← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأم (١). واختاره من الحنابلة المجد في شرحه وتبعه صاحب الحاوي الكبير (٢). وقيل: إن التغير بغير ممازج يشمل الأوصاف الثلاثة. واختاره النووي من الشافعية: وقال إنه هو الموافق لإطلاق كلام الأصحاب. بل قد صرح به أبو حامد وصاحبه المحاملي بأنه شامل لأوصاف الماء كلها (٣). والراجح القول الأول: أنه لا يشمل إلا الريح فقط. إذ لا يتصور أن يتغير لون الماء ثم يكون تغيره عن مجاورة وليس عن ممازجة، فالتغير بالمجاورة مقصور على الريح فقط. خلاف العلماء في الماء إذا تغير بطاهر غير ممازج. إذا تغير الماء بطاهر غير ممازج كالدهن وقطع الكافور، فاختلف العلماء فيه هل يبقى على طهوريته أم يتحول إلى طاهر: فقيل: الماء طهور بلا كراهة، وهو مذهب الحنفية (٤)، واختاره ابن رشد وابن الحاجب من

стр. 107

المالكية (١)، وهو مذهب الشافعية (٢)، ورجحه ابن حزم (٣)، وابن قدامة (٤). وقيل: يكون طاهراً، اختاره من المالكية ابن عرفة وابن مرزوق والأجهوري (٥)، وهو وجه في مذهب الشافعية رجحه البويطي (٦)، واختاره

стр. 108

أبو الخطاب في الانتصار (١)، والمجد، وصاحب الحاوي الكبير من الحنابلة (٢). وقيل: يصبح طهوراً مكروهاً، وهو المشهور عند الحنابلة (٣). دليل من قال الماء طهور مكروه . قالوا إن الماء إذا تغير بغير ممازج، فإنه طهور يرفع الحدث ويزيل النجاسة. ومكروه: أي يثاب تاركه امتثالاً. ولا يعاقب فاعله. فلماذا هو طهور، وقد تغير؟ قالوا: لأن هذا التغير ليس عن ممازجة وإنما هو عن مجاورة. ولماذا هو إذاً مكروه؟ قالوا: لأن بعض العلماء يقولون بأنه طاهر فقلنا إنه مكروه خروجاً من الخلاف. والتعليل بالكراهة لوجود الخلاف قول ضعيف، وهو قد زاد من الخلاف، ولم يخفف الخلاف، وسبب ذلك: أولاً: أنتم لم تأتوا بقول يجمع بين القولين حتى يقال: دفعكم إلى القول به وجود الخلاف، فلا أنتم تمسكتم بالقول بأنه طهور بلا كراهة، ولا أنتم قلتم بأنه طاهر، فأنتم في الحقيقة أحدثتم قولاً ثالثاً لا لدليل دعاكم إلى القول بهذا القول، ولكن الذي دعاكم إلى هذا وجود قولين في المسألة وبدلاً من أن يصبح في المسألة قولان أصبح فيها ثلاثة أقوال: طهور مطلقاً، وطاهر، والقول الذي أحدثتموه (طهور مكروه).

стр. 109

ثانياً: أن الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي ووجود الخلاف ليس من أدلة الشرع المتفق عليها ولا المختلف فيها. ثالثاً: لو أخذنا بالخلاف كدليل أو تعليل للحكم الشرعي للزم أن كل مسألة خلافية نقول إنها مكروهة، وهذا لا يقول به أحد. فالصحيح أن الخلاف نوعان: نوع يكون الخلاف فيه ضعيفاً جداً، فهذا نطرحه ولا نبالي. وليس كل خلاف جاء معتبراً ... إلا خلافاً له حظ من النظر. فإذا كان الخلاف ليس له حظ من النظر الشرعي أو العقلي (الأثر أو التعليل) فلا يراعى. النوع الثاني من الخلاف: خلاف يكون قوياً فتجد كل قول في المسألة له دليل قوي. فهنا يقال: إن الخروج من الخلاف فيه احتياط، وليس السبب وجود الخلاف وإنما السبب هو احتمال الأدلة .. فهو من باب دع ما يريبك إلا ما لا يريبك. دليل من قال الماء طاهر غير مطهر . قالوا: إن هذا الماء قد تغير بطاهر فيكون كما لو تغير بغير ممازج، قال أبو الخطاب: من سلم من أصحابنا أن التغير بالكافور والعود والدهن لا يمنع من الطهارة، قال: لأن ذلك تغير مجاورة لا مخالطة، والمانع تغير المخالطة، وهذا غير صحيح، فإن الكافور يوجد طعمه في الماء ومرارته، وكذلك طعم الدهن، وليس ذلك إلا بحصول جزء منه في الماء، ومخالطة له (١).

