← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

القول الثاني: لا يجوز للنبي ﷺ الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وهو قول جمهور الأشعرية، وأكثر المعتزلة، وهو ظاهر اختيار ابن حزم رحمه اللَّه تعالى. استدل أصحاب القول الثاني بعدة أدلة، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، ويرد على هذا الاستدلال أن المراد به الوحي عامة والقرآن خاصة؛ لأن الاجتهاد الشرعي مأذون فيه، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥]، لكن الآية تنص على عدم تبديل الوحي اللفظي أو المعنوي، وإن الاجتهاد نفسه مشروع بمقتضى الوحي، واستدلوا بأن الاجتهاد يفيد الظن مع أن الرسول ﷺ يمكنه الحصول على اليقين بالوحي، ولكن ذلك لا يعارض الاجتهاد، وقد يكون من اليقين المعنوي أن يجتهد فيما لم ينزل فيه وحي، واستدلوا بأنه لو جاز الاجتهاد له لما تأخر به عند الاستفتاء وفصل الخصومات لنزول الوحي، ويردّ ذلك أن الانتظار مشروع قطعًا لكل مفت وقاضٍ حتى يحصل على أقوى الأدلة، فإن لم يحصل عليها اجتهد، والاجتهاد نفسه استفراغ الوسع في البحث والطلب. واستدل الجمهور القائلون بجواز الاجتهاد بأدلة كثيرة، منها أن اللَّه تعالى خاطب نبيه كما خاطب عباده، وضرب له الأمثال، وأمره بالتدبر والاعتبار، وهو أجل المتفكرين، وأعظم المعتبرين بها، وأكثرهم خبرة بالاجتهاد والقياس، والأهم من كل ذلك وقوع الاجتهاد فعليًّا من رسول اللَّه ﷺ ، وخاصة عند تخييره في الأحكام، فيجتهد ويختار أحد الجائزين في الحروب وسائر الأحكام، كقتله النضر بن الحارث، وأنه استشار كثيرًا في أسرى بدر وغيرها، وقوله في عدة أحاديث: "أرأيتَ لو تَمَضْمَضتَ بماء" "أرأيتَ لو كانَ على أبيك دَيْن" واستثناء الإذخر في جواز قطعه في الحرم، وأنه قال: "ألا إني أُوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه" وقال في حجة الوداع وسوقه الهدي: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقت الهدي" (١)، واستدلوا أيضًا بأن الرسول ﷺ أكمل من غيره؛ لعصمته من الخطأ، فلو جاز الاجتهاد لغيره، فلأن يجوز له بالأولى،

стр. 842

وأن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بالنص، فيكون أكثر ثوابًا، وهو ما يفعله ﵊ (١). ولا شك في ترجيح قول الجمهور؛ لقوة أدلتهم، ولوقوع الاجتهاد من النبي ﷺ عمليًّا، وأن أدلة القول الأول لم تسلم من الاعتراض والنقد، وليس فيها دلالة صريحة، وهذه المسألة أصبحت تاريخية؛ لأن الشرع استقر، وكل ما ثبت عن رسول اللَّه ﷺ صار شرعًا معمولًا به. فرع: الخطأ في اجتهاده ﷺ : ويتفرع على المسألة السابقة واعتماد القول الراجح فيها بجواز الاجتهاد، وهي مسألة تاريخية محضة، يتفرع عنها مسألة نظرية أخرى، وهي: هل يخطئ الرسول ﷺ في اجتهاده؟ فقال بعضهم: لا يخطئ؟ تنزيهًا لمقام النبوة، وقال آخرون: يخطئ فيما لا يرجع إلى التبليغ، ولكن اللَّه تعالى لا يقره على الخطأ، ويصوِّب له جبريل ما أخطأ به إن وقع حتى لا يسري الخطأ إلى الأمة وتقلده فيه، ولذلك كانت النتيجة واحدة، وأن ما استقر عليه اجتهاد الرسول ﷺ في اجتهاده، ونقل إلى الأمة، فهو صواب قطعًا، ولا حاجة للاستدلال والتوسع في هذا الفرع (٢).

стр. 843

المسألة الثانية: اجتهاد الصحابة في عصر النبوة: اتفق العلماء على جواز اجتهاد الصحابة ﵃ بعد وفاة النبي ﷺ ، وأنه وقع فعلًا، ونقل عنهم بالتواتر المعنوي. ولكن اختلف العلماء في جواز اجتهادهم في عصره ﷺ على آراء، فقال بعضهم بعدم الجواز عقلًا، وبعضهم بعدم الجواز وعدم الوقوع، وقال الجمهور بالجواز للحاضر والغائب، وفصل بعضهم بالجواز للغائب، دون الحاضر، وهي مسألة تاريخية لا فائدة فيها الآن، ولذلك لا نتوسع فيها. والراجح قول الجمهور بجواز اجتهاد الصحابة رضوان اللَّه عليهم في عصر النبي ﵊ مطلقًا، وأنه وقع فعلًا، مع اليقين أن مصدر الأحكام في عصر النبوة محصور بالوحي، وبالتالي فإن اجتهاد الرسول ﷺ -أولًا كان تحت مظلة الوحي، وكان اجتهاد الصحابة موقوفًا على عرضه على رسول اللَّه ﷺ بإقراره، فيصبح سنة تقريرية متفقًا عليها، أو بردّه فيكون باطلًا باتفاق. والأدلة على ذلك كثيرة، أهمها حديث معاذ السابق: "أجتهد رأيي ولا آلو" وحديث عمرو: "أجتهد وأنت حاضر" (١)، واجتهاد عدد من الصحابة إما بطلب الرسول ﷺ لإبداء آرائهم، وإما بمبادرة منهم، ثم يعرضون آراءهم على الرسول ﷺ حتى في سلب الغنيمة، وفي التيمم، والصلاة، والقضاء وغيره (٢). المسألة الثالثة: خلو العصر عن المجتهدين: هذه مسألة نظرية، خيالية، غيبية، بحثها العلماء في العصور الأولى تفكهًا،

стр. 844

وضمن القضايا الفرضية أو الافتراضية، ثم سار عليها الخلف تبعًا، وركونًا إلى البحث النظري الذي يحتمل وقوعه في آخر الزمان، وقبل قيام الساعة، ولذلك لا حاجة لبحثها، وعرضناها باختصار شديد عند الكلام على حكم الاجتهاد في المبحث الأول. المسألة الرابعة: تفويض الاجتهاد لنبي أو مجتهد: هذه المسألة فرع لمسألة التصويب والخطأ في الاجتهاد، وصورتها أن يقول اللَّه تعالى للنبي ﷺ -أو للعالم المجتهد: احكم بما شئت، فهو صواب، وأنه حكم اللَّه تعالى في القضية. وهذه المسألة إما أن ترجع لطلب الاجتهاد من النبي ﷺ ، أو من العالم المجتهد، وهذا جائز لا خلاف فيه، وهو مجال الاجتهاد، وسبقت مشروعيته والعمل به، وإما أن ترجع لتفويض الحكم إلى من كان من أهل العلم، ولم يصل لدرجة الاجتهاد، ليحكم بما شاء من غير نظر واجتهاد، فهذا محل الخلاف والنظر. وأرى أن العالم إذا لم يصل إلى درجة الاجتهاد ولو جزئيًّا، لا يصح له أن يجتهد أصلًا؛ لأنه يقول بدين اللَّه بغير علم من كتاب وسنة وإجماع واجتهاد، ولا يقبل العقل والشرع أن يقال لهذا المفوض: إن ما حكمت به هو الصواب؛ لأنه لا يعلم بما يريد اللَّه ، ولا يدري حكم اللَّه تعالى، ولا يدري المصالح التي يهدف إليها الشرع، وأن البحث في ذلك نظري خيالي، لذلك نكتفي بهذه الإشارة دون التعرض للأقوال وأدلتها، ولذلك توقف فيها بعض الأئمة والعلماء. قال ابن السمعاني رحمه اللَّه تعالى: "هذه المسألة، وإن أوردها متكلمو الأصوليين، فليست بمعروفة عند الفقهاء، وليس فيها كثير فائدة؛ لأنها في غير الأنبياء لم توجد، ولا يتوهم وجودها في المستقبل" وأن ما يدعيه بعضهم بالتفويض لإمام معصوم، فهو منكر، حتى قال قيه الشوكاني: "إنه مجرد جهل بحت ومجازفة ظاهرة" (١).

