الفصل الثالث
ذكر أول من اختتن
ذكر بعض الفقهاء: أن أول من ختن من الرجال إبراهيم ﷺ ومن الإناث هاجر رضي الله تعالى عنها (١).
دليلهم على ذلك:
الأول: الإجماع.
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن (٢).
وقال القرطبي: أجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن (٣).
الدليل الثاني:
(٤٥٦ - ٢٠) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن يحيى بن سعيد،
عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان إبراهيم ﷺ أول الناس ضيَّف الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص الشارب، وأول الناس رأى الشيب فقال: يا رب ما هذا؟ فقال: الله ﵎ وقار يا إبراهيم. فقال: رب زدني وقاراً (٤).
[رجاله ثقات، إلا أنه موقوف على سعيد] (٥).
стр. 1122
. . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1123
. . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1124
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1125
. . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1126
. . . . . . . . . . . . . .
стр. 1127
. . . . . . . . . . . . . .
стр. 1128
. . . . . . . . . . . . . .
стр. 1129
إلا أن قوله: " أول من رأى الشيب " مشكل. فقد ذكر الحافظ
ابن رجب عن الحسن أنه ضعف هذا القول، واستحسنه الحافظ. قال: "وقد استدل الحسن على إبطال قول من قال: أول من رأى الشيب إبراهيم ﵇، بعموم قوله الله : ﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل
стр. 1130
من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة﴾ (١). قال الحافظ: وهو استدلال ظاهر حسن (٢).
وقال الباجي عن الآية: يحتمل ـ والله أعلم ـ أنه يخاطب بها هذه الأمة، أو من شاب من زمن إبراهيم ﵇ إلى يوم القيامة. ويحتمل أنه خوطب بها جميع الخلق، من شاب ومن لم يشب، إلا أنه جمع مع الضعف الأخير الشيب؛ لأن من الخلق من لم يشب، ولم يرد أن جميعهم يشيب، كما أنه لم يرد أن جميعهم يضعف، بل منهم من يموت في الضعف الأول، ومنهم من يموت في حال القوة قبل الضعف الثاني. والله أعلم وأحكم (٣).
والأول أقوى، ويؤيده أن الختان من سنن الفطرة التي فطر الله عليها بني آدم، والفطرة ملازمة، وليست مكتسبة، لكن إن صح الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر والقرطبي بأن أول من اختتن إبراهيم، فالحجة الإجماع، ولا كلام مع صحته. وإن لم يصح الإجماع، فالنظر له مجال في عدم ثبوت ذلك. والله أعلم.
стр. 1131
الفصل الرابع
في وقت الختان
لم يقدر الإمام أبو حنيفة وقتاً معلوماً لعدم ورود النص به، ولم يرو عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فيه شيء، وقدره المتأخرون واختلفوا:
فقيل: أول وقته من سبع سنين، وآخره اثنتا عشرة سنة.
قال في الفتاوى الهندية، وهو المختار كذا في السراجية (١).
وقيل: لا يختن حتى يبلغ.
وقيل: تسع سنين.
وقيل: عشر سنين. وهذه كلها أقوال في مذهب الحنفية (٢).
وقيل: إذا ثُغِر الصبي: أي القى ثغره، وهو مقدم أسنانه، اختاره مالك.
وفي رواية عن مالك: من سبع إلى عشر (٣)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: وقت وجوب الختان عند البلوغ، ويستحب ختانه في الصغر
стр. 1132
هذا هو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة (١).
إلا أن الشافعية استحبوه في اليوم السابع، إلا أن يكون الصبي ضعيفاً. وهو رواية عن أحمد (٢).
وهل يحسب يوم الولادة من السبعة، فيه وجهان في مذهب الشافعية:
الأول: يحسب. اختاره أبو علي بن أبي هر يرة.
الثاني: لا يحسب. وهو قول الأكثرين.
فإن أخر عن السابع استحب ختانه في الأربعين، فإن أخر استحب في السنة السابعة. (٣).
