وقيل: بشرط أن يدخلها بنية الاغتراف (١).
هذا كلام أهل العلم في الماء متى يكون مستعملاً، وهو واضح في الماء المتقاطر من العضو، حيث استعمل في طهارة العضو، وأما الماء الذي وضع يده فيه فلم يتضح لي أن النية مؤثرة، فإن غمسها بنية الوضوء كان مستعملاً، وإن لم ينو لم يستعمل، بل يقال بقول المالكية إن كان الماء قليلاً كآنية الوضوء، وغمس يده فيه صار مستعملاً، وإلا فلا، ولا يؤخذ بحديث القلتين في تحديد الماء القليل حتى في وقوع الأعيان الطاهرة، لأننا لو سلمنا بمفهوم حديث
стр. 177
القلتين فإنه في معرض بيان وقوع النجاسات في الماء، وليس في بيان وقوع الأعيان الطاهرة فيه، والله أعلم.
خلاف العلماء في الماء المستعمل في رفع الحدث.
بعد أن عرفنا متى يصبح الماء مستعملاً، نذكر خلاف العلماء في طهوريته،
فقيل: إنه نجس، وهو رواية عن أبي حنيفة (١)، واختارها أبو يوسف (٢).
وقيل: إنه طهور مكروه في رفع الحدث، غير مكروه في زوال الخبث، وهو مذهب المالكية (٣).
وقيل: إنه طاهر غير مطهر، وهو الرواية المشهورة عن الإمام أبي
والحنابلة (١)، واختيار محمد بن الحسن من الحنفية (٢).
وقيل: طهور بلا كراهة، وهو رواية عن أحمد (٣)، ورجحها ابن حزم (٤)، وابن تيمية (٥)، وابن عبد الهادي (٦)، والشوكاني (٧)، وغيرهم.
دليل من قال بنجاسة الماء المستعمل .
الدليل الأول:
(٤٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن محمد بن عجلان، قال: سمعت أبي،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يبل أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة (٨).
стр. 180
[رجاله ثقات إلا محمد بن عجلان فإنه صدوق، والحديث بهذا اللفظ غير محفوظ] (١).
стр. 181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 187
وجه الاستدلال:
إن النهي عن الاغتسال فىالماء الراكد جاء مقروناً بالنهي عن البول فيه، فإذا كان البول ينجسة فكذلك الاغتسال (١).
أجاب الجمهور بجوابين:
أحدهما: أن الحديث ضعيف، وهذا رأي البيهقي فى السنن.
قال النووى: رواه هكذا أبوداود فى سننه، من رواية محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبى ﷺ ، ورواه البخاري ومسلم فى صحيحهما عن أبي هريرة عن النبى ﷺ قال: " لايبولن أحدكم فى الماء الدائم ثم يغتسل منه ".
وفى رواية لمسلم: "لا يغتسل أحدكم فى الماء الدائم، وهو جنب، فقيل لأبي هريرة: كيف يفعل؟. قال: يتناوله تناولاً".
فهاتان الروايتان خلاف رواية أبي داود. قال البيهقى: رواية الحفاظ من أصحاب أبي هريرة كما رواه البخاري ومسلم (٢).
стр. 188
الجواب الثاني:
أن يقال: لايلزم من الاشتراك فى النهي .. الاشتراك فى الحكم .. فكون النهي عن البول اقترن فى النهى عن الاغتسال، لا يلزم منه الاشتراك فى الحكم، فقد ورد قوله تعالى:
﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١)، فقد اقترن الأمر بالأكل مع الأمر بإعطاء حق المال .. والأمر بالأكل مباح بخلاف الأمر بإعطاء حق المال فإنه قد يكون واجباً كما فى الزكاة، وإنقاذ الهلكة وقرى الضيف (٢).
стр. 189
الدليل الثاني على نجاسة الماء المستعمل.
(٤٣) ما رواه مسلم، قال: حدثني أحمد بن جعفر المعقري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة - قال عكرمة: لقي شداد أبا أمامة وواثلة وصحب أنساً إلى الشام وأثنى عليه فضلا وخيرا -
عن أبي أمامة، قال: قال عمرو بن عبسة السلمي ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام، فصلى، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه، فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ ، فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول، في مقام واحد يعطي هذا الرجل، فقال عمرو: يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله، ولا على رسول الله لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا حتى عد سبع مرات ما حدثت به أبداً، ولكني سمعته أكثر من ذلك (١).
стр. 190
وجه الاستدلال:
أن هذه الخطايا نجاسات وقاذورات فيتنجس الماء المخالط لها (١).