стр. 845

المسألة الخامسة: مراعاة الخلاف: يتفرع على مسألة التصويب والتخطئة في الاجتهاد مسألة مراعاة الخلاف، باعتبار أن المجتهد يدّعي الإصابة، ويقول: إنَّ قولي صحيح، ويحتمل الخطأ، وقول المخالف خطأ يحتمل الصواب، فلا يقطع بصواب قوله، ولا بخطأ مخالفه، وهذا من باب الاحتياط والأدب واحترام قول الآخر، وهو من دقيق النظر والأخذ بالحزم، ويسمى: الخروج من الخلاف، وهو أن من يعتقد جواز الشيء يترك فعله إن كان غيره يعتقد حرامًا، وقد يستحبه إن كان غيره يوجبه. وإنما يراعى الخلاف إذا كان له دليل مقبول، أو دليل قوي، أما إذا كان الدليل ضعيفًا، أو واهيًا، أو وهمًا، فلا اعتبار به، وهذا الشرط الأول لمراعاة الخلاف. ويشترط أيضًا ألا تكون مراعاة الخلاف لرأي أو مذهب مؤدية إلى مخالفة رأي آخر، أو مذهب آخر، له دليل مقبول أو قوي. ويشترط في مراعاة الخلاف ألا يكون قد صدر فيه حكم قضائي، فحكم القاضي نافذ، ويجب تنفيذه والالتزام به. وقال الشافعية: يستحب مراعاة الخلاف، أو الخروج منه في صور كثيرة، كاستحباب الدلك في الغسل لقول مالك بوجوبه، واستجباب ترك الجمع بين الصلاتين لقول الحنفية بمنعه، واستحباب عدم القصر في مسافة العدوى (٤٠ كم) لقول الحنفية بمنعه، واستجباب ترك صلاة المفترض خلف المتنفل والعكس، وصلاة الظهر خلف من يصلي العصر والعكس، وصلاة الفرض خلف من يصلي السنة والعكس، لعدم مشروعيتها عند الحنفية، وهكذا (١).

стр. 846

المسألة السادسة: الاجتهاد الجماعي: وهو الاجتهاد الذي يصدر من عدد من العلماء الباحثين الذين وصلوا إلى درجة الاجتهاد الجزئي، وذلك بعد عرض مسألة أو قضية، ودراستها، ومناقشتها، وإبداء الرأي فيها، واتفاق الحاضرين أو أغلبهم عليها، وهو ما يقع في الندوات، والمؤتمرات، وخاصة في مجمع البحوث الإسلامية، وهيئة كبار العلماء، والمجامع الفقهية التي ظهرت في القرن الرابع عشر الهجري، وتضم نخبة من علماء العصر من مختلف البلدان والمذاهب الفقهية، مع الاستعانة بأهل الاختصاص الفني والعلمي في المسائل المدروسة كالاستعانة بالأطباء والمخبريين في الأمور الصحية وبيان أحكامها الشرعية، والاستعانة بالمحامين والقضاة وشراح القانون في القضايا التشريعية المعاصرة، والاستعانة بالمحاسبين والاقتصاديين في الأمور المالية والاقتصادية والمصارف والشركات عامة، وشركات التأمين، وغير ذلك. ويمتاز الاجتهاد الجماعي عن الاجتهاد الفردي أنه يمثل رأي عدد، وهو أقرب للصواب من رأي الفرد، وأنه يتم بعد مناقشات ومحاورات ومداخلات واستعراض لمختلف الأدلة، كما يدلي فيه أصحاب الاختصاصات العلمية بحقائق الأمور ليبدي الفقهاء الرأي الشرعي فيها. وأصبح الاجتهاد الجماعي ضرورة ملحة، وحاجة أكيدة في عصرنا؛ لكثرة المستجدات والمكتشفات، وتعقد الأمور، وتشعب العلوم وتفرعها وتداخلها وتشابكها، حتى صار من المستحيل على عالم أن يتبحر ويتعمق في مختلف العلوم. لذلك صار الاجتهاد التخصصي والمؤسسي عملًا جماعيًّا مهمًا وضروريًّا، ليصدر الاجتهاد من جموع العلماء والفقهاء في الشريعة مع قلة من الخبراء والمختصين في العلوم الأخرى. وهذا الاجتهاد الجماعي أكثر قبولًا على مختلف المستويات الفردية والرسمية، وأعطت الاجتهادات الجماعية رصيدًا ممتازًا فيما عرض عليها، ولكن لا تزال في أول الطريق، وتحتاج لمزيد من الرعاية والعناية والتفرغ

стр. 847

والمواظية والاستمرار والمتابعة لمجريات الأمور، ومستجدات العصر، وحاجات الأفراد المؤسسات والمجتمع والأمة، وعليها تعقد الآمال إن شاء اللَّه تعالى (١).

стр. 848

الفصل الثاني التقليد التقليد والاتباع مقابلان للاجتهاد، وسبق الكلام على الاجتهاد والمجتهد، وشروط الاجتهاد والمجتهد، وهنا يأتي الكلام على التقليد والاتباع. ذلك أن اللَّه تعالى خلق الناس على مستويات مختلفة، وجعل الحياة تقوم على أعمال متنوعة، ولا بدَّ لكل عمل من وجود طائفة من الناس تقوم به، فيتوزع الناس حسب الأعمال الكثيرة في الحياة، كل لما خلق له، ليتم التعاون والتكافل فيما بينهم. ومن الناس من يتجه إلى العلوم عامة، والعلم الشرعي خاصة، ولكن لا يملك كل من طلب العلم القدرة إلى الوصول إلى الكمال ودرجة الاجتهاد، وينفرد نفر من الأمة في كل عصر بالوصول إلى الذروة، ليتبوأ القمة، ويبلغ درجة الاجتهاد، ويبقى معظم المتعلمين في الدرجات الأخرى، كما يبقى جماهير الناس من المتعلمين لسائر العلوم، ولأسباب المهن والحرف، ومن غير المتعلمين، يتبعون كبار العلماء الأفذاد، والمجتهدين في الشريعة، لمعرفة الأحكام الشرعية، وسؤالهم عنها، والرجوع إليهم عند كل نازلة، أو طارئة، أو قضية، أو خلاف، أو استفتاء (١). والمجتهدون في كل عصر قلة، وتبقى الأكثرية في مجال التقليد أو الاتباع، وهذا يقتضي البحث عن حال المقلدين والأتباع، وهو محل هذا الفصل الذي نعرضه في عدة مباحث.

стр. 849

المبحث الأول تعريف التقليد والاتباع تعريف التقليد: التقليد لغة: وضع الشيء في العنق حال كونه محيطًا به، ويسمى ذلك الشيء قلادة، ومنه تقليد الهدي في الحج، أي: وضع القلادة في عنق ما يُهدى إلى الحرم من النَّعَم، وجمع القلادة قلائد (١). والتقليد اصطلاحًا: أخذ مذهب الغير من غير معرفة دليله، فالمقلد يعتقد صحة ما يقوله غيره، ويتبعه عليه من غير معرفة الدليل الذي أوجب القول، سواء كان ذلك قولًا أو فعلًا، عملًا أو تركًا، ويسمى المقلد عاميًّا، وهذا يشمل كل إنسان غير مجتهد في الشرع، ولو كان عالمًا وخبيرًا في علم آخر. ويخرج من التعريف المجتهد إذا عرف الدليل، ووافق اجتهاده اجتهاد مجتهد آخر، فإنه لا يسمى تقليدًا، كقولهم: أخذ الشافعي بمذهب مالك في كذا، وأخذ أحمد بمذهب الشافعي في كذا؛ لأنه عند معرفة دليله حق المعرفة يكون قد أخذ الحكم من الدليل، لا من المجتهد السابق، فيكون إطلاق الأخذ بمذهبه فيه تجوّز. وكذلك فإن الرجوع إلى قول الرسول ﷺ ، وإلى المعلوم بالضرورة، وإلى الإجماع (٢)، ورجوع القاضي إلى شهادة الشاهد، ليس بتقليد حقيقة؛ لقيام الحجة بذلك، وقول النبي ﷺ -هو نفس الحجة والدليل، ولو سمي تقليدًا، لساغ ذلك توسعة، ولا مشاحة في الاصطلاح (٣).

