وجه الاستدلال من الحديث:
أن حديث أبي سعيد أثبت قسماً من الماء وهو الماء الطهور، وثبت الماء النجس بالإجماع فهذان قسمان من الماء أحدهما ثبت بحديث أبي سعيد، والآخر ثبت بالإجماع، وبقى الماء الطاهر لا دليل على ثبوته فيكون الماء قسمين: طهوراً ونجساً ولا ثالث لهما.
أو يقال: الحديث أثبت طهورية الماء، وأنه لا ينجسه شيء، فالماء إذاً باق على طهوريته لا يخرج منها إلا بإجماع، وهذا لا يكون إلا بتغيره بالنجاسة.
الدليل الثالث:
(١١) ما رواه البخاري، قال حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته - أو قال فأوقصته - قال النبي ﷺ : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً (١).
الدليل الرابع:
(١٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني مالك، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين،
عن أم عطية الأنصارية ﵂، قالت: دخل علينا رسول الله
стр. 78
صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه تعني إزاره (١).
وجه الاستدلال من الحديثين.
قالوا: الماء إذا أضيف إليه السدر لا بد أن يتغير، وإذا كان هذا المتغير بشئ طاهر يطهر الميت فطهارة الحي كطهارة الميت، فما طهر الميت طهر الحي (٢).
الدليل الخامس:
(١٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو وابن أبي بكير، قالا: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،
عن أم هانئ قالت: اغتسل النبي ﷺ وميمونة من إناء واحد قصعة فيها أثر العجين (٣).
[إسناده صحيح] (٤).
стр. 79
. . . . . . . . . . . . . .
стр. 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 81
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 82
. . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 83
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 86
وجه الاستدلال:
أن هذا الماء لا بد أن يتغير من العجين لا سيما في آخر الأمر إذا قل الماء وانحل العجين، ولم يمنع هذا من اغتسال النبي ﷺ وزوجه، فدل هذا على أن الماء إذا تغير بشئ طاهر يبقى طهوراً، ولا يتحول إلى طاهر غير مطهر (١).
الدليل السادس:
(١٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: أخبرنا سفيان، عن عمرو، قال: أخبرني كريب،
عن ابن عباس ﵄ قال: بت عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي ﷺ فلما كان في بعض الليل قام رسول الله ﷺ فتوضأ من شن معلق ... الحديث قطعة من حديث طويل (٢).
وجاء في الصحيحين (٣)، من حديث عمران بن حصين الطويل في قصة انتفاع النبي ﷺ وأصحابه من ماء مزادة امرأة مشركة، واغتسال من أصابته جنابة منها.
وجه الاستدلال:
أن هذه الأسقية لا بد أن تؤثر في الماء في طعمه ولونه ورائحته، ولم يمنع
стр. 87
هذا من التطهر منه، ولم يتحول الماء إلى كونه طاهراً في نفسه غير مطهر لغيره، فدل على أن الماء قسمان لا ثالث لهما: طهور ونجس (١).
الدليل السابع:
من النظر، قالوا: إثبات قسم من الماء لا طهور ولا نجس. الحاجة إلى بيانه أشد من الحاجة إلى بيان كثير من الآداب والأحكام، لأن المسلم إما أن يتوضأ، وإما أن يتيمم.
والمسألة تتعلق بالصلاة التي هى أعظم أركان الإسلام العملية فلو كان هذا القسم موجودا لبينة الرسول ﷺ .
وهذا القول - أعني: تقسيم الماء إلى قسمين - هو الراجح.
والجواب: عن أدلة القول الأول مايلى:
أما استدلالهم بقوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٢). الآية
فقد علمت الجواب عنه، وأن كلمة (ماء) نكرة فى سياق النفي فتعم كل ماء إلا ما دل الاجماع على خروجه، وهو الماء النجس.
وأما الجواب عن السؤال عن طهورية ماء البحر وأنه كان مستقراً فى ذهن الصحابه أن هناك ماء طاهراً وليس بطهور فغير مسلم.
