الدليل الخامس:
(٦٨١ - ١٧) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا محمد بن الحسن ثنا محمد بن أبي السري، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عيسى بن عبد الله الأنصاري، عن عطاء بن أبي رباح،
عن عائشة، قالت: قلت: يارسول الله الرجل يذهب فوه يستاك؟ قال: نعم. قلت: كيف يصنع؟ قال: يدخل إصبعه في فيه.
قال الطبراني لم يرو هذا الحديث عن عطاء إلا عيسى بن عبد الله تفرد به الوليد، ولا يروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد.
[إسناده ضعيف] (١).
стр. 1612
الدليل السادس:
(٦٨٢ - ١٨) ما رواه أبو عبيد في كتاب الطهور، قال: حدثنا حماد بن خالد، عن الزبير بن عبد الله مولى آل عمر،
عن جدته رهيمة خادم عثمان، قالت: كان عثمان إذا توضأ يسوك فاه بأصبعه.
[ضعيف] (١).
وأحاديث الوضوء المرفوعة عن رسول الله ﷺ لم يأت في شيء منها التسوك بالأصابع. والذي يظهر لي أن المسألة ليس فيها سنة عن الرسول ﷺ ، وهل مثل هذا يدخل التسوك بالأصبع في حد البدعة؟
الجواب: لا، فالسواك مطهرة للفم مرضاة للرب، فيه جانب تعبدي،
стр. 1613
وفيه جانب معقول المعنى، وهو كونه شرع لتطهير الفم، وتنظيفة، والذي ينظف فاه بأصبعه خير من الذي لا ينظف فاه أبداً، ولكن لا يحصل له الثواب المترتب على السواك؛ لأنه دونه في التطهير، لكن يحصل له من الأجر بقدر ما يحصل له من الإنقاء، والتسوك بالأصبع يناسب إذا كان مع المضمضة؛ فإنه لا شك أنه مع الماء يحصل به قدر من نظافة الفم وتطهيره، واعتبره بعض المالكية من الدلك المشروع في الوضوء. والله أعلم.
стр. 1614
الفصل الخامس
هل يحصل بالمعجون إصابة السنة
لا شك أن السواك أفضل من معجون الأسنان بكل حال.
أولاً: خفيف الحمل.
وثانياً: يفعل في كل وقت، وفي كل مكان.
وثالثاً: المعجون يحتاج إلى الماء، كما يحتاج إلى فرشة خاصة، بخلاف السواك.
ورابعاً: لا يمكن تحقيق السنة بها عند كل صلاة، وفي كل مرة يدخل الرجل بيته بخلاف السواك.
وخامساً: بعض الناس يكون عنده حساسية من المعجون، أو من الفرشة، وقد يكون عنده نفس الشيء من السواك.
سادساً: لا بد أن يتعلم الإنسان كيف يستعمل الفرشة، وإلا تسببت له بضرر في اللثة.
كل هذا وغيره يجعل السواك أفضل من المعجون،
ولكن، هل يصيب السنة لو فعل ذلك بالمعجون؟
وللجواب على ذلك، سبق أن ذكرت في آخر الفصل السابق أن السواك فيه مرضاة للرب، وفيه مطهرة للفم.
فالجانب الثاني، وهو جانب تطهير الفم لا شك أن المعجون يقوم بذلك، فتحصل به السنة من هذا الوجه، ولكن فعله تعبداً عند الصلاة مثلاً ولو كان الفم نظيفاً لا يحصل إلا بالسواك؛ لأنه المنصوص عليه، والله أعلم.
وقد وقفت على كلام لبعض الأطباء في تفضيل السواك على المعجون
стр. 1615
من الناحية الطبية، أنقل لك ما جاء فيه.
