هذا بشيء (١).
وجه الاستدلال من الحديث كالاستدلال بالحديثين السابقين.
وأجيب عن هذا:
بأن الأمر المطلق بتغيير الشيب مقيد بالأحاديث الأخرى، وهو النهي عن الأسود، كما في حديث جابر وأنس وغيرهما.
الدليل الخامس:
(٦٣١ - ١٩٥) ما رواه ابن ماجه قال: حدثنا أبو هريرة الصيرفي محمد بن فراس، نا عمر بن الخطاب بن زكريا الراسبي، ثنا دفاع بن دغفل السدوسي، عن عبد الحميد ابن صيفي، عن أبيه،
عن جده صهيب الخير قال قال رسول الله ﷺ : إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد؛ أرغب لنسائكم فيكم، وأهيب لكم في صدور عدوكم.
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 1472
الدليل السادس:
أن أبا بكر صبغ بالحناء والكتم، والحناء والكتم يعطي نوعاً من اللون الأسود، وذلك لأن الأسود درجات، منه: الأسود الداكن، ومنه الأسود الفاتح، وبينهما درجات، يسميه بعضهم باللغة المعاصرة البني الغامق، وهي لون من درجات اللون الأسود، فلما أذن في الحناء والكتم دل على إذنه بالأسود، لكن قد يكون الحناء له نفع للبشرة والشعر، فخص بالنص، وهو دليل على جوازه بغير الحناء والكتم مما يعطي لونهما. والله أعلم.
دليل القائلين بأنه يجوز للمرأة دون الرجل .
قالوا: إن الزينة للمرأة مطلوبة، ولذلك جاز لها خضاب اليدين والرجلين، ولا يجوز ذلك في حق الرجل، وجاز لها لبس الذهب دون الرجل، والأحاديث الواردة إنما ثبتت في حق الرجل، كحديث: "وجنبوه السواد " وحديث يكون قوم آخر الزمان يخضبون بهذا السواد، قد جاء في بعض الفاظه: " يخضبون لحاهم بالسواد. والله أعلم.
هذا بعض ما وقفت عليه من أدلة الفريقين، والقول بالتحريم قول قوي، والقول بالكراهة أقوى، وهو قول السواد الأعظم من الأمة، بل إن التحريم إنما هو وجه عند بعض أصحاب الشافعي فقط، والوجه الآخر مكروه فحسب. وما عداهم من المذاهب الأربعة بين مجيز وكاره،
стр. 1473
فهذا أبو يوسف ومحمد بن الحسن يريان الجواز، وقال ابن عابدين: ومذهبنا أن الصبغ بالحناء والوسمة حسن كما في الخانية. وهذا مالك يقول: لا أعلم فيه شيئاً.
وهذا الإمام أحمد يكره الصبغ، ويفسرها أكثر أصحابه بأنها كراهة تنزيه.
والصواب أن كل ما قيل: مكروه في كتب المذاهب الفقهية، ولم نعلم أنهم يريدون به كراهة التحريم، فإنه يحمل على كراهة التنزيه:
أولاً: لأن اصطلاح الكراهة عند الفقهاء يختلف اصطلاحه في نص الشارع، وإنما اشتهر هذا المصطلح أعني إطلاق الكراهة على كراهة التنزيه عند الفقهاء.
ثانياً: أنهم صرحوا بالمقصود به، فلا نتكلف في صرفه (١).
стр. 1474
وقد حاولت قدر الإمكان عرض أدلة الفريقين بكل حياد؛ لأن نصوص المعرفة حق للقارئ، لا يجوز إذا رجحت قولاً أن أغمط أدلة القول الآخر؛ ولأن فهم النص قد اُوافَق عليه وقد أُخَالف، وفرق بين رأي العالم واجتهاده وبين النص؛ لأن لو جعلنا فهم النص بمنزلة النص ألغينا الاجتهاد، والعصمة
стр. 1475
إنما هي للنص، وليست لفهم النص، فلا يخلط بينهما، فيبقى على طالب العلم أن يذكر النصوص، والقارئ يرجح ما يراه، ولا ينبغي أن نصادر حق القارئ بالترجيح، فأتحامل فأسوق كل دليل أراه يؤيد رأيي، ولو كان بتأويل سائغ أو غير سائغ، وأغض الطرف عن أدلة القول الآخر بسبب أنه لم يترجح لي، وأتكلف التأويل، ورحم الله ابن القيم فإنك حين تقرأ له مسألة خلافيه، يجمع لكل قول ما يمكن أن يكون مؤيداً له، ويسوق له الأدلة من هنا وهناك حتى تظن أنه يرى هذا القول، ثم في آخر الأمر يتبين لك أنه لا يراه، ولكن فرق بين أن أعطي كل قول حقه من الأدلة، وبين أن أغمط أدلته خشية أن يترجح لغيري خلاف ما ترجح لي.