ويجاب عنه من ثلاثة وجوه:
الأول: لا نسلم أن الاشكال الذى يكون عند رجل من الصحابة يؤخذ منه هذا العموم؛ إذ كيف يؤخذ من فرد واحد من الصحابه سأل عن طهورية ماء البحر بأنه قد استقر فى ذهن الصحابة عموم رأي جميع الصحابة،
стр. 88
أن هناك ماء ليس بطهور وليس بنجس، وهو الطاهر، ولو قيل: إنه قد استقر في ذهن هذا الصحابي فقط لكان فيه نزاع فكيف بهذا التعميم، والصحابة منهم الفقهاء، ومنهم من لم يُعْرَف بالفقه، وشرف الصحبة شىء والفقه شىء آخر.
الثاني:
يحتمل أن يكون الصحابي سأل عن التطهر بماء البحر، لأن بعض الصحابة كان يكره التطهر منه كابن عمر، وكعبد الله بن عمرو، فلذلك سأل عن هذا (١). ولم تكن علة الكراهة عندهما أنه طاهر.
الثالث:
أنتم جعلتم الشك الذي قام عند الصحابي دليلاً على وجود الطاهر، ونحن نرى أن حكم النبي ﷺ على البحر بأنه طهور دليل على أنه لا يضر تغير الماء بشىء طاهر؛ فإن ماء البحر متغير بالملح ومع ذلك هو طهور، والاستدلال بحكم النبي ﷺ أولى من الأستدلال بشك فرد واحد من الصحابة إن سُلِّم لكم بأنه قد شك.
أما الجواب عن الاغتسال بالماء الراكد، وعن النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها ثلاثاً إذا استيقظ من النوم فسوف تأتي مناقشة الأدلة بالتفصيل إن شاء الله في مسائل مستقلة.
وهناك قولان آخران تركتهما في أخر البحث؛ لأنهما ضعيفان لايخرجان عن القولين الأولين.
стр. 89
القول الأول: الماء المشكوك فيه (١)، وهذا القول في الحقيقة لا يخرج عن القولين السابقين لأن الشك إنما هو من قبل الإنسان نفسه، وأما الشارع فلا يمكن أن يقوم عنده شك في حقيقة الماء.
نعم قد يحصل عند بعض المكلفين تردد في الماء هل هو طهور أم نجس؟ لكن يبقى الماء في حقيقة الأمر إما هذا، وإما هذا، ومع القول بأن الماء لا ينجس إلا بالتغير تصبح صورة هذا النوع قليلة أو نادرة؛ لأن التغير أمر مشاهد محسوس اللهم إلا أن يقال: قد يقع في بعض الصور كما لو كان التغير بسبب ولوغ الكلب، أو كان الإنسان فاقداً للشم أو أعمى، فهذا ممكن أن لا يشعر بالتغير، والله أعلم.
القول الثاني: زاد قوم آخرون الماء المغصوب.
قالوا: وحكم هذا الماء لا يمكن أن يرفع به الحدث لكن تزال به النجاسة (٢).
لماذا لا يرفع الحدث وهو ماء طهور؟ قالوا: لأنه ماء استعماله محرم، فلو قلنا: إنه يرفع الحدث لرتبنا على المحرم أثره، إذ كيف يكون محرماً ويتقرب به الإنسان.
ولماذا إذاً قلتم بأنه يزيل النجاسة؟
قالوا: لأن النجاسة إذا ذهبت بالماء المحرم فقد زال حكمها فالحكم بنجاسة المحل مع زوال النجاسة غير ممكن، ولا يشترط لإزالة النجاسة نية
стр. 90
القربة بخلاف رفع الحدث، والصحيح أن هذا القسم لا يخرج عن القولين الأولين؛ لأن الغصب صفة خارجه عن الماء راجعة إلى الغاصب، أما الماء في حقيقته فطهور.
стр. 91
الباب الثاني الوضوء بالماء المحرم كالمغصوب ونحوه
إذا تعدى الإنسان على مال غيره، وكان غيره بحاجة إليه، كالماء مثلاً فإنه يأثم بذلك، ولكن هل يرتفع الحدث، ويزول الخبث، أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: يأثم، ويرتفع حدثه وخبثه، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).
وقيل: لا تصح الطهارة به، ويرتفع به الخبث، اختاره بعض الحنابلة (٤).
وقيل: لا يرتفع به حدث، ولا خبث، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥)، وهو اختيار ابن حزم (٦).
стр. 92
دليل من قال لا يرتفع به الحدث .