стр. 110

دليل من قال الماء طهور بلا كراهة . لا يحتاج هذا القول إلى دليل؛ لأن الأصل أن الماء طهور، ومن أراد أن ينقله عن أصله طلب منه الدليل، وإلا بقي على أصله، ومع ذلك فإن الأدلة كثيرة على عدم وجود قسم الطاهر، فالماء إما طهور أو نجس، ولاثالث لهما، وإذا ضعفنا القول بوجود الماء الطاهر فإن الماء في هذه المسألة يصبح طهوراً؛ لأن أحداً لم يقل بأنه إذا خالطه طاهر يصبح نجساً، وإنما الخلاف هل يصبح طاهراً أم طهوراً، وقد أفردت مسألة مستقلة في الخلاف في أقسام الماء، وذكرت أدلة كثيرة على أن الماء قسمان، وكل هذه الأدلة تصلح أن تكون أدلة في مسألتنا، والله أعلم.

стр. 111

المبحث الثاني الماء المتغير بطاهر يشق صون الماء عنه مثاله: ماء نابت بجواره أشجار كثيرة، فإذا حركت الرياح الأشجار تساقطت الأوراق .. فتقع تلك الأوراق في الماء فيتغير بها. أو نبت في الماء طحلب فتغير بسببه فهنا تغير الماء بشيء طاهر وليس بنجس، وهذا الطاهر يصعب الاحتراز منه، فما حكمه؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فقيل: الماء طهور، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والشافعية (٢) والحنابلة (٣)، واختاره العراقيون من أصحاب الإمام مالك (٤)، ورجحه

стр. 112

ابن رشد (١)، وابن حزم (٢)، وابن تيمية (٣)، وغيرهم. وقيل: يسلبه الطهورية، ولا فرق في ذلك بين ما يشق التحرز منه، وما لا يشق، وهو قول في مذهب المالكية (٤).

стр. 113

دليل من قال إن الماء طهور . أولاً: الإجماع. نقل الإجماع على طهوريته النووي (١)، وفيه نظر؛ لأن الخلاف في المذهب المالكي محفوظ. ثانياً: إن التحرز منه يشق، فعفي عنه، لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). قال أبو الخطاب: ما لا يمكن التحرز منه لا يحرج به الشرع، بل يعفو عنه كأثر الاستنجاء، والتراب القليل في الأموال الربوية، وملاقاة الماء للنجاسة قبل الانفصال، والعمل القليل في الصلاة، ويسير الدماء وغير ذلك (٣). ثالثاً: قدمت الخلاف في أقسام المياه، وأن وجود ماء طاهر غير مطهر لا يثبت من حيث الأدلة، وأن الماء قسمان طهور ونجس، ولا ثالث لهما، فكل دليل ذكرته في تلك المسألة يصلح أن يكون دليلاً لهذه المسألة، والله أعلم. دليل من قال إن الماء طاهر غير مطهر . قالوا: إذا تغير الماء بشيء طاهر فإنه يسلبه الطهورية، لا فرق بين ما يشق وما لا يشق، لأن العلة هي التغير بشيء طاهر وقد حصل، وذلك أن الحكم بتغير الماء حكم وضعي، فكما أن النجاسة إذا وقعت في الماء فغيرته يكون نجساً، لا فرق بين نجاسة يشق التحرز عنها وبين غيرها، فكذلك الطاهر إذا وقع في الماء فإنه يسلبه الطهورية لا فرق بين ما يشق، وبين ما لا يشق.