ويمكن الجواب أن يقال:
إن الذنوب ليست لها أجرام محسوسة نراها تخالط الماء حتى تؤثر فيه.
وثانياً: العبد إذا أذنب لا يقال له تنجس
وثالثاً: إذا فرغ العبد من الوضوء ثم أذنب لا يؤثر ذلك فى وضوئه، ولو كانت هذه الذنوب تؤثر فى الماء لكان لها تأثير على بدن المتلبس بها من باب أولى
الدليل الثالث:
قالوا: إن استعمال الماء لرفع الحدث يسمى طهارة، قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (٢).
والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يعقل (٣).
ويجاب عنه:
أولاً: إنما سمي طهارة لأنه يطهر العبد من الذنوب، لا أنه طهره من نجاسة حلت فيه.
ولذلك لما اعتبر أبو هريرة حدثه نجاسة بين له ﷺ بقوله: " إن المؤمن لا ينجس ". متفق عليه.
وقوله: " لا ينجس" أى بمثل ذلك، وإلا فالمؤمن قد تطرأ عليه النجاسة
стр. 191
الحسية كغيره.
وثانياً: تجديد الوضوء يسمى طهارة شرعية مع أنه متطهر.
وثالثاً: لو كان المحدث نجساً لما صح حمله فى الصلاة، وقد جاء فى حديث أبي قتادة فى الصحيحين: " أن الرسول ﷺ كان يصلى، وهو حامل أمامة بنت زينب " (١).
ورابعاً: المتوضئ لابد أن يتساقط على ثوبه من الماء المستعمل، ومعنى هذا أنه سوف تتنجس ثيابه، وكذلك ما يتنشف به، لكن حاولوا ينفكون من هذا بأنه سقط الحكم هنا لرفع الحرج، وهذا الانفكاك لا يفك، لأنه لو سقط من ثياب المتوضئ الذي عليه لم يسقط الحكم من الثياب التي يتنشف بها، ولا في ثياب غير المتوضئ، كما لوسلم عليه أو وقعت على ثيابه.
دليل من قال الماء طاهر وليس بطهور.
أما كونه طاهراً، فله أدلة كثيرة منها:
الدليل الأول:
(٤٤) ما رواه البخاري، قال: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما صاحبه، وفيه من حديث طويل:
" وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه " (٢).
стр. 192
الدليل الثاني:
(٤٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال:
سمعت جابراً يقول: جاء رسول الله ﷺ يعودني، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه، فعقلت، فقلت: يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني كلالة، فنزلت آية الفرائض (١).
وفي الباب في الصحيحين من حديث أبي جحيفة والسائب بن يزيد.
فإن قال الذاهبون إلى نجاسة الماء المستعمل في رفع الحدث، إن قالوا: إن هذه من خصائص النبي ﷺ .
قيل: الأصل أن حكمه ﷺ وحكم أمته واحد، حتى يقوم دليل على الخصوصية.
الدليل الثالث:
(٤٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، أخبرنا أفلح، عن القاسم،
عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه (٢).
وجه الاستدلال:
أن هذا الإناء لا يسلم من رشاش يقع فيه، ولو كان المستعمل نجساً
стр. 193
لنجس الماء.
وقول: إن هذا مما عفي عنه يصح هذا التقدير لو صح الأصل، وهو نجاسة المستعمل، ولكنه قول شاذ.
الدليل الرابع:
إن المسلم بدنه طاهر بالإجماع حال الحياة (١)، قال الرسول ﷺ : لأبي هريرة: إن المؤمن لا ينجس، متفق عليه.
فيكون المستعمل ماء طهوراً لاقى ماء طاهراً، فكيف ينجس.
هذا فيما يتعلق بالأدلة على طهارة الماء المستعمل، وأما أدلتهم على كون المستعمل ماء طاهراً غير طهور ، فهاك بيانها:
الدليل الأول:
(٤٧) ما رواه مسلم في صحيحه، قال: وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي وأبو الطاهر وأحمد بن عيسى جميعا، عن ابن وهب - قال هارون: حدثنا ابن وهب - أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول:
قال رسول الله ﷺ : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب.
فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا (٢).
وجه الاستدلال:
قالوا: لما نهى رسول الله ﷺ عن الاغتسال في الماء الدائم دل ذلك
стр. 194
على أن الاغتسال يؤثر في الماء، ولو كان لا يؤثر لما نهى عنه، فالمراد من نهيه حتى لا يصير الماء مستعملاً (١).
