← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

عن ابن عرفة من المالكية، وهو رأي مرجوح مخالف لما عليه الأكثر، والله أعلم. دليل من قال: حلق اللحية مكروه . قالو: إن كل حكم كانت علته: مخالفة المشركين، وعدم التشبه بهم، فإنه لا يصل إلى التحريم، غاية ما يقال فيه: إنه مكروه (١). والجواب على هذا: أولاً: يقال: إن كل حكم كانت علته مخالفة المشركين لو قيل: إنه كبيرة من كبائر الذنوب لم يكن بعيداً؛ لأن التشبه بالكفار لا يكفي فيه التحريم بل يقال فيه: إنه كبيرة من كبائر الذنوب. ثانياً: لا يعلم القول بالكراهة إلا وجه عند الشافعية، وهو وجه ضعيف عندهم، والله أعلم.

стр. 1367

المبحث الثاني حكم الأخذ من اللحية اختلفوا في حكم الأخذ من اللحية من غير حلق، فقيل: يكره أن يأخذ منها في غير النسك، وهو مذهب الشافعية (١).

стр. 1368

وقيل: له الأخذ منها، وهو مذهب كثير من أصحاب النبي ﷺ (١)، والحسن وابن سيرين (٢)، وقتادة (٣)، وعطاء (٤)، والشعبي (٥)، والقاسم بن محمد (٦)، وطاووس (٧)، وإبراهيم النخعي (٨)، ومذهب الحنفية والمالكية

стр. 1369

والحنابلة (١)، واستحبه الشافعي في النسك (٢)، واختاره الطبري (٣)، ورجحه ابن عبد البر (٤)،والقاضي عياض (٥)، والغزالي من الشافعية (٦)، والحافظ ابن حجر (٧)، وغيرهم. والقائلون بالأخذ منها اختلفوا في المقدار على قولين: الأول: أنه لا حد لمقدار ما يؤخذ منها، إلا أنه لا يتركها لحد الشهرة، وهو مذهب المالكية (٨).

стр. 1370

. . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1371

والقول الثاني: أنه يؤخذ منها ما زاد على القبضة، وهو فعل ابن عمر (١). ثم اختلفوا في حكم أخذ ما زاد على القبضة على خمسة أقوال: فقيل: يجب أخذ ما زاد على القبضة، وهو قول في مذهب الحنفية (٢)، واختاره الطبري ﵀ (٣). وقيل: إنه سنة، وهو المشهور من مذهب الحنفية (٤)، واستحسنه الشعبي وابن سيرين (٥). وقيل: إنه بالخيار، فله أخذ ما زاد على القبضة وله تركه، نص عليه أحمد (٦)، وظاهر هذا القول أنه يرى أن الأخذ من اللحية وتركها على الإباحة. وقيل: الترك أولى، وهو قول في مذهب الحنابلة (٧).

стр. 1372

وقيل: يكره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة (١). دليل من كره أن يأخذ من اللحية شيئاً إلا في النسك . الدليل الأول: (٥٧١ - ١٣٥) روى البخاري، قال: حدثني محمد، أخبرنا عبدة، أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ انهكوا الشوارب وأعفوا اللحى (٢). وفي رواية لمسلم: " أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى " (٣). (٥٧٢ - ١٣٦) وروى مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية (٤). (٥٧٣ - ١٣٧) وروى مسلم، قال: حدثني أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : جزوا الشوارب، وأرخوا