стр. 114

وهذا القول صحيح لو سلمنا أن الماء إذا تغير بشيء طاهر لا يشق التحرز منه يصبح طاهراً، ولكن الصحيح أن الماء طهور، ولو تغير طعمه ولونه ورائحته بشيء طاهر وضع فيه ما لم يخرج عن مسمى الماء، لأن الماء كما قدمنا قسمان لا ثالث لهما، وقد ذكرت أحاديث كثيرة تدل على التطهر بالماء الذي تغير بشيء طاهر، مثل حديث: "اغسلوه بماء وسدر" لمن وقصته ناقته، وسبق تخريجه، وقوله في حديث أم عطية في تغسيل ابنته ﵂: "اغسلوها بماء وسدر" وكون الرسول ﷺ اغتسل هو وزوجه من قصعة فيها أثر العجين، وسبق تحرير الخلاف في أن الماء قسمان، فارجع إليه غير مأمور.

стр. 115

المبحث الثالث الماء المتغير بطول مكثه إذا طال ركود الماء في المكان، تغير إما في لونه أو طعمه أو ريحه. ويسمى الماء الآجن والآسن. فذهب الآئمة الأربعة إلى أنه ماء مطلق، طهور غير مكروه (١). وقيل: يكره استعماله، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٢). الدليل على طهورية الماء الآجن. أولاً: الإجماع على طهوريته. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوضوء بالماء الآجن الذي قد طال مكثه في الموضع من غير نجاسة حلت فيه جائزة إلا شيئاً يروى عن ابن سيرين (٣). وقال ابن تيمية: أما ما تغير بمكثه ومقره فهو باق على طهوريته باتفاق

стр. 116

العلماء (١). (١٩) وأما ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا ابن عون، عن ابن سيرين أنه كان يكره الوضوء بالماء الآجن (٢). [وسنده صحيح] (٣). فلعل المقصود أن نفسه تكرهه؛ لأنه منتن الرائحة لا أنها كراهة شرعية، والله أعلم. ثانياً: لأن تغيره جاء من غير مخالطة، فلم يخالطه شيء لا طاهر ولانجس، والماء طهور في نفسه حتى تخالطه الأخباث العارضة، وهذا ما لم يحصل في الماء الآجن. وأما ما يروى عن النبي ﷺ وأنه توضأ بماء آجن، فهذا الحديث يذكره الفقهاء كصاحب المبدع، والروض، ولا يذكرون من خرجه، ولم أجده في كتب السنة من السنن والمسانيد والمعاجم، وقد ذكر ابن قاسم النجدي في حاشيته بأنه رواه البيهقي، وبالرجوع إلى البيهقي لم أجده بهذا اللفظ، وإليك ألفاظه: (٢٠) فقد روى البيهقي، قال: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو جعفر محمد بن عبد الله البغدادي، ثنا محمد بن عمرو بن خالد، ثنا أبي، ثنا ابن

стр. 117

لهيعة، ثنا أبو الأسود، عن عروة في قصة أحد وما أصاب النبي ﷺ في وجهه، قال: وسعى علي بن أبي طالب إلى المهراس، فأتى بماء في مجنة، فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه، فوجد له ريحاً، فقال رسول الله ﷺ هذا ماء آجن، فمضمض منه، وغسلت فاطمة عن أبيها الدم (١). [ضعيف] (٢). (٢١) وروى البيهقي أيضاً، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، قال: فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى فم الشعب، خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس، ثم جاء به إلى رسول الله ﷺ ليشرب منه، فوجد له ريحاً، فعافه، فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه، وهو يقول: اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه ﷺ (٣). [إسناده ضعيف] (٤).

стр. 118

(٢٢) وقال ابن المنذر: احتج إسحاق بحديث روي عن الزبير بن العوام، قال إسحاق: أنا وهب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مصعدين في أحد، قال: ثم أمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأتى المهراس، فأتى بماء في درقته، فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه، فوجد له ريحاً، فعافه، فغسل به الدماء التي في وجهه، وهو يقول: اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسول الله ﷺ ، وكان الذي أدمى وجه رسول الله ﷺ يومئذ عتبة بن أبي وقاص. قال إسحاق: ففي ذلك بيان على أنه طاهر، ولولا ذلك لم يغسل النبي ﷺ الدم به (١). [إسناده صحيح] وإذا ثبت أنه ليس بنجس، فإنه طهور؛ لأن الماء إما طهور وإما نجس، ولا ثالث لهما كما تبين في الخلاف السابق عند الكلام على أقسام الماء، والله أعلم.