ويجاب عنه:
أولاً: أن الرسول ﷺ لم يعلل بأن الماء يكون مستعملاً، ولم يذكر الرسول ﷺ قط بأن الماء يكون مستعملاً، فهذا الكلام زيادة على حديث الرسول ﷺ
ثانياً: أن الحديث نص في الماء الدائم، وهو يشمل ما فوق القلتين، وما دون القلتين، وأنتم قلتم بأنه لا يكون مستعملاً إلا إذا كان دون القلتين. فهذه مخالفة ثانية للحديث.
ثالثاً: أن الحديث نهي عن الاغتسال، وذلك يعني غسل البدن كله، وأنتم أدخلتم حتى الوضوء، بل أدخلتم ما دون ذلك، وذلك كما لو أدخل بعض أعضائه ناوياً رفع الحدث، فإن الماء يكون مستعملاً عندكم أي طاهراً غير مطهر، فالحديث نص في الحدث الأكبر، فخالفتم الحديث فأدخلتم الحدث الأصغر، بل حتى ولو غمس بعض أعضاء الحدث الأصغر. وهذه مخالفة ثالثة للحديث.
رابعاً: الحديث نهى الجنب أن يغتسل في الماء ما دام جنباً سواء نوى رفع الحدث أو لم ينو. لأن معنى: " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب " أي لا يغتسل حالة كونه جنباً، ولم يتطرق الحديث إلى اشتراط النية، وأنتم قلتم لو انغمس وهو جنب، ولم ينو رفع الحدث لايكون الماء مستعملاً بل يبقى طهوراً. وهذه مخالفة رابعة. فتبين أن هذا الدليل لا يصلح أن يكون دليلاً لهم
стр. 195
دليلهم الثاني:
قالوا: إن النبي ﷺ وأصحابه احتاجوا في أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى، ولو كان طهوراً لجمعوه، لأن التيمم لا يجوز مع وجود الماء (١).
ويجاب عنه:
بأن الصحابة ﵃ كانوا يقتصدون في الوضوء، وقد ثبت من حديث أنس المتفق عليه قال: " كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد ... الحديث" (٢)، بل توضأ بأقل من ذلك، وكان بعض السلف إذا توضأ لا يكاد يبلل الأرض.
وعلى هذه الحال لا يمكن جمعه، ولو أمكن جمعه لكان في ذلك مشقة عظيمة، والحرج مرفوع عن هذه الأمة بنص القرآن. كما أن كونه لم يجمع لا يدل على أنه لا يتطهر به، ولهذا لم يجمعوه للشرب مع طهارته، وحاجتهم للشرب آكد، ولم يجمعوه لغير الشرب كالعجن والطبخ والتبرد، فعدم جمعه ليس دليلاً على عدم طهوريته، ثم يقال أيضاً: لم يجمعوا أيضاً الماء المستعمل في طهارة مستحبة مع كونه طهوراً، ولا يبعد أن يكون هناك من يتوضأ مجدداً الوضوء، فلم ينهض هذا دليلاً على عدم الطهورية (٣).
стр. 196
الدليل الثالث:
ما سبق أن ذكر من أن الماء المستعمل ليس ماء مطلقاً، بل هو مقيد بكونه ماء مستعملاً، والذي يرفع الحدث هو الماء المطلق كما في قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (١)، فلم يقيده بشئ، فالماء المستعمل حكمه حكم ماء الورد والزعفران والشاي وغيرهم (٢).
وأجيب: بأن لفظ (ماء) في قوله تعالى ﴿فلم تجدوا ماء﴾ (٣) نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواء كان مستعملاً أو غيره، وسواء كان متغيراً أم لم يتغير، ما دام أنه يسمى ماء، نعم خرج الماء النجس للإجماع على أنه لا يجوز التطهر به، وبقي ما عداه.
الدليل الرابع:
قالوا إن هذا الماء قد استعمل في عبادة واجبة، فلا يمكن أن يستعمل في عبادة أخرى، كالعبد إذا أعتق لا يمكن أن يعتق مرة أخرى (٤).
وأجيب:
بأن قياس الماء على العبد قياس مع الفارق.
أولاً: لأن العبد إذا أعتق صار حراً، والحر لا يعتق، وأما الماء حين استعمل بقى ماء يمكن التطهر به، ما لم توجد قرينة تدل على نجاسته، وهي
стр. 197
تغير أحد أوصافه بنجاسة.
