الله، ولو لم يكن صواباً لم يقره الله (١).
الراجح أنه معفو عنه مطلقاً؛ إذ لو كان غسله وجباً لجاء الأمر بغسله، والله أعلم.
стр. 1297
الفصل الخامس
في دفن الظفر والشعر
استحب بعض الفقهاء دفن ما قلم من أظفاره أو أزال من شعره، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
دليلهم على هذا الاستحباب .
(٥٢٥ - ٨٩) ما رواه الطبراني في الكبير، قال: حدثنا محمد بن محمد التمار البصري، ثنا يونس بن موسى الشامي (٤) وسليمان بن داود الشاذكوني، قالا: ثنا محمد بن سليمان بن مسمول، حدثني عبيد الله بن سلمة بن وهرام،
стр. 1298
عن ميل بنت مشرح (١) قالت: رأيت أبي قلم أظفاره، ثم دفنها، وقال: أي بنية هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
стр. 1299
الدليل الثاني:
(٥٢٦ - ٩٠) روى البيهقي في شعب الإيمان، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث الفقيه، أنا أبو محمد بن حيان الأصبهاني، ثنا علي بن سعيد العسكري، ثنا عمر بن محمد بن الحسن، ثنا أبي، ثنا قيس بن الربيع، عن عبد الجبار بن وائل،
عن أبيه، عن النبي ﷺ كان يأمر بدفن الشعر والأظفار.
قال البيهقي: هذا إسناد ضعيف، وروى من أوجه كلها ضعيفة (١).
[إسناده ضعيف، وفيه انقطاع] (٢).
стр. 1300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1302
الدليل الثالث:
(٥٢٧ - ٩١) روى ابن عدي، قال: ثنا محمد بن الحسن السكوني النابلسي بالرملة، قال: حدث أحمد بن سعيد البغدادي وأنا حاضر، ثنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد، حدثني أبي، عن نافع،
عن ابن عمر، قال رسول الله ﷺ : ادفنوا الأظفار والشعر والدم؛ فإنها ميتة (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 1303
الدليل الرابع:
(٥٢٨ - ٩٢) قال العراقي في طرح التثريب: روى الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من رواية عمر بن بلال، قال: سمعت عبد الله بن بسر يقول: قال رسول الله ﷺ : قصوا أظفاركم ودفنوا قلائمكم، وانقوا براجمكم. الحديث.
قال العراقي: وعمر بن بلال ليس بالمعروف، قاله ابن عدي (١).
قلت: والحكيم الترمذي ليس بالحكيم.
الدليل الخامس:
قال مهنا: سألت أحمد، عن الرجل يأخذ من شعره وظفره، أيدفنه أم يلقيه؟
قال: يدفنه. قلت: بلغك فيه شيء؟
стр. 1304
قال: كان ابن عمر يدفنه (١).
ولم أقف على إسناد ابن عمر، وراجعت مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق وقد ذكر الأول جملة من الآثار عن التابعين، ولم يذكر أثر ابن عمر.
стр. 1305
الفصل السادس
في من قلم أظفاره هل يعيد الوضوء
من توضأ، ثم قلم أظفاره بعد الوضوء أو حلق شعر رأسه، فهل يعيد غسل موضع الأظفار؟ فيه خلاف بين العلماء.
فقيل: لا يعيد.
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واختاره ابن حزم (٥).
وقيل: عليه الوضوء، اختاره مجاهد (٦)، وابن جرير (٧).
وقيل: يغسلها بالماء، اختاره عطاء (٨)، إبراهيم
стр. 1306
النخعي (١)، وحماد (٢)، وعبد العزيز بن أبي سلمة (٣)
دليل من قال ليس عليه شيء .
(٥٢٩ - ٩٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن التيمي،
عن أبي مجلز، قال: رأيت ابن عمر أخذ من أظفاره. فقلت له: أخذت من أظفارك ولا تتوضأ ؟ قال: ما أكيسك، أنت أكيس ممن سماه أهله كيساً (٤).
الدليل الثاني:
(٥٣٠ - ٩٤) روى مسدد في مسنده، قال: حدثنا ابن داود، عن شيخ يكنى أبا عبد الله، عن عمر بن قيس، قال: إن علياً ﵁، قال: ما زاده إلا طهارة - يعني: الأخذ من الشعر والظفر - (٥).