стр. 850

الفرق بين التقليد والاتباع: فرّق كثير من العلماء بين التقليد الذي يأخذ فيه الشخص بقول غيره بدون معرفة دليله، وبغير حجة تظهر له، بل بمجرد الاقتناع والثقة والمحاكاة، حتى لا يعرف دليل القول، ولا معنى قوله، وإنما يسلم به، ويلتزمه فيه، ويسير على هداه. أما الاتباع فهو الأخذ بقول الآخر بعد معرفة دليله، والطريق الذي أخذ به، فيقتنع بالقول مع الدليل، ثم يتبعه، فيكون تابعًا طريق المتبوع، ولذلك فإن معظم الأصحاب لإمام المذهب هو تابعون له؛ لمعرفتهم الحكم مع الدليل، وكذلك معظم الباحثين والدارسين للفقه المذهبي يعتبرون تابعين للمذهب، وليسوا مقلدين له. ولذلك فكل من خرج عن الاجتهاد ممن ذكرناه سابقًا، ولم يبلغ درجة الاجتهاد، بل يتبع الرسول ﷺ والإجماع والمعلوم بالضرورة فهذا اتباع، وليس تقليدًا، وكذا اتباع المجتهد لقول مجتهد آخر، يسمى اتباعًا، وليس تقليدًا (١). تاريخ التقليد والاتباع: إن التقليد لأقوال العلماء المجتهدين ظهر منذ عصر الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فكان معظم الصحابة غير مجتهدين، ويسألون كبار الصحابة وفقهاءهم عن الأحكام، فيأخذون بها دون الاستفسار عن الدليل. ولكن لم يكن للصحابة مذهب كامل، واستمر الأمر كذلك في عهد التابعين، إلى أن ظهر كبار الأئمة المجتهدين، وصار لهم أتباع، واستقرت مذاهبهم، وبدأ التقليد

стр. 851

بشكل واضح في منتصف القرن الثاني الهجري، كما سبق، ثم ظهر التقليد للمذهب بمعناه الكامل في أوائل القرن الرابع الهجري، واستمر إلى اليوم. قال الشوكاني رحمه اللَّه تعالى: "إن التقليد (للمذهب) لم يحدث إلا بعد انقراض خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وإن حدوث التمذهب بمذاهب الأئمة الأربعة، إنما كان بعد انقراض عصر الأئمة الأربعة، وإنهم كانوا على نمط مَنْ تقدمهم من السلف في هجر التقليد، وعدم الاعتداد به، وإن هذه المذاهب إنما أحدئها عوام المقلدة لأنفسهم من دون أن يأذن بها إمام من الأئمة المجتهدين" (١). تقليد المجتهد الميت: اختلف العلماء في اشتراط حياة المجتهد الذي يجوز تقليده، على أربعة أقوال: أحدها: المنع مطلقًا؛ لأن الميت ليس من أهل الاجتهاد، كالفسق بعد العدالة، أو لأن الحياة هي الأصل فزالت، وزال وصفها بالاجتهاد، أو لاحتمال عدوله عن اجتهاده لو كان حيًّا وجدَّد اجتهاده. الثاني: الجواز بشرط فقد الحي، فليس للعامي تقليد الميت إن وجد مجتهدًا حيًّا؛ لأن الحي أفضل من الميت، وأعرف بالوقائع والقضايا والفتاوى، فإن لم يوجد المجتهد الحي جاز تقليد الميت. الثالث: التفصيل: وهو جواز تقليد الميت إذا كان دليله نقليًّا، وكان الناقل لرأي الميت مجتهدًا وأهلًا للمناظرة، فإن كان رأي المجتهد الميت قياسيًا، فلا يجوز؛ لاحتمال تغير القياس والاجتهاد فيه. الرابع: الجواز مطلقًا، وهو الصحيح ورأي جمهور العلماء، وفيه قال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "المذاهب لا تموت بموت أربابها، ولا بفقد أصحابها"، واعتبره بعضهم إجماعًا، وذلك قياسًا على الشهادة التي يؤديها الشاهد عند الحاكم، ثم يموت، فإن شهادته لا تبطل، وقياسًا على حكم الحاكم فإنه لا

стр. 852

يموت بموته، ولقوله ﷺ : "اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ من بَعْدي: أبي بكرٍ وعُمَرَ" (١)، وهذا الأمر عام للاقتداء بهم أثناء حياتهم، وبعد مماتهم، وقال ﵊: "عَلَيكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ من بَعْدي: عَضُّوا عليها بالنَّواجذ" (٢)، واحتج الأصوليون على ذلك بانعقاد الإجماع على جواز العمل بفتاوى الموتى، وأضاف بعضهم: أن ذلك للضرورة، فلو لم نجوِّز تقليد المجتهد الميت، لأدى ذلك إلى إفساد أحوال الناس، ولذلك قالوا: موت المجتهد لا يُميت قوله، فكأنه أحد الأحياء فيقلد (٣). وهذا القول هو الراجح، فيجوز تقليد المجتهد الميت إذا ثبت النقل عنه، وكان دليله معروفًا، إلا إذا كان مبنيًّا على العرف والمصلحة فتجوز مخالفته. تقليد المفضول: يجوز تقليد المجتهد المفضول، مع وجود الأفضل عند الأكثر من المذاهب الأربعة (٤)؛ لأن العامي أو المستفتي لا يمكنه الترجيح ومعرفة

стр. 853

الفاضل والمفضول، ولو كُلِّف ذلك لكان تكليفًا بضرب من الاجتهاد، وهو لا يستطيعه، ولأن اللَّه تعالى قال: ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، ولم توجب الآية تعيين الأفضل دون المفضول، ولأن المفضول من الصحابة والسلف كان يفتي مع وجود الفاضل، واشتهر ذلك وتكرر، ولم ينكر ذلك أحد، فدل على جواز استفتائه مع القدرة على استفتاء الفاضل (١). لكن قال أكثر العلماء: إنه يلزم العامي في الأصح أن يقلد الأرجح من المجتهدين متى بان له ذلك، وخالف بعضهم في ذلك، وقال النووي رحمه اللَّه تعالى: "وهذا وإن كان ظاهرًا، ففيه نظر؛ لما ذكرنا من سؤال آحاد الصحابة مع وجود أفاضلهم" (٢). تقديم الأعلم على الأورع: يقدم في تقليد المجتهدين الأعلم على الأورع في الأصح، لأنَّ الظن الحاصل بالأعلم أقوى، ولأنه لا تعلق لمسائل الاجتهاد بالورع. فإن استوى المجتهدون تختر العامي في تقليد أحدِهم متى سكنت نفسه إليه واطمأنت إلى علمه (٣).

стр. 854

المبحث الثاني مجال التقليد ، وحكمه، وأقسامه مجال التقليد: إن الأمور والقضايا والمسائل التي يعتنقها الإنسان قسمان، سواء كانت نظرية أو عملية. القسم الأول: ما يعتنقه بناء على دليل ونظر وبحث يقوده إلى القناعة الذاتية. القسم الثاني: ما يأخذ به نظريًّا أو علميًّا بمجرد المحاكاة لغيره، والتشبه به، والسير على خطاه. وإن الأحكام الشرعية قسمان: القسم الأول: أصول الشرع، وتشمل ثلاثة جوانب أساسية، وهي: ١ - ما يتعلق بمسائل العقيدة، والأصول العامة فيها، وفروعها كالإيمان باللَّه تعالى، ومعرفته تعالى، وصفاته، وتوحيده، ودلائل النبوة، والإيمان بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر، والقضاء والقدر، وتسمى المسائل العقلية. ٢ - الأخلاق والفصائل. ٣ - ما علم من الدِّين بالضرورة من جميع التكاليف الشرعية، ويشمل الأصول الشرعية كأركان الإسلام الخمسة، وأصول العبادات والمعاملات والعقوبات والمحرمات، كحرمة الزنى وحرمة الربا، وحل البيع والنكاح، ونحوها مما هو ثابت قطعًا. القسم الثاني: الفروع وما يتعلق بالأعمال، وتسمى المسائل الشرعية والفرعية، وهي التي تشكل معظم الفقه في العبادات والمعاملات والتنظيمات والسياسة الشرعية وأحكام الأسرة والقضاء والجهاد (١).