وأحكام الإسلام منها ما هو واضح بين، ومنها ما هو خفي، وهو ما عناه الرسول ﷺ بقوله: " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات " فبعض المسائل من الأمور المتشابهة، والذي ينبغي على طالب العلم أن يستفرغ وسعه في فهم النص ودلالته، وليست كل مسألة يكون الفرق بين القولين فيهما كما بين السماء والأرض، ففي أحيان كثيرة يكون الترجيح هو اطمئنان النفس وميلها إلى أحد القولين، وهذا الميل يكفي في ترجيح أحد القولين؛ ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولكن إذا كانت المسألة كذلك ينبغي أن يتورع الإنسان من الطعن في أي من الأقوال المحتملة، والله أعلم.
وإني حين أرجح كراهية تغيير الشيب بالسواد، ذلك لأن ما يختاره الإنسان للناس غير ما يختاره الإنسان لنفسه، فإن على الباحث أن لا يوقِّع بتحريم شيء إلا وقد ظهر له ظهوراً جلياً من نص صريح لا خلاف في ثبوته، وذلك لأنه يخبر عن حكم الشرع، لا عن سلوك يرتضيه لنفسه، والاحتياط
стр. 1476
ليس في جانب المنع، بل الاحتياط هو أن لا يتجرأ أحد على التحريم إلا بدليل صريح صحيح، فمن ظهر له هذا، فهو وذاك، ومن لم يظهر له، فمن أين يقوله، والله يقول:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (١) بل إن التحريم أشد من الإباحة، وذلك أن الإباحة لا تحتاج إلى دليل، لأنها الأصل بخلاف التحريم.
стр. 1477
الباب السابع
في شعر الرأس
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في حلق شعر الرأس.
الفصل الثاني: في النهي عن القزع.
الفصل الثالث: في الترجل وصفته
стр. 1478
الفصل الأول
في حلق شعر الرأس
اختلف العلماء في حلق شعر الرأس.
فقيل: سنة، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: يكره حلق شعر الرأس لغير نسك ولا حاجة، وهو مذهب المالكية (٢)، ورواية عن أحمد (٣).
стр. 1479
وقيل: لا يكره حلقه، وتركه أفضل إلا إن شق تعهده فالحلق أفضل، وهو مذهب الشافعية (١).
وقيل: يباح حلقه، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة عند المتأخرين (٢).
دليل من قال: تركه أفضل إذا كان قادراً على تعهده وتنظيفه .
الدليل الأول:
قال النووي: لم يصح أن النبي ﷺ حلقه إلا في الحج أو العمرة (٣).
стр. 1480
قلت: والتأسي بتركه ﷺ كالتأسي بفعله ﷺ .
الدليل الثاني:
كان الرسول ﷺ والأنبياء ﵈ لهم شعر كثير، وهذا دليل على أن تركه أفضل، وإليك النصوص في صفاتهم:
ما ورد في صفة شعر رسول الله ﷺ ،
(٦٣٩ - ٢٠٣) روى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق،
عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي ﷺ مربوعاً بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئاً قط أحسن منه. قال يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه إلى منكبيه، هذا لفظ البخاري، وقد رواه مسلم (١).
وفي رواية لمسلم: " عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه " (٢).
والجمة، جاء في القاموس: الجَمُّ: الكثيرُ من كلِ شيءٍ.