стр. 1373

اللحى، خالفوا المجوس (١). وجه الاستدلال: قوله: " أعفوا اللحى ". وأجيب بأجوبة منها: الأول: إذا كان لفظ أعفوا: هو التكثير، كما يفهم من قوله تعالى: ﴿حتى عفوا﴾ أي حتى كثروا، فمن أعفى لحيته بمقدار القبضة، فقد كثرت لحيته، وصدق على لحيته أنها قد عفت، وأن صاحبها قد أعفاها، وهذا ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم. جاء في المصباح المنير: " عفا الشيء: كثر، وفي التنزيل: ﴿حتى عفوا﴾ (٢): أي حتى كثروا. ومنه عفا بنو فلان إذا كثروا. وعفوت الشعر: أي تركته حتى يكثر ويطول، ومنه: "أحفوا الشوار وأعفوا اللحى" (٣). وجاء في إكمال المعلم في شرح فوائد مسلم: " قوله: " وأعفوا اللحى " وفي رواية: " أوفوا اللحى "، وهما بمعنى: أي اتركوها حتى تكثر وتطول. ثم قال: وقال أبو عبيد: في إعفاء اللحى: هو أن توفر، وتكثر، يقال: عفا الشيء: إذا كثر وزاد، وأعفيته أنا. وعفا: إذا درس، وهو من الأضداد، ومنه الحديث: " فعلى الدنيا العفا"

стр. 1374

أي الدروس (١). وجاء في فتح الباري: ذهب الأكثرون إلى أنه بمعنى وفروا أو كثروا، وهو الصواب. قال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحداً فهم من الأمر في قوله:" أعفوا اللحى " تجويز معالجتها بما يغزرها كما يفعله بعض الناس (٢). الثاني: قال: معنى أعفوا اللحى: أي أعفوها من الإحفاء. قال القاضي أبو الوليد: ويحتمل عندي أنه يريد أن تعفى من الإحفاء؛ لأن كثرتها ليس بمأمور بتركه (٣). وقال السندي: المنهي قصها كصنع الأعاجم، وشعار كثير من الكفرة، فلا ينافيه ما جاء من أخذها طولاً ولا عرضاً للاصلاح (٤). الجواب الثالث: وهذا قوي قال: إن اللفظ المطلق أو العام يقيد ويخصص بعمل الصحابة، أو بعضهم، وهي مسألة خلافية بعد الاتفاق على

стр. 1375

أن الصحابي إذا وجد من يخالفه فلا يخص به النص العام، ولا يقيد به المطلق (١). قال بعض العلماء المعاصرين: إذا كان عمل الصحابة خلاف العام أو خلاف المطلق، يكون العام والمطلق غير مراد، أو بعبارة أخرى، إذا كان فرد من أفراد العموم أو المطلق لم

стр. 1376

يجر العمل به، كان هذا الفرد غير مراد، وعليه فالمطلق في قوله ﷺ : "أعفوا اللحى" غير مراد، لعدم جريان العمل به، فقد ثبت عن السلف الأخذ من اللحية، وكان معروفاً عندهم، وفيهم من روى العموم المذكور، كابن عمر، وحديثه في الصحيحين، وأبي هريرة وحديثه في مسلم وغيرهما. اهـ وسوف أسوق الآثار عن الصحابة في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. ولا يقال: إن فعل الصحابة يعارض النص، نعم يعارض النص لو أن ما جاء عن الصحابة يقتضي حلق اللحية، والنص يأمر بإعفاء اللحية، فحينئذ يقال: بينهما تعارض؛ لأنه يلزم من فعل هذا إبطال ذاك، أما الإعفاء فحقيقته لفظ مجمل، يصدق عليه إذا ترك اللحية حتى تكثر، فإذا أخذ ما زاد على القبضة لا يقال: إن هذا لم يعف لحيته، والله أعلم. الدليل الثاني على كراهة الأخذ من اللحية خارج النسك: أن فعل الرسول ﷺ مبين لقوله ﷺ : " أعفوا اللحى " حيث لم يثبت عن النبي ﷺ لا قولاً ولا فعلاً أنه أخذ من لحيته، فيكون فعله مبيناً للمجمل في أمره ﷺ بإعفاء اللحية، وقول الشارع لا يقيده إلا نص منه، فالمطلق باق على إطلاقه، وكذا العام، وفعل الراوي ليس بحجة، لأن الحجة فيما روى، لا فيما رأى، خاصة أن فعله لم ينسبه للشرع، وقد يفهم الراوي خلاف المراد، وإن كان هذا نادراً، وقد ينسى، ويبقى الشأن ليس للرواي عصمة، وإنما العصمة للنص، والله أعلم. أدلة القائلين بالأخذ من اللحية . الدليل الأول: (٥٧٤ - ١٣٨) روى البخاري في صحيحه، قال: قال: حدثنا محمد

