسألة، ولا يمكن أن يكون متعددًا، ولكن لا يمكن إدراكه ومعرفته حقيقة ويقينًا، وأن أحد المجتهدين مصيب -نظريًّا وغيبيًّا عند اللَّه تعالى- وله أجران، والآخر مخطئ -نظريًّا وغيبيًّا عند اللَّه تعالى- وله أجر بالنص الصحيح، ويحمل قول المصوّبة على أن الحق يتعدد عمليًّا باعتبار أن كل مجتهد مأمور بالعمل بما أداه إليه اجتهاده، وهو يعتقد أن ذلك حكم اللَّه تعالى، مع الاختلاف بين المجتهدين، فيتعدد الحق الذي علمه المجتهدون ومن تبعهم أو قلدهم. ولذلك اتفق العلماء على أن الاجتهادات الفقهية القائمة على الأدلة الشرعية منسوبة إلى الشريعة، مع اختلافها من جهة، وقربها أو بعدها من الصواب ومطابقة مقاصد الشريعة من جهة ثانية، وكلّها تعتبر من الفقه الإسلامي الذي نتعلمه، ونستفيد منه، ونختار ما هو الأسد دليلًا، والأقرب مصلحة. ولذلك قلت: إنها مسألة نظرية، وإنها غيبية، فلا يدري أحد ما هو الحق المطلق الوحيد عند اللَّه تعالى، ولم يكلف الناس بذلك أصلًا، لأنه تكليف بما لا يطاق، ومن سعة الشريعة وسماحتها أن فتحت باب الاجتهاد، وخولت المجتهدين البحث أولا، ثم العمل بما وصل إليه اجتهادهم ثانيًا، ثم الإفتاء به للناس ثالثًا.

стр. 827

المبحث السادس طريقة الاجتهاد إن المجتهد إذا عرضت له قضية أو مسألة، فإنه يسير حسب الخطوات والمراحل التالية: ١ - الرجوع إلى النصوص القطعية، فإن وجد فيها حكم المسألة بدلالة قطعية، قال به، والتزمه، وأفتى به، ولا يجوز له مطلقًا مخالفته والخروج عنه. فإن كانت الدلالة ظنية للنصوص القطعية، لكن اجتهد فيها السابقون، واتفقوا على حكم، كان إجماعًا، والتزم به، وعمل بموجبه، وأفتى به كالسابق. فإن لم يتفقوا على حكم، وكان لكل منهم رأي، فإن كان السابقون من الصحابة، أخذ بما يعتقده في قول الصحابي، من اتباع أحدهم وعدم الخروج عنهم، أو الاجتهاد مثلهم، كما هو مبين في مذهب الصحابي. وإن لم يكن المجتهدون السابقون من الصحابة، وجب على المجتهد أن يبذل وسعه وينظر في الأدلة، ويجتهد، سواء وافق رأيه رأي أحدهم، أو خالف الجميع. ٢ - الرجوع إلى النصوص الظنية الثبوت، أو ظنية الثبوت والدلالة، ويعمل بالخطوات السابقة في النصوص القطعية الثبوت الظنية الدلالة. ٣ - عند عدم النص، فإن اجتهد السابقون وأجمعوا على رأي، صار له حكم الإجماع، وإن اختلف الصحابة، عمل برأيه في مذهب الصحابي، وإن كان الاختلاف من غيرهم، لزمه الاجتهاد. ٤ - إن منهج الاجتهاد أن يرجع إلى النصوص لعلّه يجد فيها دلالة على الواقعة المعروضة عليه بالنص، أو الظاهر، وسائر أنواع الدلالات، ويجهد نفسه في معرفة مقاصد الشريعة، واستنباط العلل؛ ليطبق ذلك على الواقعة. ٥ - إن لم يجد المجتهد لذلك حكمًا من الاجتهاد في النصوص، اتجه إلى جمع كل ما يتصل بالواقعة من معان لغوية، ونصوص قرآنية، وأحاديث نبوية، وأقاويل السلف، وأوجه القياس الممكنة، واتجه بقلبه مخلصًا لمعرفة