стр. 119

المبحث الرابع الماء المتغير بالملح ويشتمل على فرعين: الفرع الأول: الماء إذا وضع فيه ملح فتغير به. الفرع الثاني: الخلاف في ماء البحر.

стр. 120

الفرع الأول الماء إذا وضع فيه ملح فتغير به اختلف العلماء في الماء المتغير بالملح: فقيل: طهور مطلقاً، سواء كان الملح مائياً أو معدنياً، طرح قصداً أو من غير قصد، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣)،

стр. 121

واختاره ابن تيمية (١). وقيل: إن تغير بملح مائي فهو طهور، وإن تغير بملح معدني فهو طاهر غير مطهر، وهذا ما عليه أكثر أصحاب الإمام الشافعي (٢). وقيل: أن تغير بملح معدني فإنه طاهر .. وإن تغير بملح مائي فإنه طهور

стр. 122

مكروه، وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (١). وقيل: إن طرح فيه الملح قصداً سلبه الطهورية، وإلا فلا، وهو قول في مذهب المالكية اختاره ابن يونس (٢)، ووجه في مذهب الإمام أحمد (٣). دليل من قال الماء طهور . الدليل الأول: (٢٣) ما رواه البخاري، قال حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته - أو قال فأوقصته - قال النبي ﷺ : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم

стр. 123

القيامة ملبياً (١). الدليل الثاني: (٢٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني مالك، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية الأنصارية ﵂، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه يعني إزاره (٢). وجه الاستدلال من الحديثين: أن السدر أضيف إلى الماء، ولا بد أن يتغير به، ومع ذلك لم يمنع أن يتطهر به الميت، وما طهر الميت طهر الحي إذ لا فرق، وإذا كان السدر لم يسلب الماء الطهورية لم يسلبه الملح من باب أولى. الدليل الثالث: (٢٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو وابن أبي بكير، قالا: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ قالت: اغتسل النبي ﷺ وميمونة من إناء واحد قصعة فيها أثر العجين (٣).

стр. 124

[إسناده صحيح] (١). أن هذا الماء لا بد أن يتغير من العجين لا سيما في آخر الأمر إذا قل الماء وانحل العجين، ولم يمنع هذا من اغتسال النبي ﷺ وزوجه، فدل هذا على أن الماء إذا تغير بشئ طاهر يبقى طهوراً، ولا يتحول إلى طاهر غير مطهر (٢). الدليل الرابع: إثبات قسم من الماء لا طهور ولا نجس، الحاجة إلى بيانه أشد من الحاجة إلى بيان كثير من الآداب والأحكام، لأن المسألة إما أن يتوضأ، وإما أن يتيمم. والمسألة تتعلق بالصلاة التي هى أعظم أركان الإسلام العملية فلو كان هذا القسم موجودا لبينة الرسول ﷺ . وهذا القول هو الراجح. دليل من فرق بين الملح المائي والمعدني . قالوا: تغير الماء بالملح المائي يشبه تغيره بالتراب؛ وذلك لأن الملح منعقد من الماء، فيكون حكمه حكم الثلج إذا ذاب وتحول إلى ماء فما دام ملحاً لا يجوز الوضوء به، فإذا صار ماء عاد عليه اسم الماء، ولا يضره تغير طعمه به، لأن الملح منه. وأما الملح المعدني فلم يكن قط ماء، فإذا تغير الماء به يكون حكمه كما لو تغير بالطعام، فلا تصح الطهارة منه. والصحيح أن الملح المعدني إذا وقع في الماء فغير أحد أوصافه فإنه ماء، فالماء المالح يسمى ماء على الإطلاق، وإذا كان الماء المالح كالبحر لم يمنع أن