стр. 1377

بن منهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عمر بن محمد بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب. وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر، قبض على لحيته فما فضل أخذه (١). قال الكرماني: لعل ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك، فحلق رأسه كله، وقصر من لحيته ليدخل في عموم قوله تعالى: ﴿محلقين رؤسكم ومقصرين﴾ (٢) وخص ذلك من عموم قوله: " وفروا اللحى " فتعقبه الحافظ، فقال: " والذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه (٣). قلت: هذا محتمل ويؤيده أن المنقول عن أبي هريرة أن كان يأخذ منها مطلقاً، ولم يقيد بحج أو عمرة، ويحتمل أن ابن عمر يراه من قضاء التفث، كما نقل عن ابن عباس وجماعة من التابعين كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الدليل الثاني: (٥٧٥ - ١٣٩) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن شعبة، عن عمرو بن أيوب من ولد جرير، عن أبي زرعة، قال: كان أبو هريرة يقبض على لحيته ثم يأخذ ما فضل منها (٤).

стр. 1378

[ضعيف] (١). الدليل الثالث: (٥٧٦ - ١٤٠) ما رواه ابن أبي شيبة قال: نا ابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس قال: التفث: الرمي والذبح والحلق والتقصير والأخذ من الشارب والأظفار واللحية.

стр. 1379

[سنده صحيح] (١) وقد فسر الآية بمثل ما فسرها ابن عباس تابعيان جليلان: مجاهد، ومحمد بن كعب القرضي. أما تفسير مجاهد، فقد أخرجه الطبري، قال: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى (ح) (٥٧٧ - ١٤١) وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ثم ليقضوا تفثهم. قال: حلق الرأس وحلق العانة وقص الأظفار وقص الشارب، ورمي الجمار، وقص اللحية (٢).

стр. 1380

(٥٧٨ - ١٤٢) وأما تفسير محمد القرظي، فهو عند الطبراني أيضاً: قال: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: ثم ليقضوا تفثهم: رمي الجمار، وذبح الذبيحة، وأخذ من الشاربين واللحية، والأظفار، والطواف بالبيت وبالصفا والمروة (١). الدليل الرابع: (٥٧٩ - ١٤٣) روى أبو داود، قال: حدثنا ابن نفيل، ثنا زهير، قرأت على عبد الملك بن أبي سليمان، وقرأه عبد الملك على أبي الزبير، ورواه أبو الزبير عن جابر قال: كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة (٢). [إسناده حسن] (٣).

стр. 1381

قال الحافظ في الفتح: قوله: " نعفي " بضم أوله وتشديد الفاء أي نتركه وافراً، وهذا يؤيد ما نقل عن ابن عمر، فإن السبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة: جمع سبلة بفتحتين: وهي ما طال من شعر اللحية، فأشار جابر إلى أنهم يقصرون منها في النسك (١). وقوله: " كنا نعفي " حكاية عن الصحابة، كلهم أو أكثرهم، وهذا يؤيد أن الأخذ من اللحية لم يكن من فعل ابن عمر وحده، ولكن من فعل غالب الصحابة، وهذا الاستدلال يسلم إن كان يطلق السبال على اللحية. والحق أن السبال فيه سبعة أقوال، كلها تدور حول الشارب واللحية، فقيل: السبلة: مقدم اللحية، وما أسبل منها على الصدر، وهذا نص الأزهري. وقيل: ما على الذقن إلى طرف اللحية كلها أو مقدمها خاصة. وقيل: السبلة: هي الدائرة في وسط الشفة العليا. وقيل: ما على الشارب من الشعر. وقيل: مجتمع الشاربين. وقيل: طرف الشارب (٢). (٥٨٠ - ١٤٤) وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، عن أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا نؤمر أن نوفي السبال، ونأخذ من الشارب (٣).