стр. 855

حكم التقليد: قال جمهور العلماء بحرمة التقليد في القسم الأول في العقائد والأصول العامة، ويجوز التقليد في الفروع والأعمال، وخالف قوم بالأمرين، وفصل فريق ثالث. أولًا: حكم التقليد في العقائد والأصول العامة: اختلف العلماء في حكم التقليد في العقائد والأصول العامة على ثلاثة أقوال، وهي: القول الأول: لا يجوز التقليد في العقائد، وهي المسائل العقلية، وفي الأصول العامة كالأخلاق وما علم من الدِّين بالضرورة، والأصول الشرعية، وهو قول جمهور العلماء والمذاهب والأئمة، وحكاه بعضهم إجماعًا عن أهل العلم، وذكره بعضهم عن عامة العلماء، وهو الصحيح، وذلك يقتضي معرفة الأمر بنظر واستدلال مهما بلغ ذلك، كل حسب قدرته وكفاءته وأهليته. واستدل الجمهور على رأيهم بأدلة، منها: ١ - إن اللَّه تعالى أمر بالتدبر والتفكر والنظر، فيكون ذلك واجبًا، وفي التقليد ترك الواجب، فلا يجوز، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾، [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٦] فقال رسول اللَّه ﷺ : "وَيْلٌ لمنْ قَرَأهُنَّ ولم يَتَدَبَّرْهُنَّ، وَيْلٌ له، ويلٌ

стр. 856

له" (١)، فالرسول توعّد وشدَّد على ترك النظر والتفكر في آيات اللَّه للوصول إلى معرفة اللَّه والإيمان به ومعرفة صفاته، فدل على وجوب النظر. ٢ - الإجماع: أجمعت الأمة على وجوب معرفة اللَّه ، وما يجوز له، وما لا يجوز، ولا تحصل المعرفة بالتقليد؛ لجواز كذب المُخْبِر، واحتمال خطئه، فيضلَّ المقلّد، كالمقلِّد في حدوث العالم أو في قدمه (٢). فرع: الاعتقاد من غير دليل: يتفرع على قول الجمهور: إن من اعتقد من غير معرفة دليل، فقال أكثر الأئمة: إنّه مؤمن، ومن أهل الشفاعة، وإن قصّر عن ترك الاستدلال، وبه قال أئمة الحديث؛ لأن الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها اكتفي منهم بالإيمان العام، ولم يكلفهم رسول اللَّه ﷺ وهو بين أظهرهم- بمعرفة ذلك، ولم يخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته، وهو الإيمان الجملي الذي كان عند خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وهو ما عليه عامة المسلمين في كل عصر (٣). القول الثاني: يجوز التقليد في العقائد والأصول العامة، وهو قول بعض العلماء؛ لإجماع السلف على قبول الشهادتين من غير أن يقال لقائلهما: هل نظرت؟ وقالوا: إذا عرف الإنسان اللَّه، وصدَّق رسله، وسكن قلبه إلى ذلك،

стр. 857

واطمأن عليه، فلا علينا من الطريق: تقليدًا كان أو نظرًا أو استدلالًا، واحتج أصحاب هذا القول بأدلة، منها: ١ - لو كان النظر واجبًا لفعله الصحابة، وأمروا به، والواقع أنهم لم يفعلوا، ولو فعلوا لنقل عنهم، كما نقل النظر في المسائل الفقهية. ويردّ على هذا الدليل بأن معرفة الصحابة بالعقائد كانت مبنية على الدليل باعتمادهم على السليقة في الفهم، ومشاهدة الوحي، وكانوا مأمورين بالنظر كغيرهم، وهو ما أفادهم الطمأنينة، وأفاد غيرهم من عامة الناس بالأدلة الكافية من الوقائع والمشاهدات التي تفيد الإيمان، ولكثرة ذلك في خلق الإنسان والكون والحياة مما يفيد الدليل على وجود اللَّه، وكمال صفاته، وسلامته من النقص. ٢ - لو كان النظر في معرفة اللَّه واجبًا، لأدى إلى الدور، وهو توقف وجود الشيء على ذاته؛ لأن وجوب النظر المأمور به من اللَّه متوقف على معرفة اللَّه، ومعرفة اللَّه متوقفة على النظر. ويردَّ على ذلك أنه لا دَوْر؛ لأن وجوب النظر الشرعي متوقف على معرفة اللَّه بوجه ما، ومعرفة اللَّه متوقفة على النظر بوجه أكمل بصفات الكمال وامتناع النقص، فهما أمران. ولذلك فإن العقائد تحتاج للعلم بناء على اعتقاد جازم مطابق للواقع عن دليل، والتقليد يكون بلا دليل، فلا يقبل فيها (١). القول الثالث: يجب التقليد في العقائد والأصول العامة، ويحرم النظر والاجتهاد، وهو قول بعض العلماء، لأن حجج العقول باطلة، وإن النظر

стр. 858

مظنة الوقوع في الشبهات، أو الضلال، أو اضطراب الآراء، أما التقليد فإنه طريق آمن، وأسلم، فيجب المصير إليه، كما ورد النهي عن النظر والجدال في آيات اللَّه، والرسول ﷺ نهى الصحابة عن الكلام في القدر، وقال: "إنما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا" (١). وقال العلماء: هذا قول ضعيف، فالتقليد قد يوقع في الضلال كما فعل المشركون بتقليد الآباء، ويكون النهي عن الجدال بالباطل، مع الأمر بالجدال بالتي هي أحسن، والنهي عن الكلام في القدر؛ لأنه ثبت بالنص، فيكون الجدال فيه مماراة عن الحق (٢). ثانيًا: حكم التقليد في الفروع العملية: اختلف العلماء في حكم التقليد في الفروع العملية، وهي المسائل الفقهية الجزئية على عدة أقوال، أهمها ثلاثة، وهي: القول الأول: التقليد غير جائز في الفروع العملية، ويجب فيها الاجتهاد على كل مكلف ليعمل بما أداه إليه اجتهاده، بحسب قدرته، وهو قول الظاهرية وبعض المعتزلة، وجماعة من الإمامية؛ لأن المسلم مأمور باتباع ما أنزل اللَّه في كتابه، والأخذ بقول رسول اللَّه ﷺ ، ولا يجوز ما عدا ذلك. وهذا كلام نظري خيالي، فكلام اللَّه وكلام الرسول يحتاج إلى اجتهاد لفهم مراده ومعناه، ولا يقدر عليه كل أحد، وأن جماهير الصحابة ﵃ كانوا يسألون كبار الصحابة وعلماءهم ويقتدون بهم. القول الثاني: التقليد واجب على جميع الناس بعد زمن الأئمة المجتهدين، وأن النظر والاجتهاد غير جائز، لغلق باب الاجتهاد، وعدم توفر

стр. 859

شروطه، وهذا ثبت بطلانه في الفصل السابق. القول الثالث: التفصيل بين المجتهد والعامي، فيحرم التقليد على المجتهد؛ لأنه أهل للاجتهاد والنظر، ويجب التقليد على العامي الذي لم تتوفر فيه أهلية الاجتهاد، ولو كان عالمًا، وهو رأي أكثر أتباع المذاهب الأربعة، ومعظم المحققين (١)، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، أهمها: ١ - الكتاب: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، فهذا نص عام، ويتكرر بتكرر الشرط، وعلة الأمر بالسؤال: الجهل، فيجب السؤال في كل أمر لا يُعلم. ٢ - الإجماع: أجمع الصحابة والتابعون على إقرار ما يعمله العلماء في عصرهم من جواب أسئلة العوام عن حكم الحوادث والقضايا والأحكام الشرعية، وكان العوام يقلدون العلماء من غير إبداء مستند أو دليل، ولم ينكر أحد على ذلك، ولا يلزم ذلك في التوحيد والعقائد والأصول العامة؛ ليسره وقلته. ٣ - المعقول: لم يرد في الشرع إيجاب الاجتهاد أو بلوغ رتبة الاجتهاد على جميع المسلمين؛ لأن ذلك يفرض تفرغ جميع الأمة لطلب العلم والوصول إلى رتبة الاجتهاد، مما يؤدي إلى خراب الدنيا، بترك المعايش والصنائع وسائر العلوم الأخرى، وهو تكليف بما لا يطاق، ولذلك كان التخصص بالعلم الشرعي أو غيره فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، ويسأل غيرُ المتخصصين العلماء المتخصصين، ويقبلون قولهم، ويقلدونهم، ولأن العامِّي إذا اجتهد فهو أقرب للخطأ؛ لعدم أهليته.

