[إسناده صحيح] (١).
فهذا الحديث يدل على أن الأخذ من الشارب واجب، بل لو قيل: إن تاركه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب لم يكن بعيداً لهذا العقاب.
فهذا الحديث، والحديث الذي قبله يدلان أن سنن الفطرة ليست مستحبة، وإنما هي واجبة، فيسقط القول بأن الختان قرن بما هو مستحب،
стр. 1157
فيكون مستحباً (١).
الدليل الثالث:
(٤٦٦ - ٣٠) ما رواه البخاري في الأدب المفرد، قال: حدثنا محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا معتمر، قال: حدثني سلم بن أبي الذيال (وكان صاحب حديث) قال:
سمعت الحسن يقول: أما تعجبون لهذا (يعني مالك بن المنذر) عمد إلى شيوخ من أهل كسكر أسلموا ففتشهم، فأمر بهم فختنوا في هذا الشتاء فبلغني أن بعضهم قد مات، ولقد أسلم مع رسول الله ﷺ الرومي والحبشي فما فتشوا عن شيء (٢).
[رجاله ثقات]
ورده ابن القيم، فقال: جوابه أنهم استغنوا عن التفتيش بما كانوا عليه من الختان، فإن العرب قاطبة كانوا يختتنون، واليهود قاطبة تختتن، ولم يبق إلا النصارى، وهم فرقتان: فرقة تختتن، وفرقة لا تختتن، وقد علم كل من دخل الإسلام منهم ومن غيرهم أن شعار الإسلام الختان، فكانوا يبادورن إليه بعد الإسلام، كما يبادرون إلى الغسل " (٣).
قلت: ومما يؤيد كلام ابن القيم، ان قيصر أطلق على الرسول ﷺ ملك
стр. 1158
الختان كما في البخاري (١).
دليل القائلين بالوجوب .
الدليل الأول:
اختتن إبراهيم، وكان الختان مما ابتلى الله به إبراهيم، فكان من شريعته، وقد أمرنا باتباع ملته ﵊، كما في قوله تعالى: ﴿ثم أو حينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾ (٢).
(٤٦٧ - ٣١) أما الدليل على اختتانه، فقد أخرج البخاري ﵀، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : اختتن إبراهيم ﵇، وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم. ورواه مسلم (٣).
وأما الدليل على كون الختان مما ابتلى الله به إبراهيم
(٤٦٨ - ٣٢) فقد روى البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا
стр. 1159
أبو زكريا العنبري، ثنا: محمد بن عبد السلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبد الرزاق، ثنا: معمر عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه،
عن ابن عباس في قوله : ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد: في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل مكان الغائط والبول بالماء.
[وإسناده صحيح] (١).
والابتلاء غالباً إنما يقع بما يكون واجباً
وأما الدليل على كوننا مأمورين باتباع ملته، فقال : ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾ (٢)(٣).
وتعقب هذا الاستدلال:
بأنه لا يلزم ما ذكر إلا إذا كان إبراهيم فعله على سبيل الوجوب، فإن من الجائز أن يكون فعله على سبيل الندب، فيحصل امتثال الأمر باتباعه على وفق ما فعل، وقد قال الله في حق نبينا محمد ﷺ : ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٤)، ومع هذا الأمر باتباعه فقد تقرر في الأصول أن أفعاله ﷺ بمجردها لا تدل على الوجوب، وأيضاً هناك قرينة من الحديث أنه ليس
стр. 1160
بواجب، لأن من الخصال العشر ما ليس بواجب علينا كالسواك وفرق الرأس. والله أعلم.
الدليل الثاني:
(٤٦٩ - ٣٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريح قال أخبرت، عن عثيم بن كليب، عن أبيه،
عن جده، أنه جاء النبي ﷺ ، فقال: قد أسلمت. فقال: ألق عنك شعر الكفر. يقول: أحلق. قال: وأخبرني آخر معه أن النبي ﷺ قال لآخر: ألق عنك شعر الكفر واختتن (١).
[إسناده ضعيف جداً] (٢).
стр. 1161
ولو صح لم يدل على الوجوب، لأن حلق شعر الكافر ليس بواجب، فكذلك الختان.
الدليل الثالث:
قالوا: إن القلفة تحبس النجاسة، فتتوقف على قطعها صحة الصلاة، كمن أمسك نجاسة في فمه.
وفي هذا نظر: من وجهين:
الوجه الأول: أن الفم في حكم الظاهر، بدليل أن وضع المأكول فيه لا
стр. 1162
يفطر به الصائم، بخلاف داخل القلفة فإنه في حكم الباطن، وقد صرح أبو الطيب الطبري بأن هذا القدر مغتفر.
