فرع
إذا قلنا بأن الاستحداد سنة فهل له أن يجبر زوجته على الاستحداد
قيل: له أن يجبرها إذا طال، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (١)، وقولاً واحداً في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: ليس له إجبارها حتى يفحش بحيث ينفر التواق (٣)
والراجح أن لكل الزوجين أن يجبر الآخر على التنظف له، وهو من العشرة بالمعروف المأمور بها الزوج بقوله تعالى:
﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ (٤).
وكما أنه يجب للزوج على الزوجه، يجب على الزوج أيضاً
قال تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن﴾ (٥).
стр. 1227
الفصل الثاني
في وقت الاستحداد
قيل: يستحب أن يحلق عانته كل جمعة، وبعضهم قال في كل أسبوع مرة. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ورواية عن أحمد (٣).
وقيل: لا وقت له، ويقدر بالحاجة، وهو يختلف من شخص إلى آخر، والمعتبر طولها، فمتى طالت حلقها، وهو مذهب الشافعية (٤)،وقال
стр. 1228
ابن عبد البر إنه قول الأكثر (١).
وأما ترك الاستحداد أكثر من أربعين يوماً
فقيل: يحرم. وهو مذهب الحنفية (٢)، ورجحه الشوكاني (٣).
وقيل: يكره كراهية شديدة، وهو مذهب الشافعية (٤)، والمشهور عند الحنابلة (٥).
دليل من وقت بالأربعين .
(٤٩٠ - ٥٤) سلم في صحيحه، قال: حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد كلاهما، عن جعفر - قال يحيى أخبرنا جعفر بن سليمان - عن أبي عمران الجوني،
стр. 1229
عن أنس بن مالك قال: قال أنس: وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة (١).
وقول الصحابي: " وقت لنا " على البناء للمجهول له حكم الرفع، كقول الصحابي: " أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا ".
قال الشوكاني: المختار أنه يضبط بالأربعين التي ضبط بها رسول الله ﷺ ، فلا يجوز تجاوزها (٢).
وأجاب القائلون بعدم التوقيب عن هذا الحديث .
قال النووي: معنى هذا الحديث أنهم لا يؤخرون فعل هذه الأشياء عن وقتها، فإن أخروها فلا يؤخرونها أكثر من أربعين يوماً، وليس معناه الإذن في التأخير أربعين مطلقاً، وقد نص الشافعي والأصحاب ﵏ على أنه يستحب تقليم الأظفار، والأخذ من هذه الشعور يوم الجمعة، والله أعلم.
وقال القرطبي: هذا تحديد أكثر المدة، والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، وإلا فلا تحديد فيه للعلماء إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل. اهـ
والراجح أنه لا يجوز تجاوز ما وقت لنا فيه رسول الله ﷺ ، وأن قبل الأربعين من ترك ذلك لا يعتبر مخالفاً للسنة، والله أعلم.
стр. 1230
الفصل الثالث
في كيفية الاستحداد
اختلف العلماء في كيفية الاستحداد،
فقيل: السنة في الرجل حلق العانة، فلو نتفها أو قصها أو أزلها جاز، وكان تاركاً للأفضل وهو الحلق، والسنة في المرأة نتف العانة، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢).
وقيل: السنة الحلق مطلقاً للجنسين، ويكره إزلة شعر العانة بالنتف للرجال والنساء. وهو مذهب المالكية (٣).
وقيل: إن كانت شابة فالنتف في حقها أولى، وإن كانت كهلة فالأفضل في حقها الحلق، اختاره ابن العربي (٤).
وقيل: بأي شيء أزاله صاحبه فلا بأس، وهو مذهب الحنابلة (٥).
стр. 1231
دليل من قال السنة الحلق ويكره النتف للجنسين .
الدليل الأول:
(٤٩١ - ٥٥) أخرجه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (١).
(٤٩٢ - ٥٦) وروى البخاري، قال: حدثنا أحمد بن أبي رجاء، حدثنا إسحاق بن سليمان، قال: سمعت حنظلة، عن نافع،
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب (٢).
(٤٩٣ - ٥٧) ومنها حديث عائشة، في مسلم، قال ﵀: حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا وكيع عن زكرياء بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله ابن الزبير،
عن عائشة قالت: قال ﷺ :عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
стр. 1232
زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء.
[المحفوظ أنه من قول طلق، وسيأتي تخريجه في كتاب السواك] (١).