стр. 828

حكم اللَّه تعالى فيها من دون تعصب أو تحمل، أو تهور أو تقصير، فما وصل إليه اجتهاده، فهو حكم اللَّه تعالى الذي يجب عليه التزامه، والعمل به، والفتوى فيه. واستحسن الشوكاني منهج الشافعي رحمه اللَّه تعالى (١)، الذي حكاه عنه الغزالي، ولخص فيه طريقة الاجتهاد فقال: "إذا وقعت الواقعة للمجتهد، فليعرضها على نصوص الكتاب، فإن أعوزه، عرضها على الخبر المتواتر، ثم الآحاد، فإن أعوزه لم يخففي القياس، بل يلتفت إلى ظواهر الكتاب، فإن وجد ظاهرًا، نظر في المخصصات من قياس وخبر، فإن لم يجد مخصصًا، حكم به، وإن لم يعثر على ظاهر من كتاب ولا سنة، نظر إلى المذاهب، فإن وجدها مجمعًا عليها، اتبع الإجماع، وإن لم يجد إجماعًا، خاض في القياس، ويلاحظ القواعد الكلية أولًا، ويقدمها على الجزئيات، كما في القتل بالمثقل، فتقدم قاعدة الرح على مراعاة الاسم، فإن عدم قاعدة كلية، نظر في المنصوص ومواقع الإجماع، فإن وجدها في معنى واحد، ألحق به، وإلا انحدر به إلى القياس، فإن أعوزه، تمسك بالشَبَه، ولا يُعوّل على طرد" (٢). ويعرض أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي رحمه اللَّه تعالى وجوه الاجتهاد فيقول: "واسم الاجتهاد في الشرع ينتظم ثلاثة معان: أحدها: القياس الشرعي على علة مستنبطة، أو منصوص عليها، فيردُّ بها الفرع إلى أصله، ونحكم له بحكمه، بالمعنى الجامع بينهما، وإنما صار هذا من باب الاجتهاد -وإن كان قياسًا- من قبل أن تلك العلة لما لم تكن موجبة للحكم؛ لجواز وجودها عارية منه، وكانت كالأمارة، وكان طريق إثباتها علامةً للحكم: الاجتهادَ وغالبَ الظن، لم يوجب ذلك لنا العلم بالمطلوب، فلذلك كان طريقه الاجتهاد. والضرب الثاني من الاجتهاد: هو ما يغلب في الظن من غير علة يجب

стр. 829

بها قياس الفرع على الأصل، كالاجتهاد في تحري جهة الكعبة لمن كان غائبًا عنها، وكتقويم المتلفات، وجزاء الصيد، والحكم بمهر المثل، ونفقة المرأة والمعتدة ونحوها، فهذا الضرب من الاجتهاد كُلِّفنا فيه الحكم بما يؤدي إليه غالب الظن، من غير علة يقاس بها فرع على أصله. الضرب الثالث: الاستدلال بالأصول (١). ويبين الماوردي رحمه اللَّه تعالى وجوه الاجتهاد ومنهجه، ويقسمها إلى ثمانية أقسام، وهي: "أحدها: ما كان حكم الاجتهاد مستخرجًا من معنى النص، كاستخراج علة الربا من البُرِّ، فهذا صحيح غير مدفوع عنه عند جميع القائلين بالقياس. والقسم الثاني: ما كان مستخرجًا من شَبَه النّص، كالعبد في ثبوت تملكه، لتردُّدِ شَبَهه بالحر في أنه يَمْلك؛ لأنه مكلف، وشَبَهِه بالبهيمة في أنه لا يَمْلك؛ لأنه مملوك، وهذا صحيح وليس بمدفوع عنه عند من قال بالقياس، ومن لم يقل، غير أن من لم يقل بالقياس، جعله داخلًا في عموم أحد الشبهين، ومن قال بالقياس جعله ملحقًا بأحد الشبهين. القسم الثالث: ما كان مستخرجًا من عموم النص، كالذي بيده عقدة النكاح في قوله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يعم الأب والزوج، والمراد به أحدهما، وهذا صحيح يُوصل إليه بالترجيح. القسم الرابع: ما كان مستخرجًا من إجمال النص، كقوله تعالى في متعة الطلاق: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فصح الاجتهاد في إجمال قدر المتعة باعتبار حال الزوجين. القسم الخامس: ما كان مستخرجًا من أحوال النص، كقوله تعالى في متعة الحج: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ

стр. 830

وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأطلق صيام الثلاثة في الحج، فاحتمل: قبل عرفة، وبعدها، وأطلق صيام السبعة إذا رجع، فاحتمل: إذا رجع في طريقه، وإذا رجع إلى بلده، فصح الاجتهاد في تغليب إحدى الحالتين. القسم السادس: ما كان مستخرجًا من دلائل النص، كقوله تعالى في نفقة الزوجات: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، فاستدللنا على تقدير نفقة الموسر بمدَّين، بأنه أكثر ما جاءت به السنة في فدية الأذى لكل مسكين مُدَّيْن، واستدللنا على تقدير نفقة المعسر بمدّ، بأقل ما جاءت به السنة في كفارة الوطء في شهر رمضان، لكل مسكين مدًّا. القسم السابع: ما كان مستخرجًا من أمارات النص، كاستخراج دلائل القبلة فيمن خفيت عليه من قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦]، فصح الاجتهاد في القبلة بالأمارات الدالة عليها من هبوب الرياح ومطالع النجوم. القسم الثامن: ما كان مستخرجًا من غير نص، ولا أصل، فقد اختلف في صحة الاجتهاد فيه بغلبة الظن على وجهين: أحدهما: لا يصح الاجتهاد بغلبة الظن حتى يقترن بأصل؛ لأنه لا يجوز أن يرجع في الشرع إلى غير أصل، وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي، ولذلك أنكر الاستحسان؛ لأنه تغليب ظن بغير أصل. والوجه الثاني: يصح الاجتهاد به؛ لأن الاجتهاد في الشرع أصل، فجاز أن يستغني عن أصل، وقد اجتهد العلماء في التعزير على ما دون الحدود بآرائهم في أصله من ضرب وحبس، وفي تقديره بعشر جلدات في حال، وبعشرين في أخرى، وبثلاثين في أخرى، وليس لهم في هذه المقادير أصل مشروع. والفرق بين الاجتهاد بغلبة الظن، وبين الاستحسان: أن الاستحسان يترك به القياس، والاجتهاد بغلبة الظن يستعمل مع عدم القياس" (١).