قال الطبيب: " إن المسواك يفوق جميع الوسائل والطرق المستعملة لتنظيف الأسنان، فالمسواك منظف آلي يقوم مقام الفرشاة لاحتوائه على ألياف سيليولوزية طبيعية خير من ألياف الفرشاة، ويقوم مقام معجون الأسنان، أو المسحوق المنظف، بل أفضل منه، لما يحتويه من مواد مطهرة مثل: العفص، والسنجرين، وبيكربونات الصوديوم، ومواد تشبه البنسلين، بتأثيرها اكتشفها الدكتور: "رودات " وهي مواد مبيدة للجراثيم، مجهولة التركيب، كذلك يوجد بالسواك مواد زالقة منظفة فتدعك وتدلك الأسنان، وتجعلها بيضاء لامعة، ولا تخدش أنسجة السن، وهي خير من المواد الرغوية التجارية التي توجد بالمعاجين، فقد أعلنت مجلة أطباء الأسنان الأمريكية (١). أن أغلبية المعاجين المستعملة في الولايات المتحدة غير صحية أو طبية، وبالمسواك كميات من بلورات السيليس الصلبة التي تفيد كمادة منظفة تحك القلح عن الأسنان، وموجودة بالمسواك بنسبة عالية، تبلغ حوالي ٤ % وكذلك أملاح أخرى لها فعاليتها في البوتاسيوم، وأكسالات الجير، وبالمسواك مواد عطرية زيتية، وهذه هي عوامل التطيب، والتنكه والشذا؛ لأنها تكسب الفم رائحة طيبة، وبه مادة قابضة كالعفص، التي توقف النزيف، وتقوي اللثة، وتساعد على تقرنها، وجريان الدم فيها، ويساعد العفص على تكوين الليفين من مولد الليفين، الذي له أهمية في عملية تكوين الجلطة، وأما النشاء والصموغ فتساعد على جعل قوام اللعاب لزجاً، فيساعد على التنظيف. ثم قال بعد ذلك:
" مما تقدم نرى أن المسواك يحتوي على مواد عديدة مفيدة لا توجد بأي
стр. 1616
معجون أو منظف أسنان. والمواد التي ثبت وجودها بالسواك وهي:
١ - العفص،
٢ - السنجرين،
٣ - مادة مبيدة للجراثيم اكتشفها الدكتور رودات تشبه البنسلين بتأثيرها على الجراثيم،
٤ - ألياف سيليولوزية،
٥ - كلوريد الصوديوم،
٦ - بيكربونات الصوديوم،
٧ - كلوريد البوتاسيوم،
٨ - أكسالات الكالسيوم،
٩ - زيوت عطرية
١٠ - أملاح معدنية،
١١ - بلورات السيليس،
١٢ - مواد سكرية مختلفة مثل الجالاكتوز، والنشاء، والمواد الصمغية،
١٣ - مواد غير معروفة،
١٤ - شاردة الكالسيوم،
١٥ - شاردة الحديد،
١٦ - شاردة الفحمات،
١٩ - شاردة الكلور،
٢٠ - شاردة الكبريتات،
٢١ - أملاح نشادرية،
٢٢ - أعلن الدكتور كينيث كيوديل أن السواك يحتوي على مادة تمنع النخر السني، وقد أعلن ذلك أمام المؤتمر الثاني والخمسين للجمعية الدولية لأبحاث الأسنان في اتلانتا بأمريكا.
أما ألياف السواك فهي أفضل من شعيرات الفرشاة، وتعتبر مثالية للأسباب التالية:
١ - إن ألياف المسواك قوية، لينة، متينة، سيليولوزية غير قاسية، كألياف الفرشاة التي تخدش، وتسحل أنسجة السن بفعالية أكثر من ألياف السواك الطبيعية.