وجه الاستدلال:
قوله في حديث أبي هريرة: " الاستحداد " فالمقصود: استعمال الحديدة في حلق العانة.
وأما حديث ابن عمر وعائشة فصريحان في حلق العانة.
الدليل الثاني:
(٤٩٤ - ٥٨) روى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا محمد بن الوليد، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سيار، عن الشعبي،
عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: إذا دخلت ليلا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، قال: قال رسول الله ﷺ : فعليك بالكيس الكيس (٢).
فقوله ﷺ : " تستحد المغيبة " فالاستحداد، هو استعمال الحديدة بالحلق، كما قدمنا.
الدليل الثالث:
قال العراقي: الحكمة في تخصيص الإبط بالنتف، والعانة بالحلق على وجه الأفضلية أن الإبط محل الرائحة الكريهة، والنتف يضعف الشعر فتخف الرائحة الكريهة،، والحلق يكثف الشعر، فتكثر فيه الرائحة (٣).
وقال ابن دقيق العيد: " والأولى في إزالة الشعر هنا الحلق اتباعاً، ويجوز
стр. 1233
النتف بخلاف الإبط، فإنه بالعكس؛ لأنه تحتبس تحته الأبخرة بخلاف العانة. والشعر من الإبط بالنتف يضعف، وبالحلق يقوى، فجاء الحكم في كل من الموضعين بالمناسب " (١).
وأما التعليل على كراهة النتف، فقالوا: إن النتف يرخي المحل بالنسبة للمرأة، ويؤذي الرجل، كما أخبر بذلك بعض الأطباء (٢).
دليل من قال يزيل الشعر بأي شيء .
قالوا: إن المقصود هو إزالة الشعر، فبأي شيء زال فقد حصل المقصود (٣).
دليل من قال الحلق للرجل والنتف للمرأة .
قالوا: الحكمة إن النتف يضعف الشهوة، والحلق يقويها (٤).
ولو قيل: إن النتف يضعف الشعر، والحلق يقويه، والنتف يؤخر نموه، بخلاف الحلق لكان أوجه.
الراجح:
الأحاديث لم تفرق بين المرأة والرجل، وكلاهما الوارد في حقه الحلق، وإزالتها بأي مزيل مباح إذا كان لا ضرر فيه. لكن السنة الحلق؛ لأنه المنصوص عليه، وغيره لم ينه عنه.
стр. 1234
الفصل الرابع
في حلق شعر الدبر
اختلف العلماء في حلق شعر الدبر.
فقيل: يستحب حلق شعر الدبر، اختاره بعض الحنفية (١).
وقيل: لا يشرع. اختاره ابن العربي، والفاكهي (٢).
وقيل: يباح. وهو الصواب، وهو مذهب المالكية (٣)، واختاره النووي من الشافعية (٤).
стр. 1235
دليل من قال بالاستحباب .
قال ابن عابدين: " والعانة: الشعر القريب من فرج الرجل والمرأة، ومثلها شعر الدبر، بل هو أولى بالإزالة، لئلا يتعلق به شيء من الخارج عند الاستنجاء بالحجر (١).
وقال ابن دقيق العيد: كأن الذي ذهب إلى استحباب حلق ما حول الدبر ذكره بطريق القياس (٢).
دليل من قال لا يشرع .
قال: لم نقف في حلق شعر الدبر، لا من قول الرسول ﷺ ، ولا من فعله، ولا من فعل أصحابه، وعليه فلا يشرع.
قال الشوكاني: الاستحداد إن كان في اللغة حلق العانة كما ذكره النووي، فلا دليل على سنية حلق الشعر النابت حول الدبر، وإن كان المعنى هو الاحتلاق بالحديد كما في القاموس، فلا شك أنه أعم من حلق العانة، ولكنه وقع في مسلم وغيره بدل الاستحداد في حديث: "عشر من الفطرة" حلق العانة، فيكون مبيناً لإطلاق الاستحداد في حديث: "خمس من الفطرة" فلا يتم دعوى سنية حلق شعر الدبر، أو استحبابه إلا بدليل، ولم نقف على حلق شعر الدبر من فعله ﷺ ، ولا من فعل أحد من أصحابه (٣).
وهذا الكلام وإن سلم للشوكاني ﵀ إلا أن نفي الاستحباب لا يدل على نفي الإباحة.
стр. 1236
دليل من قال بالإباحة .