وأما ماورد في صفة شعر الأنبياء ﵈،
فقد جاء في الصحيحين، عن النبي ﷺ في حديث الإسراء، قال: "ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه، وأنا أشبه ولده به " (٣). وقد سبق لنا صفة شعر الرسول ﷺ .
стр. 1481
وأما ما جاء في صفة شعر موسى ﵊،
(٦٤٠ - ٢٠٤) فقد روى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا عثمان بن المغيرة، عن مجاهد،
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال النبي ﷺ رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم، جسيم، سبط كأنه من رجال الزط (١).
فقوله: " سبط " قال الحافظ في الفتح: " السبط بفتح المهملة، وكسر الموحدة: أي ليس بجعد، وهذا نعت لشعر رأسه " (٢).
وأما ما جاء في صفة شعر عيسى ﵊،
(٦٤١ - ٢٠٥) فقد روى البخاري، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا أبو ضمرة، حدثنا موسى، عن نافع،
قال عبد الله: ذكر النبي ﷺ يوماً بين ظهري الناس المسيح الدجال، فقال: إن الله ليس بأعور ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، وأراني الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجل آدم كأحسن ما يرى من آدم الرجال تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء واضعاً يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا المسيح بن مريم، ثم رأيت رجلاً وراءه جعداً، قططاً، أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن واضعاً يديه على منكبي رجل
стр. 1482
يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال (١).
الشاهد منه:
قوله ﷺ عن عيسى: " تضرب لمته بين منكبيه ".
فهذا رسول الله ﷺ والأنبياء ﵈ كان لهم شعر كثير، وهذا يدل على أن تركه أفضل من حلقه، ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٢).
دليل من قال حلق الرأس بدعة .
الدليل الأول:
كون الرسول ﷺ لم يفعله إلا في النسك، دليل على أنه لا يتعبد بحلقه.
قال ابن القيم: " لم يحفظ عنه حلقه إلا في نسك " (٣).
الدليل الثاني:
(٦٤٢ - ٢٠٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا مهدي بن ميمون، سمعت محمد بن سيرين، يحدث عن معبد بن سيرين،
عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: يخرج ناس من قبل المشرق، ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه. قيل: ما سيماهم؟ قال: سيماهم التحليق. أو قال
стр. 1483
التسبيد (١).
وإذا كان الحلق سيما أهل البدع كالخوارج وغيرهم كان تركه شعاراً لأهل السنة.
الدليل الثالث:
(٦٤٣ - ٢٠٧) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق، حدثني أبي، ثنا محمد بن سليمان بن مسمول، حدثني عمر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه،
عن جابر، عن النبي ﷺ قال: لا توضع النواصي إلا في حج أوعمرة (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
الدليل الرابع:
أن الشرع أمرنا بحلق العانة، ونتف الإبط، وجعل ذلك من الفطرة، كما
стр. 1484
سبق من حديث أبي هريرة في الصحيحين، وأما شعر الرأس فلم نؤمر بحلقه، فتكون الفطرة في إبقائه.
دليل من قال يباح الحلق .
الدليل الأول:
(٦٤٤ - ٢٠٨) عبد الرزاق في المصنف، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ رأى غلاماً قد حلق بعض رأسه وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: احلقوا كله أو ذروا كله (١).
[تفرد بقوله: " احلقوه كله " معمر، عن أيوب، وقد رواه غيره عن أيوب بدون هذه الزيادة، كما رواه أيضاً غير أيوب عن نافع، وليس فيه هذه الزيادة] (٢).
стр. 1485
الدليل الثاني:
(٦٤٥ - ٢٠٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عقبة بن مكرم وابن المثنى، قالا: ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد،
عن عبد الله بن جعفر، أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم، فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ثم قال: ادعوا لي بني أخي، فجيء بنا كأنا أفراخ، فقال: ادعوا لي الحلاق فأمره فحلق رؤوسنا (١)
[إسناده صحيح] (٢).
وقد أجيب عن هذا:
بأن النبي ﷺ إنما حلق رؤوسهم، مع أن إبقاء الشعر أفضل إلا في النسك لما رأى من اشتغال أمهم أسماء بنت عميس عن ترجيل شعورهم بما أصابها من قتل زوجها في سبيل الله، فأشفق عليهم من الوسخ والقمل (٣).