стр. 1382

(٥٨١ - ١٤٥) وروى الطبراني في المعجم الكبير، قال: حدثنا أحمد بن داود المكي، ثنا قيس بن حفص الدارمي، ثنا سليمان بن الحارث (١)، ثنا جهضم بن الضحاك، قال: مررت بالنرجيج، فرأيت به شيخاً، قالوا: هذا العداء بن خالد بن هوذة، فقال: رأيت رسول الله ﷺ ، فقلت: صفه لي، قال: كان حسن السبلة. وكانت العرب تسمي اللحية السبلة [إسناده ضعيف] (٢). (٥٨٢ - ١٤٦) وجاء إطلاق السبال على الشارب في السنة الصحيحة، فقد روى ابن حبان في صحيحه من طريق معقل بن عبيد الله، عن ميمون

стр. 1383

بن مهران، عن ابن عمر، قال: ذكر لرسول الله ﷺ المجوس، فقال: إنهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم، فكان ابن عمر يجز سباله، كما يجز الشاة والبعير (١). والذي يظهر أن السبال على القول بأنه يطلق على اللحية والشارب، فإن المراد منه بحديث جابر: " كنا نعفي السبال " اللحية خاصة، لأن قص الشارب غير موقت بالحج أو العمرة، بل مطلوب أن لا يتركه أكثر من أربعين يوماً، فليس متوقعاً من الصحابة أنهم يعفون شواربهم إلا في الحج أو العمرة، فهذا قرينة أن المراد به شعر اللحية، وعلى هذا التفسير يطابق ما كان يفعله ابن عمر ﵁، وبه يصح أن الصحابة كلهم أو غالبهم كانوا يأخذون من شعر اللحية في النسك، والله أعلم. وإذا ثبت أن الصحابة يأخذون من اللحية في النسك، فإن هناك مقدمتين ونتيجة: المقدمة الأولى: هل كان الصحابة يجهلون الأمر بإعفاء اللحية، هذا الحكم الذي يعرفه آحاد المسلمين في بلادنا؟ المقدمة الثانية: إذا كانوا لا يجهلون الأمر بإعفاء اللحية، فإن السؤال، هل كان الصحابة لا يعرفون لغة مدلول كلمة الإعفاء في الأمر النبوي، وهذا أيضاً لا يمكن أن يقال: إن الصحابة، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل التشريع، لا يمكن أن يقال: لا يعرفون مدلول كلمة الإعفاء. فبقي أن نقول بعد التسليم بالمقدمتين: وهو كون الأمر بإعفاء اللحية معلوماً لدى الصحابة، ومعنى