الوجه الثاني: أن بإمكانه تطهير القلفة من النجاسة كل ما تبول، والأقلف صلاته صحيحة، وليس الختان شرطاً في صحة الطهارة.
الدليل الرابع:
جواز كشف العوارة من المختون، وجواز نظر الخاتن إليها - وقد ذكرنا أنه يشرع الختان لمن بلغ أو قارب البلوغ - وكشف العورة والنظر إليها حرام، فلو لم يجب لما أبيح ترك واجبين، وارتكاب محظورين.
وتعقب: بأن كشف العورة مباح للحاجة، وليس للضروة، فالحاجة تبيح كشف العورة، ولذلك أبيح النظر إلى العورة بالمداواة، وليس ذلك واجباً إجماعاً، وإذا جاز في المصلحة الدنيوية، كان في المصلحة الشرعية أولى. وقد قال بعضهم: قد يترك الواجب لغير الواجب كترك الإنصات للخطبة يوم الجمعة بالتشاغل بركعتي تحية المسجد، وكشف العورة للمداواة مثلها.
الدليل الخامس:
أن الولي يؤلم فيه الصبي إيلاماً بالغاً، ويخرج من ماله أجرة الخاتن، وثمن الدواء، ولا يضمن سرايته بالتلف، ولو لم يكن واجباً لما جاز ذلك، فإنه لا يجوز له إضاعة ماله، وإيلامه الألم البالغ، وتعريضه للتلف بفعل مالا يجب فعله.
الدليل السادس:
قالوا: بأن الختان واجب؛ لأنه من شعار الدين، وبه يعرف المسلم من
стр. 1163
الكافر، حتى ولو وجد مختوناً بين جماعة قتلى غير مختونين صلي عليه، ودفن في مقابر المسلمين.
وأجيب:
بأن شعائر الدين ليست كلها واجبة، فمنها ما هو واجب، كالصلوات الخمس والحج والصيام، ومنها ما هو مستحب كالتلبية وسوق الهدي وتقليده، ومنها ما هو مختلف في وجوبه كالأذان والعيدين والأضحية والختان. وما ذكر في المقتول مردود؛ لأن اليهود وكثيراً من النصارى يختتنون، فليقيد ما ذكر بالقرائن.
الدليل السابع:
الختان قطع عضو سليم من البدن، فلو لم يجب لم يجز كقطع الأصبع، فإن قطعها إذا كانت سليمة لا يجوز إلا إذا وجب بالقصاص.
وتعقب: بأن قطع العضو إذا كان فيه مصلحة للبدن، يجوز، ولو لم يكن القطع واجباً، والختان فيه عدة مصالح كمزيد الطهارة والنظافة، فإن القلفة من المستقذارت عند العرب، وقد كثر ذم الأقلف في أشعارهم، وكان للختان عندهم قدر، وله وليمة خاصة به.
الدليل الثامن:
(٤٧٠ - ٣٤) ذكر ابن حجر في التلخيص، ما رواه حرب بن إسماعيل في مسائله
عن الزهري، قال: قال رسول الله ﷺ : من أسلم فليختتن (١).
стр. 1164
وهذا مرسل، ومراسيل الزهري من أضعف المراسيل (١).
الدليل التاسع:
(٤٧١ - ٣٥) ما رواه البيهقي في السنن الكبرى، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن بندار القزويني بمكة، ثنا أبو محمد بن سهل بن أحمد الديباجي، ثنا أبو علي محمد بن محمد بن الأشعث (ح)
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر محمد بن داود بن سليمان الصوفي، قال: قرئ على أبي علي محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي، حدثني موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، ثنا أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين بن علي، عن أبيه،
عن أبيه علي رضي الله تعالى عنه قال: وجدنا في قائم سيف رسول الله ﷺ في الصحيفة، إن الأقلف لا يترك في الإسلام حتى يختتن، ولو بلغ ثمانين سنة.
قال البيهقي: وهذا حديث ينفرد به أهل البيت ﵈ بهذا
стр. 1165
الإسناد (١).
[إسناده ضعيف جداً] (٢).
وهناك أدلة ذكروها في عدم صحة إمامته وذبيحته وحجة، نترك ذكرها لأني أفردتها في بحث مستقل.
هذه أهم الأدلة التي استدل بها من يرى الوجوب.
стр. 1166
المبحث الثاني
في ختان المرأة
فقيل: الختان سنة في حق الرجل مكرمة في حق المرأة (أي مستحب) ولو تركته لم تجبر عليه. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢).
وقيل: ختان المرأة سنة. اختاره بعض الحنفية (٣)، وبعض المالكية (٤)،
стр. 1167
وبعض الشافعية (١)، وهو رواية عن أحمد (٢).