الدليل الأول:
القياس على الصلاة في الثوب المسبل، فإذا كانت الصلاة في ثوب مسبل حرام لا تصح، فكذلك المسح على شيء محرم لا يصح
(١٥) فقد روى أحمد، قال: ثنا يونس بن محمد، قال، ثنا أبان وعبد الصمد، قال: ثنا هشام، عن يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء بن يسار،
عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: بينما رجل يصلي، وهو مسبل إزاره، إذ قال له رسول الله ﷺ : اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال له رسول الله ﷺ : اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال: ما لك يا رسول الله، ما لك أمرته يتوضأ؟ ثم سكت، قال: إنه كان يصلي، وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة عبد مسبل إزاره (١).
[إسناده ضعيف، ومتنه منكر] (٢).
стр. 93
وجه النكارة فيه؛ إذا كانت الصلاة لا تقبل من أجل الإسبال، فلماذا يطلب منه إعادة الوضوء، وهو لم يحدث، ما بال الوضوء؟!
ولماذا لم يبلغه بأن يرفع إزاره، فقد يكون الرجل جاهلاً، والبلاغ تعليمه
стр. 94
ما أخطأ فيه، لا أن يحيله على أمر قد أحسنه، فما إعادته للوضوء إلا عبث، حتى تجديد الوضوء لا يشرع في هذه الصورة؛ لأنه ما إن فرغ من وضوئه حتى طلب منه أن يعيده، لا لنقص في الوضوء، ولكن لأن الله لايقبل صلاة المسبل إزاره!!.
الدليل الثاني:
الماء المغصوب كسبه محرم بالاتفاق.
(١٦) فقد روى البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا حماد، عن أيوب، عن محمد، عن ابن أبي بكرة،
عن أبي بكرة ذكر النبي ﷺ قال: فإن دماءكم وأموالكم، قال محمد: وأحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب (١).
فإذا كان كسبه محرماً وصححنا الوضوء به نكون بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثراً صحيحاً، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ .
(١٧) وقد روى مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد جميعاً عن أبي عامر، قال عبد: حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعد بن إبراهيم، قال: سألت القاسم بن محمد، عن رجل له ثلاثة مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها، قال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد، ثم قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملاً ليس عليه
стр. 95
أمرنا فهو رد (١).
ومعنى رد: أي مردود عليه، والوضوء بالماء المغصوب خلاف أمر الله ورسوله ﷺ .
قال ابن حزم ﵀: من توضأ بماء مغصوب، أو أخذ بغير حق، أو اغتسل به، أو من إناء كذلك، فلا خلاف بين أحد من أهل الإسلام أن استعماله ذلك الماء وذلك الإناء في غسله ووضوئه حرام، وبضرورة يدري كل ذي حس سليم أن الحرام المنهي عنه هو غير الواجب المفترض عمله، فإذ لا شك في هذا فلم يتوضأ الوضوء الذي أمره الله تعالى به، والذي لا تجزئ الصلاة إلا به، بل هو وضوء محرم، هو فيه عاص لله تعالى، وكذلك الغسل، والصلاة بغير الوضوء الذي أمر الله تعالى به وبغير الغسل الذي أمر الله تعالى به لا تجزئ، وهذا أمر لا إشكال فيه. ونسأل المخالفين لنا عمن عليه كفارة إطعام مساكين، فأطعمهم مال غيره، أو من عليه صيام أيام، فصام أيام الفطر والنحر والتشريق، ومن عليه عتق رقبة فأعتق أمة غيره، أيجزيه ذلك مما افترض الله تعالى عليه؟ فمن قولهم: لا. فيقال لهم: فمن أين منعتم هذا وأجزتم الوضوء والغسل بماء مغصوب وإناء مغصوب؟ وكل هؤلاء مفترض عليه عمل موصوف في مال نفسه، محرم عليه ذلك من مال غيره بإقراركم سواء سواء. وهذا لا سبيل لهم إلى الانفكاك منه. وليس هذا قياساً، بل هو حكم واحد داخل تحت تحريم الأموال، وتحت العمل بخلاف أمر الله تعال، ى وقد قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وكل هؤلاء عمل عملا ليس عليه أمر الله تعالى وأمر رسول الله ﷺ فهو مردود بحكم
стр. 96
النبي ﷺ (١).
وأجيب:
بأن التحريم والصحة غير متلازمين، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تُلُقِيَ كان البيع صحيحاً، وللبائع الخيار إذا أتى السوق، فثبوت الخيار فرع عن صحة البيع.