стр. 831

ويبين الشوكاني رحمه اللَّه تعالى وسيلة الاجتهاد وغايته، فيقول: "وعندي أن من استكثر من تتبع الآيات القرآنية، والحاديث النبوية، وجعل كل ذلك دأبه، ووجّه إليه همته، واستعان بالله ، واستمد منه التوفيق، وكان معظم همّه، ومَرْمَى قصده، الوقوفَ على الحق، والعثور على الصواب، من دون تعصب لمذهب من المذاهب، وجد فيهما ما يطلبه، فإنهما الكثير الطيب، والبحر الذي لا يُنزف، والنهر الذي يشرب منه كل وارد عليه، العذبَ الزلال، والمعتصم الذي يأوي إليه كل خائف، فاشدد يديك على هذا، فإنك إن قبلته بصدر منشرح، وقلب موفّق، وعقل قد حلت به الهداية، وجدت فيهما كل ما تطلبه من أدلة الأحكام التي تريد الوقوت على دلائلها كائنًا ما كان، فإن استبعدت هذا المقال، واستعظمت هذا الكلام، وقلت كما قال كثير من الناس: إنَّ أدلة الكتاب والسنة لا تفي بجميع الحوادث، فمن نفسك أُتيت، ومن قبل تقصيرك اصبت، وعلى نفسها جنت براقش، وإنما تنشرح لهذا الكلام صدور قوم وقلوب رجال مستعدين لهذه المرتبة العلية: لا تعذُلِ المشتاقَ في أشواقهِ ... حتى تكون حَشَاك في أَحْشائه لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلا من يكابدُهُ ... ولا الصَّبابةَ إلا من يُعانيها دَعْ عنكَ تَعْنيفي، وذُقْ طَعْم الهَوى ... فإذا هَوِيتَ فعند ذلك عَنّفِ (١) " وإن طريقة الاجتهاد هذه هي التي سار عليها سلف هذه الأمة ابتداء من صحابة رسول اللَّه ﷺ من الخلفاء والعلماء والقضاة والمجتهدين، وهي المنقولة عن الصديق أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ، وابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو، وغيرهم ﵃، ثم لزم التابعون منهجهم، ثم تبعهم تابعو التابعين، والأئمة المجتهدون، وسائر العلماء العاملين (٢). مسائل أصولية في الاجتهاد: ويتعلق بطريقة الاجتهاد ثلاث مسائل مهمة، وهي:

стр. 832

المسألة الأولى: تعدد قول المجتهد: اتفق العلماء على أنه يجوز تعدد أقوال المجتهد في وقتين، ويكون القول المتأخر تغييرًا للقول الأول، وهو ما سنعرضه في المسألة الثانية في تغير الاجتهاد. أما تعدد الأقوال لمجتهد واحد، في مسألة واحدة، في وقت واحد، وبالنسبة لشخص واحد، فلا يجوز أن يكون له قولان متعارضان؛ لأنه يؤدي إلى التناقض، ولأن اعتقاد ذلك في الوقت الواحد محال، لأنه يدخل في أحد الاحتمالات التالية: ١ - إذا كان القولان فاسدين، أو بدليلين فاسدين، وعلم المجتهد ذلك، فالقول بهما حرام، ويبطل القولان، ويكون المجتهد لا قول له في المسألة. ٢ - إذا كان أحد القولين فاسدًا، أو كان دليل أحدهما باطلًا، وعلم المجتهد بذلك، فيكون ذلك حرامًا، ويبطل القول الفاسد منهما، ويثبت الصحيح. ٣ - إذا كان القولان صحيحين، لدليلين صحيحين، فالقول بهما محال؛ لأنه تضاد، وإذا كان المجتهد لم يعلم بفساد الرأيين، أو الدليلين، أو أحدهما، فيعتبر غير عالم بالمسألة، وبالتالي فلا قول له فيها، ويلزمه التوقف، أو الجمع بين القولين والتخيير بينهما، وإن علم ترجيح أحدهما، أخذ به ورجحه، وتعين عليه الأخذ به. وروي عن الشافعي رحمه اللَّه تعالى أنه قال في ستة عشر موضعًا، أو في سبعة عشر، بقولين مختلفين، قال الشيخ أبو حامد رحمه اللَّه تعالى: "وهو دليل على علو شأنه"، وأجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة، منها أن الشافعي ذكرهما عن طريق الحكاية لمن سبقه للدلالة على عدم وجود إجماع في المسألة، أو لبيان التخيير بين الحكمين، أو لوقوع التردد والشك، فلا ينسب القولان له، أو لتعارض الدليلين عنده، وترك الترجيح لغيره (١).

