الدليل الثاني
من النظر، قالوا: إن الاستياك طولاً مضر باللثة والأسنان، فهو يدمي اللثة، ويفسد منابت الأسنان.
قلت: لم يثبت هذا، وإذا كان أحد يضره ذلك نهي عنه خاصة. لا أن يكون نهياً عاماً، ولذلك لا وجه لكونه مكروهاً - أعني السواك طولاً - كما ذكره النووي والخطيب عن بعض فقهاء الشافعية (١).
فلم يثبت في ذلك سنة، وله أن يستاك بحسب ما يراه مناسباً داعياً للتطهير، فالمطلوب أن يستاك، فكيفما استاك حصلت السنة.
وقال محمد نجيب المطيعي: " أطباء الأسنان يقولون: إن الاسيتاك الصحيح يكون طولاً: أي أعلى وأسفل؛ لأن الغشاء العاجي الأملس الذي يكسو الأسنان ينبغي المحافظة عليه، فالاستياك عرضاً يضر بهذا الغشاء،
стр. 1753
فيسرع إلى الأسنان الفساد " اهـ (١).
فإن ثبت هذا طبياً، فإن الاستياك عرضاً يكون منهياً عنه.
وقد وصف بعض الأطباء طريقة التسوك بما يلي:
" يجب أن تطبق باتجاه رأسي لمحور السن واللثة مما يساعد على تنشيط الدورة الدموية في اللثة، والتنظيف الفعال للأسنان دون أن يحدث أذى لهما. فيجب - والوجوب ليس في اصطلاح الشرع - أن يكون تسويك الأسنان العلوية على حدة، وكذلك الأسنان السفلية. أما اتجاه حركة التسويك لتنظيف الاسطح الخارجية والداخلية للأسنان العلوية فيجب أن يكون من أعلى إلى أسفل نحو الاسطح الماضغة والقاطعة للأسنان وتكون حركة التنظيف شاملة حواف اللثة لتدليكها، فيزداد تقرنها والوارد الدموي لانسجتها فتزداد مقاومتها للأمراض وحيويتها أيضاً. وأما اتجاه حركة التنظيف للأسنان السفلية فيجب أن تكون من أسفل إلى أعلى، وشاملة حواف اللثة أيضاً.
وأما الدليل على مشروعية الاستياك في اللسان، وأنه يستاك طولاً فمنها:
(٧٤٣ - ٧٩) الدليل الأول: ما رواه أحمد، قال: ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا حماد بن زيد، ثنا غيلان بن جرير، عن أبي بردة،
عن أبي موسى، قال: دخلت على رسول الله ﷺ ، وهو يستاك، وهو واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق. فوصف حماد كأنه يرفع سواكه. قال حماد: ووصفه لنا غيلان قال: كان يستن طولا
[الحديث صحيح] (٢).
стр. 1754
وجه الاستدلال:
قول الراوي: " والسواك على طرف لسانه "
قال الحافظ: والمراد: طرفه الداخل، كما عند أحمد: " يستن إلى فوق ". ولهذا قال هنا: " كأنه يتهوع. والتهوع: التقيؤ. أي له صوت كصوت المتقيء على سبيل المبالغة (١).
وقال في التلخيص: " وأما اللسان فيستاك طولاً، كما في حديث أبي موسى في الصحيحين، ولفظ أحمد: " وطرف السواك على لسانه يستن إلى فوق " قال الراوي: كان يستن طولاً " اهـ (٢).
стр. 1755
الدليل الثاني:
من حيث النظر، قال ابن دقيق العيد: " العلة التي تقتضي الاستياك على الأسنان موجودة في اللسان، بل هي أبلغ وأقوى؛ لما يرتقي إليه من أبخرة المعدة" (١).
стр. 1756
الفصل الثاني
هل يبدأ المتسوك بجانب فمه الأيمن أو الأيسر
استحب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، أن يبدأ المتسوك بجانب فمه الأيمن، ولم أقف فيه على خلاف.
الدليل على أن المستوك يبدأ بالجانب الأيمن.
الدليل الأول:
(٧٤٤ - ٨٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله (٥).