[إسناد ضعيف] (٦).
الدليل الثالث:
قالوا: إن من توضأ الوضوء الشرعي فإنه طاهر بالكتاب والسنة،
стр. 1307
ولا تنتقض طهارته إلا بدليل شرعي، وليس قص الشعر والظفر حدثاً حتى ينتقض وضوءه.
دليل من قال عليه الوضوء أو مسحه بالماء .
لا أعلم له دليلاً من الكتاب أو السنة، أو من قول الصحابة، وقد يكون من رأى الوضوء أن الشعر والظفر إذا حلق، فقد زال الممسوح الذي تعلق به الفرض، وبالتالي فلا بد من إعادة الوضوء أو المسح. والله أعلم.
الراجح أنه لا يشرع الوضوء ولا المسح بعد تقليم الأظفار أو حلق الشعر؛ لأن إيجاب ذلك أو استحبابه يحتاج إلى دليل ولا دليل.
стр. 1308
فرع
في غسل رؤوس الأصابع بعد القص
استحب الشافعية والحنابلة غسل رؤوس الأصابع بعد قص الأظفار
قال ابن قدامة: قيل إن الحك قبل غسلها يضر بالجسد (١).
وقال في حاشية الجمل: إن الحك بها قبل الغسل يورث البرص (٢).
ولا أعلم دليلاً على هذا الاستحباب، ولا يصح الضرر من جهة الطب.
стр. 1309
الباب الرابع
في نتف الإبط
стр. 1310
تعريف الإبط.
الإبط: بالكسر باطن المنكب، وقيل: باطن الجناج.
وهو مذكر، وقد يؤنث، قاله اللحياني، والتذكير أعلى. وحكى الفراء عن بعض العرب: فرفع السوط حتى برقت إبطه.
والجمع: آباط.
وتأبطه: وضعه تحت إبطه. ومنه تأبط شراً (١).
ونتف الإبط: هو إزالة ما عليه من الشعر عن طريق النتف.
стр. 1311
الفصل الأول
حكم نتف الإبط والتوقيت فيه
الخلاف فيه كالخلاف في الاستحداد، وتقليم الأظفار
فالجمهور على أنه سنة، حتى قال النووي: متفق على أنه سنة (١).
واختار ابن العربي، والشوكاني أنه واجب.
راجع أدلة كل قول في حكم الاستحداد وتقليم الأظفار.
وأما التوقيت فيه، فالقول فيه كالقول في التوقيت في حلق العانة، وقد فصلنا الأقوال فيه والراجح، فارجع إليه غير مأمور.
وملخص الأقوال فيه كالتالي:
قيل: يستحب أن ينتف إبطه كل جمعة، وبعضهم قال في كل أسبوع مرة. وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
стр. 1312
وقيل: لا وقت له، ويقدر بالحاجة، وهو يختلف من شخص إلى آخر، والمعتبر طولها، فمتى طال الشعر نتفه. وهو مذهب الشافعية (١)، وقال ابن عبد البر إنه قول الأكثر (٢).
وأما ترك النتف أكثر من أربعين يوماً
فقيل: يحرم. وهو مذهب الحنفية (٣)، ورجحه الشوكاني (٤).
وقيل: يكره كراهية شديدة، وهو مذهب الشافعية (٥)،والمشهور عند
الفصل الثاني
في كيفية نتف الإبط
تكلم الفقهاء في كيفية نتف الإبط،
فقيل: له إزالة الإبط بما شاء (١).
وقيل: لا تحصل السنة إلا بالنتف، وإن كان غيره جائزاً، فالنتف أفضل (٢).
تعليل من أجازه بأي شيء، قال: إن المقصود النظافة، وهذا حاصل إذا زال بأي مزيل.
دليل من قال بأن السنة النتف.
(٥٣١ - ٩٥) استدل بالخبر، فقد روى البخاري، قال: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (٣).