стр. 833

المسألة الثانية: تغير الاجتهاد: يجوز للمجتهد أن يكون له قولان في وقتين مختلفين، وذلك بأن يكون له اجتهاد وفيه رأي معين، ثم يجتهد في نفس المسألة فيصل إلى اجتهاد آخر ورأي جديد مخالف للأول، وهذا جائز باتفاق. وأسباب تغير الاجتهاد كثيرة، أهمها: ١ - وجود دليل جديد: إن الاجتهاد يتبع الدليل، فإذا وجد المجتهد دليلًا أقوى من دليل الاجتهاد الأول، أو أصح منه، أو أقرب دلالة، فيجب عليه الأخذ بالأقوى والأصح؛ لأنه أقرب إلى الحق والصواب. ٢ - تغير الزمان: إذا كان الحكم السابق مبنيًّا على العرف، أو مصلحة الناس، ثم تغير العرف أو تغيرت مصلحة الناس، وجب تغير الحكم الشرعي، وهو المقرر في قاعدة "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان" وذلك لتحقيق المصلحة، ودفع المفسدة، وأمثلة ذلك كثيرة، كالإفتاء بجواز أخذ الأجرة أو الراتب على تعليم القرآن، والقيام بالشعائر الدينية كالإمامة والخطابة؛ لتغير العرف بسبب انقطاع المكافآت والعطايا التي كانت تدفع من بيت المال للمشتغلين بهذه الوظائف، والحكم بتضمين الصنّاع لأموال الناس التي تهلك في أيديهم محافظة على الأموال من الضياع، وتحقيقًا لمصلحة المجتمع، والقول بجواز التسعير دفعًا للضرر العام وتحقيقًا لمصلحة الناس، وإفتاء الصاحبين بضرورة تزكية الشاهد المسلم خلافًا لأبي حنيفة؛ لتغير حال الناس، وقالا: هذا اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان، ومثله إفتاء الفقهاء المتأخرين بعدم جواز القضاء بعلم القاضي لتغير الزمان والحفاظ على حقوق الناس.

стр. 834

٣ - مراعاة الضرورة وتطور الزمان: وذلك كالحكم بطهارة سؤر سباع الطير كالصقر والنَّسْر مراعاة للضرورة؛ لعدم إمكان الأعراب وسكان الصحارى من الاحتراز منها، وصحة بيع العقار اليوم بذكر صحيفته العقارية (السجل العقاري = الطابو) حسب التنظيمات الحاضرة. ٤ - اختلاف البلدان: قد يكون لبعض البلاد أعراف خاصة، وتنظيمات معينة، ومعاملات خاصة، واهتمامات متميزة، وهي مما يجب مراعاته عند الاجتهاد ومعرفة الأحكام التي تناسب هذا البلد دون غيره. ومن هنا ظهر بعض الاختلاف في الأحكام بين أهل مكة وأهل المدينة؛ لأن مكة تعتمد على التجارة، ولا تعرف الزراعة وما يتعلق بها، وأهل المدينة يعتمدون على الزراعة، وتقل فيهم التجارة. ولهذه الأسباب مجتمعة أو متفرقة كان المجتهد يُغير اجتهاده إذا انتقل من بلد إلى آخر، كما حصل مع الإمام الشافعي عندما غيّر اجتهاده في مسائل عديدة عندما انتقل من الحجاز إلى العراق، ثم استقر في مصر، وكتب مذهبه الجديد، وخالف فيه بعض اجتهاداته التي عرفت بالمذهب القديم (١). ومن هنا أيضًا تتغير الفتوى للأسباب السابقة، أو لبعضها، مما يجب مراعاته، وسوف نراه في الفصل الثالث في الفتوى. ويختلف الأمر في أثر تغيير الاجتهاد من المجتهد نفسه إذا عمل بالرأي الأول، أو أفتى به غيره وعمل به، أو قضى به القاضي، كما سنرى في المسألة التالية: نقض الاجتهاد.

стр. 835

المسألة الثالثة: نقض الاجتهاد: نقض الاجتهاد هو هدمه وإلغاؤه وإبطال العمل به، ويأخذ إحدى الصور الثلاث، بحسب موقعه، إما في العمل به والتطبيق في الحياة، وإما في الإفتاء، وإما في القضاء، سواء كان النقض من نفس المجتهد الأول، أو من غيره. والمبدأ العام في نقض الاجتهاد واحد في الصور الثلاث، وقد يختلف الأمر في الأثر المترتب على النقض من صورة إلى أخرى. والمبدأ العام في نقض الاجتهاد له شقان: الشق الأول: وجوب نقض الاجتهاد: إذا كان الاجتهاد مخالفًا لنص صريح في القرآن الكريم، أو السنة الشريفة، ولو كانت سنة آحاد صريحة، أو مخالفًا لإجماع، فإنه ينقض باتفاق العلماء والأئمة والمذاهب، سواء من نفس المجتهد أو من غيره؛ لأن هذا الاجتهاد -أصلًا- باطل؛ لمخالفة النص والإجماع، فيلغى ولا يجوز العمل به في الحياة العملية، ولا يجوز الإفتاء به، ولا القضاء به، وإن عمل به، فيجب الرد، وإذا صدر فيه حكم قضائي، نقض، وإذا أفتى به شخص، يجب الرجوع عنه وإبلاغ من أفتاه ليرجع. وأضاف الحنفية والمالكية والشافعية بأن الاجتهاد ينقض إذا خالف قياسًا جليًّا، وهو ما تكون العلة فيه صريحة في الأصل، أو تكون في الفرع أشد منها في الأصل كالضرب والتأفيف، أو تكون العلة مساوية تمامًا، ولا فرق نهائيًّا بين الأصل والفرع كالمرأة قياسًا على الرجل في الكفارة وغيرها، وخالف في ذلك الحنابلة وقالوا: لا ينقض الاجتهاد بمخالفة القياس مطلقًا، ولو كان جليًّا على الصحيح عندهم (١).