стр. 125

يسمى ماء، وتصح الطهارة منه، فكذلك الماء إذا وضع فيه المالح فغير طعمه لا يمنع أن يسمى ماء، ولا يتحول عنه اسم الماء بمجرد أنه تغير، وحكم الماء إذا تغير بشيء طاهر سوف يبحث في مسألة مستقله إن شاء الله. وجه قول من قال طهور مكروه لماذا قالوا: إنه طهور وقد تغير؟ قالوا: لأنه تغير بشيء منعقد من الماء. ولماذا يكون مكروهاً؟ قالوا: لأن بعض العلماء يقولون عنه بأنه طاهر فخروجاً من الخلاف، قلنا: إنه مكروه. وقد سبق أن الكراهة بسبب وجود الخلاف قول ضعيف جداً. وجه من قال إن وضع قصداً سلبه الطهورية . قالوا: لما فارق الملح الأرض أصبح طعاماً لا يجوز التيمم عليه، فصار حكمه حكم إذا وضع فيه شيء طاهر (١). والجواب عنه كالجواب عن الذي قبله، ويضاف إليه أن القصد نية متعلقة بالقلب وليست متعلقة بالماء، والقلب أجنبي عن الماء، فكما أنه لا تؤثر النية في تغير الماء بالنجاسة، فإذا تغير بالنجاسة نجس، سواء كان عن قصد أو غير قصد، فكذلك وقوع الشيئ الطاهر بالماء لا تؤثر فيه النية، فإن كان يسلب الماء الطهورية سلبه سواء كان عن قصد أو من غير قصد، وإذا كان لا يسلبه فكذلك. فقيد القصد قيد ضعيف، والله أعلم.

стр. 126

الراجح من الخلاف كما قدمت أن الماء طهور مطلقاً سواء تغير بالملح المائي أو المعدني، وسواء وضع فيه عن قصد أو عن غير قصد.

стр. 127

الفرع الثاني الخلاف في طهورية ماء البحر في طهورية ماء البحر خلاف شاذ، يلزم ذكره عند الكلام على طهورية ماء البحر ليعلم أن المسألة ليست إجماعاً، وهاك بيان الخلاف فيه: فقيل: ماء البحر طهور، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١)، وبه قال ابن حزم (٢). وقيل: يكره التطهر بماء البحر، وهو مروي عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو (٣).

стр. 128

دليل الجمهور: الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). وجه الاستدلال: كلمة (ماء) نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، نزل من السماء أو نبع من الأرض، إلا ما خصه الدليل، وماء البحر لم يستثن، بل الثابت جواز الوضوء منه. الدليل الثاني: إذا كان طعام البحر، وصيده حلالاً لنا، فيلزم منه أن يكون ماؤه طهوراً، فكيف يكون الطعام حلالاً والماء ليس بطهور، قال : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٢). الدليل الثالث: (٢٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال في ماء البحر: هو الطهور ماؤه الحلال ميتته (٣). [الحديث صحيح، وسبق تخريجه]. الدليل الرابع: القياس على الماء العذب، فإن كلاً منهما باق على أصل خلقته التي

стр. 129

خلقه الله عليها، ولم يتغير لونه أو ريحه أو طعمه. الدليل الخامس: حكى بعضهم الإجماع على طهوريته، وفي الإجماع نظر: قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر، ونحو ذلك إذا وقعت فيه نجاسة، فلم يتغير له لوناً، ولا طعماً، ولا ريحاً (١)، أنه بحاله، ويتطهر منه (٢). وقال ابن جزي من المالكية: الماء المطلق، وهو الباقي على أصله، فهو طاهر مطهر إجماعاً، سواء أكان عذباً أو مالحاً، أو من بحر أو سماء أو أرض (٣). دليل من قال لا يتطهر بماء البحر . الدليل الأول: (٢٧) رواه سعيد بن منصور في سننه، قال: نا إسماعيل بن زكريا، عن مطرف، عن بشر أبي عبد الله، عن بشير بن مسلم، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله؛ فإن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً (٤).

стр. 130

[حديث ضعيف] (١).

стр. 131

وجه الاستدلال: قالوا: إن البحر طبق جهنم، وما كان طبق سخط، لا يكون طريقاً للطهارة والرحمة، وقياساً على نهي النبي ﷺ عن الوضوء بماء ثمود (١). وأجيب: أولاً: بأن الحديث ضعيف، وقد تبين ضعفه من خلال الكلام على إسناده. ثانياً: قال ابن قدامة: قولهم: هو نار، إن أريد به أنه نار في الحال، فهو خلاف الحس، وإن أريد أن يصير ناراً لم يمنع ذلك الوضوء به في حال كونه