٢ - ألياف المسواك تحتوي على مواد كيماوية ذات فائدة عظيمة للأسنان تفوق جميع المنظفات السنية، سواء كانت محاليل، أو مساحيق، أو معاجين، وأما ألياف وشعيرات الفرشاة لا تحتوي شيئاً من ذلك. فالمسواك بمفرده يقوم مقام الفرشاة والمعجون معاً
٣ - ألياف السواك دقيقة، ورقيقة، وطبيعية لا تؤذي أنسجة اللثة، بل
стр. 1617
تزيد من تقرنها، وذلك بتدليكها تدليكاً لطيفاً، فيزداد وارد الدم لأنسجتها، فترتفع مقاومتها للأمراض، ولقد ثبت بالتجارب التي أجرتها جمعية أطباء أسنان الجيش الأمريكي أن ألياف الأعواد الخشبية لها فائدة للثة أعظم من شعيرات الفرشاة، وأن الإصابات والتغيرات اللثوية عند استعمال النكشات الخشبية ـ التي مضغ أحد أطرافها فأصبح كالفرشاة بعد أن تفرقت أليافه الخشبية، لتنظيف الأسطح السنية، وظل الطرف الآخر للنكشات الخشبية مدبباً لتنظيف المسافات التي بين الأسنان_ أثبتت تلك النكشات الخشبية بأنها تنقص نسبة الإصابات اللثوية بينما ازدادت عند الذين يستعملون الفرشاة، والمسواك أفضل بكثير من الأعواد الخشبية، لذلك فإن المسواك بأليافه الطبيعية يزيد من تقرن الأنسجة اللثوية، ويدلكها فيزداد من واردها الدموي، فتزداد حيويتها، ومقاومتها للأمراض. وخصوصاً لاحتوائه على مواد مطهرة، وقابضة ومفيدة للأنسجة والأسنان.
٤ - وفي نفس التجارب السابقة وجد أن النكشات الخشبية ذات فعالية بتقليل كميات الترسبات القلحية على الأسنان إذا قورنت عندما تستعمل الفرشاة، فالمسواك ذو فعالية أفضل بتقليل الترسبات القلحية على الأسنان.
٥ - إن ألياف المسواك بتغير مستمر وتقطع عادة بعد أن تصبح طرية، وطعمها الحراق اللاذع يصبح معدوماً، فتظهر ألياف جديدة غير ملوثة بالجراثيم وغبار الجو، وبإزالة وبتر الجزء المستعمل يزول أي احتمال للتلوث بعكس الفرشاة فشعيراتها لا تتغير، ومعرضة للتلوث، وتكون سبباً في نقل أمراض عدة إن لم نعتن بها جيداً بعد التنظيف.
٦ - الألياف الظاهرة بالمسواك غير قابلة للتلوث لوجود مطهرات فيها
стр. 1618
مثل السنجرين، والعفص، وبيكربونات الصوديوم، والمادة المبيدة للجراثيم، التي اكتشفها الدكتور رودات، أما شعيرات الفرشاة فلا يوجد فيها مطهرات.
٧ - الألياف الغير مستعملة في المسواك مغطاة بطبقة فلينية، وتحتها طبقة قشرية، وهاتان الطبقتان والمواد المطهرة الموجودة بألياف المسواك تحميها من التلوث بالجراثيم، بعكس الفرشاة التي لا يحميها أي شيء.
٨ - ألياف المسواك ملأى بالنسيج المتخشب، بينما الفرشاة المصنوعة من الشعر الطبيعي الحيواني تكون مجمعاً للأوساخ والجراثيم؛ لأن شعرة الحيوانات جوفاء من الداخل، فتمتلئ القناة الداخلية للشعرة بالجراثيم والأوساخ، وتكون سبباً لنقل الأمراض.
٩ - ألياف المسواك نستطيع أن نتحكم في صلابتها وطراوتها، وذلك بتقليل عدد أليافها، أو دقها فتتناثر منها بعض البلورات الصلبة فتقل صلابتها، ولذلك فألياف المسواك تناسب جميع حالات اللثة الطرية والقوية بعكس الفرشاة فإنها ثابتة الصلابة والطراوة.