وقيل: يكره يوم السابع، وهو مذهب المالكية (٤)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٥).
стр. 1133
وقيل: يجب على الولي أن يختن الصغير قبل البلوغ، وهو وجه في مذهب الشافعية (١).
وقيل: يحرم الختان قبل استكمال عشر سنين، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢).
أدلة القائلين من سبع إلى عشر .
قالوا: بأن صاحب السبع سنين، يفهم الأمر ولذلك يؤمر بالصلاة.
(٤٥٧ - ٢١) فقد روى أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، وعبد الله بن بكر السهمي، المعنى واحد قالا: حدثنا سوار
أبو حمزة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته (٣).
[صحيح لغيره] (٤).
أدلة القائلين بالاستحباب في اليوم السابع .
الدليل الأول:
(٤٥٨ - ٢٢) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن القاسم، قال:
стр. 1134
حدثنا أبي وعمي عيسى بن المساور، قالا: حدثنا رواد بن الجراح، عن
عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء،
عن ابن عباس قال: سبعة من السنة في الصبي: يوم السابع يسمى ويختن ويماط عنه الأذى وتثقب أذنه ويعق عنه ويحلق رأسه ويلطخ بدم عقيقته ويتصدق بوزن شعره في رأسه ذهبا أو فضة.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك إلا رواد (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 1135
الدليل الثاني:
(٤٥٩ - ٢٣) ما رواه الطبراني في الصغير، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الوليد البغدادي، حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني، حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام.
قال الطبراني: لم يروه عن محمد بن المنكدر إلا زهير بن محمد، ولم يقل أحد ممن روى هذا الحديث: وختنهما لسبعة أيام إلا الوليد بن مسلم (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 1136
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1137
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1138
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1139
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1141
دليل القائلين بكراهة اليوم السابع .
عللوا ذلك بأنه من فعل اليهود. نقله الباجي عن مالك، كما في المنتقى (١) وغيره.
دليل القائلين بأنه يحرم ختانه قبل عشر سنين .
قالوا: لأن الم الختان فوق ألم الضرب، ولا يضرب على الصلاة إلا بعد عشر سنين.
قال النووي: هذا القول ليس بشيء؛ وهو كالمخالف للإجماع (٢).
دليل من قال: لا يجب الختان إلا بالبلوغ .
(٤٦٠ - ٢٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا عباد بن موسى، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل، عن أبي
стр. 1142
إسحاق، عن سعيد بن جبير، قال:
سئل ابن عباس مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ قال: أنا يومئذ مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك (١).
فقوله: " حتى يدرك " أي حتى يبلغ.
قال في تاج العروس: أدرك الشيء إدراكاً بلغ وقته وانتهى (٢).
وقال الشوكاني: الإدراك في أصل اللغة بلوغ الشيء وقته. وأراد به ههنا البلوغ (٣).
الدليل الثاني من النظر:
قالوا: إن الختان يجب إذا وجبت الطهارة والصلاة، وهما لا يجبان إلا بالبلوغ.
دليل من قال: يجب على الولي أن يختن الصغير قبل البلوغ
قالوا: إن هذا من مصلحة الصبي، فيجب على الولي القيام بما فيه مصلحته.
قال ابن القيم: وعندي أنه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ، بحيث يبلغ مختوناً؛ فإن ذلك مما لا يتم الواجب إلا به. وأما قول ابن عباس: كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك: أي حتى يقارب البلوغ، كقوله تعالى:
﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾ (٤).
стр. 1143
وبعد بلوغ الأجل لا يتأتى الإمساك. وقد صرح ابن عباس أنه كان يوم يموت النبي ﷺ مختوناً، وأخبر في حجة الوداع التي عاش بعدها رسول الله ﷺ بضعة وثمانين يوماً أنه قد ناهز الاحتلام، وقد أمر النبي ﷺ الآباء أن يأمروا أولادهم بالصلاة لسبع، وأن يضربوهم على تركها لعشر، فكيف يسوغ لهم ترك ختانهم حتى يجاوزوا البلوغ (١).