قال ابن دقيق العيد: نتف الآباط: إزالة ما عليها من الشعر بهذا الوجه: أعني النتف، وقد يقوم مقامه ما يؤدي إلى المقصود، إلا أن استعمال مادلت عليه السنة أولى، وقد فرق لفظ الحديث بين إزالة شعر العانة، وإزالة شعر
стр. 1315
الإبط، فذكر في الأول (الاستحداد)، وفي الثاني: (النتف) وذلك مما يدل على رعاية هاتين الهيئتين في محلهما، ولعل السبب فيه أن الشعر بحلقه يقوي أصله، ويغلظ جرمه، ولهذا يصف الأطبار تكرار حلق الشعر في المواضع التي يراد قوته فيها، والإبط إذا قوي فيه الشعر وغلظ جرمه كان أفوح للرائحة الكريهة المؤذية لمن يقاربها، فناسب أن يسن فيه النتف المضعف لأصله، المقلل للرائحة الكريهة، وأما العانة فلا يظهر فيها من الرائحة الكريهة ما يظهر في الإبط، فزال المعنى المقتضي للنتف، فُرِجع إلى الاستحداد؛ لأنه أيسر وأخف على الإنسان من غير معارض (١).
وقال ابن دقيق العيد أيضاً: " من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف، ومن نظر إلى المعنى أجازه بكل مزيل، لكن بين أن النتف مقصود من جهة المعنى، فذكر نحو ما تقدم، ثم قال: وهو معنى ظاهر لا يهمل، فإن مورد النص إذا احتمل معنى مناسباً يحتمل أن يكون مقصوداً في الحكم لا يترك، والذي يقوم مقام النتف في ذلك التنور، لكنه يرق الجلد فقد يتأذى صاحبه به، ولا سيما إن كان جلده رقيقاً (٢).
وقد صرح الشافعي بأن السنة النتف فقط، فقد أخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي، عن يونس بن عبد الأعلى، قال: دخلت على الشافعي، ورجل يحلق إبطه، فقال: إني علمت أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع. قال الغزالي: هو في الابتداء موجع، ولكن يسهل على من اعتاده (٣).
стр. 1316
الفصل الثالث
الوضوء من نتف الإبط
الخلاف في الوضوء من نتف الإبط كالخلاف فيه من تقليم الأظفار وحلق الشعر.
وقد ذكرنا هناك ثلاثة أقوال:
الأول: ليس عليه شيء، وهو الراجح.
الثاني: عليه إعادة الوضوء.
الثالث: عليه غسل موضعه فقط أو مسحه إن كان ممسوحاً. وقد نسبنا كل قول إلى قائله، وذكرنا أدلة كل قول، فارجع إليه غير مأمور. ونذكر من الآثار ما لم نذكره هناك، منها:
(٥٣٢ - ٩٦) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن علية، عن عبيد الله بن العيزار،
عن طلق بن حبيب، قال: رأى عمر بن الخطاب رجلا حك إبطه أو مسه، فقال: قم فاغسل يديك أو تطهر (١).
[رجاله ثقات إلا أنه مرسل، طلق لم يدرك عمر] (٢).
стр. 1317
(٥٣٣ - ٩٧) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد،
عن عبد الله بن عمرو أنه كان يغتسل من نتف الإبط (١).
[إسناده صحيح والأعمش عده الحافظ ممن تقبل عنعنته]
والاغتسال هنا كالاغتسال للتبرد، فلعله فعله طلباً للنظافة من أثر الشعر، كما يغتسل الإنسان بعد حلق شعره، وليس هذا كالاغتسال للجنابة أو للجمعة، إذ لو كان واجباً لبينه الرسول ﷺ .
(٥٣٤ - ٩٨) وروى ابن أبي شيبة أيضاً، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد،
عن ابن عباس، قال: ليس عليه وضوء في نتف الإبط (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
стр. 1318
(٥٣٥ - ٩٩) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن هشام،
عن الحسن أنه سئل عن الرجل يمس إبطه، فلم ير به بأساً إلا أن يدميه (١).
стр. 1319
[إسناده صحيح]
(٥٣٦ - ١٠٠) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون،
عن محمد، قال: هؤلاء يقولون: من مس إبطه أعاد الوضوء، وأنا لاأقول ذلك، ولا أدري ما هذا (١).
[إسناده صحيح]
قال ابن حزم: برهان إسقاطنا الوضوء من كل ما ذكرنا، هو أنه لم يأت قرآن ولا سنة ولا إجماع بإيجاب وضوء في شيء من ذلك، ولا شرع الله تعالى على أحد من الإنس والجن إلا من أحد هذه الوجوه، وما عداها فباطل، ولا شرع إلا ما أوجبه الله ﵎، وأتانا به رسوله ﷺ (٢).