стр. 836

وزاد الإمام مالك بنقض الاجتهاد إذا خالف القواعد الشرعية، وزاد بعض المتأخرين بنقض الاجتهاد وإلغائه إذا خالف المذاهب الأربعة؛ لأن ذلك بمثابة الإجماع، أو المعلوم من الدين بالضرورة، وقال ابن حجر: أو كان اجتهادًا لا دليل عليه قطعًا (١). وإن كان الاجتهاد معتمدًا على نص قطعي أو إجماع أو قياس جلي فإنه لا ينقض بالاتفاق؛ لأنه يعتمد على دليل لا يجوز خلافه ولا الاجتهاد ضده. الشق الثاني: عدم نقض الاجتهاد: إذا كان الاجتهاد مبنيًّا على الرأي، خارج الحالات السابقة في الشق الأول، فإنه لا ينقض باجتهاد آخر، وهذا ما نصت عليه القاعدة الفقهية الأصولية "الاجتهاد لا ينقض بمثله" وبعبارة أخرى "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد". ومجال هذا الاجتهاد في المسائل الظنية التي لم يرد فيها دليل قاطع، ولا إجماع، أو في المسائل المستجدة، فإن الاجتهاد فيها لا ينقض باجتهاد مثله بالاتفاق؛ لأنه لو نقض الأول بالثاني لجاز أن ينقض الثاني بثالث؛ لأنه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير، وذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار؛ ولأن الاجتهاد الأول ظني، ويعتمد على دليل ظني، والثاني ظني ويعتمد على دليل ظني، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، ونقض هذا الاجتهاد يؤدي إلى نقض النقض، ويتسلسل الأمر فتضطرب الأحكام ولا يوثق بها (٢).

стр. 837

آثار تغير الاجتهاد ونقض الاجتهاد وعدمه: إذا اجتهد مجتهد، أو حاكم، بما يخالف الدليل القطعي من نص أو إجماع أو قياس جلي، وما مرَّ في الشق الأول، فإن حكمه ينقض باتفاق العلماء، سواء كان من قبل المجتهد، أو الحاكم، أو من مجتهد آخر، أو حاكم آخر؛ لمخالفة الدليل، ولأنه يكون باطلًا، وكل ما بني على باطل فهو باطل، وتنعدم الآثار التي بنيت على الحكم الأول، وهذا له أمثلة من عمل الصحابة في حياة رسول اللَّه ﷺ ، وبعد وفاته، إذا اجتهدوا ثم وجدوا نصًّا، نقضوا اجتهادهم. وإذا كان الاجتهاد ظنيًّا، وقلنا لا ينقض باجتهاد آخر باتفاق، لكن تغير الرأي بعد ذلك، فإن الأثر العملي يختلف حسب حالة المجتهد نفسه، أو المفتي، أو القاضي. ١ - أثر تغير الاجتهاد على نفس المجتهد: إذا رأى المجتهد حكمًا معينًا، ثم تغير ظنه، فإن لم يعمل بالأول فلا شيء في ذلك، ويجب عليه العمل بالثاني، وإن عمل بالأول لزمه أن ينقض اجتهاده وما يترتب عليه، كما إذا خالع المجتهد زوجته بعد طلاقها مرتين، وأدَّاه اجتهاده إلى أن الخلع فسخ، ليس بطلاق، فتزوجها بعد ذلك بمقتضى هذا الاجتهاد، ثم تغير اجتهاده وأداه إلى أن الخلع طلاق، لزمه أن يفارقها، ولا يجوز له إمساكها، عملًا بمقتضى اجتهاده الثاني؛ لأنه صار معتقدًا أن الاجتهاد الأول خطأ، والثاني صواب يجب العمل به، وهذا ليس نقضًا للاجتهاد بالاجتهاد، بل هو ترك العمل بالاجتهاد الأول. مثاله أيضًا لو رأى المجتهد أن الولي ليس شرطًا في صحة العقد للمرأة الرشيدة، فتزوجها من غير ولي، ثم تغير اجتهاده ورأى أن الولي شرط في صحة الزواج، فيلزمه مفارقة تلك المرأة، ولا يحل له البقاء على الزواج بها، وهو ترك