وقول ابن القيم كان في حجة الوداع قد ناهز الاحتلام.
(٤٦١ - ٢٥) الحديث رواه البخاري، قال: حدثنا إسحاق، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي بن شهاب، عن عمه، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود،
أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: أقبلت، وقد ناهزت الحلم أسير على أتان لي، ورسول الله ﷺ قائم يصلي بمنى حتى سرت بين يدي بعض الصف الأول، ثم نزلت عنها فرتعت فصففت مع الناس وراء رسول الله ﷺ .
قال البخاري: وقال يونس عن ابن شهاب: بمنى في حجة الوداع (٢).
الراجح:
قال ابن المنذر: ليس في باب الختان نهي يثبت، ولا لوقته حد يرجع إليه، ولا سنة تتبع، والأشياء على الإباحة، ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة، ولا نعلم مع من منع أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة (٣).
стр. 1144
وقد قال سفيان بن عيينة: قال لي سفيان الثوري: أتحفظ في الختان وقتاً؟ قلت: لا. قلت: وأنت لا تحفظ فيه وقتاً؟ قال: لا (١).
وقد قال أحمد في وقت الختان: لم أسمع فيه شيئاً (٢).
وقال ابن تيمية: أما الختان فمتى شاء اختتن، لكن إذا راهق البلوغ فينبغي أن يختن كما كانت العرب تفعل، لئلا يبلغ إلا وهو مختون (٣).
وقوله: " ينبغي " لا يدل على الوجوب.
الراجح من الخلاف
الصحيح أن الختان لا يجب إلا بالبلوغ؛ لأنه وقت التكليف. وأما قول ابن القيم ﵀: يجب على الصبي الختان قبل البلوغ؛ لأن ذلك مما لا يتم الواجب إلا به. فإن كان يقصد وجوب الصلاة فإن صلاة الأقلف صحيحة، وليس الختان شرطاً في صحة الصلاة.
وأما الاستدلال بحديث: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع" فليس فيه دليل على مسألتنا؛ لأن الصلاة نفسها لا تجب قبل البلوغ على الصحيح، وإنما الأمر للتربية والتعليم. وأما تطهير النجاسة المحتقنة في القلفة فإنه يمكنه تطهيرها بالمبالغة في الاستنجاء، وتتبع أماكن احتقان البول في القلفة لتكون طهارته صحيحة، وبالتالي صحة صلاته. فالختان كسائر التكاليف لا تجب على الصبي إلا بالبلوغ. والله أعلم.
стр. 1145
الفصل الخامس
في حكم الختان
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في حكم الختان للذكر.
المبحث الثاني: في حكم الختان للأنثى.
المبحث الثالث: في حكم الختان للخنثى.
المبحث الرابع: في حكم ختان الميت.
стр. 1146
المبحث الأول
في ختان الذكر
اختلف الفقهاء في حكم ختان الذكر.
فقيل: الختان سنة
وهو مذهب الحنفية (١)،والمالكية (٢)، واختاره بعض الشافعية (٣).
стр. 1147
وقيل: بل هو واجب.
وهو المشهور من مذهب الشافعة (١)، والحنابلة (٢).
دليل القائلين بأن الختان سنة
الدليل الأول:
(٤٦٢ - ٢٦) ما رواه أحمد، قال: ثنا سريج، ثنا عباد - يعنى ابن العوام - عن الحجاج، عن أبي المليح بن أسامة،
عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء (٣).
ولو صح، لم يكن المراد بالسنة خلاف الواجب، بل السنة في اللغة وفي لسان الشارع تطلق على الطريقة، وهي تشمل الواجب والمستحب. بل إن إطلاق السنة على المستحب إصطلاح حادث.