стр. 1384

الإعفاء معلوم أيضاً، فيبقى التسليم لفهم الصحابة أولى من التسليم لفهم من دونهم. فإن قيل: إن الصحابة لم يأخذوا إلا في النسك. قيل: ثبوته في النسك دليل على جوازه خارج النسك؛ ولأن النسك قيد غير مؤثر، كما لو قرأ الرسول ﷺ سورة في صلاة، وكانت الصلاة في السفر، لايقال: إن ذكر السفر قيد في استحباب قراءة هذه السورة، والدليل على هذا: أولاً: اللحية لا تعلق لها بالنسك، وإنما النسك في شعر الرأس خاصة، وقد بين الرسول ﷺ النسك من قوله، ومن فعله، وقال: خذوا عني مناسككم، ولم ينقل عن الرسول ﷺ في بيان النسك أن اللحية لها تعلق به، فبطل اعتقاد أن الأخذ منها خاص بالنسك. وثانياً: أن السلف فهموا جواز الأخذ منها ملطقاً، ولم يقيدوه في النسك فيما أعلم إلا الشافعية فإنه كرهوه خارج النسك، ولم يحرموه، وعبر بعضهم بالأولى كما هي عبارة العراقي، وقد سقتها عند عرض الأقوال. ثالثاً: ولأني لا أعرف أحداً من السلف حرم الأخذ من اللحية مطلقاً، فمن ادعى تحريم أخذ ما زاد من القبضة من فهم السلف فليأت به، ولا أعلم أحداً قال به إلا من بعض المعاصرين في البلاد النجدية، قاله الشيخ تفقهاً، وقلده طلابه من غير بحث، وهو فهم لم يسبق إليه، ولم يوافق عليه من سائر البلاد الإسلامية، ومن ادعى فهماً من النص لم يسبق إليه فهو رد عليه، وإني أدعو القوم إلى ترك أقوالهم إلى أقوال السلف، ومن دعانا إلى تقليده تاركين مذهب السلف فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

стр. 1385

رابعاً: ولأن أحداً لا يستطيع أن يقول إن الصحابة الذين أخذوا من اللحية في النسك لم يعفوا لحاهم حينئذ، وقد تشبهوا في المشركين في ترك الإعفاء. أو يقول: إن التشبه بالمشركين في ترك إعفاء اللحية داخل النسك مباح، وإذا كان خارج النسك كان محرماً، فلابد من القول بأن الصحابة، وإن أخذوا من لحاهم داخل النسك لم يخرجوا عن حد الإعفاء، وإذا كانوا لم يخرجوا عنه داخل النسك، لم يخرجوا عنه خارج النسك، والعجب أن قوماً من الحنابلة ينقمون علينا اتباع الدليل وتعظيم الآثار في مسائل كثيرة يكون فيها المذهب الحنبلي خلاف القول الراجح، ويدعوننا إلى التقليد واتباع الرجال، وترك الاجتهاد، وفي هذه المسألة التي وافقت مذهب أحمد من قوله وفعله لم تعجبهم، فخالفوا منهجهم في اتباع التقليد، فإن كان التقليد لمذهب الحنابلة هو الراجح عندهم فلما الغضب والمسألة لم تخرج عن مذهب الحنابلة؟ وإن كان التقليد باطلاً والمسألة من باب تعظيم الدليل، فلماذا ينقمون علينا في هذه المسألة وفي غيرها حرصنا على اتباع الدليل ومخالفة المذهب، ولكن كما يقال: لهوى النفوس سريرة لا تعلم. الدليل الرابع: (٥٨٣ - ١٤٧) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن منصور، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح قال: كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة (١).

стр. 1386

وهذا إسناد صحيح، وظاهره أنه يحكي فعل من شاهد من الصحابة، وعلى أسوأ الأحوال أن يكون هذا فعل غالب التابعين، وإنما أخذوا مثل ذلك من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. الدليل الخامس: (٥٨٤ - ١٤٨) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، عن أشعث، عن الحسن، قال: كانوا يرخصون فيما زاد على القبضة من اللحية أن يؤخذ منها (١). [وسنده ضعيف، ولكن يشهد له ما حكاه عطاء بسند صحيح]. وهل هذا خاص في النسك، فيه احتمال، وسبق الإشارة إليه، وقد روي عن ابن عمر الأخذ من اللحية بدون فعل الحج أو العمرة، كما سبق نقاشه، وعلى فرض أن هذا خاص في النسك، فإن فيه دلالة على أن الأخذ منها في النسك لا ينافي الإعفاء المأمور به في حديث ابن عمر وأبي هريرة، وإذا كان لا ينافي الإعفاء جاز أخذه في غير النسك، ولكن يكون أخذه في النسك من العبادة، وأخذه في غيره من الأمور الجائزة، والله أعلم. الدليل السادس: (٥٨٥ - ١٤٩) ما وراه الترمذي، قال: حدثنا هناد، حدثنا عمر بن هارون، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته، من عرضها وطولها. [إسناده ضعيف جداً] (٢).