وقيل: يجب ختان المرأة، كما يجب على الرجل، وهو المشهور من مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
دليل القائلين بأنه سنة .
استدل القائلون بأن الختان سنة في حق المرأة بنفس أدلتهم في قولهم بأن الختان سنة في حق الرجل.
دليل القائلين بأنه واجب في حق المرأة .
ساقوا الأدلة في وجوب الختان، قالوا: وهي مطلقة، فتشمل الرجل والمرأة، انظر أدلتهم في القول بوجوب الختان على الرجل في المسألة التي قبل هذه.
دليل القائلين بأنه مستحب وليس بسنة .
قالوا: إن الختان في حق الرجل يتعلق بالطهارة من النجاسة المحتقنة في القلفة، والطهارة شرط في صحة الصلاة التي هي الركن الثاني من أركان
стр. 1168
الإسلام، بينما المقصود من ختان المرأة تعديل شهوتها، فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة، وهي طلب كمال لا أكثر فلا ترقى إلى الاستحباب.
والذي تميل له نفسي بعض الميل أن الختان واجب في حق الرجل، سنة في حق المرأة.
قال ابن قدامة: " فأما الختان فواجب على الرجال، ومكرمة في حق النساء، وليس بواجب عليهن. هذا قول كثير من أهل العلم. قال أحمد: الرجل أشد؛ وذلك أن الرجل إذا لم يختتن فتلك الجلدة مدلاة على الكَمَرَة، ولا يُنَقَّى ما ثَمَّ، والمرأة أهون " (١).
стр. 1169
شبهة وردها:
في بعض البلاد الإسلامية صدق قرار وزاري بمنع إجراء ختان الإناث بالمستشفيات أو العيادات العامة والخاصة، وقصر إجرائها على الحالات المرضية. وقامت على إثره هجمة شرسة على ختان المرأة.
وقد ألغت محكمة القضاء الإداري في تلك البلاد قرار وزير الصحة.
وجاء في جريدة القبس في تاريخ ١٤/ ١١/ ١٩٨٩ بأن نحو مائتي مسلم في بلغاريا قتلوا، وهم يقاومون أوامر صدرت بتحريم الختان، سواء بالنسبة للذكور والإناث.
وهناك من يصف خفاض الإناث بأنه وحشية، وهي حملة غربية ودخيلة على الأمة الإسلامية، تدعي أن خفاض الإناث ينجم عنه أضرار سيئة تلحق بالفتاة من الناحية الصحية كالنزيف وإصابة مجرى البول إلى آخر ما هنالك من أضرار تنجم عن سوء إجراء عملية الخفاض.
وأريد أن أثبت أن ختان المرأة مشروع في الإسلام، وليس فيه خلاف في مشروعيته، وإنما الخلاف في وجوبه.
قال ابن حزم في مراتب الإجماع: " واتفقوا على إباحة الختان للنساء" (١).
وقال ابن القيم: لا خلاف في استحبابه للأنثى، واختلف في وجوبه (٢).
(٤٧٢ - ٣٦) وقد روى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، ثنا هشام وشعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع،
стр. 1170
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل (١).
(٤٧٣ - ٣٧) وفي مسلم أيضاً، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا هشام بن حسان، حدثنا حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري (ح)
وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى - وهذا حديثه - حدثنا هشام، عن حميد بن هلال، قال: ولا أعلمه إلا عن أبي بردة،
عن أبي موسى، قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: قال أبو موسى فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت، فاستأذنت على عائشة، فأذن لي. فقلت: لها
يا أماه أو يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك. فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك. قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل (٢).
فقوله: " وألزق الختان بالختان " دليل على أن المرأة تختن، وأن هذا معروف في زمن الصحابة، وواضح أن من عادتهم ختان الأنثى.
نعم قد يقوم بالختان من لا يحسن الختان من النساء والرجال، ورأيت
стр. 1171
كثيراً في مجتمعنا في السابق من يذهب في ختان الأولاد إلى الحلاقين، والعوام الذين لا يحسنون المهنة، فينجم عن ذلك أضرار بالغة، ولا يعنى هذا أن يترك الختان من أجل سوء التصرف، بل ينبغي أن تكون هناك توعية للناس بأن يذهبوا إلى الأطباء المتخصصين. والله الموفق.
قال أحد الأطباء: أن ما يتم في مناطق كثيرة من العالم، ومنه بعض بلاد المسلمين مثل الصومال والسودان وأرياف مصر من أخذ البظر بأكمله، أو أخذ البظر والشفرين الصغيرين، أو أخذ ذلك كله مع إزالة الشفرين الكبيرين، فهو مخالف للسنة، ويؤدي إلى مضاعفات كثيرة، وهو الختان المعروف
باسم الختان الفرعوني، وهو على صفة لا علاقة له بالختان الذي أمر به المصطفى ﷺ .
