الدليل الثالث:
(٦١٢ - ١٧٦) ما رواه الطحاوي، قال: حدثنا فهد بن سليمان، قال: حدثنا أحمد ابن حميد ختن عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه،
عن أسماء قالت: لما كان يوم الفتح أتي رسول الله ﷺ بأبي قحافة، وكأنَّ رأسه ولحيته ثغامة، قال: غيروه، وجنبوه السواد (١).
[إسناده ضعيف فيه المحاربي وقد عنعن، ورواه غيره لم يقل: وجنبوه السواد] (٢).
стр. 1440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1442
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1443
الدليل الرابع:
(٦١٣ - ١٧٧) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا عبدان بن أحمد، قال: حدثنا محبوب بن عبد الله النميري أبو غسان، قال: حدثنا أبو سفيان المديني، عن داود بن فراهيج،
عن أبى هريرة، قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة، وأبو بكر قائم على رأسه، قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إن أبا قحافة شيخ كبير، وإنه بناحية مكة فقال رسول الله ﷺ : قم بنا إليه. فقال: يا رسول الله هو أحق أن يأتيك، فجيء بأبي قحافة كأن لحيته ورأسه ثغامة بيضاء، فقال رسول الله ﷺ : غيروه، وجنبوه السواد (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 1444
. . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1446
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1447
الدليل الخامس:
(٦١٤ - ١٧٨) ما رواه أحمد، قال: ثنا حسين وأحمد بن عبد الملك، قالا: ثنا عبيد الله يعنى ابن عمرو، عن عبد الكريم، عن ابن جبير - قال أحمد: عن سعيد بن جبير -
عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد. قال حسين: كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة (١).
[رجاله ثقات إلا أنه اختلف في وقفه ورفعه] (٢).
стр. 1448
. . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1451
. . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1452
. . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1453
وأجيب بأجوبة:
стр. 1454
الأول: ضعف الحديث لأن في إسناده اختلافاً، وقد ناقشت هذا في التخريج.
قال أبو حفص الموصلي: قد ورد: " يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد، لا يريحون رائحة الجنة، ولا يصح في هذا الباب شيء غير قوله في حق أبي قحافة: " وجنبوه السواد " والجواب عنه من وجهين: ثم ذكرهما (١).
الجواب الثاني:
أن الوعيد الشديد ليس على الصبغ بالسواد، وإنما هو على معصية أخرى لم تذكر، كما قال الحافظ ابن أبي عاصم في كتاب الخضاب له (٢)، وابن الجوزي كما سيأتي عنه، ويدل على ذلك قوله ﷺ يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد، وقد عرفت وجود طائفة قد خضبوا بالسواد في أول الزمان وبعده من الصحابة والتابعين وغيرهم ﵃، فظهر أن الوعيد المذكور ليس على الخضاب بالسواد؛ إذ لو كان الوعيد على الخضب بالسواد لم يكن لذكر قوله في آخر الزمان فائدة، فالاستدلال بهذا الحديث على كراهة الخضب بالسواد ليس بصحيح.
قلت: قد يكون فائدة ذكر آخر الزمان أنه يكثر فيه، وينتشر، بخلاف ما وجد في العصر الأول، فإن الصبغ من آحادهم، وعلى كل حال هذا تأويل للنص والذي ينبغي على طالب العلم أن يترك تأويل النصوص وحملها على خلاف الظاهر، وإذا كنا نعيب على أهل البدع تأويل نصوص الصفات،
стр. 1455
فكيف نسمح لأنفسنا أن نقبل به هنا، وما الفائدة من ذكر هذا الخبر إذا كان على معصية لم تعلم، ويكون الخبر لغواً لا فائدة فيه؛ لأننا لا نعلم جرمهم لنتقيه، غاية ما فيه أن في آخر الزمان قوماً لايريحون رائحة الجنة، ثم القاعدة الأصولية: أن الحكم إذا رتب على وصف فإنه يدل على أن الوصف علة في الحكم، فلو قال قائل: إن قوله تعالى: ﴿والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (١).
لو قال: إن الجلد ليس على الزنا، وإنما هو على معصية أخرى لم تذكر هل يمكن أن يقبل ذلك منه؟
الثالث: أن المراد بالخضب بالسواد في هذا الحديث الخضب به لغرض التلبيس والخداع، لا مطلقا جمعاً بين الأحاديث المختلفة، وهو حرام بالاتفاق (٢).