стр. 838

للعمل بالاجتهاد الأول. وهذا الكلام في المثالين إذا لم يكن القاضي قد حكم بصحة النكاح في الحالتين، فإن حكم بهما القاضي، فلا يلزم الزوج مفارقة المرأة؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، ويترك المخالفُ مذهبه ويلتزم بمذهب الحاكم، كما سنبين ذلك في حكم القاضي التالي. ٢ - أثر تغير اجتهاد الحاكم: إذا اجتهد القاضي فيما يصح الاجتهاد فيه مما لم يرد فيه نص أو إجماع، وقضى في واقعة بما اجتهد به، ثم حصلت واقعة مماثلة للأولى، فاجتهد فيها، وتغير اجتهاده، فإنه لا ينقض الحكم السابق، وذلك تطبيقًا دقيقًا للقاعدة السابقة "الاجتهاد لا ينتقض بمثله": لأن النقض يؤدي -كما قلنا- إلى اضطراب القضاء، وعدم استقرار الأحكام، وشلل القضاء بعدم إنهاء المنازعات، وبالتالي عدم الوثوق بحكم الحاكم، وبقيت الخصومات على حالها، واستمر التشاجر والتنازع وانتشار الفساد والعدوان والظلم، وهذا يتنافى مع المصلحة التي وجد القضاء لأجلها، والحكمة التي نُضب لها الحكام. والأمثلة في تاريخ القضاء الإسلامي كثيرة منذ عهد الصحابة، كتغير اجتهاد عمر ﵁ في المسألة المشتركة الحجرية في الميراث، وقرر القاعدة المشهودة "تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي" (١)، ويؤيد ذلك ما جاء في كتاب عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵁، وفيه: "لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه نفسك، أن تراجع الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل" (٢).

стр. 839

والأصل في هذه القاعدة إجماع الصحابة ﵃، كما نقله ابن الصباغ رحمه اللَّه تعالى، وأن أبا بكر ﵁ قضى في مسائل، ثم خالفه فيها عمر ﵁، ولم ينقض اجتهاده، وعلته أن الاجتهاد الثاني ليس بأقوى من الأول، فيصح ما فعله بالاجتهاد الأول الذي تقوى بالقضاء والعمل، ثم يغير الحكم في المستقبل (١). وكذلك لا ينقض اجتهاد مجتهد باجتهاد مجتهد آخر، بل كل مجتهد عليه أن يحترم اجتهاد الآخر لعدم المرجح. وكذلك الأمر لو كان بين قاضيين، بأن قضى شافعي مثلًا بعدم الشفعة للجار، أو بطلان الزواج بغير ولي، ثم رفعت نفس القضية لقاض حنفي مثلًا يرى الشفعة للجار، أو صحة النكاح بغير ولي، فلا يجوز أن ينقض قضاء الأول، ويجب عليه تنفيذه، ويحكم في القضايا الأخرى بما يراه. وهذا مبدأ قانوني مقرر في محاكم النقض والتمييز إذا تغير اجتهادها، فإنه لا يسرى ذلك على الأحكام السابقة، ويسمى في اصطلاحهم "بعدم رجعية القوانين والقرارات" (٢).

стр. 840

المبحث السابع مسائل في الاجتهاد يذكر علماء الأصول عدة مسائل في الاجتهاد، بعضها تاريخي، وبعضها نظري، وبعضها يتصل بالواقع ومستجدات الحياة، ونذكر هنا أهمها: المسألة الأولى: اجتهاد النبي ﷺ - (١): أجمع العلماء على أنه يجوز للنبي ﷺ الاجتهاد فيما يتعلق بمصالح الدنيا وتدبير الحروب والأقضية ونحوها، وقد وقع ذلك فعلًا، ونقل الإجماعَ سُلَيم الرازي وابن حزم (٢) رحمهما اللَّه تعالى، ومثاله: إرادة النبي ﷺ أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة (٣)؛ لأن هذا في أصله مباح؛ لأن لهم أن يهبوا من أموالهم ما أحبُّوا، وكذلك قوله في تلقيح النخل؛ لأنه يباح للمرء أن يلقح نخله وأن يتركها، ويضاف أمثلة أخرى كاجتهاده في موضع النزول في بدر، واجتهاده بأخذ الفداء من الأسرى، وغير ذلك. أما الاجتهاد في الأحكام الشرعية والقضايا الدينية التي لا نص فيها، فقد اختلف العلماء على قولين: القول الأول: يجوز اجتهاده عقلًا، وقد وقع ذلك فعلًا، وهو رأي أكثر الأصوليين، وهو قول الحنفية مع تقييده بقولهم: بشرط انتظار الوحي، إلا أن يخاف فوت الحادثة، وأن اجتهاده يختص بالقياس، أما الاجتهاد في الدلالة فلا مجال له؛ لأن المراد عنده ﷺ واضح، ولا تعارض لديه.