стр. 860

وهذا يدل على وجوب التقليد على العامي ليتعرف على الأحكام الشرعية، ثم يلتزم بها ويطبقها، ثقة بما يخبره العلماء. أما المجتهد فيحرم عليه التقليد؛ لأنه حاز رتبة الاجتهاد، وتوفرت فيه شروطه، ويعرف الأدلة، فلا يجوز له تقليد مجتهد آخر؟ لأنه مثلُه، والمجتهد مأمور بالاجتهاد، فعليه أن يبذل جهده، ويقوم بو اجبه، وإلا كان مقصرًا آثمًا (١). فرع: ذم التقليد: بناء على حرمة التقليد على المجتهد، ووجوب البحث والنظر عليه في الأدلة، وبناء على ترجيح حرمة التقليد في العقائد والأصول العامة، فقد ورد ذم التقليد في النصوص الشرعية، ودعا الأنبياء إلى ترك تقليد الآباء والأجداد في العقائد الفاسدة، ودعوهم للنظر في الحجج والدلائل لمعرفة الحق واليقين في الإيمان والعقيدة والدِّين. فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام: ١١٦]، فحكم بضلال أكثر الناس إذا لم يرجعوا في مذاهبهم إلى حجة تصححها. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، وهذه منزلة المقلد. وذم اللَّه تعالى من احتج بالتقليد في العقائد، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا

стр. 861

أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، وجعل اللَّه تعالى المقلدين الذين يتركون النظر في الكون والحياة لبناء العقيدة بمنزلة الأنعام، وبمنزلة الصم البكم، فقال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، فإنهم لما أعرضوا عن النظر في الدلائل، وصيّروا أنفسهم بمنزلة من ليس في وسعه ذلك، مثل البهيمة، ومثل من لم يسمع ما خوطب به (١). وندَّد القرآن الكريم بمنطق المشركين المقلدين، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٤]. ومن هذا المنطلق صرح الأئمة بعدم تقليدهم، وأمروا أصحابهم المجتهدين بالنظر والبحث والاعتماد على الأدلة، وليس على مجرد التقليد، كما سنبين في الفقرة التالية في التقليد المذموم أو المحرم. أقسام التقليد: وينتج عن التفصيل السابق عند الجمهور أن التقليد قسمان: مذموم، ومحمود. ١ - التقليد المحمود: يعتبر التقليد محمودًا في الفروع، وذلك لصنفين: الصنف الأول: تقليد العاجز عن الاجتهاد، ممن لا تتوفر فيه شروطه، فإنه لا يقدر على التوصل إلى الحكم الشرعي بنفسه، ولم يبق أمامه إلا اتباع من يرشده إلى الحق من أهل النظر والاجتهاد إلى ما يجب عليه من التكاليف.

стр. 862

الصنف الثاني: تقليد العالم إذا علم أن الذي يقلده لا يخطئ فيما قلده فيه، فيلزمه القبول بمجرده، وهذا يشمل أربعة أشخاص: أ- تقليد النبي ﷺ ، بناء على أن قوله يسمى تقليدًا، وهو الأصح؛ لقيام الدليل على صدقه. ب- المخبر عن الرسول ﷺ من صحابي، أو تابعي ثقة، وكذا كل راوٍ عدل ثقة ضابط؛ لأن تقليده اتباع لما رواه عن الرسول ﷺ . جـ- المجمعون على حكم، فتقليدهم واجب فيما أجمعوا عليه؛ لأنه اتباع للإجماع. د- تقليد الصحايي في رأيه واجتهاده على أحد القولين الذي يعتبر قول الصحابي دليلًا شرعيًّا، وهو رأي الجمهور (١). ٢ - التقليد المذموم أو المحرم: وهذا يتضمن أربعة أنواع، وهي: أ- التقليد الذي يتضمن الإعراض عما أنزل اللَّه، مما لا يجوز الالتفات إليه، كتقليد الآباء والرؤساء والزعماء والطواغيت. ب- التقليد الذي يتعارض مع ما ثبت عن النبي ﷺ ، أو مع الإجماع، أو مع ما علم من الدِّين بالضرورة، أو يتعارض مع قول الصحابي في القول الأكثر. جـ- التقليد بعد ظهور الحجة، وإقامة الدليل على خلاف قول المقلَّد. د- تقليد من يعلم المقلد أنه ليس أهلًا لأن يؤخذ قوله، كأنصاف العلماء، وعلماء السلطان الذين يفتون بما يهوى، وبما يملي. وهذه الأنواع الأربعة هي التي يحمل عليها ما ورد في القرآن والسنة من ذم التقليد، وعليها يحمل كل ما نقل عن العلماء في ذم التقليد، وهو كثير

стр. 863

ثابت عن الأئمة الأربعة في النهي عن تقليدهم، وذم من أخذ بأقوالهم بغير دليل ولا حجة. ونقل عن مالك رحمه اللَّه تعالى أنه قال: أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي، فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافقه فاتركوه. قال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب، وفيها أفعى تلدغه ولا يدري، وروى المزني عن الشافعي في أول مختصره أنه لم يزل ينهى عن تقليده وتقليد غيره. وقال الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى: لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا، وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال. وقال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلناه. وقال السيوطي: ما زال السلف والخلف يأمرون بالاجتهاد ويحضون عليه، وينهون عن التقليد ويذمونه ويكرهونه، وقد صنف جماعة في ذم التقليد كالمزني، وابن حزم، وابن عبد البر، وأبي شامة، وابن قيم الجوزية، وصاحب القاموس المحيط. وقال القرافي: مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد (١).

стр. 864

المبحث الثالث أحكام تتعلق بالتقليد يتعلق بالتقليد عدة أحكام، أهمها: أولًا: الالتزام بمذهب معين: إن طريق العامي، وغير المتاهل للاجتهاد، لمعرفة الأحكام الشرعية هو التقليد، وعليه أن يسأل أهل العلم عما يحتاج إلى معرفته من أحكام شرعية. وبعد استقرار المذاهب الأربعة بين الناس، وقيام أتباع المذاهب ببيان الأحكام الشرعية حسب مذهب كل منهم، فهل يجب على الإنسان الالتزام بمذهب فقهي معين؟ يكاد أن يتفق العلماء على أن المستفتي إذا سأل عن مسألة وعرف حكمها وعمل به، فليس له أن يرجع عنه، ليأخذ بغيره في نفس الواقعة؛ لما فيه من استقرار التعامل، وحسم باب النزاع في معاملات الناس، فإن لم يعمل به جاز له الرجوع. وإذا عمل الشخص بواقعة بمذهب إمام، ومفت معين، فلا يلزمه الالتزام به أو بمذهبه، ويجوز له أن يسأل غيره، وبالتالي يعمل في الواقعة الأخرى من مذهب آخر؛ ولا يلزمه الاستمرار على مذهب معين، ويجوز له الانتقال منه إلى مذهب آخر، لأن اللَّه تعالى أوجب الالتزام بقول اللَّه تعالى وقول رسوله ﷺ ، ولم يوجب التزام قول آخر، ولا واجب إلا ما أوجبه اللَّه ورسوله، ولم يوجب اللَّه والرسول التزام مذهب معين، وليس التزام مذهب نذرًا حتى يجب الوفاء به، وكل ما أوجبه اللَّه تعالى أنه طلب سؤال أهل العلم والاختصاص، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ولأن المستفتين المقلدين في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يلتزموا بمذهب معين، أو إمام معين، أو عالم معين، بل يسألون من يتهيأ لهم دون تقييد بواحد دون آخر، ولأن الالتزام بمذهب دون غيره يؤدي إلى الحرج والمشقة، وإن تعدد العلماء والمختصين نعمة وفضيلة

стр. 865

ورحمة للأمة، وهذا قول جمهور الفقهاء والأصوليين (١). ثانيًا: مخالفة المذهب: إذا التزم شخص بمذهب معين، فيجوز له -في الأصح- مخالفة مذهب إمامه في بعض الجزئيات لحاجة أو لدليل؛ لأن التزامه بالمذهب غير متعين وغيرم ملزَم؛ لأنه لا واجب إلا ما أوجبه اللَّه ورسوله، ولم يثبت أن اللَّه ورسوله أوجب على أحد أن يتمذهب بمذهب أحد الأئمة أو أحد العلماء (٢). ثالثًا: تقليد غير الأئمة الأربعة: إن مذاهب الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم اللَّه تعالى قد لقيت القبول والانتشار، ثم عكف العلماء عليها بالدراسة والتمحيص والاستدلال والتخريج، وشاعت هذه المذاهب، واستقرت في معظم بلاد العالم الإسلامي. وبقي في الكتب والمصادر أقوالٌ لأئمة مجتهدين كأعيان الصحابة وكبار التابعين، أو كالمذاهب المنقرضة كمذهب الليث والأوزاعي وابن جرير الطبري والظاهرية، مع مذاهب الجعفرية والزيدية والإباضية، فهل يجوز الأخذ والإفتاء من غير المذاهب الأربعة؟ قال أكثر المتقدمين والمتأخرين: لا يجوز تقليد غير المذاهب الأربعة،