قال ابن الجوزي: إنما كرهه - يعني الصبغ بالسواد - قوم لما فيه من التدليس، فأما أن يرتقي إلى درجة التحريم إذا لم يدلس، فيجب به هذا الوعيد، فلم يقل بذلك أحد، ثم نقول على تقدير الصحة يحتمل أن يكون المعنى: لا يريحون ريح الجنة لفعل صدر منهم أو اعتقاد، لا لعلة الخضاب، ويكون الخضاب سيماهم، فعرفهم بالسيما، كما قال في الخوارج: سيماهم التحليق، وإن كان تحليق الشعر ليس بحرام (٣).
стр. 1456
الجواب الرابع عن الحديث:
لقد صبغ جماعة من أصحاب النبي ﷺ بالسواد، أيكون الصبغ متوعداً عليه بأنه لا يريح رائحة الجنة، ثم هؤلاء يصبغون؟!!، ولا ينقل إنكار من الصحابة رضوان عليهم، وهم أكمل الأمة في النصح والعلم والقيام بالواجب، لا يخافون في الله لومة لائم.
وأجيب:
بأننا إنما نحتاج إلى الرد إلى أقوال الصحابة وأفعالهم فيما لم يرد فيه نص، أما ما رود فيه نص فلا يحتاج الأمر إلى الرجوع إلى أفعال الصحابة، قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فروده إلى الله والرسول﴾ (١)، فإذا كانت السنة واضحة صريحة فلا ترد إلى غيرها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك مسائل كثيرة خالف فيها بعض الصحابة النص المتفق عليه، ومع ذلك لم يقدح هذا في النص، أرأيت إلى لبس خاتم الذهب جاء فيه النص واضحاً بتحريمه، ومع ذلك جاء عن عدد من الصحابة كانوا يلبسون خاتم الذهب، فهل كان ذلك علة في رد النص؟
وقد يقال: إن الرجوع إلى فهم الصحابة يتعين لفهم النص، وفهمهم أولى من فهم غيرهم، فيحمل على أن النهي للكراهة لمخالفتهم النهي، لكن يشكل عليه قوله في الحديث: " لا يرح رائحة الجنة " لا يقال مثل هذا في المكروه، والله أعلم.
стр. 1457
الجواب الخامس:
أن العقوبة الواردة في الحديث مبالغ فيها، وقد يكون من أسباب ضعف الحديث أن يرتب على العمل اليسير ثواب عظيم، أو عقاب كبير كما ذكر ذلك العلماء، وهذا يقال هنا لأن الإسناد ليس من القوة (١)، فالتحريم نحتاج للقول به إلى إسناد صحيح خال من النزاع؛ لأن الأصل الحل، ولا ننتقل عنه إلا بدليل صحيح صريح خال من النزاع.
وأجيب:
بأن الشرع هو الذي يقدر أن الذنب يسير أو عظيم، ولذلك ورد وعيد
стр. 1458
شديد في المسبل إزاره،
(٦١٥ - ١٧٩) فقد روى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار، قالوا: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن خرشة بن الحر،
عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟
قال: المسبل، والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب (١).
فلا يمكن أن نعل الحديث بأن ذنب الإسبال يسير فكيف يتوعد عليه بمثل هذه العقوبة، والله أعلم.
الدليل السادس:
(٦١٦ - ١٨٠) ما رواه ابن عدي في الكامل، قال: حدثنا صدقة بن منصور بحران، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عاصم بن سليمان التميمي، عن إسماعيل بن أمية، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده، قال: جيء بأبي قحافة إلى النبي ﷺ يوم الفتح، ورأسه ولحيته كأنها ثغامة، فقال: النبي ﷺ : غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد (٢).
[موضوع بهذا الإسناد] (٣).
стр. 1459
الدليل السابع:
(٦١٧ - ١٨١) قال ابن سعد: أخبرنا معن بن عيسى، قال: حدثني عبد الله بن المؤمل، عن عكرمة بن خالد، قال: أتي بأبي قحافة إلى النبي ﷺ وكأن رأسه ثغامة، فبايعه رسول الله ﷺ ثم قال: غيروا رأس الشيخ بحناء.
[ضعيف وذكر الحناء فيه منكر] (١).
стр. 1460
الدليل الثامن:
(٦١٨ - ١٨٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة،
عن عبد الملك، قال: سئل عطاء عن الخضاب بالوسمة؟ فقال: هو مما أحدث الناس، وقد رأيت نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ ، فما رأيت أحداً منهم يختضب بالوسمة، ما كانوا يخضبون إلا بالحناء والكتم وهذه الصفرة (١).