стр. 1320
الباب الخامس
في الشارب
стр. 1321
تمهيد
المسلم مطلوب منه التميز عن غيره من الكفار، ولهذا نهي أن يلبس لباسهم، وأن يوافقهم في الظاهر، لما في ذلك من التشبه فيهم، والتشبه في الظاهر يقود إلى التشبه بالباطن، وفي الحديث: "من تشبه بقوم فهو منهم" (١).
стр. 1322
وفي قص الشارب وإحفاؤه تحقيق لجانب من جوانب التميز من جهة، وفيه أيضاً من النظافة ما فيه.
قال ابن دقيق العيد: " في قص الشارب واحفائها وجهان:
أحدهما: مخالفة زي الأعاجم، وقد وردت هذه العلة منصوصة في الصحيح، حيث قال: " خالفوا المجوس ".
والثاني: أن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة وأنزه من وضر الطعام (١).
وقال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح سنن أبي داود: " الحكمة في قص الشوارب أمر ديني، وهو مخالفة شعار المجوس في إعفائه، كما ثبت التعليل
стр. 1323
به في الصحيح، وأمر دنيوي: وهو تحسين الهيئة، والتنظف مما يعلق به من الدهن، والأشياء التي تلصق بالمحل كالعسل، والأشربة، ونحوها.
وقد يرجع تحسين الهيئة إلى الدين؛ لأنه يؤدي إلى قبول قول صاحبه، وامتثال أمره من أرباب الأمر كالسلطان، والمفتي والخطيب، ونحوهم، ولعل في قوله تعالى: ﴿وصوركم فأحسن صوركم﴾ (١) إشارة إليها، فإنه يناسب الأمر بما يزيد في هذا، كأنه قال: قد أحسن صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، وكذا قوله تعالى حكاية عن إبليس ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ (٢) فإن إبقاء ما يشوه الخلقة تغيير لها، لكونه تغييراً لحسنها، ذكر ذلك كله تقي الدين السبكي (٣).
المقصود بالشارب: الشعر النابت على الشفة العليا، واختلف في جانبيه، وهما السبالان:
فقيل: هما من الشارب، فيشرع قصهما.
وقيل: هما من جملة شعر اللحية. ذكر ذلك الحافظ في الفتح، وسيأتي مزيد بحث إن شاء الله عن ذلك.
وقص الشارب: هو الإطار، وهو طرف الشعر المستدير على الشفة (٤).
وقيل: الشارب: اسم لمحل الشعر، كما ذكره في التحقيق.
стр. 1324
الفصل الأول
حكم قص الشارب
اختلف الفقهاء في قص الشارب
فقيل: سنة، وهو مذهب جمهور الفقهاء (١).
وقيل: فرض، وهو اختيار ابن حزم (٢)، وابن العربي (٣) والشوكاني
دليل القائلين بالوجوب .
الدليل الأول:
أمر الرسول ﷺ بإحفاء الشوارب، والأصل في الأمر
стр. 1325
الوجوب، قال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم﴾ (١).
(٥٣٧ - ١٠١) فقد روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن منهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عمر بن محمد بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب. وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر، قبض على لحيته فما فضل أخذه. وهو في مسلم دون الموقوف على ابن عمر (٢).
وفي رواية للبخاري: " أنهكوا الشوارب " (٣).
وفي رواية لمسلم: " أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى " (٤).
(٥٣٨ - ١٠٢) وروى مسلم، قال: حدثني أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس (٥).
(٥٣٩ - ١٠٣) وروى مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه،
стр. 1326
عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية (١).
وإذا كان إعفاء اللحية واجباً، كان قص الشارب كذلك.
ووجه آخر دليل على الوجوب أن قوله ﷺ في الحديث: " خالفوا المشركين " وقوله ﷺ : " خالفوا المجوس " هذه الصيغة تقتضي التحريم؛ لأن التشبه بالمشركين لا يجوز، فلما أمر بإحفاء الشارب، وقرن ذلك بمخالفة أهل الشرك والضلال تأكد الوجوب.
الدليل الثاني:
(٥٤٠ - ١٠٤) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى، عن يوسف بن صهيب (ح) ووكيع، ثنا يوسف، عن حبيب بن يسار،
عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: من لم يأخذ من شاربه فليس منا (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
فهذا الحديث يدل على أن الأخذ من الشارب واجب، بل لو قيل: إن تاركه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب لم يكن بعيداً لهذا الوعيد.