стр. 1387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1388

الدليل السابع: (٥٨٦ - ١٥٠) ما رواه البيهقي في شعب الإيمان، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي ومحمد بن موسى بن الفضل، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا شبابة، أنا أبو مالك النخعي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: رأى النبي ﷺ رجلاً مجفل الرأس واللحية، فقال: على ما شوه أحدكم أمس، قال: وأشار النبي ﷺ إلى لحيته ورأسه يقول: خذ من لحيتك ورأسك (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 1389

وله شاهدان مرسلان صحيحا الإسناد: (٥٨٧ - ١٥١) فقد روى أبو داود في المراسيل، قال: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا مروان - يعني ابن معاوية - عن عثمان بن الأسود، سمع مجاهداً يقول: رأى النبي ﷺ رجلاً طويل اللحية، فقال: لم يشوه أحدكم نفسه (١). وأما الشاهد الثاني: (٥٨٨ - ١٥٢) فقد رواه مالك في الموطأ، قال: عن زيد بن أسلم، أن عطاء بن يسار أخبره، قال: كان رسول الله ﷺ في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله ﷺ بيده أن اخرج، كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل، ثم رجع، فقال رسول الله ﷺ : أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس، كأنه شيطان (٢). [ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، وليس صريحاً في الأخذ من اللحية] (٣).

стр. 1390

الدليل الثامن: (٥٨٩ - ١٥٣) ما ررواه الخطيب في تاريخه، قال: أخبرنا علي بن المحسن المعدل، حدثنا أبو غانم محمد بن يوسف الأزرق، حدثنا محمد بن مخلد العطار، حدثنا أحمد بن الوليد وإبراهيم بن الهيثم البلدي، قالا: حدثنا أبو اليمان، حدثنا عفير بن معدان، عن عطاء، عن أبي سعيد، قال: قال النبي ﷺ : لا يأخذ أحدكم من طول لحيته، ولكن من الصدغين. قال أبو عبد الله: ابن مخلد هذا أحمد بن الوليد المخرمي لا يسوى فلساً (١). [ضعيف أو ضعيف جداً] (٢).

стр. 1391

الدليل التاسع: (٥٩٠ - ١٥٤) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن زمعة، عن ابن طاوس، عن سماك بن يزيد قال كان علي يأخذ من لحيته مما يلي وجهه (١). [ضعيف] (٢). الدليل العاشر: (٥٩١ - ١٥٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، قال: قال جابر: لا نأخذ من طولها إلا في حج أو عمرة (٣). [حسن لغيره] (٤). الراجح من الأقوال: أرى أن القول بأن الأخذ من اللحية بما زاد على القبضة جائز،

стр. 1392

ولا يجب، (٥٩٢ - ١٥٦) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد، عن ابن جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه أنه كان يأخذ من لحيته، ولا يوجبه (١). ولم أقل بوجوبه، لأن الأمر لم يثبت فيه قول أو فعل من رسول الله ﷺ ، غاية ما فيه النقل عن بعض الصحابة، وأفعال الرسول ﷺ لا تدل على الوجوب، فكذلك أفعال غيره من باب أولى، ولو كان مستحباً أو واجباً لجاء الأمر به من الشارع، وما كان ربك نسياً، ولا يقال: إن هذا الفعل بيان للمجمل في قوله ﷺ : " أعفوا " فيأخذ حكمه؛ لأن فعل بعض الصحابة لا يعطى حكم فعل الرسول ﷺ مع إمكان الفعل من النبي ﷺ ، فإما أن يقال: إن الرسول ﷺ وإن كانت له لحية كبيرة إلا أنها لم تبلغ ما يدعو إلى الأخذ منها، فلم تتجاوز القبضة، وهذا هو المنصوص عليه كما سيأتي. وإما أن يقال: عدم النقل ليس نقلاً للعدم، وهذا مسلم في ظاهره، لكن يبعد أن يكون الرسول ﷺ يفعله، ولا ينقل بالوقت الذي نقل فيه فعل بعض الصحابة رضوان الله عليهم. و الأدلة على أن الرسول ﷺ كان كثيف اللحية ، (٥٩٣ - ١٥٧) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، قال: قلنا لخباب: أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر، قال: نعم. قلنا: بم كنتم تعرفون ذاك؟ قال: باضطراب لحيته (٢).