الدليل الثالث:
قالوا إن المعدوم شرعا كالمعدوم حساً فتكون صورة التطهير معدومة حساً مع العمد، وذلك مبطل للصلاة والطهارة.
وأجيب:
بأن هذا النظر إنما يتم لو سلم أن الله تعالى أمر بالطهارة واشترط في ذلك أن تكون الأداة مباحة، ونحن لا نسلم ذلك بل نقول: إن الله تعالى أوجب الطهارة والصلاة مطلقاً، وحرم الغصب، ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون عدمه شرطاً. ألا ترى أنه لو سرق في صلاته لم تبطل صلاته مع مقارنة المحرم، فكذلك في هذه المسألة (٢).
الدليل الرابع:
وقال بعضهم: إن تجويز الوضوء بالماء المغصوب يؤدي إلى إتلافه، وما يؤدي إلى إتلاف مال الغير ينبغي أن يحكم ببطلانه، بخلاف الصلاة في المكان المغصوب، والثوب المغصوب، فإنه لا يؤدي إلى إتلاف المغصوب.
стр. 97
وأجيب:
بأن الحكم ببطلان الطهارة لن يرفع تلف الماء، فلا فائدة في الحكم ببطلان الطهارة.
أدلة القائلين بصحة الوضوء .
عدم الدليل المقتضي لفساد الطهارة، فهذا قد تطهر الطهارة الشرعية بغسل ما يجب غسله، فطهارته صحيحة، ولا يحكم ببطلانها إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا دليل هنا.
الدليل الثاني:
إن المنع من الوضوء بالماء المغصوب لا يختص بالطهارة، فالغاصب مأذون له في المسح في الجملة، والمنع عارض أدركه من جهة الغصب، لا من جهة الطهارة، فأشبه غاصب مدية الذبح، وكلب الصيد، فيأثمون، ويصح فعلهم.
دليل من فرق بين الحدث والخبث .
الحنابلة قالوا: إن الماء المغصوب لا يرفع الحدث، ولكن يزيل الخبث.
لماذا لا يرفع الحدث وهو ماء طهور؟ قالوا: لأنه ماء استعماله محرم، فلو قلنا: إنه يرفع الحدث لرتبنا على المحرم أثره، إذ كيف يكون محرماً ويتقرب به الإنسان، وكل الأدلة التي سقتها في القول الأول يستدلون بها على المنع من رفع الحدث.
ولماذا إذاً قلتم بأنه يزيل النجاسة؟
قالوا: لأن النجاسة إذا ذهبت بالماء المحرم فقد زال حكمها فالحكم بنجاسة المحل مع زوال النجاسة غير ممكن، ولا يشترط لإزالة النجاسة نية
стр. 98
القربة بخلاف رفع الحدث.
الراجح: أن الماء المغصوب تصح الطهارة منه في رفع الحدث والخبث، مع التحريم، فجهة المنع من قبل الغصب، لا من قبل الطهارة، ولا يكون النهي مقتضياً لفساد المنهي عنه إلا إذا عاد النهي إلى ذات العبادة، كما هو مقرر في أصول الفقه، والله أعلم.
стр. 99
الباب الثالث حكم رفع الحدث والخبث من ماء زمزم
اختلف العلماء في استعمال ماء زمزم في رفع الحدث وإزالة الخبث،
فقيل: يكره استعماله في إزالة الخبث، ولا يكره في رفع الحدث، وهو مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: لا يكره فيهما، وهو مذهب المالكية.
وقيل: في إزالة النجاسة بماء زمزم خلاف الأولى، ولا يكره الوضوء والغسل منه، وهو مذهب الشافعية (٣).
وقيل: يكره فيهما، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤)، اختاره ابن تيمية (٥).
وقيل: يحرم فيهما، حكاه قولاً بعض الفقهاء (٦)، وهو وجه في مذهب
стр. 100
الحنابلة (١).
وقيل: يحرم إزالة النجاسة فقط، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يستحب الوضوء من زمزم، اختاره ابن الزاغوني من الحنابلة (٣).
وقيل: يكره الغسل، دون الوضوء، وهو رواية عن أحمد (٤).
دليل من منع الطهارة من ماء زمزم مطلقاً .
بعضهم يرجع المنع إلى كونه ماء مباركاً، فيكون النهي من باب التعظيم، فقد قال الرسول ﷺ عن زمزم، كما في صحيح مسلم: إنها مباركة، إنها طعام طعم (٥).