الدليل الثاني:
ثبت أن السواك من باب التطهير والتطيب، لا من باب إزالة القاذورات، والدليل على ذلك أن الرسول ﷺ كان يتسوك عند أصحابه
стр. 1757
كما في حديث أبي موسى المتقدم في الصحيحين (١)، وإذا كان كذلك استحب البداءة بالجانب الأيمن من الفم.
الدليل الثالث:
القياس على الوضوء، فكما أنه يستحب البداءة بالوضوء باليمين، فكذلك هنا قياساً عليه، والجامع بينهما علة التطهير، فالوضوء فيه طهارة حسية ومعنوية، والسواك يشاركه في الطهارة الحسية (٢).
الدليل الرابع:
(٧٤٥ - ٨١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا شعبة، عن الأشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق،
عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب التيمن ما استطاع في طهوره وترجله ونعله وسواكه.
[زيادة "وسواكه" شاذة، والحديث في الصحيحين، وليست فيه زيادة وسواكه] (٣).
стр. 1758
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1759
الفصل الثالث
هل يستاك بيده اليمنى أم اليسرى
اختلف الفقهاء هل المتسحب أن يمسك السواك بيده اليمنى أم اليسرى على أقوال:
فقيل: يمسكه بيده اليمنى
وهو المشهور من مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، واختاره جماعة من الشافعية (٣)، وبعض الحنابلة (٤).
وقيل: التسوك باليد اليسرى أفضل.
وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥)، واختاره بعض الحنفية (٦)، ورجحه
стр. 1760
العراقي (١).
وقيل: يكره بالشمال (٢).
وقيل: إن تسوك لتغير الفم فيكون تسوكه باليسار، وإن تسوك لتحصيل السنة، كما لو كان الفم نظيفاً يكون باليمين (٣).
وهذا الخلاف مبني على أن السواك هل هو من باب التطهير والتطيب، أو من باب إزالة القاذورات؟
فإن جعلناه من باب التطهير والتطيب، استحب أن يكون باليمين كالمضمضة، وإن جعلناه من باب إزالة الأذى والقاذورات جعلناه باليسرى، كالاستنجاء.
دليل من قال يمسك السواك باليد اليمنى .
الدليل الأول:
هذا الدليل مبني على مقدمة، ونتيجة:
المقدمة: أن السواك من باب التطهير والتطيب.
والنتيجة: ما كان كذلك، فإنه تستعمل فيه اليد اليمنى.
أما دليل المقدمة الأولى، وهو كون السواك من باب التطهير والتطيب، أن الرسول ﷺ ، تسوك أمام رعيته، كما في حديث أبي موسى في الصحيحين، (٤) ولو كان من باب إزلة القاذورات لم يفعله النبي ﷺ حتى
стр. 1761
يتوارى عن الناس.
ولأن الفم، وما فيه ليس نجساً حتى يلحق بالاستنجاء، بل إن مخاط المسلم وعرقه وريقه طاهر بالإجماع، وإذا كان طاهراً فهو من باب التطهير والتطيب كالوضوء يقدم فيه اليمين، ويباشره باليمين، وكالمضمضة، فيها تطهير للفم، وتباشر باليمين. هذا دليل المقدمة الأولى. وهو كون السواك من باب التطهير.
وأما الدليل على النتيجة، وهو أن ما كان من باب التطهير فيقدم فيه اليمين.
ففيه دليلان: نص، وقياس.
(٧٤٦ - ٨٢) أما النص، فقد روى أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة أنها قالت:
كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره ولطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى.
قال أحمد: وحدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن رجل عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة نحوه
[إسناده منقطع] (١).
стр. 1762
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1763
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1764
(٧٤٧ - ٨٣) ونص آخر، رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق،
عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله (١).
стр. 1765
واعترض على الاستدلال بحديث عائشة، قال العراقي: " ليس فيه دلالة على ما ذهب إليه، فإن المراد منه البداءة بالشق الأيمن في الترجل، والبداءة بلبس النعل، والبداءة بالأعضاء اليمنى في التطهر، والبداءة بالجانب الأيمن من الفم في الاستياك " اهـ (١).