قالوا: إن الشعر ثلاثة أقسام: قسم نهينا عن حلقه، كشعر اللحية، وقسم أمرنا بحلقه، كشعر العانة والإبط، وقسم سكت عنه، فلم نؤمر بحلقه ولم ننه عنه، فهو على العفو والإباحة، كشعر الساق واليدين، وممكن أن ندخل في هذا شعر الدبر.
الراجح أن حلق شعر الدبر على الإباحة، على أنه إن كان بقاؤه يؤثر في طهارة الاستنجاء كما لو كان كثيفاً وطويلاً، ولا يمكن تنظيفه إلا بالماء بحيث لا يطهره الاستجمار، فهنا لا شك أن القول باستحبابه قول قوي، أو الاقتصار على الاستنجاء، والله أعلم.
стр. 1237
الفصل الخامس
في حلق شعر عانة الميت
اختلف الفقهاء في حلق عانة الميت إذا كانت طويلة:
فقيل: يحرم حلق عانته، وهو مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يكره، وهو المشهور من مذهب المالكية (٣)،والشافعية (٤). قال مالك: إن ذلك بدعة (٥).
وقيل: لا يكره، ولا يستحب، وهو قول عند الشافعية (٦).
стр. 1238
وقيل: إن كانت عانته طويلة استحب حلقها، وهو رأي الشافعي في الجديد (١)،
стр. 1239
وقول عند الحنابلة (١)، واختيار ابن حزم (٢).
دليل من قال بالتحريم .
قالوا: لأنه يحتاج في أخذها إلى كشف العورة ولمسها، وهتك الميت، وذلك محرم، ولا يرتكب المحرم لتحقيق سنة،
تعليل آخر: قالوا: إن لم يأت فيه شيء من الشرع، ولذلك اعتبره مالك بدعة. وقال النووي: لم يصح عن النبي ﷺ شيء، فكره فعله (٣)، بل ثبت الأمر بالإسراع بالجنازة المنافي لذلك.
تعليل آخر: قالوا بأن العورة مستورة فيستغنى بسترها عن إزالتها
تعليل آخر: قالوا: إذا كان الراجح أنه لا يختن، فكذلك لا تحلق عانته، ولأن شعر العانة جزء من الميت، وأجزاؤه محترمة.
دليل من قال بالكراهة .
استدل القائلون بالكراهة بما استدل به من قال بالتحريم، وقد سبق ذكر أدلة من قال بالتحريم.
стр. 1240
دليل من قال بالجواز أو الاستحباب .
التعليل الأول:
قالوا: بأن حلق العانة من باب التنظيف، فيشرع حلقها كإزالة الوسخ.
التعليل الثاني:
قالوا: إذا كان حلق العانة من الفطرة، فلا يترك الميت من تحقيقها.
قال ابن حزم: وإن كانت أظفار الميت وافرة، أو شاربه وافياً أو عانته أخذ كل ذلك؛ لأن النص قد ورد وصح بأن كل ذلك من الفطرة، فلا يجوز أن يجهز إلى ربه تعالى إلا على الفطرة التي مات عليها (١).
الدليل الثالث:
(٤٩٥ - ٥٩) روى عبد الرزاق في مصنفه، قال: عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، أن سعد بن مالك حلق عانة ميت (٢).
إسناده صحيح إن كان سمع أبو قلابة من أبي سعيد الخدري ﵁.
وهذا لا يعرف له مخالف من الصحابة، فيكون فعله حجة.
الدليل الرابع:
أن كشف العورة يجوز للحاجة، كالتداوي والختان، ونحوهما، فهذا منه، ويقتصر على قدر الحاجة، مع أنه قد يمكنه إزالة عانته بلا نظر إلى العورة، وبدون أن يباشر مسها، كما في النورة. والله أعلم.
стр. 1241
الراجح من الخلاف:
الذي يظهر لي أن كشف العورة من الميت لا يجوز، لكن إن كان الذي يحلق عانته ممن يجوز له الاطلاع على عورته جاز له أخذه، وإلا حرم، لأن حرمة الميت كحرمة الحي، والله أعلم.
стр. 1242
الفرع الأول
إذا قيل بجواز حلق عانة الميت فكيف تؤخذ ؟
إذا قلنا تزال هذه الشعور، فللغاسل أن يأخذ شعر الإبط والعانة بالمقص أو الموسى أو النورة، وهو مذهب الشافعية قال النووي: هذا هو المذهب والمنصوص في الأم، وبه قطع الجمهور (١)، وهو مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يتعين إزالتها بالنورة في العانة لئلا ينظر إلى عورته، وهو وجه في مذهب الشافعية، قال النووي: وبهذا قطع البندنيجي والمحاملي في المجموع (٣)، واختاره بعض الحنابلة (٤).