стр. 841

القول الثاني: لا يجوز للنبي ﷺ الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وهو قول جمهور الأشعرية، وأكثر المعتزلة، وهو ظاهر اختيار ابن حزم رحمه اللَّه تعالى. استدل أصحاب القول الثاني بعدة أدلة، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، ويرد على هذا الاستدلال أن المراد به الوحي عامة والقرآن خاصة؛ لأن الاجتهاد الشرعي مأذون فيه، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥]، لكن الآية تنص على عدم تبديل الوحي اللفظي أو المعنوي، وإن الاجتهاد نفسه مشروع بمقتضى الوحي، واستدلوا بأن الاجتهاد يفيد الظن مع أن الرسول ﷺ يمكنه الحصول على اليقين بالوحي، ولكن ذلك لا يعارض الاجتهاد، وقد يكون من اليقين المعنوي أن يجتهد فيما لم ينزل فيه وحي، واستدلوا بأنه لو جاز الاجتهاد له لما تأخر به عند الاستفتاء وفصل الخصومات لنزول الوحي، ويردّ ذلك أن الانتظار مشروع قطعًا لكل مفت وقاضٍ حتى يحصل على أقوى الأدلة، فإن لم يحصل عليها اجتهد، والاجتهاد نفسه استفراغ الوسع في البحث والطلب. واستدل الجمهور القائلون بجواز الاجتهاد بأدلة كثيرة، منها أن اللَّه تعالى خاطب نبيه كما خاطب عباده، وضرب له الأمثال، وأمره بالتدبر والاعتبار، وهو أجل المتفكرين، وأعظم المعتبرين بها، وأكثرهم خبرة بالاجتهاد والقياس، والأهم من كل ذلك وقوع الاجتهاد فعليًّا من رسول اللَّه ﷺ ، وخاصة عند تخييره في الأحكام، فيجتهد ويختار أحد الجائزين في الحروب وسائر الأحكام، كقتله النضر بن الحارث، وأنه استشار كثيرًا في أسرى بدر وغيرها، وقوله في عدة أحاديث: "أرأيتَ لو تَمَضْمَضتَ بماء" "أرأيتَ لو كانَ على أبيك دَيْن" واستثناء الإذخر في جواز قطعه في الحرم، وأنه قال: "ألا إني أُوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه" وقال في حجة الوداع وسوقه الهدي: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقت الهدي" (١)، واستدلوا أيضًا بأن الرسول ﷺ أكمل من غيره؛ لعصمته من الخطأ، فلو جاز الاجتهاد لغيره، فلأن يجوز له بالأولى،

стр. 842

وأن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بالنص، فيكون أكثر ثوابًا، وهو ما يفعله ﵊ (١). ولا شك في ترجيح قول الجمهور؛ لقوة أدلتهم، ولوقوع الاجتهاد من النبي ﷺ عمليًّا، وأن أدلة القول الأول لم تسلم من الاعتراض والنقد، وليس فيها دلالة صريحة، وهذه المسألة أصبحت تاريخية؛ لأن الشرع استقر، وكل ما ثبت عن رسول اللَّه ﷺ صار شرعًا معمولًا به. فرع: الخطأ في اجتهاده ﷺ : ويتفرع على المسألة السابقة واعتماد القول الراجح فيها بجواز الاجتهاد، وهي مسألة تاريخية محضة، يتفرع عنها مسألة نظرية أخرى، وهي: هل يخطئ الرسول ﷺ في اجتهاده؟ فقال بعضهم: لا يخطئ؟ تنزيهًا لمقام النبوة، وقال آخرون: يخطئ فيما لا يرجع إلى التبليغ، ولكن اللَّه تعالى لا يقره على الخطأ، ويصوِّب له جبريل ما أخطأ به إن وقع حتى لا يسري الخطأ إلى الأمة وتقلده فيه، ولذلك كانت النتيجة واحدة، وأن ما استقر عليه اجتهاد الرسول ﷺ في اجتهاده، ونقل إلى الأمة، فهو صواب قطعًا، ولا حاجة للاستدلال والتوسع في هذا الفرع (٢).

стр. 843

المسألة الثانية: اجتهاد الصحابة في عصر النبوة: اتفق العلماء على جواز اجتهاد الصحابة ﵃ بعد وفاة النبي ﷺ ، وأنه وقع فعلًا، ونقل عنهم بالتواتر المعنوي. ولكن اختلف العلماء في جواز اجتهادهم في عصره ﷺ على آراء، فقال بعضهم بعدم الجواز عقلًا، وبعضهم بعدم الجواز وعدم الوقوع، وقال الجمهور بالجواز للحاضر والغائب، وفصل بعضهم بالجواز للغائب، دون الحاضر، وهي مسألة تاريخية لا فائدة فيها الآن، ولذلك لا نتوسع فيها. والراجح قول الجمهور بجواز اجتهاد الصحابة رضوان اللَّه عليهم في عصر النبي ﵊ مطلقًا، وأنه وقع فعلًا، مع اليقين أن مصدر الأحكام في عصر النبوة محصور بالوحي، وبالتالي فإن اجتهاد الرسول ﷺ -أولًا كان تحت مظلة الوحي، وكان اجتهاد الصحابة موقوفًا على عرضه على رسول اللَّه ﷺ بإقراره، فيصبح سنة تقريرية متفقًا عليها، أو بردّه فيكون باطلًا باتفاق. والأدلة على ذلك كثيرة، أهمها حديث معاذ السابق: "أجتهد رأيي ولا آلو" وحديث عمرو: "أجتهد وأنت حاضر" (١)، واجتهاد عدد من الصحابة إما بطلب الرسول ﷺ لإبداء آرائهم، وإما بمبادرة منهم، ثم يعرضون آراءهم على الرسول ﷺ حتى في سلب الغنيمة، وفي التيمم، والصلاة، والقضاء وغيره (٢). المسألة الثالثة: خلو العصر عن المجتهدين: هذه مسألة نظرية، خيالية، غيبية، بحثها العلماء في العصور الأولى تفكهًا،