وأما القياس: فقاسوه على المضمضة، فإذا كانت المضمضة فيها تطهير للفم، ومع ذلك استعملت في ذلك اليمين، فكذلك السواك (٢).
الدليل الثاني:
قالوا: إن السواك عبادة مقصودة تشرع عند القيام إلى الصلاة، وإن لم يكن هناك وسخ، وما كان عبادة مقصودة كان باليمين.
دليل من قال يتسوك بيده اليسرى .
قال ابن تيمية: الاستياك من باب إماطة الأذى، فهو كالاستنثار والامتخاط، ونحو ذلك مما فيه إزالة الأذى، وذلك باليسرى، كما أن إزالة النجاسات كالاستجمار ونحوه باليسرى، وإزالة الأذى واجبها ومستحبها باليسرى. والأفعال نوعان: أحدهما مشترك بين العضوين، والثاني: مختص بأحدهما. وقد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى تقدم فيها اليمين إذا كانت من باب الكرامة: كالوضوء، والغسل، والابتداء بالشق الأيمن في السواك ونتف الإبط، وكاللباس، والانتعال، والترجل، ودخول المسجد.
والذي يختص بأحدهما إن كان من باب الكرامة كان باليمين كالأكل
стр. 1766
والشرب والمصافحة، ومناولة الكتب وتناولها، ونحو ذلك. وإن كان ضد ذلك كان باليسرى، كالاستجمار، ومس الذكر والاستنثار والامتخاط، ونحو ذلك.
فإن قيل: السواك عبادة مقصودة تشرع عند القيام إلى الصلاة وإن لم يكن هناك وسخ، وما كان عبادة مقصودة كان باليمين.
قيل: كل من المقدمتين ممنوع. فإن الاستياك إنما شرع لإزالة ما في داخل الفم، وهذه العلة متفق عليها بين العلماء، ولهذا شرع عند الأسباب المغيرة له، كالنوم والإغماء، وعند العبادة التي يشرع لها تطهير كالصلاة والقراءة، ولما كان الفم في مظنة التغير شرع عند القيام إلى الصلاة، كما شرع غسل اليدين للمتوضيء قبل وضوئه، لأنها آلة لصب الماء. وقد تنازع العلماء فيما إذا تحقق نظافتها، هل يستحب غسلها؟ على قولين مشهورين. ثم قال: وقد يقال مثل ذلك في السواك إذا قيل باستحبابه مع نظافة الفم عند القيام إلى الصلاة، مع أن غسل اليد قبل المضمضة المقصود بها النظافة. فهذا توجيه المنع للمقدمة الأولى.
وأما المنع للمقدمة الثانية: فإذا قدر أنه عبادة مقصودة، فما الدليل على أن ذلك مستحب باليمنى، وهذه مقدمة لا دليل عليها. بل قد يقال: إن العبادات تفعل بما يناسبها، ويقدم فيها ما يناسبها. ثم قول القائل: إن ذلك عبادة مقصودة، إن أراد به أن السواك تعبد محض، لا تعقل علته، فليس هذا بصواب؛ لاتفاق المسلمين على أن السواك معقول، ليس بمنزلة رمي الجمار. وإن أراد أنها مقصودة، أنه لا بد فيها من النية كالطهارة، وأنها مشروعة مع تيقن النظافة، ونحو ذلك، فهذا الوصف إن سلم لم يكن في ذلك ما يوجب كونها باليمنى؛ إذ لا دليل على ذلك. أرأيت إلى الاستنجاء بالثلاث عند من
стр. 1767
يوجبه كأحمد والشافعي، فإنهم يوجبون الحجر الثالث مع حصول الإنقاء بدونه، فالاستجمار بالحجر الثالث يكون باليسرى، وإن كان المحل نظيفاً، والغسلة السابعة من ولوغ الكلب تكون باليسرى وإن حصلت الإزالة بما دونه، ونحو ذلك مما كان المقصود به إزالة الأذى، فكذلك إماطة الأذى من الفم مقصودة بالسواك، وإن شرع مع عدمه، وذلك لا ينافي أن يكون باليسرى اهـ (١).
دليل من قال إن قصد به العبادة فباليمنى، وإن قصد النظافة فباليسرى
هذا القول جمع بين أدلة القول الأول، وبين أدلة القول الثاني.