قال ابن دقيق العيد: كون السنة في مقابلة الواجب وضع اصطلاحي لأهل الفقه، والوضع اللغوي غيره، وهو الطريقة (١).
وتعقب هذا الجواب:
بأنه لما وقع التفرقة بين الرجال والنساء في ذلك دل على أن المراد افتراق الحكم.
ورد: بأنه لم ينحصر في الوجوب، فقد يكون في حق النساء للإباحة، بل
стр. 1151
إن قوله: " مكرمة " قد يشعر بأن المراد بالسنة الواجب.
لأن المكرمة: المقصود بها: الكرامة، والكرامة بمعنى المستحب، فتكون مقابلة للواجب. على أنهم اختلفوا في معنى مكرمة.
فقيل: معنى ذلك: أي محل لكرمهن، أي بسببه يصرن كرائم عند أزواجهن (١)، فتكون ذات منزلة وكرامة.
وقيل: مكرمة؛ لأنه يتسبب عنه رونق الوجه وبريقه ولمعانه، ويطيب الجماع للزوج، وقد جاء في الحديث: " اخفضي ولا تنهكي؛ فإنه أنضر للوجه وأحظى عند الزوج " (٢). وقد سبق تخريجه.
وقد فسره الحنفية في كتبهم بأن معنى مكرمة: أي أطيب وألذ في الجماع (٣).
ولو صح الحديث لكان معنى مكرمة والله أعلم: أي أن الشارع أكرمها بهذا التشريع. وإكرامها إما لأنه لم يلزمها فجعل الخيار لها؛ لأنه جعله في مقابل السنة في ختان الرجل أي لا زم له، وإما إن هذا التشريع قصد به إكرامها، ولم يقصد به إهانتها، كما هو سائر الأحكام التي تخص المرأة، إلا أنه يشكل عليه أنه مكرمة للرجل أيضاً، وليس له معنى تخصيص المرأة بهذا. والله أعلم.
стр. 1152
الدليل الثاني:
أن الرسول ﷺ قرنه في المستحبات دون الواجبات فيأخذ حكمهن.
(٤٦٣ - ٢٧) فقد روى البخاري ﵀ قال: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس: الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار، ونتف الآباط. ورواه مسلم (١).
فإذا كانت هذه الخصال المذكورة مع الختان مستحبة، فكذلك الختان.
وأجيب على ذلك:
أولاً: دلالة الاقتران من أضعف الدلالات. وقد قال : ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (٢).
وإتيان الحق واجب والأمر مباح، ومثله قوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً وآتوهم﴾ (٣)، والإيتاء واجب، والكتابة سنة، فالأمر المباح أو المندوب حين اقترن بالأمر الواجب لم يعط حكمه. فكذلك الختان (٤).
ثانياً: لا نسلم أن هذه الأمور الخمسة مستحبة، بل واجبة؛ فالأمور التي من الفطرة، وفطر عليها البشر لا يمكن أن تكون مخالفتها مخالفة لأمور مستحبة فقط.
стр. 1153
قال ابن العربي: " والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة؛ فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين " (١).
(٤٦٤ - ٢٨) وقد روى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد كلاهما، عن جعفر - قال يحيى أخبرنا جعفر بن سليمان - عن أبي عمران الجوني،
عن أنس بن مالك قال: قال أنس: وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة (٢).
стр. 1154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1155
وقول الصحابي: " وقت لنا " على البناء للمجهول له حكم الرفع، كقول الصحابي: " أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا ".
قال الشوكاني: المختار أنه يضبط بالأربعين التي ضبط بها رسول الله ﷺ ، فلا يجوز تجاوزها (١).
(٤٦٥ - ٢٩) ومما يدل أيضاً على الوجوب ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى، عن يوسف بن صهيب (ح) ووكيع، ثنا يوسف، عن حبيب بن يسار،
عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: من لم يأخذ من شاربه فليس منا (٢).
стр. 1156
[إسناده صحيح] (١).