١٠ - إن ألياف المسواك لا يستطيع أحد أن يغشها، فهي مواد طبيعية، أما شعيرات الفرشاة ومواد المنظفات السنية فمن السهل أن تغش، وعود المسواك معروف لدى الذين يستعملونه (١).
стр. 1619
الباب الثاني
في صفة السواك
ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: هل الأفض اليابس من السواك أو الرطب؟
الفصل الثاني: الكلام في طول السواك وعرضه.
الفصل الثالث: التسوك بعود لا يعرفه.
стр. 1620
الباب الثاني
صفة السواك
علمنا في بحث سابق مادة السواك، وأن الأفضل عند الفقهاء أن يكون من الأراك، ثم النخيل، ثم الزيتون، ثم بكل عود ينظف الفم، ويزيل القلح، ولا يضر باللثة. ونريد أن نبحث في هذا الفصل في صفة السواك.
الفصل الأول
هل الأفضل اليابس من السواك أو الرطب ؟
فقيل: يستحب أن يكون السواك رطباً (١).
وقيل: يستحب أن يكون يابساً ندي بالماء (٢)؛ لأن اليابس يجرح اللثة، والرطب لا يزيل ما يراد إزالته (٣).
دليل من استحب أن يكون السواك رطباً .
(٦٨٣ - ١٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا
стр. 1621
حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: توفي النبي ﷺ في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وكانت إحدانا تعوذه بدعاء إذا مرض، فذهبت أعوذه فرفع رأسه إلى السماء وقال: في الرفيق الأعلى في الرفيق الأعلى. ومر عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده جريدة رطبة، فنظر إليه النبي ﷺ فظننت أن له بها حاجة، فأخذتها فمضغت رأسها، ونفضتها، فدفعتها إليه، فاستن بها كأحسن ما كان مستناً، ثم ناولنيها فسقطت يده أو سقطت من يده، فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة.
دليل من استحب كون السواك يابساً قد ندي بالماء .
قال: إن اليابس المندى بالماء أقوى في طهارة الفم، وإزالة القلح.
والراجح أن كل ما كان أقوى في نظافة الفم وتطهيره، كل ما كان مطلوباً؛ لأن السواك شرع من أجل طهارة الفم، وحتى نجمع بين قوة التطهير، وسلامة الفم واللثة ينبغي أن يكون السواك متوسطاً، لا رطباً جداً فلا ينظف، ولا يابساً فيضر بالفم. والله أعلم.
стр. 1622
الفصل الثاني
الكلام في طول السواك وعرضه
استحب الحنفية (١) والمالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣) .. أن يكون السواك طوله شبر. واستحب الحنفية أن يكون عرضه بمقدار الأصبع (٤).
وهذا الاستحسان من الرأي المحض، والكلام في هذا ليس فيه نص من كتاب أو سنة، وإنما أمر يستحسنه الفقهاء، ويلتمسون له تعليلات، قد تصيب، وقد تخطئ. والاستحباب حكم شرعي لابد فيه من دليل شرعي، ولا دليل، ولا أظن الأئمة يستحبون ذلك، ولكن أتباعهم قد يستحسنون شيئاً لا أصل له، وكثير ما يقلد بعض الفقهاء بعضاً، ولا يكون هناك نص من إمامهم.
ورحم الله الشوكاني حين قال: وللفقهاء في السواك آداب وهيئات لا ينبغي للفطن الاغترار بشيء منها، إلا أن يكون موافقاً لما ورد عن الشارع، ولقد كرهوه في أوقات وعلى حالات حتى يكاد يفضي ذلك إلى ترك هذه
стр. 1623
السنة الجليلة وإطراحها، وهي أمر من أمور الشريعة ظهر ظهور النهار، وقبله من سكان البسيطة من أهل الأنجاد والأغوار (١).
стр. 1624
الفصل الثالث
التسوك بعود لا يعرفه
كره بعض الفقهاء التسوك بعود يجهله، وعللوا ذلك بأنه يخشى أن يكون من الأعواد الضارة باللثة كريحان ورمان ونحوهما (١).