стр. 1486
وإذا كان هناك حاجة للحلق فلا مانع منه، لكن إذا لم يكن هناك حاجة فلا شك أن الأفضل ما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والتسليم من إبقاء الشعر، وقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يتخذ شعراً؟ فقال: سنة حسنة، ثم قال أبو عبد الله: لو أمكنا اتخذناه.
وفي لفظ آخر عنه: لو كنا نقوى عليه، له كلفة ومؤنة.
فيؤخذ من هذا أن من يستطيع أن يقوم بغسله وترجيله فالأفضل في حقه أن يتخذه، والله أعلم.
دليل من قال السنة حلق الشعر .
لا أعلم لهذا القول دليلاً من الأثر، ولا من النظر، ولقد قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: " لا نزاع بين علماء المسلمين وأئمة الدين أن ذلك لا يشرع، ولا يستحب، ولا هو من سبيل الله وطريقه، ولا من الزهد المشروع للمسلمين، ولا مما أثنى الله به على أحد من الفقراء، ومع هذا فقد اتخذه طوائف من النساك الفقراء والصوفية ديناً حتى جعلوه شعاراً وعلامة على أهل الدين والنسك والخير والتوبة والسلوك إلى الله المشير إلى الفقر والصوفية، حتى إن من لم يفعل ذلك يكون منقوصاً عندهم، خارجاً عن الطريقة المفضلة المحمودة عندهم، ومن فعل ذلك دخل في هديهم وطريقتهم، وهذا ضلال عن طريق الله وسبيله باتفاق المسلمين، واتخاذ ذلك ديناً وشعاراً لأهل الدين من أسباب تبديل الدين، بل جعله علامة على المروق من الدين أقرب (١).
وما تكلم عليه ابن تيمية يقرب مما يراه بعض الزهاد والوعاظ وبعض
стр. 1487
الصالحين عندنا من اعتبار إطالة الشعر يدخل في الشهرة، ولا ينكر على من حلق رأسه دون أن يكون هناك حاجة من نسك وغيره، بل قد يرى حلق الرأس علامة على الصلاح.
وممكن أن يستدل لمن يرى الحلق بالأدلة التالية:
الدليل الأول:
(٦٤٦ - ٢١٠) حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام وسفيان بن عقبة السوائي، هو أخو قبيصة، وحميد بن خوار، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،
عن وائل بن حجر، قال: أتيت النبي ﷺ ولي شعر طويل، فلما رآني رسول الله ﷺ قال: ذباب ذباب، قال: فرجعت فجززته، ثم أتيته من الغد، فقال: إني لم أعنك، وهذا أحسن (١).
[وإسناده حسن] (٢).
стр. 1488
قال الطحاوي: فكان في هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ما قد دل على أن جز الشعر أحسن من تربيته، وما جعله رسول الله ﷺ الأحسن، كان لا شيء أحسن منه، ووجب لزوم ذلك الأحسن، وترك ما يخالفه، ومقبول منه ﷺ إذا كان هذا عنه، وإذا كان أولى بالمحاسن كلها من جميع الناس سواه، أنه قد كان صار بعد هذا القول إلى هذا الأحسن، وترك ما كان عليه قبل ذلك مما يخالفه، والله نسأله التوفيق (١).
وهذا الكلام مدخول من وجهين:
الأول: القطع بأن هذه القصة متأخرة عن إعفاء الشعر، وإكرامه، وأن الرسول ﷺ صار إليه بعد أن كان له شعر كثير، وأن الرسول ترك إعفاء الشعر لإجل هذه القصة لا شك أن هذا من الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً، وقد عقدت فصلاً مستقلاً في إكرام الشعر وتسريحه ودهنه، مما يجعل الباحث يقطع أن السنة إعفاء شعر الرأس وإكرامه.