ورأى أن السواك تارة يكون من باب التطييب والتطهر، فهنا يستاك باليمنى، وتارة يكون السواك من باب إزالة القاذورات، فيكون باليسرى. وهذا القول فيه جمع بين أدلة الفريقين.
وأما من قال: بالكراهة، فلا أعلم له دليلاً، وهو أضعف الأقوال، لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، وعلى القول بأن التسوك باليمنى سنة، أو العكس، لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه.
والمسألة ليس فيها نص واضح، والرسول ﷺ كان يتسوك، ولم يأمر بأن يكون السواك باليمين أو بالشمال، وكل من قال قولاً في ذلك اجتهد في قياس المسألة على نظائر أخرى. وقول شيخ الإسلام له قوة، إلا أن القول الأول أقوى، والأمر في المسألة واسع. والله أعلم.
стр. 1768
الفصل الرابع
في كيفية أخذ السواك
اختلف الفقهاء في كيفية أخذ السواك
والمشهور عند الحنفية في كيفية أخذ السواك أن يجعل الخنصر أسفله، والإبهام أسفل رأسه، وباقي الأصابع فوقه (١)
واختارها من الشافعية البجيرمي (٢).
وذكروا أن ذلك مروي عن ابن مسعود ﵁ (٣)،
وقيل: بل يجعل خنصره وإبهامه تحته، والأصابع الثلاثة الباقية فوقه. اختاره بعض المالكية (٤)، والشافعية (٥).
ولا أعلم في الشرع ثبوت هذه الصفة، ولم يرد شيء فيما أعلم في كيفية أخذه، فكيفما أخذه صح ذلك، والمطلوب، هو التسوك في الأسنان، فأي طريقة حصل فيها التسوك، حصل المقصود. والفقهاء ﵏ يتوسعون في المستحبات والمكروهات، ولو لم يكن هناك دليل على ذلك من السنة. والله المستعان.
стр. 1769
الفصل الخامس
الكلام في قبض السواك
كره بعض الفقهاء قبض السواك (١)
دليل الكراهة.
قالوا: إن قبض السواك يورث الباسور.
ولا دليل على الكراهة. ولا يعرف سبب شرعي، أو قدري بأن قبض السواك يمكن أن يورث الباسور، والكراهة كما قدمنا حكم شرعي، لا يقال إلا بناء على دليل شرعي صحيح، مأثور أو معقول. ولا يتوفر هذا هنا، ولو صح أنه يورث الباسور لم يكن حكمه الكراهة فقط، بل يكون حكمه التحريم؛ لأن تعاطي ما يضر بالبدن محرم شرعاً.
стр. 1770
الفصل السادس
في موضع السواك من الرجل
استحب بعض الفقهاء أن يوضع السواك خلف الأذن (١).
الدليل على استحبابه .
(٧٤٨ - ٨٤) ما رواه البيهقي، قال: أنبأ أبو الحسين علي بن أحمد بن عبدان، أنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ثنا الحضرمي، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر،
عن جابر بن عبد الله قال: كان السواك من أذن النبي ﷺ موضع القلم من أذن الكاتب.
قال أبو القاسم رواه عن ابن إسحاق سفيان، ولم يروه عن سفيان إلا يحيى.
[الحديث معلول] (٢).
стр. 1771
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1772
الدليل الثاني:
(٧٤٩ - ٨٥) ما رواه أحمد بن منيع، قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن العلاء بن كثير، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع ﵁، قال:
كان أصحاب رسول الله ﷺ يوثقون مساويكهم في ذوائب سيوفهم (١).
[الحديث ضعيف جداً] (٢).
стр. 1773
الدليل الثالث:
(٧٥٠ - ٨٦) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو خالد
стр. 1774
الأحمر، عن أسامة بن زيد، عن صالح بن كيسان،
أن عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا يروحون، والسواك على آذانهم (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 1775
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1776
الفصل السابع
في الاستياك حال الاضطجاع
كره بعض الفقهاء: الاستياك مضطجعاً (١).
وعللوا ذلك بأنه يورث كبر الطحال.
وما قلناه في مسألة قبض السواك نقوله هنا.