[إسناده صحيح]
وأجيب:
أولاً: لا شك أنه ثبت عن بعض الصحابة الصبغ بالأسود، ثبت عن الحسن من طرق كثيرة وبعضها صحيح، وثبت عن عقبة بن عامر بسند صحيح، وسيأتي النقول عنهم إن شاء الله.
(٦١٩ - ١٨٣) ثانياً: قد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، قال: سألت ابن الحنفية عن الخضاب بالوسمة؟ فقال: هي خضابنا أهل البيت (٢).
[وسنده حسن]
ثالثاً: أن الصبغ بالأسود على فرض أن جميع الصحابة لم يصبغوا به، لم ينقل عن الصحابة أيضاً أنهم كرهوه أو منعوه، ولو نقل لكان صالحاً للحجة.
وقال بعضهم: إن الوسمة صبغ ليس بالأسود، قيل: إن كان كذلك لم يكن قول عطاء بأن الصبغ به حدث دليل أن الصحابة لم يصبغوا بالأسود،
стр. 1461
فأما أن تعتبره أسود فالجواب عنه ما علمت، أو ليس بالأسود فلا تستدل به على أن الصحابة لم يصبغوا بالأسود.
الدليل التاسع:
(٦٢٠ - ١٨٤) ما رواه ابن عدي من طريق رشدين بن سعد، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن قسيط،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ إن الله يبغض الشيخ الغربيب.
قال أحمد: قال رشدين: الذي يخضب بالسواد (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 1462
دليل القائلين بكراهة الخضاب بالسواد .
جمعوا بين النهي عن الخضاب بالسواد، وبين فعل الصحابة على أن النهي ليس للتحريم، ولو كان للتحريم لما خضب جمع من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
قال ابن القيم: " صح عن الحسن والحسين ﵄ أنهما كان يخضبان بالسواد، ذكر ذلك عنهما ابن جرير في كتاب تهذيب الآثار، وذكره عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله، وعمرو بن العاص، وحكاه عن جماعة من التابعين منهم عمرو بن عثمان، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب، وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دثار، ويزيد، وابن جريج، وأبي يوسف، وأبي إسحاق، وابن أبي ليلى، وزياد بن علاقة، وغيلان بن جامع، ونافع بن جبير، وعمرو بن علي
стр. 1463
المقدمي، والقاسم بن سلام (١).
فذكر ابن القيم ثمانية من أصحاب النبي ﷺ يصبغون بالسواد، أيكون الصبغ متوعداً عليه بأنه لا يريح رائحة الجنة، ثم هؤلاء يصبغون!! ولا ينقل إنكار من الصحابة رضوان عليهم، وهم أكمل الأمة في النصح والعلم والقيام بالواجب، لا يخافون في الله لومة لائم، فإما أن نقول: إن فعل مثل هؤلاء يقدح في المنقول من النهي، وهذا غير جيد، أو نقول: إن فعل هؤلاء يبين أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة، فيكون من أجازه لم يعارض من كرهه، والجواز لا ينافي الكراهة كما هو معروف، ومن خضب بالسواد فهم أن الأمر على التخيير. والله أعلم.
قال ابن القيم: وأما الخضاب بالسواد، فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب (٢).
وسوف أحاول تخريج بعض الآثار عن الصحابة ﵃، لأن أقوالهم ليست كأقوال غيرهم.
(٦٢١ - ١٨٥) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن معمر، عن الزهري، قال: إن الحسين بن علي يخضب بالسواد. قال معمر: رأيت الزهري يغلف بالسواد وكان قصيراً (٣).
стр. 1464
(٦٢٢ - ١٨٦) وروى عبد الرزاق أيضاً، قال: عن معمر، عن الزهري قال: كان الحسن بن علي يخضب بالسواد (١).
стр. 1465
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1466
الأثر الثاني:
(٦٢٣ - ١٨٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ليث بن سعد، قال: حدثنا أبو عشانة المعافري، قال:
رأيت عقبة بن عامر يخضب بالسواد ويقول:
نسود أعلاها وتأبى أصولها ......... (١).
الأثر الثالث:
(٦٢٤ - ١٨٨) روى ابن أبي الدنيا في العمر والشيب، قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، عن زاجر بن الصلت، عن الحارث بن عمرو،
عن البحتري بن عبد الحميد، أن عمر بن الخطاب قال: نعم الخضاب
стр. 1467
السواد هيبة للعدو ومسكنة للزوجة (١).
[سنده ضعيف] (٢).