الثاني: الاعتقاد بأن هذا القصة تعارض الأحاديث الكثيرة في إكرام الشعر غير صحيح، والجواب عن هذا، أن يقال:
إن هذا الرجل كان شعره طويلاً كثيراً إلى حد الشهرة، فكان الأحسن تخفيفه عن حد الشهرة، ولذا ليس في الحديث أنه حلقه، وإنما جزه، ولا يصلح دليلاً للحلق إلا لو جاء في الحديث أن الرجل حلق رأسه، وربما حسن له رسول الله ﷺ جز شعره وتخفيفه نظراً لأنه لم يقم بحقه من تعهده وتنظيفه،
стр. 1489
وقد سبق أن قلت: إن ترك الشعر سنة لمن كان قادراً على القيام بمؤنته من تسريحه وتنظيفه، أما من لا يقدر على ذلك فالأفضل في حقه تخفيف الشعر وجزه بدون حلق إلا في نسك، والحامل على هذا التأويل الأحاديث الكثيرة في صفة شعر الرسول ﷺ بل والأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام، والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(٦٤٧ - ٢١١) روى أحمد، قال: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن أبي إسحاق، عن شمر، عن خريم رجل من بنى أسد، قال: قال رسول الله ﷺ : لولا أن فيك اثنتين كنت أنت، قال: إن واحدة تكفيني. قال: تسبل إزارك وتوفر شعرك. قال: لا جرم والله لا أفعل (١).
[إسناده منقطع شمر لم يدرك خريم، والحديث محتمل للتحسين بالمتابعات] (٢).
стр. 1490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1494
والجواب عن هذا الدليل كالجواب عما سبق، إضافة إلى أن هذا الحديث صريح بأنه ليس فيه حلق، حيث ورد في بعض الروايات أن شعره إلى أذنيه.
الراجح من الأقوال:
الأصل أن ترك الشعر أفضل من حلقه إذا كان قادراً على القيام بمؤنته وتعهده وتنظيفه كما بينا من فعل الرسول ﷺ ، بل ومن فعل الأنبياء، وقد يختلف حكم حلق الرأس من حال إلى آخر،
فأما حلقه في النسك فإنه أفضل من التقصير، وهو مشروع في الكتاب والسنة، أما الكتاب، فقال تعالى ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ (١).
(٦٤٨ - ٢١٢) وأما السنة فقد روى البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين. وقال الليث: حدثني نافع: رحم الله المحلقين مرة أو مرتين. قال: وقال عبيد الله: حدثني نافع، وقال في الرابعة: والمقصرين (٢).
(٦٤٩ - ٢١٣) وأما حلقه للتداوي، فهذا أيضاً جائز، فقد روى البخاري قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن حميد بن قيس،
стр. 1495
عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن كعب بن عجرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لعلك آذاك هوامك. قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة (١).
وأما حلقه على وجه التعبد، فقد قال ابن تيمية: وأما حلقه على وجه التعبد والتدين والزهد من غير حج ولا عمرة، مثل ما يأمر بعض الناس التائب إذا تاب يحلق رأسه، ومثل أن يجعل حلق الرأس شعار أهل النسك والدين، أو من تمام الزهد والعبادة، أو من يجعل من يحلق رأسه أفضل ممن لم يحلقه أو أدين أو أزهد، أو من يقصر من شعر التائب، كما يفعل بعض المنتسبين إلى المشيخة إذا توب أحداً أن يقص بعض شعره، ويعين الشيخ صاحب مقص وسجادة، فيجعل صلاته على السجادة، وقصه رؤوس الناس من تمام المشيخة التي يصلح بها أن يكون قدوة يتوب التائبين فهذا بدعة لم يأمر الله بها، ولا رسوله، وليست واجبة، ولا مستحبة عند أحد من أئمة الدين، ولا فعلها أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا شيوخ المسلمين المشهورين بالزهد والعبادة، لا من الصحابة ولا من التابعين، ولا تابعيهم، ومن يعدهم مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، وأحمد بن أبي الحواري، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثال هؤلاء لم يكن هؤلاء يقصون شعر أحد إذا تاب، ولا يأمرون التائب أن يحلق رأسه (٢).