وقيل: يستحب النورة في العانة والإبط جميعاً، وهو وجه في مذهب الشافعية. قال النووي: وبه جزم صاحب الحاوي (٥).
قال المرداوي: وعلى كل قول، لا يباشر ذلك بيده، بل يكون عليها
стр. 1243
حائل (١).
وعلى كل إذا أمكن إزالتها بدون النظر إلى العورة، وبدون ملامسة البشرة تعين ذلك؛ لأنه المقصود هو إزالة شعر الميت، وهذا حاصل فلا يجوز كشف العورة مع عدم الحاجة. والله أعلم.
стр. 1244
الفرع الثاني
هل يدفن مع الميت ما أخذ من شعره وظفره
قال النووي: في الشعور المأخوذة من شاربه وإبطه وعانته وأظفاره، وما انْتُتِف من تسريح شعره ولحيته، وجلدة الختان إذا قلنا: يختن، وجهان:
أحدهما: يستحب أن يصر كل ذلك معه في كفنه، ويدفن، وبهذا قطع القاضي حسين، وصاحبه البغوي، والغزالي في الوسيط والخلاصة، وصاحب العدة، والرافعي، وغيرهم. وأشار إليه المصنف في كتابه في الخلاف.
والثاني: يستحب أن لايدفن معه، بل يوارى في الأرض غير القبر، وهذا اختيار صاحبه، فإنه حكى عن الأوزاعي استحباب دفنها معه، ثم قال: والاختيار عندنا أنها لا تدفن معه؛ لأنه لم يرد فيه خبر، ولا أثر، والله أعلم (١).
قلت: والقول بأنها تدفن معه، هو مذهب الحنابلة،
فقد قال المرداوي: وكل ما أخذ، فإنه يجعل مع الميت، كما لو كان عضو سقط منه (٢).
والذي يظهر لي أنها لا تدفن معه، وليست كالعضو منه، لأنها في حكم المنفصل، ويكفي أنه لم يأت نص من كتاب أو سنة يأمر بذلك، والأصل عدم المشروعية حتى يرد دليل على ذلك.
стр. 1245
الفرع الثالث
لا يلي حلق العانة أجنبي
لا يجوز أن يلي حلق العانة أجنبي، فيطلع على العورة، وهذا مما لا خلاف فيه مع القدرة
قال ابن قدامة في المغني: وإذا طلى بنورة فلا بأس، إلا أنه لا يدع أحداً يلي عورته، إلا من يحل له الاطلاع عليها من زوجة أو أمه (١).
وقال ابن حجر عن كشف العورة من أجل حلق العانة:
" وأما من لا يحسن الحلق، فقد يباح له إن لم تكن له زوجة تحسن الحلق أن يستعين بغيره بقدر الحاجة، لكن محل هذا إذا لم يجد ما يتنور به، فإنه يغني عن الحلق، ويحصل به المقصود، وكذا من لا يقوى على النتف، ولا يتمكن من الحلق إذا استعان بغيره في الحلق لم تهتك المروءة من أجل الضرورة " (٢).
قلت: الحاجة تبيح كشف العورة، كالتداوي ونحوه، والقاعدة: أن كل ما كان محرماً لغيره فإن الحاجة تبيحه، وكل ما كان محرماً لذاته لا تبيحه إلا الضروة. ولذلك أبيحت العرايا، مع أن فيها وقوعاً في ربا الفضل، قالوا: لأن ربا الفضل محرماً لغيره، والله أعلم.
стр. 1246
الفرع الرابع
في استخدام النورة
التنور: الطلاء بالنورة، يقال: تنور: تطلى بالنورة ليزيل الشعر
ولا أعلم خلافاً في جواز إزالة شعر العانة بالنورة (١).
ويحصل أصل السنة بأي وجه كان من الحلق والقص والنتف واستعمال النورة؛ إذ المقصود حصول النظافة إلا أن الأفضل الحلق؛ لأنه المنصوص عليه.
وهل ثبت أن رسول الله ﷺ تنور؟
(٤٩٦ - ٦٠) الجواب، روى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا كامل بن العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يتنور، ويلى عانته بيده (٢).