الأثر الرابع:
(٦٢٥ - ١٨٩) روى الطبراني في الكبير، قال: حدثنا أحمد بن رشدين المصري، ثنا نعيم بن حماد، ثنا رشدين بن سعد، عن يونس، عن ابن شهاب،
عن سعيد بن المسيب، أن سعد بن أبي وقاص كان يخضب بالسواد.
[سنده ضعيف] (٣).
стр. 1468
الأثر الخامس:
(٦٢٦ - ١٩٠) روى الطبراني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن منصور الكلبي قال حدثني سليم أبو الهذيل قال:
رأيت جرير بن عبد الله يخضب رأسه ولحيته بالسواد (١).
الأثر السادس:
(٦٢٧ - ١٩١) قال الهيثمي في المجمع: وعن عبد الله بن عمرو، أن عمر بن الخطاب رأى عمرو بن العاص وقد سود شيبه فهو مثل جناح الغراب، فقال: ما هذا يا أبا عبد الله؟ فقال: يا أمير المؤمنين أحب أن يرى في بقية، فلم ينهه عن ذلك ولم يعبه عليه.
قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه راو لم يسم، قال سعيد بن أبي مريم: حدثني من أثق به، وعبد الرحمن بن أبي الزناد وبقية رجاله ثقات (٢).
أما الآثار عن التابعين فهي كثيرة جداً، ولكن لما كانت المسألة فيها أحاديث أكتفيت بها، لأن الاستدلال بأقوال التابعين إنما يستأنس به إذا لم يكن في المسألة سنة عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه، فإننا نرجع إلى آثار السلف من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين
стр. 1469
دليل من قال يجوز تغيير الشيب بالسواد .
الدليل الأول:
لم يثبت عن الرسول ﷺ نهي في التحريم، والأصل في الأشياء الإباحة.
قال يحيى: سمعت مالكاً يقول في صبغ الشعر بالسواد: لم أسمع في ذلك شيئاً معلوماً، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي. قال: وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله، ليس على الناس فيه ضيق (١).
وإمام بمثل مالك، وهو في المدينة قد رأى فقهاء التابعين وأخذ منهم يرى أنه لم يسمع في الصبغ بالسواد شيئاً دليل على أن أحاديث النهي في الباب لاتصح.
الدليل الثاني:
(٦٢٨ - ١٩٢) ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن،
إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم. ورواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
أن الحديث يقتضي الأمر بالصبغ، ولم يقيد صبغاً دون صبغ، فبأي شيء صبغ الرجل فقد امتثل الأمر
стр. 1470
الدليل الثالث:
(٦٢٩ - ١٩٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد وابن نمير قالا ثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى (١).
[إسناده حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمر بتغيير الشيب، فله أن يغيره بأي شيء؛ لأن الحديث مطلق لم يقيد بشيء.
الدليل الرابع:
(٦٣٠ - ١٩٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خيثمة، عن أبي الزبير،
عن جابر قال: أتي بأبي قحافة - أو جاء عام الفتح أو يوم الفتح- ورأسه ولحيته مثل الثغام أو الثغامة، فأمر أو فأمر به إلى نسائه، قال: غيروا
стр. 1471
هذا بشيء (١).
وجه الاستدلال من الحديث كالاستدلال بالحديثين السابقين.
وأجيب عن هذا:
بأن الأمر المطلق بتغيير الشيب مقيد بالأحاديث الأخرى، وهو النهي عن الأسود، كما في حديث جابر وأنس وغيرهما.
الدليل الخامس:
(٦٣١ - ١٩٥) ما رواه ابن ماجه قال: حدثنا أبو هريرة الصيرفي محمد بن فراس، نا عمر بن الخطاب بن زكريا الراسبي، ثنا دفاع بن دغفل السدوسي، عن عبد الحميد ابن صيفي، عن أبيه،
عن جده صهيب الخير قال قال رسول الله ﷺ : إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد؛ أرغب لنسائكم فيكم، وأهيب لكم في صدور عدوكم.
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 1472
الدليل السادس:
أن أبا بكر صبغ بالحناء والكتم، والحناء والكتم يعطي نوعاً من اللون الأسود، وذلك لأن الأسود درجات، منه: الأسود الداكن، ومنه الأسود الفاتح، وبينهما درجات، يسميه بعضهم باللغة المعاصرة البني الغامق، وهي لون من درجات اللون الأسود، فلما أذن في الحناء والكتم دل على إذنه بالأسود، لكن قد يكون الحناء له نفع للبشرة والشعر، فخص بالنص، وهو دليل على جوازه بغير الحناء والكتم مما يعطي لونهما. والله أعلم.