стр. 866

لأنها غير مدونة، ولا مضبوطة، ولم تثبت صحتها، ويشك في نقلها، بخلاف المذاهب الأربعة فإنها منقحة، ومضبوطة، ومدوّنة، واعتنى بها الأصحاب في كل مذهب في النقل والتدليل والتصحيح والترجيح والتدقيق، واستقرت فيها الأحكام، لذلك تطمئن النفس إلى الأخذ بها؛ لقربها من الحق، وبعدها عن الخطأ. قال إمام الحرمين رحمه اللَّه تعالى: "أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة ﵃، بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا فنظروا، وبوّبوا الأبواب، وذكروا أوضاع المسائل؛ لأنهم أوضحوا طرق النظر، وهذبوا المسائل وبينوها وجمعوها". وقال ابن الصلاح رحمه اللَّه تعالى: "يتعين تقليد الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لأن مذاهب الأربعة قد انتشرت، وعلم تقييد مطلقها، وتخصيص عامها، ونشرت فروعها، بخلاف مذاهب غيرهم". قال النووي رحمه اللَّه تعالى: "وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة ﵃ وغيرهم من الأولين، وإن كانوا أعلم وأعلى درجة ممن بعدهم، لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم، وضبط أصوله وفروعه، فليس لأحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر، وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناهلين لمذاهب الصحابة والتابعين القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها، الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها كمالك وأبي حنيفة وغيرهما" (١). ونقل السيوطي رحمه اللَّه تعالى عن بعض العلماء أن القاضي الذي يحكم بخلاف المذاهب الأربعة ينتقض حكمه؛ لأنه بمثابة مخالفة الإجماع. وقال الشيخ سليمان البجيرمي الشافعي: لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة في إفتاء أو قضاء. وأجاز بعض العلماء تقليد غير الأئمة الأربعة في غير الإفتاء، وتوسط العز بن عبد السلام رحمه اللَّه تعالى، وقال: إن المدار على ثبوت المذهب

стр. 867

عند المقلد، وغلبة الظن على صحته عنده، فحيث ثبت عنده مذهب من المذاهب صح له أن يقلده، ولو كان صاحب المذهب من غير الأئمة الأربعة (١). وأرى ترجيح القول الأول في الأصل والغالب لما لقيته المذاهب الأربعة من الرعاية والعناية، وأنها استوعبت الأدلة من القرآن والسنة بشكل صحيح وكامل، بالإضافة لاعتمادها على سائر المصادر التشريعية، لكن لا مانع للجان التشريع، ومجامع الفقه، وعند الاجتهاد الجماعي أن تختار قولًا من غير المذاهب الأربعة باعتبار دليله، ووجهة نظره، ومراعاة للمصلحة أو لتطور الظروف، واختلاف الأحوال، وإن لم يتوثق النقل الصحيح الكامل؛ لأن العبرة للدليل، وبشرط تبني هذا الرأي من أولي الأمر، كأنه مباح أمر به الحاكم فصار واجبًا في التطبيق والالتزام، كتولي القضاء للمرأة، واعتبار الطلاق الثلاث طلقة في هذا العصر، والأخذ بالوصية الواجبة، وغير ذلك، وهو ما يقع العمل به عند وضع القوانين والأنظمة المستمدة من الشريعة واختيار بعض الآراء فيها للمصلحة ومقتضيات الزمن والعصر وحالة المسلمين. رابعًا: التلفيق وتتبع الرخص: نتج عن تقليد المذاهب مسألة التلفيق بينها، وذلك أن يأخذ الشخص في قضية واحدة ذات أركان، أو جزئيات، بقولين أو أكثر، كل قول من مذهب، لينتج حقيقة مركبة لا يقرها أحد الأئمة، أو لا تتفق مع أي مذهب بمفرده، سواء عمل في الواقعة بالقولين معًا، أو عمل بأحدهما مع بقاء أثر الثاني، فكل مذهب يقرر بطلان تلك الحقيقة الملفقة. مثاله: أن يكتفي المصلي في وضوئه بمسح بعض الرأس حسب المذهب الشافعي، ثم يلمس امرأة أجنبية، فيريد أن يقلد أبا حنيفة أو مالكًا بعدم نقض الوضوء باللمس، ثم يريد الصلاة، فهذا الوضوء حينئذ لم يقل به هؤلاء الأئمة، فالشافعي يبطله لنقضه باللمس، وأبو حنيفة يبطله لعدم مسح

стр. 868

ربع الرأس، ومالك لا يقره لعدم مسح جميع الرأس. ومثاله: أن يتزوج رجل امرأة بلا ولي حسب رأي الحنفية، وبلا شهود حسب رأي المالكية. ومثاله: أن يطلق شخص زوجته ثلاثًا، ثم تتزوج بابن تسع سنين بقصد التحليل حسب رأي الشافعية، ثم يصيبها الصبي، ثم يطلقها مع عدم العدة حسب الرأي الإمام أحمد وذلك لتحل لزوجها الأول. فهذا التلفيق ممنوع؛ لأنه أشبه باللعب، ويناقض اتفاق العلماء بمنع إحداث قول ثالث إذا افترق العلماء على قولين، وهذا فرع أيضًا عن نظرية التقليد. أما التلفيق بأخذ رأي مذهب مثلًا في الوضوء، ثم الأخذ برأي مذهب آخر في وضوء آخر، فلا مانع، أو الأخذ برأي مذهب آخر في جزئية في الوضوء لكنها لا تتنافى مع المذهب الأول، كمن توضأ كاملًا مع السنن حسب المذهب الشافعي ومسح جميع رأسه، ودلك الأعضاء، ثم لمس امرأة أجنبية، فيجوز له أن يصلي بذلك الوضوء باعتبار أنه لم ينقض حسب المذهب الحنفي والمالكي، وهذا فرع عن المسألة الثانية في جواز مخالفة الشخص لمذهبه. لكن يشترط في التلفيق الجائز، أو تقليد مذهب آخر في نفس المسألة، شرطان: ١ - ألا يؤدي ذلك للتهرب من الأحكام. ٢ - ألا يؤدي ذلك لتتبع الرخص. فالشرط الأول: كمن يلفق في الأخذ في مسألة من مذهبين للتهرب من الزكاة مثلًا، أو لتحليل الحرام. والشرط الثاني: يؤدي إلى إسقاط التكاليف في كل مسألة مختلف فيها، ويدل على قلة الورع في الدِّين، وعدم الهمة لأداء الأعمال لاكتساب الأجر والثواب. وإن تتبع الرخص: يعني أن يأخذ الشخص من كل مذهب ما هو أهون عليه، وأيسر مما يطرأ من المسائل. واختلف العلماء في حكم تتبع الرخص، فقال المالكية والحنابلة في

стр. 869

الأصح والغزالي والسبكي والشاطبي وغيرهم: يمتنع تتبع الرخص في المذاهب؛ لأنه اتباع لأهواء النفس، وميل للهوى، وقال ابن عبد البر وابن حزم: لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط التكاليف، وقال الحنفية في الراجح، وأكثر أصحاب الشافعي وبعض المالكية كالقرافي: يجوز تتبع رخص المذاهب؛ لعدم وجود مانع في الشرع، وأنه سلوك للأخف، لكن القرافي قيّد ذلك بألا يترتب عليه باطل عند جميع من قلدهم، وقيد غيره ذلك بألا يكون الشخص قد باشر التصرف وفق القول الأول. وقال بعض العلماء بفسق من تتبع الرخص، وقال آخرون: لا يفسق. وحكى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد (الخليفة) فرفع إليَّ كتابًا لأنظر فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق .. ، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بحرق ذلك الكتاب (١). والراجح أنه لا مانع من الأخذ بالرخص من المذاهب عند الحاجة للفرد، أو للجماعة في التشريع وعند وضع الأنظمة من اللجان المختصة، أما التزام ذلك وتتبعه للفرد فإنّه يدل على رقة الدِّين، وضعف اليقين، وقلة الورع، ويخشى على صاحبه من التفلت والتهرب من أحكام الشرع وتكاليفه، وخاصة في حقوق العباد والمعاملات والمحظورات. خامسًا: دعوى الإلهام: يزعم بعض الناس أن العلم إلهام من اللَّه تعالى، ويزعمون أن اللَّه تعالى يلهمهم، ويلقي في قلوبهم أحكامًا ليعملوا بها، ويفتوا الناس بها.

стр. 870

وهذه دعوى باطلة، وحذّر العلماء منها؛ لأنها سبيل لإلغاء الأحكام الثابتة بالنصوص، أو الزيادة عليها، أو فتح للتهرب من الشريعة والزيادة عليها (١). قال الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "على العالم ألا يقول إلا من جهة العلم، وجهةُ العلم: الخبر اللازم بالقياس بالدلائل على الصواب، حتى لا يكون صاحب العلم أبدًا متبعًا خبرًا وطالب خبر بالقياس، كما يكون متَّبع البيت بالعيان، وطالب قصده بالاستدلال بالأعلام مجتهدًا، ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس، كان أقرب من الإثم من الذي قال وهو غير عالم، وكان القول لغير أهل العلم لازمًا". ثم قال: "ولم يجعل اللَّه لأحد بعد رسول اللَّه أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بَعْدُ الكتابُ والسنة والإجماع والآثار، وما وصفتُ من القياس عليها، ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب اللَّه ... " (٢). ونقل الزركشي عن القفال رحمهما اللَّه تعالى قوله: "ولو ثبتت العلوم بالإلهام، لم يكن للنظر معنى، ولم يكن في شيء من العالم دلالة ولا عبرة" (٣). وقد يكون الإلهام مجرد إيحاء للقيام بعمل أو الامتناع عنه، وهذا لا غبار عليه، ويتقيد بقول بعض الصوفية: "ما وقع في القلب من عمل الخير فهو إلهام، أو الشر فهو وسواس"، فهنا يعلم الشخص الخير أو الشر من المصادر والأدلة، ثم يقع الخاطر في القلب بفعل الخير، فهذا إلهام محمود، وإن وقع بفعل الشر فهو من الشيطان، والوسواس، وهو حرام (٤).