دليل من فرق بين الغسل وبين الوضوء .
أما من فرق بين الوضوء والغسل فيرجع المنع إلى مخالفة شرط الواقف.
(١٨) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن معمر، قال: أخبرني ابن طاووس، عن أبيه،
أنه سمع ابن عباس يقول وهو قائم عند زمزم، إني لا أحلها لمغتسل، ولكن هي لشارب - أحسبه قال - ومتوضئ حل وبل (٦).
стр. 101
دليل من فرق بين رفع الحدث وإزالة الخبث .
وجه هذا القول: أن الحدث ليس فيه إهانة لماء زمزم، لأنه ماء طهور، لاقى بدناً طاهراً، بخلاف الخبث، فإن فيه إهانة، وهو ماء مبارك ليس كسائر المياه.
دليل من جوز رفع الحدث والخبث .
أما جواز رفع الحدث به، فإن الله قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١)، وهذا ماء طهور، فلا يجوز التيمم مع وجوده، وقد توضأ الصحابة من الماء الذي نبع من أصابع رسول الله ﷺ ، مع كونه ماء مباركاً.
وأما جواز رفع الخبث، فلأنه لا يوجد ما يمنع منه، وكونه ماء مباركاً
стр. 102
فهذا وحده غير كاف، وجنس الماء في نفسه مطعوم، ومن المال، ومع ذلك يزال به الخبث، والله أنزل الماء ليطهرنا، ولم يفرق بين ماء وآخر، ومن منع فعليه الدليل، والحل هو الأصل.
الراجح من الأقوال:
أرى الجواز له قوة، ولا يوجد دليل يمنع من رفع الحدث أو إزالة الخبث، لكن إن وجد غيره في إزالة الخبث فتركه أولى، وإن لم يوجد غيره فلا مانع من إزالة الخبث به، والله أعلم.
стр. 103
الباب الرابع في الماء المتغير
ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: في الماء المتغير بالطاهرات.
الفصل الثاني: في الماء المتغير بنجاسة.
стр. 104
الفصل الأول في الماء المتغير بالطاهرات
стр. 105
المبحث الأول الماء المتغير بطاهر غير ممازج
تمهيد: هل يشمل التغير بغير ممازح اللون والطعم؟
اختلف الفقهاء ﵏، هل يشمل المتغير بغير ممازج جميع أوصاف الماء من طعم ولون ورائحة أو يشمل التغير بالرائحة فقط .. على قولين.
القول الأول:
قالوا: المقصود بالتغير تغير الرائحة فقط؛ لأن تغير اللون أو الطعم لا يتصور إلا بانفصال أجزاء واختلاطها بالماء، وبالتالي يكون التغير تغيراً عن ممازجة ومخالطة وليس تغيراً بالمجاورة.
وقد اختار هذا القول أكثر المالكية (١)، واختاره الماوردي (٢) وابن الصلاح من الشافعية (٣)، وظاهر عبارة صاحب المهذب (٤)، ومفهوم عبارة الشافعي في
стр. 106
الأم (١).
واختاره من الحنابلة المجد في شرحه وتبعه صاحب الحاوي الكبير (٢).
وقيل: إن التغير بغير ممازج يشمل الأوصاف الثلاثة. واختاره النووي من الشافعية: وقال إنه هو الموافق لإطلاق كلام الأصحاب. بل قد صرح به أبو حامد وصاحبه المحاملي بأنه شامل لأوصاف الماء كلها (٣).
والراجح القول الأول: أنه لا يشمل إلا الريح فقط. إذ لا يتصور أن يتغير لون الماء ثم يكون تغيره عن مجاورة وليس عن
ممازجة، فالتغير بالمجاورة مقصور على الريح فقط.
خلاف العلماء في الماء إذا تغير بطاهر غير ممازج.
إذا تغير الماء بطاهر غير ممازج كالدهن وقطع الكافور، فاختلف العلماء فيه هل يبقى على طهوريته أم يتحول إلى طاهر:
فقيل: الماء طهور بلا كراهة،
وهو مذهب الحنفية (٤)، واختاره ابن رشد وابن الحاجب من
стр. 107
المالكية (١)، وهو مذهب الشافعية (٢)، ورجحه ابن حزم (٣)، وابن قدامة (٤).