دليل القائلين بأنه يجوز للمرأة دون الرجل .
قالوا: إن الزينة للمرأة مطلوبة، ولذلك جاز لها خضاب اليدين والرجلين، ولا يجوز ذلك في حق الرجل، وجاز لها لبس الذهب دون الرجل، والأحاديث الواردة إنما ثبتت في حق الرجل، كحديث: "وجنبوه السواد " وحديث يكون قوم آخر الزمان يخضبون بهذا السواد، قد جاء في بعض الفاظه: " يخضبون لحاهم بالسواد. والله أعلم.
هذا بعض ما وقفت عليه من أدلة الفريقين، والقول بالتحريم قول قوي، والقول بالكراهة أقوى، وهو قول السواد الأعظم من الأمة، بل إن التحريم إنما هو وجه عند بعض أصحاب الشافعي فقط، والوجه الآخر مكروه فحسب. وما عداهم من المذاهب الأربعة بين مجيز وكاره،
стр. 1473
فهذا أبو يوسف ومحمد بن الحسن يريان الجواز، وقال ابن عابدين: ومذهبنا أن الصبغ بالحناء والوسمة حسن كما في الخانية. وهذا مالك يقول: لا أعلم فيه شيئاً.
وهذا الإمام أحمد يكره الصبغ، ويفسرها أكثر أصحابه بأنها كراهة تنزيه.
والصواب أن كل ما قيل: مكروه في كتب المذاهب الفقهية، ولم نعلم أنهم يريدون به كراهة التحريم، فإنه يحمل على كراهة التنزيه:
أولاً: لأن اصطلاح الكراهة عند الفقهاء يختلف اصطلاحه في نص الشارع، وإنما اشتهر هذا المصطلح أعني إطلاق الكراهة على كراهة التنزيه عند الفقهاء.
ثانياً: أنهم صرحوا بالمقصود به، فلا نتكلف في صرفه (١).
стр. 1474
وقد حاولت قدر الإمكان عرض أدلة الفريقين بكل حياد؛ لأن نصوص المعرفة حق للقارئ، لا يجوز إذا رجحت قولاً أن أغمط أدلة القول الآخر؛ ولأن فهم النص قد اُوافَق عليه وقد أُخَالف، وفرق بين رأي العالم واجتهاده وبين النص؛ لأن لو جعلنا فهم النص بمنزلة النص ألغينا الاجتهاد، والعصمة
стр. 1475
إنما هي للنص، وليست لفهم النص، فلا يخلط بينهما، فيبقى على طالب العلم أن يذكر النصوص، والقارئ يرجح ما يراه، ولا ينبغي أن نصادر حق القارئ بالترجيح، فأتحامل فأسوق كل دليل أراه يؤيد رأيي، ولو كان بتأويل سائغ أو غير سائغ، وأغض الطرف عن أدلة القول الآخر بسبب أنه لم يترجح لي، وأتكلف التأويل، ورحم الله ابن القيم فإنك حين تقرأ له مسألة خلافيه، يجمع لكل قول ما يمكن أن يكون مؤيداً له، ويسوق له الأدلة من هنا وهناك حتى تظن أنه يرى هذا القول، ثم في آخر الأمر يتبين لك أنه لا يراه، ولكن فرق بين أن أعطي كل قول حقه من الأدلة، وبين أن أغمط أدلته خشية أن يترجح لغيري خلاف ما ترجح لي.
وأحكام الإسلام منها ما هو واضح بين، ومنها ما هو خفي، وهو ما عناه الرسول ﷺ بقوله: " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات " فبعض المسائل من الأمور المتشابهة، والذي ينبغي على طالب العلم أن يستفرغ وسعه في فهم النص ودلالته، وليست كل مسألة يكون الفرق بين القولين فيهما كما بين السماء والأرض، ففي أحيان كثيرة يكون الترجيح هو اطمئنان النفس وميلها إلى أحد القولين، وهذا الميل يكفي في ترجيح أحد القولين؛ ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولكن إذا كانت المسألة كذلك ينبغي أن يتورع الإنسان من الطعن في أي من الأقوال المحتملة، والله أعلم.
وإني حين أرجح كراهية تغيير الشيب بالسواد، ذلك لأن ما يختاره الإنسان للناس غير ما يختاره الإنسان لنفسه، فإن على الباحث أن لا يوقِّع بتحريم شيء إلا وقد ظهر له ظهوراً جلياً من نص صريح لا خلاف في ثبوته، وذلك لأنه يخبر عن حكم الشرع، لا عن سلوك يرتضيه لنفسه، والاحتياط