стр. 871

الفصل الثالث الإفتاء تعريفه وصلته بالاجتهاد والتقليد: الإفتاء لغة: الإبانة، وأفتاه في الأمر: أبان الحكم له، وأفتى الرجلُ في المسألة، واستفتيته فيها فأفتاني إفتاء (١). والإفتاء اصطلاحًا: الإخبار عن الحكم الشرعي، أو إجابة السائل عن الحكم الشرعي لتصرف ما. والإفتاء بيان لحكم اللَّه تعالى في أمور الدِّين، ويصدر عن العالم بشرع اللَّه تعالى، وهذا العالم إما أن يكون مجتهدًا لبيان الأحكام من أدلتها، وإما فقيهًا في اصطلاح الأوائل، وهو المجتهد، وإما متبعًا لمذهب بأن يعرف أحكام الفقه في المذهب مع أدلتها، وإما أن يكون متفقهًا، وهو من درس الفقه في مذهب ما، وعرف أحكامه، ثم يبيّنها للناس، وهم المستفتون أو المقلدون. ومن هنا تظهر الصلة بين الإفتاء والاجتهاد والتقليد، وكأن المفتين غالبًا واسطة بين المجتهدين والمقلدين، أو الافتاء حلقة الوصل غالبًا بين الاجتهاد والتقليد، ولذلك نعرضه بعد ما سبق بيان الاجتهاد والتقليد. والفارق بين الاجتهاد والإفتاء هو أن الإفتاء أخص من الاجتهاد، فإن الاجتهاد استنباط الأحكام وبيانها، سواء كانت بسؤال أو بدون سؤال، أما الإفتاء فلا يكون إلا في واقعة يُسأل المفتي عن حكمها (٢). والإفتاء له مكانة رفيعة في الشرع، لأنه أهم وسيلة لبيان حكم اللَّه تعالى

стр. 872

في كل أمور الحياة، ولجميع الناس، فهو أمانة جسيمة، ومسؤولية خطيرة في الدنيا والآخرة، وكثيرًا ما يشبه القضاء في بيان الحق الشرعي للمتخاصمين أو المتنازعين أو المختلفين، وينتهي الأمر (١). والأصل في الإفتاء أنه من عمل العلماء بصفتهم العلمية، وأنه أهم وظيفة دينية عامة وغير رسمية، وقاموا بها ابتداء من رسول اللَّه ﷺ ثم صحابته إلى اليوم، وستبقى حتى تقوم الساعة، ثم قام أولياء الأمور بتعيين المفتي العام في الدولة، وتعيين مفتين موظفين رسميًا للقيام بأمور الفتوى، سواء وردت من أصحاب السلطة، أو الإدارات والمؤسسات، والوزارات، أو من عامة الشعب، وقد تكون الفتوى الرسمية جماعية من هيئة كبار العلماء لتأمين الدقة والحياد والموضوعية والتعمق، دون أن يؤثر ذلك على سائر العلماء في القيام بالفتوى على أوسع نطاق شعبي.

стр. 873

المبحث الأول أركان الإفتاء وشروطه للإفتاء أربعة أركان، وهي: المفتي، والمستفتى، والمستفتى فيه، والحكم الذي هو الفتوى، ولكل ركن شروطه. الركن الأول: المفتي: تطور تعريف المفتي في التاريخ الإسلامي، واختلفت شروطه من عصر لآخر حسب حالة الاجتهاد: أ- المفتي: هو المجتهد، وهذا في العصور الأولى حتى منتصف القرن الرابع الهجري، ويشترط فيه شروط المجتهد التي سبق بيانها. ب- المفتي: هو الفقيه، أي: العالم المختص بالفقه، وكان يراد به في العصور الأولى المجتهد المطلق حصرًا، فالفقيه يرادف المجتهد في ذلك الوقت (١). ج- المفتي: هو المجتهد غير المطلق، ويشمل كل من كان من أهل الاستدلال والاستنباط، ومن كان من أهل التخريج والترجيح، وهذا بعد القرن الرابع الهجري. د- المفتي: هو المتفقه، أي: الذي درس الفقه على أحد المذاهب الفقهية، وعرف أحكامه، وصار الناس يقصدونه لمعرفة أحكام الشرع، ويسألونه عن أمور الدين، وقد يعين رسميًّا من قبل الدولة في وظيفة الإفتاء. وهذا المعنى الأخير هو المراد في هذا العصر، ويكون إطلاق المفتي على متفقه المذاهب من باب المجاز، والحقيقة العرفية الموافقة للعرف

стр. 874

واصطلاح الحكومات (١). شروط المفتي: يشترط في المفتي البلوغ والعقل، وهذا أمر واضح، ولا يشترط فيه الذكورة، فيجوز استفتاء الرجل والمرأة، وقال جمهور العلماء: لا تشترط الحياة في المفتي، فيجوز تقليد الميت والعمل برأيه، وسبق بيان ذلك في الاجتهاد؛ لأن الآراء لا تموت بموت أصحابها، لكن لا بد من اشتراط صحة النقل عنهم ومعرفة دليلهم. وقال أهل العصر الأول: يشترط الاجتهاد في المفتي، بأن يكون مجتهدًا، ثم اختلف المتأخرون في ذلك على عدة آراء بالجواز والمنع والتفصيل، والراجح عدم اشتراط الاجتهاد في عصرنا الحاضر، ويكفي أن يكون المفتي عالمًا بأحكام الفقه في مذهب ليفتي به، أما الأمور المستجدة، والقضايا الطارئة فيكفي فيها المجتهد المقيد، أو يكفي الاجتهاد الجزئي لما رجحناه سابقًا من جواز تجزؤ الاجتهاد، ومع ذلك يستحب للمفتي في القضايا المستجدة أن يشاور العلماء، ليكون الاجتهاد جماعيًّا، والفتوى شورى، كما يجب على المفتي في الأمور الجديدة أن يستعين بأهل الخبرة والاختصاص في ذات القضية ليكشفوا له حقيقتها، ويعرف جوهر المسألة ليقول الحكم الشرعي المناسب لها، كما يقدم في الفتوى قول المفتي المجتهد على قول غيره؛ لأنه أكثر خبرة ومعرفة في بيان الحكم الشرعي المناسب.

стр. 875

وأهم شروط المفتي أمران: العلم، والعدالة (١). ١ - العلم: يجب أن يكون المفتي عالمًا بالأحكام الشرعية، وإلا أفتى الناس بجهل، أو بغير علم فيَضِلَّ ويُضل (٢). ويمكن اليوم أن يتوفر شرط العلم بالحصول على إجازة في الشريعة، أي: في الفقه وأصول الفقه، وما يلحق ذلك من العلوم الفقهية، كالقواعد الفقهية، والنظريات الفقهية، والفقه المقارن. ولا يجوز للدولة تعيين المفتي إذا لم يكن مختصًا بالشريعة، وحاصلًا اليوم على شهادة جامعية في ذلك، ولا يجوز للشخص أن يقبل التعيين بوظيفة مفت إذا لم يتوفر فيه ذلك، ويأثم هو، ومن عيّنه. ويجب على العامي، وكل شخص غير مختص بالشريعة، أن يسأل المفتي الذي توفر فيه شرط العلم عما يعرض له من المسائل، كما يجب عليه أن يسأل العالمَ المفتي عن كل عمل يحتاجه ويخصه، كالصلاة للجميع، وأحكام الزكاة للأغنياء، وأحكام الحج لمن استطاع إليه سبيلًا، وأحكام البيوع والمعاملات للتجار ... ، وغير ذلك مما سنفصله في الركن الثاني. ويجوز للمستفتي أن يسأل من تصدى للإفتاء بذاته، أو من عينته الدولة بوظيفة الإفتاء العام أو المحلي، ومن يكون منتصبًا للإفتاء (٣).