وقيل: يكون طاهراً، اختاره من المالكية ابن عرفة وابن مرزوق والأجهوري (٥)، وهو وجه في مذهب الشافعية رجحه البويطي (٦)، واختاره
стр. 108
أبو الخطاب في الانتصار (١)، والمجد، وصاحب الحاوي الكبير من الحنابلة (٢).
وقيل: يصبح طهوراً مكروهاً، وهو المشهور عند الحنابلة (٣).
دليل من قال الماء طهور مكروه .
قالوا إن الماء إذا تغير بغير ممازج، فإنه طهور يرفع الحدث ويزيل النجاسة. ومكروه: أي يثاب تاركه امتثالاً. ولا يعاقب فاعله.
فلماذا هو طهور، وقد تغير؟
قالوا: لأن هذا التغير ليس عن ممازجة وإنما هو عن مجاورة.
ولماذا هو إذاً مكروه؟
قالوا: لأن بعض العلماء يقولون بأنه طاهر فقلنا إنه مكروه خروجاً من الخلاف.
والتعليل بالكراهة لوجود الخلاف قول ضعيف، وهو قد زاد من الخلاف، ولم يخفف الخلاف، وسبب ذلك:
أولاً: أنتم لم تأتوا بقول يجمع بين القولين حتى يقال: دفعكم إلى القول به وجود الخلاف، فلا أنتم تمسكتم بالقول بأنه طهور بلا كراهة، ولا أنتم قلتم بأنه طاهر، فأنتم في الحقيقة أحدثتم قولاً ثالثاً لا لدليل دعاكم إلى القول بهذا القول، ولكن الذي دعاكم إلى هذا وجود قولين في المسألة وبدلاً من أن يصبح في المسألة قولان أصبح فيها ثلاثة أقوال: طهور مطلقاً، وطاهر، والقول الذي أحدثتموه (طهور مكروه).
стр. 109
ثانياً: أن الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي ووجود الخلاف ليس من أدلة الشرع المتفق عليها ولا المختلف فيها.
ثالثاً: لو أخذنا بالخلاف كدليل أو تعليل للحكم الشرعي للزم أن كل مسألة خلافية نقول إنها مكروهة، وهذا لا يقول به أحد.
فالصحيح أن الخلاف نوعان:
نوع يكون الخلاف فيه ضعيفاً جداً، فهذا نطرحه ولا نبالي.
وليس كل خلاف جاء معتبراً ... إلا خلافاً له حظ من النظر.
فإذا كان الخلاف ليس له حظ من النظر الشرعي أو العقلي (الأثر أو التعليل) فلا يراعى.
النوع الثاني من الخلاف: خلاف يكون قوياً فتجد كل قول في المسألة له دليل قوي.
فهنا يقال: إن الخروج من الخلاف فيه احتياط، وليس السبب وجود الخلاف وإنما السبب هو احتمال الأدلة .. فهو من باب دع ما يريبك إلا ما لا يريبك.
دليل من قال الماء طاهر غير مطهر .
قالوا: إن هذا الماء قد تغير بطاهر فيكون كما لو تغير بغير ممازج، قال أبو الخطاب: من سلم من أصحابنا أن التغير بالكافور والعود والدهن لا يمنع من الطهارة، قال: لأن ذلك تغير مجاورة لا مخالطة، والمانع تغير المخالطة، وهذا غير صحيح، فإن الكافور يوجد طعمه في الماء ومرارته، وكذلك طعم الدهن، وليس ذلك إلا بحصول جزء منه في الماء، ومخالطة له (١).
стр. 110
دليل من قال الماء طهور بلا كراهة .
لا يحتاج هذا القول إلى دليل؛ لأن الأصل أن الماء طهور، ومن أراد أن ينقله عن أصله طلب منه الدليل، وإلا بقي على أصله، ومع ذلك فإن الأدلة كثيرة على عدم وجود قسم الطاهر، فالماء إما طهور أو نجس، ولاثالث لهما، وإذا ضعفنا القول بوجود الماء الطاهر فإن الماء في هذه المسألة يصبح طهوراً؛ لأن أحداً لم يقل بأنه إذا خالطه طاهر يصبح نجساً، وإنما الخلاف هل يصبح طاهراً أم طهوراً، وقد أفردت مسألة مستقلة في الخلاف في أقسام الماء، وذكرت أدلة كثيرة على أن الماء قسمان، وكل هذه الأدلة تصلح أن تكون أدلة في مسألتنا، والله أعلم.