والراجح أن المسألة معلقة بغلبة الظن، فإن كان يغلب على ظنه أنه ضار لم يتسوك به، وإلا فله التسوك به.
وغلبة الظن طريق شرعي كل ما تعذر اليقين، في جميع أمور الشريعة كالصلاة، والإمساك والإفطار بالصيام، ودخول وقت الصلاة، ونحوهم.
стр. 1625
الباب الثالث
في حكم السواك
ويشتمل على سبعة فصول ومبحث واحد
الفصل الأول: حكم السوك وفيه مبحثان:
المبحث الأول: حكم السواك للصائم.
المبحث الثاني: هل خلوف الصائم أطيب عند الله من رائحة المسح في الدنيا والآخرة أم في الآخرة فقط؟
الفصل الثاني: حكم السواك للصائم.
الفصل الثالث: حكم التسوك في المسجد.
الفصل الرابع: حكم السواك بحضرة الناس.
الفصل الخامس: التسواك في الخلاء.
الفصل السادس: إمكانية ترتيب الأجر على التسوك بما يضر.
الفصل السابع: في التسمية للسواك.
стр. 1626
الفصل الأول
في حكم السواك
قيل: السواك ليس بواجب على خلاف بينهم هل يكون سنة أو مستحباً عند من يفرق بين اللفظين،
وهو مذهب جمهور الفقهاء والمحدثين (١).
стр. 1627
وقيل: يجب، ولا تبطل الصلاة بتركه، وهو مذهب داود الظاهري (١).
وقيل: يجب، وإن تركه عمداً بطلت صلاته. وهذا القول منسوب إلى إسحاق بن راهوية (٢).
وقيل: إن السواك واجب في حق النبي ﷺ ، سنة في حق أمته.
الأدلة على استحباب السواك .
الدليل الأول:
(٦٨٤ - ٢٠) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ، قال:
لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك.
وجه الاستدلال:
قال البيضاوي: كلمة " لولا " تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره، والحق أنها مركبة من " لو " الدالة على انتفاء الشيء، لا انتفاء غيره، ومن " لا " النافية، فدل الحديث على انتفاء الأمر، لثبوت المشقة، وفيه دليل على أن الأمر للوجوب من وجهين:
أحدهما: أنه نفى الأمر مع ثبوت الندبية، ولو كان للندب، لما جاء النفي.
ثانيهما: أنه جعل الأمر مشقة عليهم، وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر
стр. 1633
للوجوب؛ إذ الندب لا مشقة فيه. اهـ (١).
قال الشافعي: لو كان واجباً لأمرهم، شق أو لم يشق.
الدليل الثاني:
(٦٨٥ - ٢١) ما رواه مالك في الموطأ، قال:، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف،
عن أبي هريرة أنه قال: لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء.
[إسناده صحيح، ورفعه محفوظ] (٢).
стр. 1634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1635
دليل من قال بوجوب السواك .
الدليل الأول:
(٦٨٦ - ٢٢) ما رواه مسلم، قال: حدثنا عمرو بن سواد العامري، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، أن سعيد بن أبي هلال وبكير بن الأشج حدثاه، عن أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سليم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال:
غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه.
قال مسلم: إلا أن بكيراً لم يذكر عبد الرحمن وقال في الطيب ولو من طيب المرأة (١).
стр. 1636
وجه الاستدلال:
قوله: " على كل محتلم " ظاهرة في الوجوب.
وأجيب:
بأن الدليل أخص من المدلول، فأنتم تقولون بوجوبه لكل صلاة، والحديث إن سلم الاستدلال به فهو خاص في يوم الجمعة، إن حملنا اليوم على أن المراد به قبل الصلاة. ثم إذا سلمنا أن الحديث ظاهره الوجوب في الغسل والسواك، فهذا الظاهر ليس صريحاً، فلا يقدم على الصريح، وهو حديث ثابت في الصحيحين: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ".