стр. 1393

(٥٩٤ - ١٥٨) وروى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن سماك أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته، وكان إذا أدهن لم يتبين، وإذا شعث رأسه تبين، وكان كثير شعر اللحية. الحديث (١). والله أعلم. (٥٩٥ - ١٥٩) وروى النسائي، قال: أخبرنا علي بن الحسين، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كان رسول الله ﷺ رجلاً مربوعاً، عريض ما بين المنكبين، كث اللحية، تعلوه حمرة، جمته إلى شحمتي أذنيه، لقد رأيته في حلة حمراء، ما رأيت أحسن منه (٢). [رجاله ثقات، والحديث في الصحيحين وليس فيه كث اللحية] (٣).

стр. 1394

وله شاهد من حديث علي عند أحمد، وفيه ابن عقيل (١)، ومن حديث هند بن أبي هالة وهو ضعيف (٢). وكونه ﷺ كث اللحية لا يلزم منه أنها طويلة؛ فقد فسر أهل اللغة من اللغويين والفقهاء أن كلمة كث تعني الشعر الكثير غير الطويل. جاء في تاج العروس: " كث اللحية وكثيثها، أراد كثرة أصولها

стр. 1395

وشعرها، وأنها ليست بدقيقة، ولا طويلة، ولكن فيها كثافة. وجاء في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، وهو من أهل اللغة والفقه، قال: كث اللحية: الكثاثة في اللحية: أن تكون غير رقيقة ولا طويلة، ولكن فيها كثافة (١). فهذا تفسير أهل اللغة والفقه: أن لحية الرسول ﷺ كثيرة الشعر، ليست بالطويلة، وإذا لم تكن طويلة لم يستدل على كون الرسول ﷺ لم يأخذ من لحيته على تحريم الأخذ من اللحية الطويلة. وكذلك جاء في مسلم: " كان كثير شعر اللحية " لا يلزم منه أن تكون طويلة إلى حد تتجاوز القبضة، والله أعلم. والأخذ من اللحية ليس واجباً؛ لكون النصوص عن الصحابة مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وفي دلالته على الاستحباب نظر، فإن كان من أمور العبادات كان مستحباً، وإن كان من قبيل العادات كان مباحاً. والقول بتحريم أخذ ما زاد على القبضة قول شاذ، لا أعلم أحداً من السلف قال به، فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، يحكى عن غالبهم كما في أثر جابر وعطاء بن أبي رباح، ومن فعل ابن عمر، ولم ينقل إنكار الصحابة رضوان الله عليهم. أيظن بالصحابة أنهم يجهلون الأمر بإعفاء اللحية الذي يعرفه عوام المسلمين في بلادنا، خاصة وفيهم ممن روى أحاديث الإعفاء. أو يظن بهم أنهم لا يعرفون مدلول كلمة (أعفوا) وهم أهل اللسان، وبلسانهم نزل القرآن، أو يظن أننا أشد غيرة من الصحابة، حيث ننكر على