стр. 876

وإن لم يوجد في البلد إلا مفت واحد، تعين سؤاله والرجوع إليه، أما إن تعدد العلماء والمفتون وتفاوتوا في العلم والفضل، فاختلف الأصوليون في ذلك على قولين: القول الأول: التخيير في سؤال أحد العلماء، وهو قول الأكثرين والفقهاء، ومنهم الحنفية والمالكية والشافعية وأكثر الحنابلة، وقالوا: "يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل في العلم"، قال الرافعي رحمه اللَّه تعالى: "وهو الأصح عند عامة الأصحاب، وقال: إنه الأصح" (١). واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧]، فالآية مطلقة، ولم تفرق بين العالم والأعلم، مع تفاوت درجتهم في العلم والمعرفة عادة. وكان الصحابة رضوان اللَّه عليهم يستفتون أي عالم من الصحابة مع تفاوتهم في الفضل والعلم والاجتهاد، ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعًا. قال الآمدي رحمه اللَّه تعالى: "إن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين، فإن الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال ﵊: "عَليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهْديِّين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ" (٢)، وقال ﷺ : "أقضاكم عليّ، وأفرضُكم زَيْد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل" (٣)، وكان

стр. 877

فيهم العوام، ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والأخذ بقولهم لا غير، ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد في أعيان المجتهدين، ولا أنكر أحد منهم اتباع المفضول، والاستفتاء له، مع وجود الأفضل، ولو كان ذلك غير جائز، لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره والمنع منه"، ثم قال الآمدي: "ولولا إجماع الصحابة لكان مذهب الخصم أولى" (١). واستدلّ الجمهور على ذلك أيضًا بالمعقول، وهو أن الترجيح بين العلماء يتعذر للعامي، وهو تكليف له بما لا يطيق. القول الثاني: وجوب استفتاء الأفضل في العلم والورع والدِّين، وهو مذهب أحمد، وبعض الشافعية كابن سريج والقفال وأبي إسحاق الإسفراييني والكيا الهرَّاسي، واختاره الغزالي. واستدلوا على ذلك بأن أقوال المجتهدين أو المفتين بالنسبة لعامة الناس كالأدلة والأمارات المتعارضة بالنسبة للمجتهد، فيجب على العامي الترجيح، ويكون بالفضل والعلم، فالأعلم أقوى، ويعرفه الناس إما بالاجتهاد والتجربة، أو بالشهرة والتسامع ورجوع الناس إليه، والسؤال والبحث والتحري على قدر الاستطاعة. وأرى أن القول الثاني أقوى دلالة، وأكثر ورعًا، وهو ما تطمئن له النفس، ولكن الواقع يخالف ذلك، وأنه يعسر تطبيقه، ولا يوجد ضابط له، وفيه مشقة على الناس، ويمكن التوفيق في عصرنا بتعيين الأعلم والأفضل لمنصب الإفتاء، وجعل الفتوى بيد هيئة وجماعة لا ينفرد بها أحد، وتكون هي المرجع الرسمي والمعتمد للفتوى. ٢ - العدالة: اتفق العلماء على اشتراك العدالة في المفتي، وهي هيئة في النفس تحمل

стр. 878

صاحبها على فعل الأوامر، واجتناب النواهي، وملازمة التقوى والمروءة، وبتعبير آخر: أن يكون ملتزمًا بأحكام الشرع، يطبقها على نفسه؛ ليكون قدوة لغيره، ولذلك لا تقبل الفتوى من الفاسق، ويجب على المستفتي البحث والسؤال عن عدالة المفتي بسؤال عدل أو عدلين، أو بالاستفاضة والشهرة بين الناس، ولا تصح الفتيا من مستور الحال؛ لأن العدل يُوَفّق غالبًا إلى اختيار الصواب، ويثق الناس به، ويطمئن القلب له، ويكون قدوة حسنة لغيره؛ لأنه في مركز الصدارة والقيادة في بيان الشرع، بخلاف الفاسق فإنه مذموم، ويتطرق الشك إلى أقواله، ويخشى من عدم دقته والتزامه بالحق والدليل الأقوى، وكذا لا تصح الفتيا من مستور الحال، والفاسق يفتي نفسه فقط (١). شروط فرعية للمفتي: يشترط في المفتي أيضًا قبل إصدار الفتوى الشروط الفرعية التالية: ١ - معرفة الواقعة: يشترط في المفتي أن تكون لديه معرفة دقيقة بالواقعة التي تعرض عليه، وذلك بالاستفسار عنها، ومعرفة تفاصيلها، ودوافعها، والأهداف التي قصدها الفاعل من فعله، وما ينتج عنها من نتائج، والظروف التي أحاطت بها. ٢ - معرفة المستفتي: يشترط في المفتي أن يتعرف بالمستفتي، وحالتة النفسية، وحالته الدينية من تدين أو فسق، وحالته المالية من غنى أو فقر، وغير ذلك؛ لما يترتب على ذلك من أثر في الفتوى كالكفارة، والنفقة، والآداب والواجبات.

стр. 879

٣ - معرفة الأحوال: يشترط في المفتي أن يتعرف على أعراف الناس، واختلاف مصالحهم، وتعدد حاجاتهم، وتغيرها في الزمان والمكان، لما يترتب على ذلك من أثر في الفتوى، وخاصة في الأيمان والإقرار؛ فإنها تكون حسب الأعراف. ٤ - انطباق الحكم على الواقعة: يشترط في المفتي أن يعرف مدى انطباق الحكم على الواقعة بذاتها أو عدم انطباقه؛ لأن النُّصوص الشرعية جاءت مطلقة وعامة، ولم تنص على حكم كل جزئية، ولكل واقعة معينة خصوصية تختلف عن غيرها (١). وهذه الشروط الفرعية تجعل الفتوى -غالبًا- شخصية، وتختلف من شخص لآخر، ومن زمن لآخر، ومن صورة لأخرى، ولا يصح تعميمها جزافًا، كمن يتناول دواء ما وصفه طبيب لمريض ما، وقد لا يصلح لغيره، أو قد يضر غيره بحسب حالته وظروفه. الإحالة على مفت آخر: إذا كان في المسألة المستفتى بها رأيان، وكان المسؤول يعتقد بصحة القول الأشد، فلا يجوز أن يحيله على مفت آخر يرى القول الأخف؛ لأن المفتي المسؤول إذا غلب على ظنه شيء فهو حكم اللَّه تعالى في حقه وحق من سأله وقلّده، وكما لا يجوز له العدول عنه لا يجوز له أمر المقلد السائل بذلك. ويرى الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى التصريح بجواز إرشاده إلى آخر معتبر، وإن كان يخالف مذهبه (٢).

стр. 880

الركن الثاني: المستفتي: قال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "المستفتي: من ليس بفقيه"، أي: كل شخص لا يعرف حكمًا شرعيًّا في مسألة أو قضية فأكثر، ويسأل غيره عن حكمها، ثم قال الزركشي: "ثم إن قلنا بتجزؤ الاجتهاد، فقد يكون الشخص مفتيًا بالنسبة إلى أمر، مستفتيًا بالنسبة إلى الآخر، وإن قلنا بالمنع، فالمفتي: من كان عالمًا بجميع الأحكام الشرعية بالقوة القريبة من الفعل، والمستفتي من لا يعرف جميعها" (١). وقال الشوكاني رحمه اللَّه تعالى: "المستفتي من ليس بمجتهد، أو ليس بفقيه" (٢)، فالمستفتي كل من يسأل عن حكم شرعي في مسألة أو قضية ليعرفه، وبالتالي ليعمل به. ويشترط في المستفتي أن يكون صادقًا في سؤاله، بأن يعرضه بحسب الواقعة التي وقعت تمامًا، ولا يتزيد، أو يحرف، أو يعطي صورة أخرى؛ ليتهرب من الأحكام؛ لأن جواب المفتي وفتواه تكون حصرًا حسب الصورة التي عُرضت عليه، وعلى مسؤولية المستفتي ونيَّته، ولذلك وضع العلماء القاعدة الفقهية: "السؤال معافى في الجواب" وقالوا: "الفتوى على قدر المستفتي" فإن غيَّر وبدَّل كان كاذبًا أولًا، ومسؤولًا عن الفتوى والحكم ثانيًا، ولا ينجيه من المسؤولية أن المفتي أعطاه الحكم؛ لأن المفتي يبيّن الحكم حسب الصورة التي عُرضت عليه، وبحسب الظاهر، ولا يعلم الغيب، والله يتولى السرائر. وإذا علم المستفتي بالحكم، وكان المفتي قد أفتاه بقول مجمع عليه، فيجب على المستفتي الالتزام به، ولا يخير في قبوله أو رفضه، وإن كان الحكم مختلفًا فيه خُيّر المستفتي بين أن يقبل حكم المفتي، أو حكم غيره (٣). وإن غلب على ظن المستفتي أن جواب المفتي مشكوك فيه، أو مخالف
следующие страницы →