أما قول الزيلعي ﵀: أن غسل الجمعة ليس بواجب؛ لأنه قرنه بما لا يجب اتفاقاً ـ يعني السواك والطيب ـ وكأنه لم يعتمد خلاف داود وإسحاق في وجوب السواك خلافاً معتبراً؛ لأنه حكى الاتفاق بأنه لا يجب في السواك (١).
وقال النووي، كما في نيل الأوطار: " لو صح إيجابه عن داود لم يضر مخالفه في انعقاد الإجماع، على المختار الذي عليه المحققون، والأكثرون، قال: أما إسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه" (٢). اهـ
وقال الشوكاني ﵀ متعقباً كلام النووي في عدم الاعتداد بخلاف داود مع علمه وورعه، وأخذ جماعة من الأئمة الأكابر بمذهبه من التعصبات التي لا مستدل لها إلا مجرد الهوى والعصبية، وقد كثر هذا الجنس في أهل
стр. 1637
المذاهب، وما أدري ما هو البرهان الذي قام لهؤلاء المحققين حتى أخرجوه من دائرة علماء المسلمين. فإن كان لما وقع منه من المقالات المستبعدة، فهي بالنسبة لمقالات غيره المؤسسة على محض الرأي المضادة لصريح الرواية في حيز القلة المتبادلة؛ فإن التعويل على الرأي، وعدم الاعتناء بعلم الأدلة، قد أفضى بقوم إلى التمذهب بمذاهب لا يوافق الشريعة منها إلا القليل النادر. وأما داود فما في مذهبه من البدع التي أوقعه فيها تمسكه بالظاهر، وجموده عليه في غاية الندرة، ولكن: لهوى النفوس سريرة لا تعلم (١).
قال الذهبي في السير: " للعلماء قولان في الاعتداء بخلاف داود وأتباعه
- فمن اعتد بخلافهم، قال: ما اعتدادنا بخلافهم؛ لأن مفرداتهم حجة، بل لتحكى في الجملة. وبعضها سائغ، وبعضها قوي، وبعضها ساقط. ثم ما تفردوا به هو شيء من قبيل مخالفة الإجماع الظني، وتندر مخالفتهم لإجماع قطعي.
- ومن اهدرهم، ولم يعتد بهم لم يعدهم في مسائلهم المفردة خارجين بها من الدين، ولا كفرهم بها، بل يقول هؤلاء في حيز العوام، أو هم كالشيعة في الفروع، ولا نلتفت إلى أقوالهم، ولا ننصب معهم الخلاف، ولا يعتنى بتحصيل كتبهم، ولا ندل مستفتياً من العامة عليهم، وإذا تظاهروا بمسالة معلومة البطلان، كمسح الرجلين، أدبناهم وعزرناهم وألزمناهم بالغسل جزماً.
قال الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني: قال الجمهور إنهم _ يعني نفاة القياس _ لا يبلغون رتبة الاجتهاد ولا يجوز تقليدهم القضاء!!
стр. 1638
ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي، عن أبي علي بن أبي هريرة، وطائفة من الشافعية أنه لا اعتبار بخلاف داود، وسائر نفاة القياس في الفروع دون الأصول.
وقال إمام الحرمين أبو المعالي: الذي ذهب إليه أهل التحقيق أن منكري القياس لا يعدون من علماء الأمة، ولا من حملة الشريعة؛ لأنهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضةً وتواتراً؛ لأن معظم الشريعة صادر عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها، وهؤلاء ملتحقون بالعوام.
قال الذهبي: هذا القول من أبي المعالي أداه إليه اجتهاده، وهم أداهم اجتهادهم إلى نفي القول بالقياس، فكيف يرد الاجتهاد بمثله. وندري بالضرورة أن داود كان يقرئ مذهبه ويناظر عليه، ويفتي به في مثل بغداد وكثرة الأئمة بها وبغيرها، فلم نرهم قاموا عليه، ولا أنكروا فتاويه، ولا تدريسه ولا سعوا في منعه من بثه، وبالحضرة مثل إسماعيل القاضي، شيخ المالكية، وعثمان بن بشار الأنماطي، شيخ الشافعية، والمروذي شيخ الحنبلية، وابني الإمام أحمد، وأبي العباس أحمد بن محمد البرتي شيخ الحنفية، وأحمد بن أبي عمران القاضي، ومثل عالم بغداد إبراهيم الحربي. بل سكتوا له حتى لقد قال قاسم بن أصبغ: ذاكرت الطبري ـ يعني ابن جرير ـ وابن سريج، فقلت لهما: كتاب ابن قتيبة في الفقه أين هو عندكما؟ قالا: ليس بشيء، ولا كتاب أبي عبيد. فإذا أردت الفقه فكتب الشافعي وداود ونظرائهما.
ثم كان بعده ابنه أبو بكر وابن المغلس، وعدة من تلامذة داود، وعلى أكتافهم مثل ابن سريج شيخ الشافعية، وأبي بكر الخلال شيخ الحنبلية، وأبي الحسن الكرخي شيخ الحنفية، وكان أبو جعفر الطحاوي بمصر. بل كانوا
стр. 1639
يتجالسون ويتناظرون ويبرز كل منهم بحججه، ولا يسعون بالداودية إلى السلطان. بل أبلغ من ذلك ينصبون معهم الخلاف في تصانيفهم قديماً وحديثاً، وبكل حال فلهم أشياء أحسنوا فيها، ولهم مسائل مستهجنة يشغب عليهم بها، وإلى ذلك يشير الإمام أبو عمرو بن الصلاح، حيث يقول: الذي اختاره الأستاذ أبو منصور، وذكر أنه الصحيح من المذهب أنه يعتبر خلاف داود، ثم قال ابن الصلاح: وهذا الذي استقر عليه الأمر آخراً، كما هو الأغلب الأعرف من صفو الأئمة المتاخرين الذين أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم المشهورة، كالشيخ أبي حامد الاسفراييني، والماوردي، والقاضي أبي الطيب فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم المشهورة. ... قال وأرى أن يعتبر قوله إلا فيما خالف فيه القياس الجلي، وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه، أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها، فاتفاق من سواه إجماع منعقد، كقوله في التغوط في الماء الراكد وتلك المسائل الشنيعة، وقوله: لا ربا إلا في الستة المنصوص عليها، فخلافه في هذا أو نحوه غير معتد به؛ لأنه مبني على ما يقطع ببطلانه.
قلت - القائل الذهبي -: لا ريب أن كل مسالة انفرد بها، وقطع ببطلان قوله فيها، فإنها هدر، وإنما نحكيها للتعجب، وكل مسألة له عضدها نص، وسبقه إليها صاحب، أو تابع فهي من مسائل الخلاف فلا تهدر.
وفي الجملة، فداود بن علي بصير بالفقه، عالم بالقرآن، حافظ للأثر، رأس في معرفة الخلاف من أوعية العلم، له ذكاء خارق، وفيه دين متين، وكذلك في فقهاء الظاهرية جماعة لهم علم باهر، وذكاء قوي، فالكمال عزيز والله الموفق.
стр. 1640
ونحن نحكي قول ابن عباس في المتعة، وفي الصرف، وفي إنكار العول، وقول طائفة من الصحابة في ترك الغسل من الإيلاج، وأشباه ذلك، ولا نجوز لأحد تقليدهم في ذلك " اهـ كلام الذهبي ﵀ (١).
وقد نقلت كلامه رغم طوله لفائدته، فينبغي احترام المخالف، إذا كان من أهل الاجتهاد، وقد قال :
﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ (٢)، وداود وابن حزم وغيرهما من علماء المسلمين من المؤمنين الذي يعتبر إتباعهما بالدليل إتباعاً لسبيل المؤمنين. والله أعلم.
الدليل الثاني:
(٦٨٧ - ٢٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان يحدث عن رجل من الأنصار،
عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ثلاث حق على كل مسلم، الغسل يوم الجمعة، والسواك، ويمس من طيب إن كان (٣).
[إسناده ضعيف؛ لإبهام راويه] (٤).
стр. 1641
وجه الاستدلال من الحديث كالاستدلال بالحديث السابق، والجواب عنه كالجواب عن الحديث السابق.
الدليل الثالث:
(٦٨٨ - ٢٤) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو الحسن العلوي، وأبو علي الحسين بن محمد الروذباري، قالا: أنا أبو طاهر محمد بن الحسين المجد أباذي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عمرو بن عون الواسطي، ثنا خالد بن عبد الله، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيده، عن أبي عبد الرحمن السلمي،
عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: أمرنا بالسواك، وقال: إن العبد
стр. 1642
إذا قام يصلي أتاه الملك، فقام خلفه يستمع القرآن، ويدنو فلا يزال يستمع ويدنو، حتى يضع فاه على فيه فلا يقرأ آية إلا كانت في جوف الملك.
[إسناده صحيح] (١).
стр. 1643
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1644
وجه الاستدلال:
قوله أمرنا بالسواك، والأصل في الأمر الوجوب.
ويجاب عن هذا: بأن الأمر صحيح أن الأصل فيه للوجوب، ولكن يستعمل الأمر، ويقصد به الاستحباب، وهذا كثير لقرينة تصرفه عن الوجوب، والقرينة الصارفة، قوله ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه: "لولا أن أشق على آمتي لأمرتهم بالسواك ".
وحديث علي، ظاهره أنه موقوف، لكن مثله لا يمكن أن يقال بالرأي، فيكون له حكم الرفع؛ لأنه أمر غيبي لا بد فيه من توقيف.
ويحتمل أن يكون مرفوعاً؛ لأن قول علي: " أمرنا بالسواك " وقال: إن العبد ... الخ كأنه بيان علة الأمر بالسواك؛ فكأنهم أمروا، ثم بين لهم العلة في الأمر.
(٦٨٩ - ٢٥) وقد روي مرفوعاً صريحا عند البزار، قال: حدثنا أحمد، قال: سمعت محمد بن زياد يحدث، عن فضيل بن سليمان، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن،
عن علي ﵁، أنه أمر بالسواك، وقال: قال النبي ﷺ : إن
стр. 1645
العبد إذا تسوك، ثم قام يصلي قام الملك خلفه، فتسمع لقراءته، فيدنو منه أو كلمة نحوها حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهروا أفواهكم للقرآن.
[إسناده ضعيف، وله شاهد من حديث جابر] (١).
стр. 1646
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1647
الدليل الرابع:
(٦٩٠ - ٢٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع،
عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: عليكم بالسواك فإنه مطيبة للفم، ومرضاة للرب (١).
стр. 1648
وجه الاستدلال:
قوله: " عليكم بالسواك ": أي إلزموا، والتعبير بها ظاهر بالوجوب.
وأجيب:
بأن زيادة عليكم بالسواك غير محفوظة، تفرد بها ابن لهيعة.
دليل من قال السواك واجب على النبي ﷺ خاصة .
الدليل الأول:
(٦٩١ - ٢٧) استدلوا بما رواه أبو داود أحمد، قال: ثنا يعقوب، ثنا أبى، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري ثم المازني مازن بنى النجار، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: قلت له: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر عم هو؟ فقال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر ابن الغسيل حدثها
أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. قال: فكان عبد الله يرى أن به قوة
стр. 1649
على ذلك فكان يفعله حتى مات (١).
[في إسناده اختلاف وحسن إسناده الحافظ] (٢).