ومضار هذا النوع من الختان المخالف للسنة، كما يلي:
أولاً: المضاعفات الحادة: مثل النزيف والالتهابات الميكروبية نتيجة إجراء عملية الختان في مكان غير معقم، وأدوات غير معقمة، وبواسطة خاتنة لا تعرف من الطب والجراحة إلا ما تعلمته من الخاتنات مثلها.
ثانياً: مضاعفات متأخرة: مثل البرود الجنسي، والرتق، وهو التصاق فتحة الفرج مما يؤدي إلى صعوبة الجماع، وصعوبة الولادة، وتعسرها عند حدوثها.
وهذا كله ناتج عن مخالفة السنة، واتباع الأهواء، والعادات الفرعونية، ولا بد أن يجري الختان كما أمر المصطفى ﷺ ، ثم يجب أن يتم بواسطة طبيبة لديها التدريب الكافي لإجراء الختان، وفي مكان معقم، وبأدوات معقمة، مثل أي عملية جراحية.
стр. 1172
ولذا فإن الضجة المفتعلة ضد ختان البنات لا مبرر لها؛ لأن المضاعفات والمشاكل ناتجة عن شيئين لا ثالث لهما:
مخالفة السنة، والثاني: إجراء العملية بدون تعقيم، ومن قبل غير الأطباء.
ولو تمت أي عملية بدون تعقيم، وكان الذي يجريها لا علاقة له بالطب فإن مضاعفاتها ستكون مروعة (١).
стр. 1173
فرع
في أنواع الخفاض
جاء في تقرير الدكتور مأمون الحاج إبراهيم: أستاذ أمراض النساء والولادة بكلية الطب بجامعة الكويت بيان أنواع كيفية ممارسة الخفاض:
النوع الأول:
يقصد به إزالة قطعة الجلد التي تكون في أعلى الفرج - كما سبق- وقد يزاد على ذلك.
النوع الثاني:
خياطة الشفرين الصغيرين، من غير إزالة أجزاء منهما، وذلك لتضييق فتحة المهبل.
وهذا مخالف للشرع.
النوع الثالث:
ويعرف باسم الخفاض الفرعوني، وهو أشدها، والذي بدأت ممارسته في مصر القديمة أيام الفراعنة.
وفي هذا النوع تتم إزالة البظر، والشفرين الصغيرين، ومعضم الشفرين الكبيرين، ثم تتم عملية خياطة الجانبين لقفل فتحة المهبل، وتترك فتحة صغيرة جداً في الجزء الأسفل من المهبل لخروج البول، ودم الحيض.
والشفران الصغيران يقعان بين الشفرين الكبيرين، وفيهما الأنسجة الدموية والأعصاب، ويشكلان مع البظر أكثر الأعضاء الجنسية حساسية.
أما البظر فيقع في مقدمة الأعضاء التناسلية الخارجية، فوق فتحة البول،
стр. 1174
وهو أكثر الأعضاء حساسية عند المرأة.
ويصاحب هذا النوع كثير من المضاعفات مثل النزيف الحاد، والتهاب مجاري البول، والالتهاب التناسلي، والصدوة أو الموت، خاصة أنه يعمل بواسطة نساء غير مؤهلات طبياً، وليس لهن دراية بالعمليات الجراحية (١).
стр. 1175
المبحث الثالث
في ختان الخنثى
اختلف العلماء في ختان الأنثى
فقيل: يختن الخنثى، ولكن لا يختنه أجنبي بعد المراهقة، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: لا يجوز ختانه. وهو وجه في مذهب المالكية (٢)، وأصح الوجهين
стр. 1176
في مذهب الشافعية (١).
وقيل: يختن نفسه. اختاره بعض المالكية (٢).
وقيل: لا يختن في صغره، فإذا بلغ وجب ختان فرجيه. وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
فتلخص من هذه الأقوال أربعة أقوال:
- أنه لا يختن بعد البلوغ إلا من أمته أو زوجته، وأما قبل المراهقة فيجوز مطلقاً.
- أنه يجب على الإمام أن يزوجه ختانة.
- أنه لا يجوز ختانه مطلقاً.
- أنه يجب ختان فرجيه بعد البلوغ مطلقاً فإن أمكن أن يختنه من يحل له النظر إلى عورته، وإلا جاز ختانه من أجنبي ضرورة.
стр. 1177
دليل القائلين بأنه يختن ولكن من أمته أو زوجته .