стр. 132

ماء (١). الدليل الثاني: (٢٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن هشام، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، قال: ماء البحر لا يجزيء من وضوء ولا جنابة، إن تحت البحر ناراً، ثم ماء، ثم نار (٢). [إسناده صحيح، وعنعنة قتادة قد روى عنه شعبة، وهو لا يحمل عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث، لكن لا حجة بالموقوف إذا خالف المرفوع] (٣). الدليل الثالث: (٢٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة،

стр. 133

عن عقبة بن صهبان، قال: سمعت ابن عمر يقول: التيمم أحب إلي من الوضوء من ماء البحر (١). [إسناده صحيح، ولا حجة في موقوف خالف مرفوعاً] (٢). الدليل الرابع: (٣٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: ماءان لا يجزيان من غسل الجنابة ماء البحر وماء الحمام (٣). [إسناده ضعيف] (٤).

стр. 134

المبحث الخامس إذا تغير الماء بشيء طاهر ويشتمل على فرعين: الفرع الأول: الماء المتغير بطاهر يمكن التحرز منه. الفرع الثاني: خلاف العلماء في الطهارة بالنبيذ.

стр. 135

الفرع الأول الماء المتغير بطاهر يمكن التحرز منه . سبق أن بحثنا ثلاث مسائل في تغير الماء الطهور بشيء طاهر. الأولى: إذا كان هذا الطاهر يشق الاحتراز منه. الثانية: إذا كان هذا الطاهر لا يمازج الماء. الثالثة: إذا كان هذا الطاهر أصله منعقد من الماء كالتغير بالملح المائي. ومسألتنا هذه إذا وقع في الماء الطهور شيء طاهر ممازج للماء يمكن التحرز منه، ولم يكن ملحاً. فاختلف الفقهاء في هذه المسألة: فقيل: يكون الماء طاهراً غير مطهر، يصلح للأكل والشرب، ولا يصلح أن يرفع به حدث، أو أن تزال به نجاسة، وهذا مذهب الجمهور من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: إن الماء طهور يرفع الحدث، ويزيل النجاسة، وهو مذهب

стр. 136

الحنفية (١)، واختيار ابن حزم (٢)، وابن تيمية (٣). دليل الجمهور على أن الماء طاهر . استدلوا من القرآن بقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٤). وجه الاستدلال: الماء ورد في الآية مطلقاً لم يقيد بشئ، والماء المطلق هو الماء الباقي على خلقته. أما الماء المتغير فلا يسمى ماء مطلقاً، إنما يضاف إلى تلك المادة التي يتغير بها كماء ورد أو زعفران أو ماء غريب، أو ماء مستعمل ونحو ذلك. إذاً دلت الآية على أن الطهارة بالماء المطلق، فإن لم يوجد انتقلنا إلى

стр. 137

التيمم (١). الدليل الثاني: من النظر. قال ابن العربي: المخالط للماء على ثلاثة أضرب: ضرب يوافقه في صفتيه جميعاً: الطهارة والتطهير، فإذا خالطه فغيره، لم يسلبه وصفاً منهما، لموافقته له فيهما، وهو التراب. وضرب يوافق الماء في إحدى صفتيه، وهي الطهارة، ولا يوافقه في صفته الأخرى، وهي التطهير، فإذا خالطه فغيره سلبه ما خالفه فيه، وهو التطهير، دون ما وافقه، وهي الطهارة، كماء الورد، وسائر الطهارات. والضرب الثالث: مخالفته في الصفتين جميعاً، وهي الطهارة والتطهير، فإذا خالطه فغيره، سلبه الصفتين جميعاً، لمخالفته له فيهما، وهو النجس (٢). دليل من قال الماء طهور الدليل الأول: من القرآن قوله تعالى ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٣). وجه الاستدلال: أن كلمة " ماء " نكرة فى سياق النفى فتعم كل ماء سواء كان مطلقاً أومقيداً، متغيراً أو غير متغير، مستعملاً أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع وبقى ما عداه على أنه طهور (٤).