ثانياً: أن العبد لو رجع إلى الكفار وغنمه المسلمون رجع إلى الرق مرة أخرى، فلا يصح القياس، فالصحيح قياس الماء المستعمل على الثوب، فالثوب حين تؤدى به عبادة واجبة، وهى ستر للعورة، لا يمنع من استعماله مرة أخرى (١).
دليل من قال بأن الماء المستعمل طهور.
الأول: الأصل في الماء أنه طهور، ولا ننتقل عن ذلك إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع ولا دليل.
الثاني: ما سبق ذكره من أن الماء المستعمل ماء طهور لا قى بدناً طاهراً فلا يتأثر.
الثالث: سبق أن أثبت في مسألة أقسام الماء أن الماء قسمان، طهور ونجس، ولا يوجد قسم يسمى بالماء الطاهر.
الرابع: الماء المتردد على العضو طهور بالإجماع مع أنه يمر على أول اليد ثم يمر على آخرها ولم يمنع كونه استعمل في أول العضو أن يطهر بقية العضو، ثم إن المتوضئ يرد يده إلى الإناء فيأخذ ماءً آخر للعضو الآخر، فبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أنه لم يطهر العضو الثاني إلا بماء جديد قد مازجه ماء آخر مستعمل في تطهير عضو آخر، وهذا ما لا مخلص منه (٢).
стр. 198
الخامس: إذا كان هذا الماء إذااستعمل للتبرد أو لتنظيف الثوب الطاهر كان طهوراً بالإجماع (١)، فهذا مثله إذ الفرق بين هذا الغسل وذاك هو النية فقط، والنية لا أثر لها في الماء لأن محلها القلب.
السادس: أن الله إنما أوجب التيمم على من لم يجد الماء، قال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٢) فكيف يقال بالتيمم مع وجود ماء باق على صفته التي خلقه الله عليها.
السابع: استدلوا ببعض الأدلة التي فيها ضعف أو نزاع، وإن كان ما سبق من الأدلة كاف في بيان أنه القول الراجح، لكن إتماماً للفائدة أنقلها وأبين وجه النزاع فيها، فمنها:
(٤٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال:
حدثتني الربيع بنت معوذ ابن عفراء، قالت: كان رسول الله يأتينا فيكثر، فأتانا فوضعنا له الميضأة، فتوضأ فغسل كفيه ثلاثاً، ومضمض واستنشق مرة مرة، وغسل وجهه ثلاثاً، وذارعيه ثلاثاً، ومسح رأسه بما بقي من وضوئه في يديه مرتين، بدأ بمؤخره، ثم رد يده إلى ناصيته، وغسل رجليه ثلاثاً، ومسح إذنيه مقدمهما ومؤخرهما (٣).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ مسح رأسه، ومسحه فرض بالماء المتبقي من غسل يديه، إذاً هو قد رفع الحدث بماء مستعمل.
الدليل الثاني:
(٤٩) ما روه أحمد، قال: ثنا على بن عاصم، ثنا أبو على الرحبي، عن عكرمة، أنا ابن عباس، قال: اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة، فلما خرج رأى لمعة على منكبه الأيسر لم يصبها الماء، فأخذ من شعره فبلها، ثم مضى إلى الصلاة (١).
[إسناده ضعيف جداً] (٢).
الدليل الثالث:
(٥٠) وأخرجه ابن شيبة، قال: حدثنا هشيم وابن علية ومعتمر، عن
стр. 206
إسحاق بن سويد العدوي، قال:
حدثنا العلاء بن زياد، قال: اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة، فخرج، فأبصر لمعة بمنكبه لم يصبها الماء، فأخذ بجمته فبلها به.
[رجاله ثقات، إلا أنه مرسل] (١).
الدليل الرابع:
(٥١) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس فيما يعلم حماد،
عن علي قال: إذا توضأ الرجل، فنسي أن يمسح برأسه، فوجد فى لحيته بللاً، أخذ من لحيته، فمسح رأسه.
[ضعيف فيه عنعنة قتادة، وخلاس لم يسمع من علي] (٢).
الدليل الخامس:
(٥٢) روى ابن ماجه، قال: حدثنا سويد بن سعيد، ثنا أبو الأحوص، عن محمد بن عبيد الله، عن الحسن بن سعد، عن أبيه،
стр. 207
عن علي، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني اغتسلت من الجنابة، وصليت الفجر، ثم أصبحت، فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه الماء، فقال رسول الله ﷺ : لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك (١).
[ضعيف جداً] (٢).