ولا ينبغي أن يقال: بالاستحباب، أو بالكراهة إلا أن يكون في ذلك دليل من الشرع؛ لأن الكراهة حكم شرعي، يفتقر إلى دليل شرعي. ولو صح من جهة الطب لقلت بالتحريم. ولكن مثل ذلك لا يصح.
(٧٥١ - ٨٧) وقد روى ابن أبي شيبة، في مصنفه، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حرام بن عثمان، عن أبي عتيق،
عن جابر، قال: كان يستاك إذا أخذ مضجعه، وإذا قام من الليل، وإذا خرج إلى الصبح، قال: فقلت له: قد شققت على نفسك بهذا السواك، فقال: إن أسامة أخبرني أن رسول الله ﷺ كان يستاك بهذا السواك.
[الحديث ضعيف جدً] (٢).
стр. 1777
الفصل الثامن
أقل ما تحصل به السنة من الاستياك
قيل: أقله ثلاث في الأعالي، وثلاث في الأسافل (١).
وقيل: أقله مرة إلا إن كان للتغير، فلا بد من إزالته فيما يظهر. ويحتمل الاكتفاء بها فيه؛ لأنها مخففة (٢).
دليل من قال: أقله ثلاث .
قاسوه على الاستنجاء بالأحجار، قالوا فإذا كان الإنسان مأموراً بالاستنجاء أن يستنجي بثلاثة أحجار فكذلك هنا.
(٧٥٢ - ٨٨) فقد روى مسلم ﵀، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش ومنصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،
عن سلمان، قال: قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة، فقال: أجل إنه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة، ونهى عن الروث والعظام وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار (٣).
قال ابن عابدين: " لو حصل بأقل من ثلاث فالمستحب إكمالها كما قالوا في الاستنجاء.
стр. 1778
دليل من قال يحصل بمرة .
قالوا: إن الإنسان أمر بالسواك، ولم يرد فيه تقدير فالامتثال يحصل بالمرة الواحدة. وهذا أقوى.
ولو قيل: إن كان السواك لتحصيل السنة، والفم نظيف، فيكفي فيه مرة واحدة، وإن كان السواك لتغير الفم، واصفرار الأسنان، فإنه يستاك حتى يطمئن قلبه بزوال النكهة واصفرار الأسنان، وله من الأجر بقدر ما يخفف التغير وإن لم يزله بالمرة. والله أعلم.
стр. 1779
الفصل التاسع
هل يحتاج المتسوك إلى نية
ذهب بعض الفقهاء إلى أن السواك يحتاج إلى نية إن كان مستقلاً، فإن كان في ضمن عبادة كالوضوء فنية الوضوء تشمله (١).
دليلهم على أن السواك يحتاج إلى نية .
(٧٥٣ - ٨٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد بن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول:
سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (٢).
والراجح أن السواك لا يحتاج إلى نية، والخلاف في هذه المسألة ينبني على هل السواك من باب إزالة القاذورات، فلا يحتاج فيه إلى نية، أو من باب فعل العبادات، وتحصيل السنة فيحتاج فيه إلى نية، حتى تتميز العبادة عن العادة.
ولو قيل: تارة يكون السواك لتحصيل السنة، كالسواك للصلاة، ولو
стр. 1780
كان الفم نظيفاً، فيحتاج إلى نية، وتارة يكون السواك من باب إزالة القاذورات، كما لو تسوك من أجل تغير فمه، فهنا لا يحتاج إلى نية، فإذا زال التغير أثيب عليه، ولو لم ينو. والله أعلم.