стр. 138

وقال ابن المنذر: قال تعالى ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ الآية (١)، فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء إلا ما منع منه كتاب أو سنة أو إجماع. والماء الذي منع الإجماع الطهارة منه هو الماء الذى غلبت عليه النجاسة بلون أوطعم أو ريح (٢). الدليل الثاني: (٣١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو وابن أبي بكير، قالا: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ قالت: اغتسل النبي ﷺ وميمونة من إناء واحد قصعة فيها أثر العجين (٣). [إسناده صحيح] (٤). فهذا ماء وقع فيه عجين، ولا بد أن يتغير الماء خاصة إذا قل الماء وانحل العجين، ومع ذلك لم يمنع من التطهر به. الدليل الثالث (٣٢) ما رواه البخاري، قال حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته - أو قال فأوقصته - قال النبي ﷺ : اغسلوه بماء

стр. 139

وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً (١). الدليل الرابع: (٣٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني مالك، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية الأنصارية ﵂، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه يعني إزاره (٢). وجه الاستدلال من الحديثين: أن السدر أضيف إلى الماء، لا بد أن يتغير به، ومع ذلك لم يمنع أن يتطهر به الميت، وما طهر الميت طهر الحي إذ لا فرق. الدليل الخامس: من الآثار (٣٤) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن ابن عباس، قال: يجزئه أن لا يعيد على رأسه الغسل - يعني إذا غسل رأسه بالخطمي. [إسناده صحيح] (٣).

стр. 140

الآثر الثاني: (٣٥) روى ابن أبي شيبة أيضاً، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأزمع، قال عبد الله: من غسل رأسه بالخطمي، وهو جنب، فقد أبلغ الغسل [إسناده حسن] (١).

стр. 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 142

(٣٦) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن مهدي، عن غياث. وحدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن صفية، عن سعيد بن جبير في الجنب يغسل رأسه بالسدر، قال: لا يغسل رأسه. [إسناده صحيح] (١). قال ابن حزم في المحلى: وهذا قول ثابت عن ابن مسعود، قال: إذا غسل رأسه بالخطمي أجزأه ذلك، وكذلك نصاً عن ابن عباس. وروي أيضاً هذا عن علي بن أبي طالب، وثبت عن سعيد بن المسيب، وابن جريج، وعن صواحب النبي ﷺ من نساء الأنصار، والتابعات منهن أن المرأة الجنب والحائض إذا امتشطت بحنا رقيق أن ذلك يجزؤها من غسل رأسها للحيضة والجنابة، ولا تعيد غسله، وثبت عن إبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن جبير أنهم قالوا في الجنب يغسل رأسه بالسدر والخطمي أنه يجزؤه ذلك من غسل رأسه للجنابة (٢). اهـ وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.

стр. 143

الفرع الثاني خلاف العلماء في الطهارة بالنبيذ اتفق العلماء على أن الحدث يرفع بالماء الطهور، واختلفوا في رفعه بالنبيذ فقيل: يتوضأ به إن لم يجد غيره، وهو مذهب أبي حنيفة (١). وقيل: يتوضأ به ويتيمم، وهو مذهب محمد بن الحسن (٢). وقيل: يتيمم، ولا يتوضأ به، وهو مذهب المالكية (٣)،والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، واختاره أبو يوسف والطحاوي من الحنفية (٦)، وهو رواية عن

стр. 144

أبي حنيفة (١)، وهو اختيار ابن حزم (٢). الدليل على أن الحدث يرفع بالماء الطهور . الإجماع أن الماء الطهور يرفع الحدث (٣). قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الحدث لا يرفع بسائل آخر غير الماء كالزيت والدهن والمرق (٤). وقال الغزالي: الطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الحدث فبالإجماع (٥). وتعقبه النووي في المجموع شرح المهذب، فقال: حكى أصحابنا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي بكر الأصم: أنه يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة بكل مائع طاهر، قال القاضي أبو الطيب إلا الدمع فإن الأصم يوافق على منع الوضوء به، ثم قال: والأول أرجح؛ قال تعالى ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ الآية (٦)، فأحالنا إلىالتيمم عند عدم الماء ولم ينقلنا إلى سائل آخر (٧).

стр. 145

دليل الحنفية على جواز الوضوء بالنبيذ . الدليل الأول: (٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن زكريا، عن إسرائيل، عن أبي فزارة، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن ابن مسعود، قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة لقي الجن، فقال: أمعك ماء؟ فقلت: لا. فقال: ما هذه الإداوة؟ قلت: نبيذ. قال: أرنيها تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ منها، ثم صلى بنا (١). [إسناده ضعيف] (٢).
следующие страницы →