قالوا: لا يجوز للرجل أن يختنه لاحتمال أنه أنثى، ولا يحل له النظر إلى عورتها، ولا يحل لامرأة أجنبية أن تختنه لاحتمال أنه رجل، فلا يحل لها النظر إلى عورته، فيجب الاحتياط في ذلك، وذلك أن يشترى له من ماله جارية تختنه إن كان له مال؛ لأنه إن كان أنثى فالأنثى تختن الأنثى عند الحاجة. وإن كان ذكراً فتختنه أمته؛ لأنه يباح لها النظر إلى فرج مولاها، وإن لم يكن له مال يشتري له الإمام من مال بيت المال جارية ختانة، فإذا ختنته باعها، ورد ثمنها إلى بيت المال؛ لأن الختان من سنة الإسلام، وهذا من مصالح المسلمين، فيقام من بيت مالهم عند الحاجة والضرورة، ثم تباع ويرد ثمنها إلى بيت المال لاندفاع الحاجة والضرورة (١).
دليل القائلين بأن على الإمام أن يزوجه امرأة ختانة .
قالوا: لأنه إن كان ذكراً فللمرأة أن تختن زوجها، وإن كان أنثى فالمرأة تختن المرأة عند الحاجة (٢).
وتعقب هذا بقولهم: إن زجناه كان عقد النكاح مشكوكاً فيه، فإن صح كانت المرأة معلقة لا يمكنها الخلاص منه، ولا يتيقن أيضاً وجوب المهر بالعقد، ولا وجوب الميراث إن مات وهو مشكل، ولا يدرى هل تلزمه نفقة أم لا (٣).
стр. 1178
دليل القائلين لا يجوز ختانه مطلقاً .
قال البغوي: لا يختن الخنثى المشكل؛ لأن الجرح على الإشكال لا يجوز. قال النووي: وهذا الذي ذكره البغوي هو الأظهر والمختار. والله أعلم (١).
دليل من قال يجب ختان فرجيه بعد البلوغ .
قالوا: إن ختن أحد فرجيه واجب، ولا يتوصل للواجب إلا بختنهما جميعاً، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٢).
الراجح:
يترك الأمر للطبيب الثقة، فلا شك أن الطب تقدم في هذا المجال، وأصبح باستطاعته أن يتحقق من الخنثى، هل هي رجل أو امرأة، وكان بالإمكان إجراء جراحة طبية لتغليب أحد الجنسين، فإذا قال الطبيب: إن هذا الخنثى امرأة، إما لوجود رحم في جوفها، ووجود مبايض، ونحو ذلك من جريان الحيض ونحوه كان الحكم فيها حكم ختان الأنثى.
وإن قال الطبيب: إنه رجل، إما لوجود خصيتين مختفيتين، ولوجود
стр. 1179
هرمون الذكورة فيه، فيكون الخلاف فيه كالخلاف في ختان الرجل.
وإن عجز الطب عن تحديد جنس الرجل، كان ختانه إن كان الأمر يتعلق بالطهارة من النجاسة، فله حكم الرجل، وإلا كان له حكم ختان الأنثى. والله أعلم.
стр. 1180
فرع
حكم ما لوكان للرجل ذكران
قال النووي: لوكان لرجل ذكران.
قال صاحب البيان: إن عرف الأصلي منهما ختن وحده.
قال صاحب الإبانة: يعرف الأصلي بالبول.
وقال غيره: بالعمل، فإن كانا عاملين أو يبول منهما، وكانا على منبت الذكر على السواء، وجب ختانهما (١).
стр. 1181
المبحث الرابع
في حكم ختان الميت
اختلف الفقهاء في المسلم يموت غير مختون هل يختن بعد موته.
فقيل: لا يختن، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣)، واختيار ابن تيمية (٤).
وقيل: يختن مطلقاً الكبير والصغير، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية (٥)، واختيار ابن حزم (٦).
وقيل: يختن الكبير دون الصغير، وهو وجه في مذهب الشافعية (٧).
دليل من قال لا يختن مطلقاً .
التعليل الأول:
قالوا: إن الختان كان تكليفاً، وقد زال التكليف بالموت.
стр. 1182
التعليل الثاني:
قالوا: المقصود من الختان الطهارة من النجاسة، وقد زالت الحاجة بموته.
التعليل الثالث:
قالوا: إن الختان جزء من الميت، فلا يقطع كيده المستحقة في قطع السرقة أو القصاص، وهي لا تقطع من الميت.
ويمكن مناقشة هذا التعليل: بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن عدم قطع جزء من الميت في القصاص لحق الآدمي، وقد فات بالموت، وأما في مسألة الختان فهي عبادة وقربة، كتغسيله بعد الموت، والله أعلم.