стр. 1781
فوائد متفرقة
متممة لبحوث السواك
ويشتمل على ستة عشر فائدة
الفائدة الأولى استحباب غسل السواك
الفائدة الثانية إباحة التسوك بسواك الغير
الفائدة الثالثة إذا دفع السواك للغير يبدأ بالأكبر، وليس بالأيمن
الفائدة الرابعة في بلع الريق عند ابتداء السواك
الفائدة الخامسة في الدعاء عند السواك
الفائدة السادسة في منافع السواك
الفائدة السابعة العلك بالنسبة للمرأة
الفائدة الثامنة التسوك والإمام يصلي
الفائدة التاسعة في الوضوء من فضل السواك
الفائدة العاشرة هل يستحب أن يكون السواك من شجر مر؟
الفائدة الحادية عشرة التسواك بطرف السواك
الفائدة الثانية عشرة في التسوك بالقصب
الفائدة الثالثة عشر تعويد الصبي على السواك
الفائدة الرابعة عشرة في لقطة السواك
الفائدة الخامسة عشرة يتسوك المحرم كما يتسوك الحلال
الفائدة السادسة عشرة (*)
стр. 1782
الفائدة الأولى
استحباب غسل السواك
يستحب غسل السواك إذا احتاج إلى ذلك:
(٧٥٤ - ٩٠) لما روى أبو داود، قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا عنبسة بن سعيد الكوفي الحاسب، حدثني كثير، عن عائشة أنها قالت:
كان نبي الله ﷺ يستاك فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله وأدفعه إليه (١).
[إسناده فيه لين] (٢).
стр. 1783
والمعنى يقتضيه، فإن السواك يزيل ما على الفم من طعام وغيره، وربما علق به شيء مما يخرجه من الفم، فإذا كثر ذلك احتاج أن يتعاهده بالتنظيف، حتى لا يكون السواك، وهو آلة النظافة سبباً في زيادة التلوث.
стр. 1784
الفائدة الثانية
إباحة التسوك بسواك الغير
الدليل على ذلك.
(٧٥٥ - ٩١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني سليمان بن بلال، قال: قال هشام بن عروة: أخبرني أبي،
عن عائشة ﵂ قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر، ومعه سواك يستن به فنظر إليه رسول الله ﷺ فقلت: له أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن، فأعطانيه فقصمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله ﷺ ،فاستن به وهو مستسند إلى صدري (١).
وفي رواية للبخاري: " فقصمته، ونفضته، وطيبته " (٢).
وفي رواية له أيضاً: " فلينته " (٣).
وفي رواية له أيضاً: " فقضمته " بالضاد (٤).
فقولها ﵂: " فقصمته " بالصاد: أي كسرته.
وبالضاد: فقضمته: أي هو الأكل بأطراف الأسنان، ولعلها قصمته، ثم قضمته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ .
وقد يقال: ليس فيه دليل على التسوك بسواك الغير؛ لأن عائشة حين قصمته: أي كسرته فكأنه سواك جديد، قسم قسمين:
стр. 1785
قسم تسوك به عبد الرحمن.
وقسم تسوك به النبي ﷺ .
وكون عائشة مضغته: أي أكلته بأطراف أسنانها، فهي زوج النبي ﷺ ، والإنسان لا يستنكف من ريق زوجته، والزوجة ليست كالأجنبي.
(٧٥٦ - ٩٢) لكن روى أبو داود في سننه، قال: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا عنبسة بن عبد الواحد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ يستن، وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فأوحى الله إليه في فضل السواك أن كبر أعط السواك أكبرهما (١).
[إسناده حسن، ورجح أبو حاتم أنه عن عروة، عن النبي ﷺ مرسلاً] (٢).
стр. 1786
وترجم له أبو داود: باب الرجل يستاك بسواك غيره.
وقال الخطابي: " وفيه أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه، على من يذهب إليه بعض من يتقزز، إلا أن السنة فيه أن يغسله، ثم يستعمله (١).
قلت: وفي هذا نظر من وجهين:
الأول: أن الرسول ﷺ ليس كغيره، والتبرك بريقه ﷺ ، والتداوي به لا يقاس عليه غيره، وكان الصحابة يتبركون بفضل وضوئه، وبنخامته أحياناً.
ثانياً: أنه لو ثبت الجواز مطلقاً، فحديث عائشة في غسل السواك فيه لين. كما سبق تخريجه.
стр. 1787
الفائدة الثالثة
إذا دفع السواك للغير يبدأ بالأكبر، وليس بالأيمن
(٧٥٧ - ٩٣) لما رواه مسلم، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، أخبرني أبي، حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع،
أن عبد الله بن عمر حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: أراني في المنام أتسوك بسواك، فجذبني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لي كبر فدفعته إلى الأكبر (١).