وقد روى أن النبي ﷺ لم يتنور، وهو ضعيف أيضاً.
(٤٩٧ - ٦١) فقد روى أبو داود في المراسيل، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق، حدثنا عبد الوهاب - يعني ابن عطاء - عن سعيد،
عن قتادة أن النبي ﷺ لم يتنور، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان (١).
стр. 1252
[إسناده حسن لولا أنه مرسل] (١).
(٤٩٨ - ٦٢) وأخرج ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن، قال: كان رسول الله صلى الله وأبو بكر وعمر لا يطلون (٢).
رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، ومرسلات الحسن من أضعف المراسيل.
(٤٩٩ - ٦٣) وروى البيهقي، قال: أخبرنا أبو نصر بن قنادة، ثنا أبو علي الرفاء، ثنا أبو العباس أحمد بن عبد الله الطائي ببغداد، ثنا أبو عمار الحسن بن حارث المروزي (٣)، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، عن أبي حمزة السكري، عن مسلم الملائي، عن أنس قال: كان النبي ﷺ لا يتنور، فإذا كثر شعره حلقه.
قال البيهقي: مسلم الملائي ضعيف في الحديث، فإن كان حفظه فيحتمل أن يكون قتادة أخذه أيضا عن أنس (٤).
стр. 1253
وأما الصحابة ﵃، فقد ورد عن ابن عمر، ويعلى بن مرة الثقفي، وغيرهما.
(٥٠٠ - ٦٤) روى البخاري في الأدب المفرد، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا سكين بن عبد العزيز بن قيس، عن أبيه، قال: دخلت على عبد الله بن عمر وجارية تحلق الشعر وقال النورة ترق الجلد (١).
стр. 1254
[إسناده ضعيف] (١).
(٥٠١ - ٦٥) وروى البيهقي في السنن الكبرى، قال: أخبرناه يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد الليثي،
عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يطلي فيأمرني أطليه حتى إذا بلغ سفلته وليها هو.
وبهذا الإسناد قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الله بن عمر، عن نافع، أن بن عمر كان لا يدخل الحمام، وكان يتنور في البيت، ويلبس إزاراً، ويأمرني أطلي ما ظهر منه، ثم يأمرني أن أؤخر عنه فيلي فرجه (٢).
[حسن لغيره، أسامة وعبد الله بن عمر فيهما ضعف ويقوي أحدهما الآخر] (٣).
стр. 1255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1256
(٥٠٢ - ٦٦) أما ماورد عن يعلى بن مرة، فقد روى الطبراني في المعجم الكبير، قال: حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، ثنا محمد بن المنهال - أخو حجاج - ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، حدثني عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفي،
عن أبيه، قال: أطليت يوماً، ثم تخلقت، فأتيت النبي ﷺ ، فناولته يدي، فقلت: يا رسول الله صل علي، فقال: ما هذا الذي على يدك؟
стр. 1257
فقلت: إني تنورت، ثم تخلقت، فقال: ألك امرأة؟ قلت: لا. قال: ألك سرية؟ قلت: لا. قال: فانطلق فاغسله، ثم اغسله ثلاث مرات (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
فالراجح أن الرسول ﷺ ما تنور قط، ولكن ابن عمر لا يبعد أن يكون قد تنور بعد وفاة الرسول ﷺ .
стр. 1258
والنورة وإن كانت جائزة إلا أنها لا تخلو من مواد كيماوية قد تؤثر على الجلد، وبعض الناس يكون لديه حساسية منها، فلا يستطيع استعماله، وإذا استعمله التهب جلده، وكأنه أصابته نار، فالأفضل في إزالة شعر العانة ما أرشد الرسول ﷺ وهو، والله أعلم.
стр. 1259
الباب الثالث
في تقليم الأظفار
стр. 1260
[تمهيد]
المبحث الأول
تعريف تقليم الأظفار
تعريف تقيلم الأظفار
قلم: من باب ضرب. يقال:
قَلَمَ الظفر والحافر والعود: يَقْلِمه قَلْماً، وقَلَّمَه تقليماً.
وقلمت الظفر: إذا أخذت ما طال منه، فالقلم أخذ الظفر.
وقلَّم أظفاره: شدد للكثرة.
والقُلَامة بالضم: ما سقط منها. وقيل: ما قطع منها.
والأظفار: جاء في لسان العرب جمع: ومفرده: ظُفْر وظُفُر. ويجمع على أظفار وأُظْفور، وأظافير.