стр. 1396

من أخذ من لحيته، وقصر في هذا صحابة رسول الله ﷺ ، وهم أنصح الناس. وهؤلاء أئمة التابعين، عطاء في مكة، والقاسم في المدينة، وقتادة، والحسن وابن سيرين في البصرة (١)، والشعبي (٢)، وإبراهيم النخعي في الكوفة (٣)، وطاوس في اليمن، وغيرهم من أئمة الفقه والدين يرون جواز الأخذ من اللحية، فهذه بلاد المسلمين في زمن التابعين لا تكاد ترى بلداً إلا وفيه من العلماء من يذهب إلى جواز الأخذ من اللحية، ولا يعلم لهم مخالف، أيظن بهم أنهم قد ظلوا في هذه المسألة؟ قد ظللت إذاً، وما أنا من المهتدين. وهؤلاء الأئمة الأربعة يذهبون إلى جواز الأخذ منها وأضيق المذاهب مذهب الشافعي ﵁ فإنه قيد جواز الأخذ في النسك (٤)، وإذا كان الأخذ

стр. 1397

منها في النسك لا ينافي الإعفاء، فكذلك الأخذ منها في غير النسك (١).

стр. 1398

. . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1399

وهذا ابن عبد البر (١)، والقاضي عياض (٢)، وابن جرير الطبري (٣)،

стр. 1400

والطيبي (١) والغزالي من الشافعية (٢)، والحافظ ابن حجر (٣) يرون جواز الأخذ من اللحية. وقال ابن تيمية: وأما إعفاء اللحية فإنه يترك، ولو أخذ ما زاد على القبضة لم يكره، نص عليه (٤). فقل بالله عليك مَنِ العلماء غيرهم؟ أفيكون قول يراه كل هؤلاء من لدن الصحابة حتى عصر الإمام أحمد، أفيكون قولاً شاذاً مخالفاً لسنة النبي ﷺ . وقد اعترض على أحمد ابن هانئ بأحاديث الأعفاء، فأخبربأن هذا من الإعفاء والله أعلم.

стр. 1401

الفصل الثالث حلق ما تحت الذقن اختلف الفقهاء في حلق ما تحت الذقن. فقيل: يجوز حلق ما تحت الذقن، وهو مذهب الحنابلة (١)، واختاره أبو يوسف من الحنفية (٢). وقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية (٣)، ونقل عن مالك كراهة حلق ماتحت الحنك، حتى قال: إنه من فعل المجوس (٤)، وهو مذهب الشافعية (٥). فإن كان ما تحت الذقن من الشعر يعتبر من اللحية كان حلقه محرماً، وإن لم يكن من اللحية، فلم ينقل عن النبي ﷺ أنه حلقه، ولا يدخل هذا في أخذ ما زاد على القبضة حتى يستدل بفعل الصحابة، ولم أقف على نص يبيح

стр. 1402

أخذه. وتعريف اللحية في الفقه واللغة لم يتناوله، فقد سبق لنا في تعريف اللحية قولان: فقيل: اللحية: شعر الخدين والذقن. وقيل: الشعر النازل على الذقن. فليس داخلاً في مسمى اللحية على كلا القولين، وما تحت الذقن من الشعر ليس له حكم شعر الوجه في وجوب غسله في الوضوء. فهل يعتبر ما تحت الذقن من الشعر من المسكوت عنه، فيكون الأصل جواز حلقه، أو يعتبر من اللحية فيحرم، فيه تأمل، وإن كنت أميل للأول، وأن كل شعر ليس على اللحيين فإنه غير داخلا في شعر اللحية، والله أعلم.

стр. 1403

الفصل الرابع في نتف الشيب فقيل: يكره نتف الشيب، وهو مذهب المالكية (١)، ومذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره ابن تيمية (٤). وقيل: لا بأس بنتف الشيب، اختاره بعض الحنفية (٥). وقيل: يتوجه احتمال أنه يحرم، قاله ابن مفلح (٦)، ولم يستبعده

стр. 1404

النووي (١)، وحكى ابن الرفعة تحريمه عن نص الأم (٢). دليل من قال بالكراهة . (٥٩٦ - ١٦٠) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: لا تنتفوا الشيب؛ فإنه ما من عبد يشيب في الإسلام شيبة إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة (٣). [إسناده حسن] (٤).

стр. 1405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →