الشاهد قوله: " أطيب عند الله يوم القيامة " فجعل ذلك يوم القيامة.
وتعليل آخر:
أن يوم القيامة هو يوم الجزاء، وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك.
الدليل الثاني:
(٧٠٦ - ٤٢) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ، قال: والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك. هذا لفظ البخاري، ورواه مسلم (١).
فأخبر ﷺ عن رائحة المكلوم في سبيل الله بأنه كريح المسك يوم القيامة، وهو نظير إخباره عن خلوف فم الصائم؛ فإن الحس يدل على أن هذا دم في الدنيا، وهذا خلوف له، ولكن يجعل الله رائحة هذا وهذا مسكاً في يوم القيامة (٢).
والذين قالوا بأنه عام في الدنيا والآخرة لا يعارضون هذا الاستدلال، بل يقولون به، ولكنهم لا يخصون هذا في الآخرة، بل يجعلونه عاماً.
стр. 1682
دليل من قال: ذلك عام في الدنيا والآخرة .
الدليل الأول:
(٧٠٧ - ٤٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سليمان، عن ذكوان،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: كل حسنة يعملها بن آدم عشر حسنات إلى سبعمائة حسنة، يقول الله : إلا الصوم هو لي وأنا أجزي به، يدع الطعام من أجلي والشراب من أجلي وشهوته من أجلي، فهو لي، وأنا أجزي به. والصوم جنة. وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر وفرحة حين يلقى ربه، ولخلوف فم الصائم حين يخلف من الطعام أطيب عند الله من ريح المسك (١).
стр. 1683
وجه الاستدلال:
قوله: " حين يخلف " وقد ترجم ابن حبان في صحيحه لهذا الحديث بقوله: " ذكر البيان بأن خلوف فم الصائم قد يكون أيضا أطيب من ريح المسك في الدنيا" (١).
الدليل الثاني:
(٧٠٨ - ٤٤) ما رواه النسوي في كتاب الأربعين، قال: أخبرنا الحسن، ثنا محمد بن عبد الله الأرزي ببغداد، ثقة مأمون، ثنا عبد الوهاب بن عطاء، ثنا الهيثم بن أبي الحواري، عن زيد العمي، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ ، قال:
أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبي قبلي أما واحدة فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليهم ومن نظر الله إليه لم يعذبه
стр. 1684
أبدا وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك.
[الحديث ضعيف] (١).
الراجح: المحفوظ أن حديث الخلوف مطلق، " ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " وإذا كان مطلقاً فتقييده بالآخرة يحتاج إلى دليل، وما دام أن لفظة: " يوم القيامة " غير محفوظة بموجب القواعد الحديثية، وكذلك لفظة: " حين يخلف " فالذي يترجح عندي أن ذلك عام في الدنيا والآخرة.
وقد رجح أن ذلك عام ابن القيم في الوابل الصيب، حيث قال: " وفصل النزاع في المسألة أن يقال:
حيث أخبر النبي ﷺ بأن ذلك الطيب يكون يوم القيامة؛ فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال من الخير والشر، فيظهر للخلق طيب ذلك الخلوف على المسك، كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك، وكما تظهر فيه السرائر، وتبدو على الوجه، وتصير علانية، ويظهر فيه قبح رائحة الكفار، وسواد وجوههم.
وحيث أخبر بأن ذلك حين يخلف، وحين يمسون؛ فلأنه وقت ظهور أثر العبادة، ويكون حينئذ طيبها على ريح المسك عند الله تعالى وعند ملائكته، وإن كانت تلك الرائحة كريهة للعباد، فرب مكروه عند الناس محبوب عند الله تعالى، وبالعكس، فإن الناس يكرهونه لمنافرته طباعهم، والله تعالى يستطيبه ويحبه لموافقته أمره ورضاه ومحبته، فيكون عنده أطيب من ريح
стр. 1685
المسك عندنا، فإذا كان يوم القيامة ظهر هذا الطيب للعباد، وصار علانية.
وهكذا سائر الأعمال من الخير والشر، وإنما يكمل ظهورها علانية في الآخرة، وقد يقوى العمل ويتزايد حتى يستلزم ظهور بعض أثره على العبد في الدنيا في الخير والشر، كما هو مشاهد بالبصر والبصيرة" اهـ (١).
стр. 1686
الفصل الثالث
حكم التسوك في المسجد
قيل: يكره السواك في المسجد، وهو قول بعض الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢).
وقيل: لا يكره، وهو مذهب الجمهور (٣).
دليل الكراهة .
(٧٠٩ - ٤٥) ما رواه مسلم، قال: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك، وهو عم إسحق، قال:
بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه. قال: قال رسول الله
стр. 1687
- ﷺ : لا تزرموه دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ . قال: فأمر رجلاً من القوم، فجاء بدلو من ماء فشنه عليه.
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : " إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول أو القذر".
قال القرطبي في المفهم: " فيه حجة لمالك، في منع إدخال الميت المسجد، وتنزيهها عن الأقذار جملة، فلا يقص فيها شعر، ولا ظفر، ولا يتسوك فيها؛ لأنه من باب إزلة القذر، ولا يتوضأ فيها، ولا يؤكل فيها طعام منتن الرائحة إلى غير ذلك مما في هذا المعنى ". (١).
فلما كان السواك عندهم من باب إزالة الأذى، والمساجد يجب صيانتها، وقد يخرج قذر من أسنانه مع التسوك، فيقع في المسجد، لذلك منعوا التسوك في المسجد.
دليل من قال: لا يكره .
(٧١٠ - ٤٦) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال:
لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل
стр. 1688
صلاة (١).
فهذا دليل على استحباب السواك عند كل صلاة، وكل ما كان السواك مقارناً لفعل الصلاة كانت العندية أكثر تحققاً، وأحاديث السواك عند كل صلاة في الصحيحين، فلا سبيل إلى الطعن فيها.
وثانياً: لا نسلم أن السواك من باب إزالة المستقذرات، ولو سلم لم يلزم منه تلويث المسجد حتى يمنع منه، ثم إننا نقول: بمشروعية السواك للصلاة، ولو كان الفم نظيفاً تحقيقاً للسنة، كما نقول: بغسل اليدين ثلاثاً عند الوضوء، ولو تحققنا من نظافة اليد.
قال ابن تيمية: السواك في المسجد ما علمت أحداً من العلماء كرهه، بل الآثار تدل على أن السلف كانوا يستاكون في المسجد، ويجوز أن يبصق الرجل في ثيابه في المسجد، ويمتخط في ثيابه باتفاق الأئمة، وبسنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه، بل يجوز التوضؤ في المسجد بلا كراهة عند جمهور العلماء، فإذ جاز الوضوء فيه مع أن الوضوء يكون فيه السواك، وتجوز الصلاة فيه، والصلاة يستاك عندها، فكيف يكره السواك؟ وإذا جاز البصاق والامتخاط فيه، فكيف يكره السواك؟ (٢).
وقال العراقي في طرح التثريب: " ولو سلم أن السواك من باب إزالة القاذورات، فهو لا يلقيه في المسجد، وإنما يزيله في السواك، فإذا كان السواك محفوظاً معه فلا بأس، وقد ندب إلى السواك لكل صلاة، فيؤمر حاضر المسجد أن يخرج حتى يستاك خارج المسجد؟ هذا مما لا يعقل معناه. والله أعلم. اهـ (٣).
стр. 1689
الفصل الرابع
حكم السواك بحضرة الناس
قيل: يكره السواك بحضرة الناس، اختاره بعض المالكية (١).
وقيل: لا يكره، وهو الصواب (٢).
تعليل من قال بالكراهة .
قال القرطبي: يتجنب استعمال السواك في المساجد والمحافل، وحضرة الناس، ولم يرو أنه تسوك في المسجد ولا في محفل من الناس لأنه من باب إزالة القذر والوسخ، ولا يليق بالمساجد، ولا محاضر الناس، ولا يليق بذوي المروءات فعل ذلك في الملأ من الناس ". (٣).
دليل من قال: لا يكره .
(٧١١ - ٤٧) استدل بما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه، قال:
أتيت النبي ﷺ فوجدته يستن بسواك بيده، يقول: أع أع والسواك في فيه كأنه يتهوع (٤).
ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أنه يؤخذ من الحديث أن
стр. 1690
السواك من باب التنظيف والتطيب، لا من باب إزالة القاذورات، لكونه ﷺ لم يختف به، وبوبوا عليه " استياك الإمام بحضرة رعيته" (١).
стр. 1691
الفصل الخامس
التسوك في الخلاء
كره بعض فقهاء الحنفية السواك في الخلاء (١).
والصحيح عدم الكراهة.
تعليل الكراهة.
لعلهم رأوا أن السواك من باب التطيب، ولم يعتبروه من باب إزالة القاذورات، وأنه عبادة، فيه مرضاة للرب.
والصحيح عدم الكراهة، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولا دليل في المسألة. والسواك فيه جانب تطهير للفم، فلا يصح التعليل أنه من باب التطيب فقط.
стр. 1692
الفصل السادس
لو تسوك بمضر هل يحصل له أجر السواك
قيل: يحرم التسوك بضار، ويجزئ (١).
وقيل: لا يجزئ.
تعليل من قال: يجزئ .
قال: لأن المقصود قد حصل به، وهو إزالة القلح، وتطهير الفم.
تعليل من قال لا يجزئ .
قالوا: إن هذا العمل محرم، ولا يمكن أن يقع قربة، لأنه مضاد لأمر الله ورسوله، من تحريم تعاطي المضر. ولو قلنا: يحصل به إصابة السنة، لكنا رتبنا على فعل محرم أثراً شرعياً، وهذا غير جائز.
(٧١٢ - ٤٨) وقد روى مسلم ﵀ قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد جميعا، عن أبي عامر، قال عبد بن حميد: حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.
الرد: هو المردود، وإذا كان مردوداً فكيف تحصل به السنة، ويصيب الأجر؟ والله أعلم.
стр. 1693
الفصل السابع
هل تشرع التسمية للسواك
استحب بعض المالكية (١)، والشافعية (٢)، التسمية للسواك.
دليلهم:
(٧١٣ - ٤٩) حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر أو قال أقطع (٣).
[إسناده ضعيف، ومتنه مضطرب] (٤).
стр. 1694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1695
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1696
والراجح أن التسمية لا تشرع
أولاً: الأصل في العبادات الحظر حتى يرد دليل صحيح على المشروعية، وأحاديث السواك لم ينقل فيها عن النبي ﷺ أنه تسوك. واستحباب التسمية في كل شيء ليس على اطلاقه، فهناك أمور تكون التسمية فيها من البدع، كالتسمية للأذان، والتسمية للصلاة، والتسمية لرمي الجمرات، فلم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يسمي لهذه العبادات.
стр. 1697
الباب الرابع
في ذكر المواضع التي يتأكد فيها السواك
ويشتمل على عشرة فصول ومبحثين:
الفصل الأول: السواك عند الصلاة.
الفصل الثاني: السواك عند الوضوء.
الفصل الثالث: في مشروعية السواك للغسل والتيمم.
الفصل الرابع: يستحب السواك عند الانتباه من النوم.
الفصل الخامس: يستحب السواك عند تغير الفم.
الفصل السادس: استحباب السواك عند دخول البيت.
الفصل السابع: حكم السواك عند دخول المسجد.
الفصل الثامن: التسوك عند قراءة القرآن.
المبحث الأول: حكم السواك لسجود التلاوة والشكر.
المبحث الثاني: الاستياك للقراءة بعد السجود.
الفصل التاسع: من المواضع التي يتأكد فيها السواك يوم الجمعة.
الفصل العاشر: هل يستحب السواك عند الاحتضار.
стр. 1698
الباب الرابع
في ذكر المواضع التي يتأكد فيها السواك
لا شك أن السواك مسنون كل وقت؛ لأن حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " مطلق.
قال الشوكاني: " أطلق فيه السواك، ولم يخصه بوقت معين، ولا بحالة مخصوصة، فأشعر بمطلق شرعيته، وهو من السنن المؤكدة " اهـ (١).
لكن هناك مواضع يكون استحباب السواك فيها آكد. وسوف نعرض لها مسألة مسألة، ونبين ما فيها من خلاف ووفاق. والله المستعان.
الفصل الأول
السواك عند الصلاة
قيل: السواك واجب للصلاة. على خلاف هل تصح الصلاة إذا تركه أم لا؟ وهو مذهب داود (٢)، وإسحاق بن راهوية (٣).
وقيل: السواك سنة عند الصلاة مطلقاً فرضاً كانت أو نفلاً، وسواء صلى بطهارة ماء أو تيمم، وسواء كان الفم متغيراً أو نظيفاً. وهو اختيار
стр. 1699
بعض الحنفية (١)،
ومذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختيار ابن حزم (٤).
وقيل: إن السواك من سنن الوضوء، لا من سنن الصلاة، اختاره أكثر الحنفية (٥).
стр. 1700
وقيل: إن صلى في المسجد فلا يستاك، وإن صلى بغير المسجد فيستاك. وهو مذهب المالكية (١).
وقيل: يتأكد السواك عند صلاتي الصبح والظهر حكاه الأوزاعي عن بعض أهل العلم (٢).
دليل من قال: السواك واجب عند الصلاة .
ذكرت دليله في حكم السواك، والجواب عنه فليراجع.
стр. 1701
دليل الجمهوز على استحاب السواك عند الصلاة .
(٧١٤ - ٥٠) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال:
لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة (١).
دليل من قال يستحب للصلاة عند الوضوء لا عند الصلاة .
قالوا: إذا استاك للصلاة ربما يخرج منه دم، وهو نجس بالإجماع (٢)، كما أن خروج الدم ناقض للوضوء (٣).
ورده ابن عابدين، فقال: " هذا التعليل عليل، فقد رد بأن ذاك أمر متوهم، مع أنه لمن يثابر عليه لا يدمي" (٤).
وقال في تحفة الأحوذي: " نعم، من يخاف ذلك ـ يعني خروج الدم ـ فليستعمل بالرفق على نفس الأسنان واللسان دون اللثة، وذلك لا يخفى" (٥).
قلت: الراجح أن خروج الدم لا ينقض الوضوء، كما سأبينه إن شاء الله تعالى، في باب نواقض الوضوء. وحتى على القول بأنه ناقض فإن الدم
стр. 1702
الخارج يسير عرفاً، وهم حدوه بالفاحش.
دليل من كره السواك في المسجد .
ذكرت أدلتهم في مسألة سابقة مستقلة، وأجبت عن أدلتهم، فارجع إليه غير مأمور.
стр. 1703
الفصل الثاني
السواك عند الوضوء
قيل: السواك مستحب في الوضوء. وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (١) والمشهور من مذهب المالكية (٢)،
وقيل: سنة، وهو قول في مذهب الحنفية (٣)، ومذهب الشافعية (٤)،
стр. 1704
والحنابلة (١)، واختاره ابن عرفة (٢)، وابن العربي من المالكية (٣).
دليل من قال: السواك مستحب وليس بسنة .
فرق بعض الفقهاء بين المستحب والسنة فقالوا:
السنة: ما واظب عليه النبي ﷺ .
والمستحب: مافعله مرة أو مرتين. وألحق بعضهم به ما أمر به، ولم ينقل أنه فعله (٤).
وهذا التفريق بين السنة والمستحب لا دليل عليه،، والصحيح أن لفظ السنة والمندوب والمستحب ألفاظ مترادفة، في مقابل الواجب، ولو سلم هذا التفريق فإن السواك سنة أيضاً، لأن الرسول ﷺ كان يتعاهده ليلاً ونهاراً، حتى استاك ﷺ ، وهو في سكرات الموت.
قال ابن العربي: " لا زم النبي ﷺ السواك فعلاً، وندب إليه أمراً، حتى قال في الحديث الصحيح: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند
стр. 1705
كل وضوء)) وما غفل عنه قط، بل كان يتعاهده ليلاً ونهاراً، فهو مندوب إليه، ومن سنن الوضوء، لا من فضائله". اهـ كلام ابن العربي (١).
وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على مواظبة النبي ﷺ على السواك منها:
(٧١٥ - ٥١) ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل،
عن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. ورواه مسلم أيضاً. وسبق تخريجه.
فقوله: " إذا قام من الليل " دليل على تكرار ذلك منه ﷺ كلما قام من الليل.
(٧١٦ - ٥٢) ومنها حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك، وهو حديث صحيح (٢).
ولفظ: " كان " يدل على فعله دائماً أو غالباً. فكيف يقال بعد هذه الأحاديث الصحيحة أن الرسول ﷺ لم يواظب عليه.
دليل من قال: السواك سنة عند الوضوء .
(٧١٧ - ٥٣) ما رواه أحمد، قال: قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف،
عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لولا أن أشق على أمتي
стр. 1706
لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء (١).
واختلف القائلون بأنه سنة:
هل هو من سنن الوضوء، أو هو سنة مستقلة عند الوضوء
فقيل: إنه سنة مستقلة، يسن عند الوضوء
تعليلهم:
أن السواك أولاً، ليس مختصاً بالوضوء.
وثانياً: أنه ليس من جنس أفعال الوضوء، لأن الوضوء هو استعمال الماء بنية مخصوصة، والسواك ليس فيه استعمال ماء (٢).
وقيل: بل هو من سنن الوضوء.، قال إمام الحرمين: ليس شرط كون الشيء من الشيء أن يكون من خصائصه، فإن السجود ركن في الصلاة، ومشروع في غيرها لتلاوة، وشكر (٣). وأرى أن الخلاف لفظي.
стр. 1707
مبحث
في محل السواك من الوضوء
فقيل: عند المضمضة. وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: قبل الوضوء. وهو قول في مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤).
стр. 1708
دليل من قال السواك قبل الوضوء .
(٧١٨ - ٥٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة وابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،
عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء (١).
فقوله ﷺ : " عند كل وضوء " فالعندية لا تقتضي المصاحبة، كما في السواك عند كل صلاة، فمعلوم قطعاً أنه لم يرد المصاحبة، بل قبل الصلاة، فالوضوء كذلك، والله أعلم.
دليل من قال السواك عند المضمضة .
(٧١٩ - ٥٥) ما رواه أحمد، قال: قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف،
عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء (٢).
стр. 1709
فقوله ﷺ : " مع كل وضوء " المعية هنا تقتضي المصاحبة، لأن من تسوك بعد غسل الكفين، وقبل المضمضة يصدق عليه أنه تسوك مع الوضوء، وليس قبله.
والذي يظهر والله أعلم أن الحديثين حديث واحد، إحدى الروايتين تفسر الأخرى، فالعندية لا تعارض المعية هنا والله أعلم.
والتسوك والمضمضة كلاهما متعلق بالفم دون سائر أعضاء الوضوء. والأفضل والله أعلم أن يكون تسوكه قبل المضمضة سواء كان بعد غسل الكفين أو قبل الشروع في الوضوء؛ وذلك لأن السواك إذا نظف الأسنان، ثم جاءت بعده المضمضة، ومج الماء يكون قد سقط كل أذى اقتلعه السواك من الأسنان أو اللثة. والله أعلم.
وهناك تفسير آخر فيه بعد، ذكره بعض الفقهاء.
قال الزرقاني: " قوله: " مع كل وضوء " أي مصاحباً له. كقوله في رواية: " عند كل وضوء ". ويحتمل أن معناه لأمرتهم به كما أمرتهم بالوضوء ". اهـ (١).
стр. 1710
الفصل الثالث
هل يشرع السواك للغسل والتيمم
استحب بعض الفقهاء السواك للغسل والتيمم (١)، وقال بعضهم: حتى ولو استاك للوضوء قبل الغسل، فيشرع للغسل (٢).
وحجتهم والله أعلم أنها إذا كان السواك مشروعاً في الطهارة الصغرى، فالكبرى من باب أولى، وإذا كان السواك مشروعاً في الوضوء، كان مشروعاً في بدله، وهو التيمم.
والذي أراه والله أعلم أنه إن توضأ قبل الغسل، شرع له السواك من أجل الوضوء، وإن لم يتوضأ لم يشرع، لعدم الدليل على مشروعيته للغسل لا من قوله ﷺ ، ولا من فعله، وما كان ربك نسياً.
وكذلك لا يشرع السواك للتيمم لأنه لم ينقل، والعبادات مبناها على الحظر، حتى يرد دليل على المشروعية، وقد نقلت لنا صفة التيمم في السنة، ولم يرد فيها السواك، والقياس على طهاة الماء ضعيف. والله أعلم.
стр. 1711
الفصل الرابع
يستحب السواك عند الانتباه من النوم
يستحب السواك عند الانتباه من النوم
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
الدليل على استحبابه.
الدليل الأول:
(٧٢٠ - ٥٦) ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل،
عن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. ورواه مسلم أيضاً (٥).
стр. 1712
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1713
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1714
قال ابن دقيق العيد: " فيه دليل على استحباب السواك في هذه الحالة الأخرى، وهي القيام من النوم، وعلته: أن النوم مقتض لتغير الفم، والسواك هو آلة التنظيف للفم، فيسن عند مقتضى التغير. وقوله: "يشوص " اختلفوا في تفسيره، فقيل: يدلك. وقيل: يغسل. وقيل: ينقي. والأول أقرب. وقوله: " إذا قام من الليل " ظاهره يقتضي تعليق الحكم بمجرد القيام. ويحتمل أن يراد: إذا قام من الليل للصلاة " اهـ (١).
الدليل الثاني:
(٧٢١ - ٥٧) ما رواه مسلم، قال ﵀: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسماعيل بن مسلم، حدثنا أبو المتوكل، أن ابن عباس حدثه،
стр. 1715
أنه بات عند النبي ﷺ ذات ليلة فقام نبي الله ﷺ من آخر الليل، فخرج فنظر في السماء، ثم تلا هذه الآية في آل عمران ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ حتى بلغ ﴿فقنا عذاب النار﴾ ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ، ثم قام فصلى، ثم اضطجع، ثم قام فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية، ثم رجع فتسوك فتوضأ، ثم قام فصلى (١).
стр. 1716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1717
يحتمل أنه تسوك من أجل القيام من النوم، أو من أجل الوضوء، أو من أجل الصلاة، ولا يبعد أن يكون تسوك منها كلها، ولا يمنع أن يكون هناك أكثر من سبب للتسوك، ولو لم يثبت في التسوك من القيام من الليل حديث، لكان يكفي فيه حديث عائشة: " السواك مطهرة للفم " فإن النوم مظنة لتغير الفم، فيشرع تطهير الفم منه. والله أعلم.
الدليل الثالث:
(٧٢٢ - ٥٨) ما رواه أحمد، قال ﵀: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا محمد بن مسلم بن مهران مولى لقريش، سمعت جدي يحدث عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان لا ينام إلا والسواك عنده فإذا استيقظ بدأ بالسواك.
[إسناده حسن إن شاء الله تعالى] (١).
стр. 1718
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1719
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1720
الدليل الرابع:
(٧٢٣ - ٥٩) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا موسى بن هارون، ثنا سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، ثنا إبراهيم بن ثابت من بني عبد الأول، حدثني عكرمة بن مصعب من بني عبد الدار، عن محرر بن أبي هريرة،
عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ لا ينام ليلة ولا ينتبه إلا استن.
[إسناده ضعيف] (١).