ويكون للإنسان وغيره.
وأما قراءة من قرأ: كل ذي ظِفْر بالكسر، فشاذ غير مأنوس به، إذ لا يعرف ظِفر بالكسر.
وقالوا: الظفر لما لا يصيد. والمخلب لما يصيد. وكله مذكر، صرح به اللحياني.
стр. 1261
المبحث الثاني
الدليل على أن تقليم الأظفار من سنن الفطرة
الدليل على ذلك:
(٥٠٣ - ٦٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (١).
الحديث الثاني:
(٥٠٤ - ٦٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد ابن أبي رجاء، حدثنا إسحاق بن سليمان، قال: سمعت حنظلة، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (٢).
الدليل الثالث:
(٥٠٥ - ٦٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا وكيع عن زكرياء بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير،
عن عائشة قالت: قال ﷺ :عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء
стр. 1262
اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكرياء: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء.
[المحفوظ أنه من قول طلق، وقد سبق تخريجه في كتاب السواك] (١).
стр. 1263
الفصل الأول
في حكم تقليم الأظفار
الخلاف فيها كالخلاف في الاستحداد، وقد سقنا الخلاف فيها في ماسبق، والأئمة الأربعة يرون استحباب قص الأظفار (١).
أما ابن العربي والشوكاني فيريان وجوب إزالتهما.
وقد ذكرنا دليل كل قول في مسألة الخلاف في الاستحداد، فارجع إليها غير مأمور.
قال النووي: " وأما تقليم الأظفار فمجمع على أنه سنة، وسواء فيه الرجل والمرأة، واليدان والرجلان ... الخ كلامه ﵀ (٢).
والصحيح أن الخلاف في وجوب التقليم محفوظ، والقول بأن تقليم الأظفار سنة مطلقاً حتى ولو فحشت، ليس بالقوي، فإن ترك الأظفار حتى تطول فيه من القبح والتوحش وشناعة الصورة، ومخالفة الآدمية ما فيه، كما أنه قد يتعلق بتركها تقصير في تحصيل الطهارة الشرعية.
قال ابن دقيق العيد:
стр. 1264
وفي ذلك - يعني: تقليم الأظفار - معنيان:
أحدهما: تحسين الهيئة، والزينة، وإزالة القباحة من طول الأظفار.
والثاني: أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه، لما عساه قد يحصل تحتها من الوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة، وهذا على قسمين:
أحدهما: أن لا يخرج طولها عن العادة خروجاً بيناً، وهذا الذي أشرنا إلى أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه، فإنه إذا لم يخرج طولها على العادة يعفى عما يتعلق بها من يسير الوسخ، وأما إذا زاد على المعتاد فما يتعلق بها من الأوساخ مانع من حصول الطهارة، وقد ورد في بعض الأحاديث الأشارة إلى هذا (١). اهـ
(٥٠٦ - ٧٠) وأما ما رواه أحمد، قال: ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة، ثنا يزيد بن عمرو المعافري،
عن رجل من بنى غفار، أن رسول الله ﷺ قال: من لم يحلق عانته، ويقلم أظفاره، ويجز شاربه فليس منا (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
стр. 1265
قال العراقي بعد أن ساق هذا الحديث: "رواه أحمد في مسنده، وهذا يدل على وجوب ذلك، والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: إن هذا لا يثبت؛ لأن في إسناده ابن لهيعة، والكلام فيه معروف، وإنما يثبت منه الأخذ من الشارب فقط، كما رواه الترمذي وصححه، والنسائي من حديث زيد بن أرقم (١)، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من لم يأخذ من شاربه فليس منا".
والثاني: أن المراد على تقدير ثبوته ليس على سنتنا وطريقتنا، لقوله ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن " (٢).
والصحيح أنه إذا ثبت في الشارب، ثبت في بقية خصال الفطرة، ولا فرق، وأن قوله: " من لم يأخذ من شاربه فليس منا " مثله كقوله ﷺ لصاحب الصبرة من الطعام: " من غش فليس مني " فكما أن الغش حرام، فكذلك ترك الشارب وباقي سنن الفطرة.
(٥٠٧ - ٧١) والحديث رواه مسلم، قال: حدثني يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر جميعا، عن إسماعيل بن جعفر - قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل - قال: أخبرني العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام، كي يراه الناس من غش فليس مني (٣).