دليل من قال يختن مطلقا .
الدليل الأول:
قال: ثبت أن حلق العانة من الفطرة، فلا يجوز أن يجهز إلى ربه تعالى إلا على الفطرة التي مات عليها.
الدليل الثاني:
(٤٧٤ - ٣٨) روى عبد الرزاق في مصنفه، قال: عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، أن سعد بن مالك حلق عانة ميت (١).
إسناده صحيح إن كان سمع أبو قلابة من أبي سعيد الخدري ﵁.
ولا يعلم له مخالف من الصحابة، وإذا جاز هذا في العانة جاز في الختان، لأن محلهما العورة.
стр. 1183
الدليل الثالث:
القياس على أخذ شاربه، وتقليم أظفاره، ونتف إبطه.
وأجيب:
بأن أخذ الشارب، وتقليم الظفر، ونتف الإبط من تمام طهارته، وإزالة وسخه ودرنه، بخلاف الختان فهو قطع عضو من أعضائه، والمعنى الذي شرع له في الحياة قد زال بالموت، وقد أخبر النبي ﷺ بأنه يبعث يوم القيامة غراً غير مختون، فما الفائدة في قطع عضو منه، سوف يبعث به يوم القيامة، وهو من تمام خلقه في النشأة الأخرى (١).
(٤٧٥ - ٣٩) والدليل على كونه يحشر غير مختون، ما رواه البخاري، قال: حدثني محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، قال: قام فينا النبي ﷺ يخطب، فقال: إنكم تحشرون حفاة عراة غرلا، كما بدأنا أول خلق نعيده. الآية الحديث قطعة من حديث طويل (٢).
دليل من قال يختن إن كان كبيراً .
قالوا: إن الصغير قد مات قبل زمن التكليف، فلا يختن، بخلاف من مات، وهو مكلف، فقد وجب في حقه الختان فيختن
стр. 1184
الفصل السادس
في من يولد وهو مختون
اختلف الفقهاء فيمن ولد مختوناً.
فقيل: يستحب إمرار الموسى على موضع الختان. اختاره بعض المالكية (١).
وقيل: من ولد مختوناً بلا قلفة، فلا ختان عليه لا إيجاباً ولا استحباباً، فإن وجد في القلفة شيء يغطي الحشفة أو بعضها قطع، كما لو ختن ختاناً غير كامل، فإنه يجب تكميله حتى يبين جميع القلفة التي جرت العادة بإزالتها في الختان. رجحه ابن رشد من المالكية (٢)، وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
دليل من قال يجب إمرار الموسى .
الدليل الأول:
قالوا: قياس على إمرار الموسى على رأس الأقرع في حلق الرأس في الحج. ونظيره أيضاً إمرار السواك على فم من ذهبت أسنانه (٥).
стр. 1185
والصحيح أنه لا يجب إمرار الموسى على رأس الأقرع، وإذا سقط المقيس، سقط المقيس عليه. وأما إمرار السواك على فم من ذهبت أسنانه فإن السواك لا يختص بالأسنان، فالسواك مشروع للثة واللسان، كما هو مشروع للأسنان، فلا يصح القياس عليه أيضاً.
الدليل الثاني:
(٤٧٦ - ٤٠) ما رواه البخاري في صحيحه، قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (١).
فقوله ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " فكان الواجب أمرين: مباشرة الحديدة والقطع، فإذا سقط القطع فلا أقل من استحباب مباشرة الحديدة.
دليل من قال لا يجب .
قالوا: إن مجرد امرار الموسى على ذكره عبث، ولا فائدة منه،
ولا يتقرب إلى الله تعالى بمثله، وتنزه عنه الشريعة، وإمرار الموسى غير مقصود، بل هو وسيلة إلى فعل المقصود، فإذا سقط المقصود لم يبق للوسيلة معنى (٢).
وهذا القول هو الراجح المتعين.
стр. 1186
فرع
ذكر ابن القيم: أن العرب تزعم أن من ولد في القمر تقلصت قلفته، وتجمعت، ولهذا يقولون: ختنه القمر!! قال ابن القيم: وهذا غير مطرد، ولا هو أمر مستمر، فلم يزل الناس يولدون في القمر، والذي يولد بلا قلفة نادر جداً، ومع هذا فلا يكون زوال القلفة تاماً، بل يظهر رأس الحشفة، بحيث يبين مخرج البول، ولهذا لا بد من ختانه ليظهر تمام الحشفة، وأما الذي يسقط ختانه بإن تكون الحشفة كلها ظاهرة، وأخبرني صاحبنا محمد بن عثمان الخليلي المحدث ببيت المقدس أنه ممن ولد كذلك (١).