стр. 844

وضمن القضايا الفرضية أو الافتراضية، ثم سار عليها الخلف تبعًا، وركونًا إلى البحث النظري الذي يحتمل وقوعه في آخر الزمان، وقبل قيام الساعة، ولذلك لا حاجة لبحثها، وعرضناها باختصار شديد عند الكلام على حكم الاجتهاد في المبحث الأول. المسألة الرابعة: تفويض الاجتهاد لنبي أو مجتهد: هذه المسألة فرع لمسألة التصويب والخطأ في الاجتهاد، وصورتها أن يقول اللَّه تعالى للنبي ﷺ -أو للعالم المجتهد: احكم بما شئت، فهو صواب، وأنه حكم اللَّه تعالى في القضية. وهذه المسألة إما أن ترجع لطلب الاجتهاد من النبي ﷺ ، أو من العالم المجتهد، وهذا جائز لا خلاف فيه، وهو مجال الاجتهاد، وسبقت مشروعيته والعمل به، وإما أن ترجع لتفويض الحكم إلى من كان من أهل العلم، ولم يصل لدرجة الاجتهاد، ليحكم بما شاء من غير نظر واجتهاد، فهذا محل الخلاف والنظر. وأرى أن العالم إذا لم يصل إلى درجة الاجتهاد ولو جزئيًّا، لا يصح له أن يجتهد أصلًا؛ لأنه يقول بدين اللَّه بغير علم من كتاب وسنة وإجماع واجتهاد، ولا يقبل العقل والشرع أن يقال لهذا المفوض: إن ما حكمت به هو الصواب؛ لأنه لا يعلم بما يريد اللَّه ، ولا يدري حكم اللَّه تعالى، ولا يدري المصالح التي يهدف إليها الشرع، وأن البحث في ذلك نظري خيالي، لذلك نكتفي بهذه الإشارة دون التعرض للأقوال وأدلتها، ولذلك توقف فيها بعض الأئمة والعلماء. قال ابن السمعاني رحمه اللَّه تعالى: "هذه المسألة، وإن أوردها متكلمو الأصوليين، فليست بمعروفة عند الفقهاء، وليس فيها كثير فائدة؛ لأنها في غير الأنبياء لم توجد، ولا يتوهم وجودها في المستقبل" وأن ما يدعيه بعضهم بالتفويض لإمام معصوم، فهو منكر، حتى قال قيه الشوكاني: "إنه مجرد جهل بحت ومجازفة ظاهرة" (١).

стр. 845

المسألة الخامسة: مراعاة الخلاف: يتفرع على مسألة التصويب والتخطئة في الاجتهاد مسألة مراعاة الخلاف، باعتبار أن المجتهد يدّعي الإصابة، ويقول: إنَّ قولي صحيح، ويحتمل الخطأ، وقول المخالف خطأ يحتمل الصواب، فلا يقطع بصواب قوله، ولا بخطأ مخالفه، وهذا من باب الاحتياط والأدب واحترام قول الآخر، وهو من دقيق النظر والأخذ بالحزم، ويسمى: الخروج من الخلاف، وهو أن من يعتقد جواز الشيء يترك فعله إن كان غيره يعتقد حرامًا، وقد يستحبه إن كان غيره يوجبه. وإنما يراعى الخلاف إذا كان له دليل مقبول، أو دليل قوي، أما إذا كان الدليل ضعيفًا، أو واهيًا، أو وهمًا، فلا اعتبار به، وهذا الشرط الأول لمراعاة الخلاف. ويشترط أيضًا ألا تكون مراعاة الخلاف لرأي أو مذهب مؤدية إلى مخالفة رأي آخر، أو مذهب آخر، له دليل مقبول أو قوي. ويشترط في مراعاة الخلاف ألا يكون قد صدر فيه حكم قضائي، فحكم القاضي نافذ، ويجب تنفيذه والالتزام به. وقال الشافعية: يستحب مراعاة الخلاف، أو الخروج منه في صور كثيرة، كاستحباب الدلك في الغسل لقول مالك بوجوبه، واستجباب ترك الجمع بين الصلاتين لقول الحنفية بمنعه، واستحباب عدم القصر في مسافة العدوى (٤٠ كم) لقول الحنفية بمنعه، واستجباب ترك صلاة المفترض خلف المتنفل والعكس، وصلاة الظهر خلف من يصلي العصر والعكس، وصلاة الفرض خلف من يصلي السنة والعكس، لعدم مشروعيتها عند الحنفية، وهكذا (١).
следующие страницы →