стр. 1788
الفائدة الرابعة
في بلع الريق عند ابتداء السواك
استحب بعض الفقهاء بلع ما اجتمع في فمه من ريقه عند ابتداء السواك (١).
قال الرملي: ولعل حكمته التبرك بما يحصل في أول العبادة (٢).
وفي الحلية، قال الحكيم الترمذي: " وابلع ريقك أول ما تستاك، فإنه ينفع الجذام والبرص، وكل داء سوى الموت، ولا تبلع بعده شيئاً؛ فإنه يورث الوسوسة، يرويه زياد بن علاقة " اهـ (٣).
ولا أعلم دليلاً على الاستحباب، بل لا أراه مستحسناً، أن يبلع المرء ريقه بعد تنظيف فمه، فلو قيل: الأولى أن يبصقه، لكان مستحسناً حتى لا يبلع ما تخلف في فيه من أوساخ الطعام.
стр. 1789
الفائدة الخامسة
في الدعاء عند السواك
استحب بعض الفقهاء أن يدعي عند التسوك بقوله: اللهم بيض أسناني، وشد به لثتي، وثبت به لهاتي، وبارك لي فيه يارب العالمين، برحمتك يا أرحم الراحمين (١).
" وفي الرعاية: يقول: إذا استاك: اللهم طهر قلبي، ومحص ذنوبي. وقال العيني في شرحه على البخاري: ويقول عند الاستياك: اللهم طهر فمي، ونور قلبي، وطهر بدني، وحرم جسدي على النار، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين " هـ (٢).
وهذا الدعاء لا أصل له، والغريب أن النووي قال بعد أن ذكر هذا الدعاء، قال: وإن لم يكن له أصل، فلا بأس به؛ فإنه دعاء حسن (٣).
والصحيح أن الدعاء بهذا بدعة؛ لأن استحباب دعاء معين، في وقت معين، يجعله من الأذكار المقيدة، والأذكار المقيدة لا تجوز إلا إذا صح فيها الدليل، وفرق بين الدعاء المطلق، وبين الدعاء المقيد؛ لأن الأول أعني الدعاء المطلق جاءت الأدلة من القرآن والسنة بطلبه بينما الدعاء الثاني لا يفعل إلا إذا صح فيه الدليل، وإذا جاء الدليل وجب التقيد به، كمية وكيفية، ووقتاً. فإذا زاد فيه أو نقص أو ذكره في غير وقته كان ذلك بدعة. وحيث لم يرد في ذلك دليل يكون التعبد به بدعة.
стр. 1790
الفائدة السادسة
في منافع السواك
ذكر بعض الفقهاء في فوائد السواك: أنه يبطئ بالشيب، ويحد البصر، وأحسنها أنه شفاء لما دون الموت، وأنه يسرع في المشي على الصراط، وأنه مطهرة للفم، ومرضاة للرب، ومفرحة للملائكة، ومجلاة للبصر، ويذهب البخر، ويبيض الأسنان، ويشد اللثة، ويهضم الطعام، ويقطع البلغم، ويضاعف الصلاة، ويطهر طريق القرآن، ويزيد في الفصاحة، ويقوي المعدة، ويسخط الشيطان، ويزيد في الحسنات، ويقطع المرة، ويسكن عروق الرأس ووجع الأسنان، ويطيب النكهة، ويسهل خروج الروح.
قال في النهر: ومنافعه وصلت إلى نيف وثلاثين منفعة، أدناها إماطة الأذى، وأعلاها تذكير الشهادة عند الموت (١).
ما يذكره الفقهاء في فوائد السواك لا أعلم له أصلاً إلا ما ثبت من حديث عائشة ﵂، قال رسول الله ﷺ : السواك مطهرة للفم مرضاة للرب.
وما ورد أيضاً من وضع الملك فاه على في القارئ. وأنه تطهير لطرق القرآن، وكونه يزيد في الحسنات، ويسخط الشيطان ليس خاصاً بالسواك، بل في كل قربة قصد بها وجه الله تعالى، وكان فيها متابعة للمصطفى ﵌.
وأما ما ورد من مضاعفة أجر الصلاة، فقد بحثت في بحث خاص،