فرع آخر
سئل ابن الصلاح عن صبي شمر غرلته وربطها بخيط، وتركها مدة، فتشمرت، وانقطع الخيط، وصار كالمختون بحيث لا يمكن ختانه؟
فأجاب: بأنه إن صار بحيث لا يمكن قطع غرلته، ولا شيء منها إلا بقطع غيرها، سقط وجوبه. وإن أمكن: فإن كانت الحشفة قد انكشفت كلها سقط أيضاً إلا أن يكون تقلص الغرلة واجتماعها بحيث ينقص عن المقطوع في طهارته وجماعه، فالذي يظهر وجوب قطع ما يمكن قطعه منها حتى يلتحق بالمختون في ذلك، وإن لم تنكشف كلها فيجب من الختان ما يكشف
جميعها (٢).
стр. 1187
الفصل السابع
في موانع الختان
يسقط وجوب الختان لأمور، منها:
الأول: أن يولد الرجل ولا قلفة له، وقد ذكرت خلاف العلماء فيه، والراجح أنه لا يجب عليه ختان.
الثاني: ضعف المولود عن احتماله، بحيث يخاف عليه من التلف، ويستمر به الضعف كذلك، فهذا يعذر في تركه إذ غايته أنه واجب فيسقط بالعجز عنه كسائر الواجبات
الثالث: أن يسلم الرجل كبيراً، ويخاف على نفسه منه، فهذا يسقط عنه عند الجمهور، ونص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه، وذكر قول الحسن أنه قد أسلم في زمن الرسول ﷺ الرومي والحبشي والفارسي فما فتش عن أحد منهم. وخالف سحنون بن سعيد الجمهور فلم يسقطه عن الكبير الخائف على نفسه. وهو قول في مذهب أحمد حكاه ابن تميم وغيره.
الرابع: الموت. قال ابن القيم: فلا يجب ختان الميت باتفاق الأمة، وهل يستحب؟ فجمهور أهل العلم على أنه لا يستحب، وهو قول الأئمة الأربعة، وذكر بعض الأئمة المتأخرين أنه مستحب. وقد ذكرت أدلة كل قول في مسألة مستقلة (١).
هذه بعض الموانع التي يذكرها الفقهاء، ويضع بعض الأطباء موانع أخرى نلحقها بهذه الموانع:
стр. 1188
الخامس: إذا كان الطفل مصاباً بتشوهات خلقية في الأعضاء التناسلية.
السادس: إذا كان الطفل يعاني من أمراض الدم مثل الهيموفيليا (الناعور)، أو نزف دموي، أو زيادة كبيرة في مادة البيليروبين (Bilirubin) (مادة الصفراء) في الدم، وهذه الأسباب كلها وقتيه، وبالتالي يمكن إجراء الختان بعد استقرار حالة الطفل، وحصوله على المواد المانعة للنزف، فمريض الناعور مثلا يمكن إجراء العمليات الجراحية بعد أخذ حقنة من الجلوبيولين المضاد للناعور، وهكذا في سائر أمراض الدم. أما إذا كان مصاباً بسرطان خلايا الدم البيضاء (اللوكميا) أو غيرها من الأمراض الخطيرة فلا داعي آنذاك لأجراء الختان.
السابعة: أن تكون حالة الوليد غير مستقرة ويحتاج إلى إجراءات إدخاله الحضانة، فيترك حتى تتحسن حالته وتستقر (١).
стр. 1189
الفصل الثامن
في عبادة الأقلف
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: في طهارة الأقلف.
المبحث الثاني: في إمامة الأقلف.
المبحث الثالث: في ذبيحة الأقلف.
المبحث الرابع: في حج الأقلف.
المبحث الخامس: في شهادة الأقلف.
стр. 1190
المبحث الأول
في طهارة الأقلف .
اتفق الفقهاء على أنه إذا كان هناك حرج في غسل ما تحت القلفة فلا يطلب تطهيرها دفعاً للحرج.
أما إذا كان تطهيرها ممكناً من غير حرج
فالشافعية (١)، والحنابلة (٢) ومحمد بن الحسن من الحنفية (٣)، يوجبون تطهير ما تحت القلفة في الاستنجاء.
لأنها واجبة الإزالة، وما تحتها له حكم الظاهر.
وذهب الحنفية والمالكية (٤)، إلى استحباب غسلها في الاستنجاء، لأن الاستنجاء عندهم سنة، وليس بواجب.
وأما في الغسل الواجب:
فقال المرداوي من الحنابلة: " لو خرج المني إلى قلفة الأقلف أو فرج
стр. 1191
المرأة وجب الغسل رواية واحدة. وجزم به في الرعاية، وحكاه ابن تميم عن بعض الأصحاب " (١).