فهذا الحديث يدل على أن الأخذ من الشارب واجب، بل لو قيل: إن تاركه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب لم يكن بعيداً لهذا العقاب.
فهذا الحديث، والحديث الذي قبله يدلان أن سنن الفطرة ليست مستحبة، وإنما هي واجبة، فيسقط القول بأن الختان قرن بما هو مستحب،
стр. 1157
فيكون مستحباً (١).
الدليل الثالث:
(٤٦٦ - ٣٠) ما رواه البخاري في الأدب المفرد، قال: حدثنا محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا معتمر، قال: حدثني سلم بن أبي الذيال (وكان صاحب حديث) قال:
سمعت الحسن يقول: أما تعجبون لهذا (يعني مالك بن المنذر) عمد إلى شيوخ من أهل كسكر أسلموا ففتشهم، فأمر بهم فختنوا في هذا الشتاء فبلغني أن بعضهم قد مات، ولقد أسلم مع رسول الله ﷺ الرومي والحبشي فما فتشوا عن شيء (٢).
[رجاله ثقات]
ورده ابن القيم، فقال: جوابه أنهم استغنوا عن التفتيش بما كانوا عليه من الختان، فإن العرب قاطبة كانوا يختتنون، واليهود قاطبة تختتن، ولم يبق إلا النصارى، وهم فرقتان: فرقة تختتن، وفرقة لا تختتن، وقد علم كل من دخل الإسلام منهم ومن غيرهم أن شعار الإسلام الختان، فكانوا يبادورن إليه بعد الإسلام، كما يبادرون إلى الغسل " (٣).
قلت: ومما يؤيد كلام ابن القيم، ان قيصر أطلق على الرسول ﷺ ملك
стр. 1158
الختان كما في البخاري (١).
دليل القائلين بالوجوب .
الدليل الأول:
اختتن إبراهيم، وكان الختان مما ابتلى الله به إبراهيم، فكان من شريعته، وقد أمرنا باتباع ملته ﵊، كما في قوله تعالى: ﴿ثم أو حينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾ (٢).
(٤٦٧ - ٣١) أما الدليل على اختتانه، فقد أخرج البخاري ﵀، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : اختتن إبراهيم ﵇، وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم. ورواه مسلم (٣).
وأما الدليل على كون الختان مما ابتلى الله به إبراهيم
(٤٦٨ - ٣٢) فقد روى البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا
стр. 1159
أبو زكريا العنبري، ثنا: محمد بن عبد السلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبد الرزاق، ثنا: معمر عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه،
عن ابن عباس في قوله : ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد: في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل مكان الغائط والبول بالماء.
[وإسناده صحيح] (١).
والابتلاء غالباً إنما يقع بما يكون واجباً
وأما الدليل على كوننا مأمورين باتباع ملته، فقال : ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾ (٢)(٣).
وتعقب هذا الاستدلال:
بأنه لا يلزم ما ذكر إلا إذا كان إبراهيم فعله على سبيل الوجوب، فإن من الجائز أن يكون فعله على سبيل الندب، فيحصل امتثال الأمر باتباعه على وفق ما فعل، وقد قال الله في حق نبينا محمد ﷺ : ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٤)، ومع هذا الأمر باتباعه فقد تقرر في الأصول أن أفعاله ﷺ بمجردها لا تدل على الوجوب، وأيضاً هناك قرينة من الحديث أنه ليس
стр. 1160
بواجب، لأن من الخصال العشر ما ليس بواجب علينا كالسواك وفرق الرأس. والله أعلم.
الدليل الثاني:
(٤٦٩ - ٣٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريح قال أخبرت، عن عثيم بن كليب، عن أبيه،
عن جده، أنه جاء النبي ﷺ ، فقال: قد أسلمت. فقال: ألق عنك شعر الكفر. يقول: أحلق. قال: وأخبرني آخر معه أن النبي ﷺ قال لآخر: ألق عنك شعر الكفر واختتن (١).
[إسناده ضعيف جداً] (٢).