دليل القائلين بأن قص الشارب سنة .
حملوا الأمر في الأحاديث على الاستحباب، ولا أعلم لهم صارفاً مقبولاً.
وحملوا حديث: " من لم يأخذ من شاربه فليس منا " حملوه على
стр. 1327
حديث: " من لم يتغن بالقرآن فليس منا " أي ليس على طريقتنا، وسنتنا. وقد أجبت عن ذلك فيما سبق في باب الاستحداد.
стр. 1328
الفصل الثاني
هل يقص الشارب أو يحلق ؟
اختلف الفقهاء في قص الشارب وحلقه.
فقيل: يقص، ولا يحلق، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، وقول في مذهب أحمد (٣).
قال مالك: أرى أن يؤدب من حلق شاربه، وقال أيضاً: حلقه من البدع، وكان يرى أن حلقه مثلة (٤).
وقيل: الحف أولى من القص، قال الطحاوي: وهو مذهب أبي حنيفة،
стр. 1329
وأبي يوسف (١)، وهو رواية عن أحمد (٢).
وقيل: يخير بين القص والإحفاء، وهو مذهب الإمام الطبري (٣).
دليل من قال: السنة قص الشارب .
الدليل الأول:
(٥٤١ - ١٠٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: الفطرة خمس، الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط (٤).
الدليل الثاني:
(٥٤٢ - ١٠٦) روى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد كلاهما، عن جعفر - قال يحيى أخبرنا جعفر بن سليمان - عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك قال: وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة (٥).
стр. 1330
الدليل الثالث:
(٥٤٣ - ١٠٧) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى، عن يوسف بن صهيب (ح) ووكيع، ثنا يوسف، عن حبيب بن يسار،
عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: من لم يأخذ من شاربه فليس منا (١).
[إسناده صحيح] (٢).
الدليل الرابع:
(٥٤٤ - ١٠٨) روى أبو داود الطيالسي، قال: قال حدثنا المسعودي، قال: أخبرني أبو عون الثقفي محمد بن عبد الله (٣)،
عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ رأى رجلا طويل الشارب، فدعا بسواك وشفرة، فوضع السواك تحت الشارب فقص عليه (٤).
[لم أقف على سماع أبي عون من المغيرة، فإن ثبت فالحديث صحيح، وقد تابع أبا دواد عمرو بن مرزوق، وهو ممن سمع من المسعودي قبل أختلاطه، والله أعلم] (٥).
стр. 1331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1332
الدليل الخامس
(٥٤٥ - ١٠٩) روى أحمد، قال: ثنا هشيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه،
عن أبي هريرة، يعني: عن النبي ﷺ قصوا الشوارب واعفوا اللحى (١).
[إسناده حسن إن شاء الله] (٢).
стр. 1333
الدليل السادس:
(٥٤٦ - ١١٠) روى الطبراني في المعجم الكبير، قال: حدثنا عبدان بن أحمد، ثنا الفضل بن سهل الأعرج، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا الحسن بن صالح عن سماك بن حرب، عن عكرمة،
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ كان يقص شاربه، وأن إبراهيم الخليل كان يقص شاربه (١).
[إسناده ضعيف، واختلف في رفعه ووقفه] (٢).
стр. 1334
الدليل السابع:
(٥٤٧ - ١١١) روى البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو زكريا العنبري، ثنا: محمد بن عبد السلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبد الرزاق، ثنا: معمر عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه،
عن ابن عباس في قوله : ﴿وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ (١)، قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد: في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل مكان الغائط والبول بالماء.
[وإسناده صحيح] (٢)
стр. 1335
الدليل الثامن:
(٥٤٨ - ١١٢) روى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير،
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : عشر من الفطرة، قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة، زاد قتيبة: قال وكيع انتقاص الماء يعني الاستنجاء.
[المحفوظ أنه من قول طلق، ورفعه شاذ] (١).
الدليل التاسع
(٥٤٩ - ١١٣) روى ابن أبي شيبة قال: نا ابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء،
عن ابن عباس قال: التفث: الرمي والذبح والحلق والتقصير والأخذ من الشارب والأظفار واللحية.
[رجاله ثقات] (٢).