وقال الكاساني أيضاً: يجب على الأقلف إيصال الماء إلى القلفة.
وقال بعضهم: لا يجب. وليس بصحيح؛ لإمكان إيصال الماء إليه من غير حرج (٢).
واختلف الحنفية في وجوب غسل القلفة في الغسل الواجب.
فقال الزيلعي: لا يجب عليه أن يدخل الماء داخل جلدة الأقلف؛ لأن خِلْقَةً كقصبة الذكر. قال: وهذا مشكل؛ لأنه إذا وصل البول إلى القلفة ينتقض الوضوء، فجعلوه كالخارج في هذا الحكم، وفي حق الغسل كالداخل حتى لا يجب إيصال الماء إليه عند بعض المشايخ.
وقال الكردي: يجب إيصال الماء إليه عند بعض المشايخ، وهو الصحيح، فعلى هذا لا إشكال فيه (٣).
стр. 1192
المبحث الثاني
في إمامة الأقلف
اختلف الفقهاء في إمامة الأقلف
فقيل: تصح إمامته بلا كراهة، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: تكره مع الصحة، وهو مذهب الجمهور من المالكية (٢)،والشافعية (٣) والحنابلة (٤).
стр. 1193
وقال بعضهم: هذا إذا كان معذوراً في ترك الختان، فإن أصر على تركه بلا عذر، لم تصح إمامته (١).
وقيل: تصح إمامته بمثله، وهو رواية عن أحمد (٢).
وقيل: لا تصح مطلقاً، وهي رواية عن أحمد (٣).
وقيل: لا تكره إمامته، وإنما يكره أن يكون إماماً راتباً اختاره بعض المالكية (٤).
هذه ملخص الأقوال في المسألة، وإليك دليل كل قول
стр. 1194
دليل من قال تصح إمامته .
قالوا: الأصل الصحة، ولا تبطل العبادة، أو تكره إلا بدليل شرعي، ولا دليل هنا.
ولأن العدالة لا تختل بترك الختان، لأن الختان سنة عندنا.
ولأن صلاته لنفسه صحيحة، فكذلك صلاته لغيره.
دليل من قال تكره إمامته .
الدليل الأول:
وجه الكراهة عند الشافعية: احتمال وجود النجاسة تحت القلفة.
ووجه الكراهة عند الحنابلة، قالوا: أما صحة الصلاة؛ فلأنه ذكر مسلم عدل قارئ، فصحت إمامته كالمختون، والنجاسة تحت القلفة بمحل
لا تمكنه إزالتها منه معفو عنها لعدم إمكان إزالتها، وكل نجاسة معفو عنها
لا تؤثر في بطلان الصلاة.
وأما الكراهة، فلأنه مختلف في صحة إمامته. فكرهنا إمامته خروجاً من الخلاف (١).
والحقيقة أن الكراهة حكم شرعي، يفتقر إلى دليل شرعي، والخلاف ليس من أدلة الشرع، لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها.
دليل من قال لا تصح صلاته .
استدل من قال بعدم صحة إمامة الأقلف: بأن الختان واجب عليه، وأن تركه للختان موجب للفسق، ولا يرى صحة إمامة الفاسق إلا إذا كان ذلك
стр. 1195
الإمام الأعظم.
قال في مجمع البحرين: إن كان تاركاً للختان من غير خوف ضرر، وهو يعتقد وجوبه، فسق على الأصح. وفيه الروايتان لفسقه، لا لكونه أقلف، وإن تركه تأولاً أو خائفاً على نفسه التلف لكبر ونحوه: صحت إمامته. انتهى.
قال المرداوي متعقباً: الذي قطع به المصنف، والشارح، وابن منجا وغيرهم: أن المنع لعجزه عن غسل النجاسة (١).
قال في الإنصاف: هل المنع من صحة إمامته لترك الختان الواجب، أو لعجزه عن غسل النجاسة؟
اختلف الأصحاب في مأخذ المنع:
فقال بعضهم: تركه الختان الواجب، فعلى هذا إن قلنا: بعدم الوجوب، أو سقط القول به لضرر صحت إمامته.
وقال جماعة آخرون: هو عجزه عن شرط الصلاة، وهو التطهر من النجاسة فعلى هذا: لا تصح إمامته إلا بمثله (٢).
والصحيح أنه حتى على القول بفسقه، فإن إمامة الفاسق صحيحة،
ولا دليل على البطلان، وكل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره. ومسألة صحة صلاة الفاسق فيها خلاف بين أهل العلم، وليس هذا مكان بحثها، ولعل الله أن يوفقني لإكمال هذا المشروع فأصل إليها إن شاء الله في فقه الصلاة. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.