стр. 1496
وبقي أن يحلق رأسه لا على وجه التعبد، ولا من باب التداوي، وفي غير النسك، فإن كان قادراً على القيام بمؤنته وتنظيفه، وتعهده بالترجل والدهن ونحوه فإن الأفضل تركه، وإلا كان ممكناً قصه برقم واحد، وهو قريب جداً من الحلق، ويخرج به عن الحلق، فإن أصر إلا الحلق فأرجو أنه لا بأس به، والله أعلم.
وقد نقل عن بعض الصحابة أن لهم شعراً كثيراً،
(٦٥٠ - ٢١٤) فقد أخرج ابن أبي شيبة، قال: حدثنا، وكيع،
عن هشام قال: رأيت ابن عمر وجابراً ولكل واحد منهما جمة (١).
(٦٥١ - ٢١٥) وروى أيضاً، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، قال: رأيت لابن عمر جمة مفروقة تضرب منكبيه (٢).
(٦٥٢ - ٢١٦) وروى ابن أبي شيبة أيضاً، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن هبيرة قال: كان لعبد الله شعر يصفه على أذنيه (٣).
(٦٥٣ - ٢١٧) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضل، عن عبد الواحد بن أيمن، قال: رأيت ابن الزبير، وله جمة إلى العنق، وكان يفرق (٤).
(٦٥٤ - ٢١٨) وروى أيضاً قال: حدثنا وكيع، عن عبد الواحد بن أيمن قال: رأيت عبيد بن عمير وابن الحنفية لكل واحد منهما جمة (٥).
стр. 1497
وقال أحمد بن حنبل: أحصيت على ثلاثة عشر من أصحاب النبي ﷺ كان لهم شعر، فذكر أبا عبيدة بن الجرح، وعمار بن ياسر، والحسن والحسين.
وقال أحمد أيضاً حين سئل عن تطويل الشعر: تدبرت مرة، فإذا هو عن بضعة عشر رجلاً من أصحاب النبي ﷺ (١).
стр. 1498
الفصل الثاني
في النهي عن القزع
ويشتمل على مبحثان:
المبحث الأول: في تعريف القزع.
المبحث الثاني: في حكم القزع.
стр. 1499
المبحث الأول
في تعريف القزع
تعريف القزع:
قال في تاج العروس: القزع، محركة قطع من السحاب رقاق، كأنها ظل، إذا مرت من تحت السحابة الكبيرة. الواحدة: قزعة، ومنه حديث الاستسقاء: "وما في السماء قزعة " أي قطعة من الغيم.
وقيل: القزع، السحاب المتفرق، وما في السماء قزعة: أي لطخة غيم.
ثم قال: ومن المجاز: القزع: أن يحلق رأس الصبي، ويترك مواضع منه غير محلوقة، تشبيهاً بقزع السحاب، ومنه الحديث: " نهى عن القزع " يعني: أخذ بعض الشعر وترك بعضه (١).
واختلف في القزع:
فقيل: أن يحلق رأس الصبي في مواضع، ويترك الشعر متفرقاً. وهذا يؤيده معنى القزع في اللغة، وعليه فلا يشمل ما إذا حلق جميع الرأس وترك موضعاً واحداً كشعر الناصية (٢).
وقيل: القزع حلق بعض الرأس مطلقاً، قال الطيبي: وهو الأصح؛ لأنه
стр. 1500
تفسير الراوي، وهو غير مخالف للظاهر، فوجب العمل به (١).
ولعل قوله ﷺ في الحديث: " اتركوه كله أو احلقوه كله " (٢) يشمل ما إذا حلق موضعاً وترك الباقي، والله أعلم (٣).
وقد ورد تفسير القزع من بعض الرواة.
(٦٣٦ - ٢٠٠) فروى البخاري في صحيحه، قال: حدثني محمد، قال: أخبرني مخلد، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني عبيد الله بن حفص، أن عمر بن نافع أخبره، عن نافع مولى عبد الله،
أنه سمع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن القزع. قال عبيد الله: قلت: وما القزع؟ فأشار لنا عبيد الله، قال: إذا حلق الصبي، وترك ها هنا شعرة، وها هنا وها هنا، فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته، وجانبي رأسه. قيل لعبيد الله: فالجارية والغلام؟ قال: لا أدري هكذا قال الصبي. قال عبيد الله: وعاودته، فقال: أما القصة والقفا للغلام فلا بأس بهما، ولكن القزع أن يترك بناصيته شعراً، وليس في
стр. 1501
رأسه غيره، وكذلك شق رأسه هذا وهذا (١).
(٦٣٧ - ٢٠١) وروى مسلم، قال: حدثني زهير بن حرب، حدثني يحيى - يعني ابن سعيد- عن عبيد الله، أخبرني عمر بن نافع، عن أبيه،
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن القزع. قال: قلت لنافع: وما القزع؟ قال: يحلق بعض رأس الصبي، ويترك بعض (٢).
قال المازري في المعلم: إذا كان ذلك - يعني القزع - في مواضع كثيرة فمنهي عنه بلا خلاف، وإن لم يكن كذلك كالناصية وشبهها فاختلف في جوازه (٣). وكذا نقله الطيبي في شرح المشكاة (٤).
стр. 1502
المبحث الثاني
حكم القزع
يكره القزع، وهو مذهب الحنفية (١)،
والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
دليل الكراهة.
الدليل الأول:
(٦٣٨ - ٢٠٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا
стр. 1503
عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك، حدثنا عبد الله بن دينار،
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن القزع (١).
стр. 1504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1506
الدليل الثاني على الكراهة:
الإجماع، فقد نقله أكثر من واحد.
قال النووي: " أجمع العلماء على كراهية القزع إذا كان في مواضع متفرقة إلا أن يكون لمداواة ونحوها، وهي كراهة تنزيه (١). وكذا نقله الطيبي في شرح المشكاة (٢).
стр. 1507
الفصل الثالث
في الترجل وصفته
يستحب الترجل في الشعر،
وأما صفته، فقيل: يستحب أن يكون غباً.
وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)
وقيل: يرجله ما شاء، ولو في اليوم مرتين (٤).
الأدلة على ترجيل الشعر .
الحديث الأول:
(٦٥٥ - ٢١٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام بن يوسف، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة،
عن عائشة ﵂، أنها كانت ترجل النبي ﷺ ، وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه (٥).
الحديث الثاني:
(٦٥٦ - ٢٢٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا بن أبي ذئب، عن الزهري،
стр. 1508
عن سهل بن سعد، أن رجلا اطلع من جحر في دار النبي ﷺ والنبي ﷺ يحك رأسه بالمدري، فقال: لو علمت أنك تنظر لطعنت بها في عينك؛ إنما جعل الإذن من قبل الأبصار (١).
وفي رواية لمسلم:" ومع رسول الله ﷺ مدرى يرجل به رأسه" (٢).
الحديث الثالث:
(٦٥٧ - ٢٢١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق،
стр. 1509
عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، في شأنه كله (١).
فكل هذه الأحاديث تدل أن النبي ﷺ كان يرجل شعره، وأنه كان يحرص على ذلك حتى وهو في معتكفه ﵊.
دليل من قال الترجل غباً .
الدليل الأول:
(٦٥٨ - ٢٢٢) روى الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا يونس وعفان، قالا: ثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي،
عن حميد الحميري، قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبوهريرة أربع سنين قال: نهانا رسول الله ﷺ "أن يمتشط أحدنا كل يوم، وأن يبول في مغتسله، وأن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعاً (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
الدليل الثاني:
(٦٥٩ - ٢٢٣) ما رواه أحمد، قال: قال حدثنا يحيى، عن هشام قال: سمعت الحسن، عن عبد الله بن مغفل المزني، أن النبي ﷺ نهى عن الترجل
стр. 1510
إلا غباً (١).
[فيه هشام بن حسان، وروايته عن الحسن فيها كلام، وانفرد برفعه، وقد روي موقوفاً على الحسن، ومرسلاً، كما أن الحسن البصري قد عنعن، فمن كان يعد تدليس الحسن من قبيل الإرسال، فإنه متصل؛ لأن الحسن قد سمع من عبد الله بن مغفل، ومن كان يعده من قبيل التدليس فقد عنعن، وعلى كل حال فالحديث ضعيف الإسناد] (٢).