الدليل السادس:
(٥٣) ما رواه البيهقي في الخلافيات، من طريق يحيى بن عنبسة، ثنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فبقيت لمعة في جسده، فقيل له: يا رسول الله هذه لمعة في جسدك لم يصبها الماء، قال: فأومأ إلى بلل شعره فبله، فأجزأه ذلك (٣).
[إسناده ضعيف جداً إن لم يكن موضوعاً] (٤).
стр. 208
الدليل السابع:
(٥٤) ما رواه الدراقطني، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا، نا هارون بن إسحاق، نا ابن أبي غنية، عن عطاء بن عجلان، عن عبد الله بن أبي مليكة،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة، فرأى لمعة بجلده لم يصبها الماء، فعصر خصلة من شعر رأسه، فأمسها ذلك الماء (١).
[ضعيف جداً] (٢).
الدليل الثامن:
(٥٥) ما روه الدارقطني، قال: حدثنا سعيد بن محمد بن أحمد الحناط، ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، نا المتوكل بن فضيل أبو أيوب الحداد بصرى، عن أبي ظلال،
عن أنس بن مالك، قال صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، وقد أغتسل من جنابة، فكان نكتة مثل الدرهم يابس لم يصبه الماء، فقيل:
стр. 209
يارسول الله إن هذا الموضع لم يصبه الماء، فسلت شعره من الماء، ومسحه به، ولم يعد الصلاة (١).
قال الدارقطني: المتوكل بن فضيل ضعيف (٢).
الدليل التاسع:
استدل ابن قدامة بما رواه أبو داود، قال: حدثنا مسدد، ثنا أبوالأحوص، ثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنباً، فقال رسول الله ﷺ : إن الماء لا يجنب (٣).
[إسناده ضعيف] (٤).
وجه الاستدلال:
قول النبي ﷺ إن الماء لا يجنب حتى ولو كان مستعملاً في رفع الحدث لا تنتقل إليه الجنابة.
стр. 210
وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر، من وجهين:
الأول: المحفوظ في هذا الحديث قوله ﷺ : إن الماء لا ينجسه شيء، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك في مسألة الوضوء بفضل المرأة.
الثاني: ليس في الحديث ما يدل على التطهر بالماء المستعمل، نعم يدل الحديث على جواز الوضوء بفضل المرأة، وهناك فرق بين المسألتين. والله أعلم.
دليل من قال الماء المستعمل طهور مكروه .
قال الخرشي: وعللت الكراهة بعلل كلها لا تخلو من ضعف، والراجح في التعليل مراعاة الخلاف، كما قال ابن الحاجب لأن أصبغ قائل بعدم الطهورية " (١) اهـ.
قلت: وقد سبق لك أن تعليل الكراهة بوجود الخلاف أنه قول ضعيف جداً، لأن الكراهة حكم شرعي لا يقوم إلا على دليل شرعي، ووجود الخلاف ليس من أدلة الشرع، والراجح أن الماء المستعمل في طهارة واجبة طهور غير مكروه.
стр. 211
الفصل الثاني
الماء المستعمل في طهارة مستحبة
عرفنا متى يكون الماء مستعملا، وعرفنا حكم الماء المستعمل في طهارة واجبة، فهل يختلف الحكم لو كان الماء المستعمل في طهارة مستحبة، اختلف الفقهاء:
فقيل: إنه نجس، وهو رواية عن أبي حنيفة، ولا فرق عنده بين أن يستعمل في طهارة واجبة أو مستحبة (١).
وقيل: إنه طاهر، اختارها من الحنفية العراقيون، ومشايخ ما رواء النهر (٢)،
стр. 212
وهو وجه في مذهب الشافعية (١).
وقيل: إنه طهور مكروه في رفع الحدث، غير مكروه في زوال الخبث، وهو مذهب المالكية، ولا فرق عندهم في الحكم بين ما استعمل في طهارة واجبة أو مستحبة (٢)، واختار الكراهة بعض الحنابلة (٣).
وقيل: إنه طهور مطلقاً غير مكروه، وهو المشهور من مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
دليل القائلين بأنه نجس
انظر أدلتهم في الخلاف في الماء المستعمل في طهارة واجبة، لأنهم لايفرقون بين ما استعمل في طهارة واجبة، أو طهارة مستحبة ما دام أن
стр. 213
الطهارة مشروعة.
دليل القائلين بأنه طاهر غير طهور .
جمهورهم فرقوا بين ما استعمل في طهارة واجبة، وبين ما استعمل في طهارة مستحبة، فالأول قالوا: بأنه طاهر، والثاني طهور.
وسبب التفريق عندهم قولهم: أن ما استعمل في طهارة مستحبة لم يرفع حدثاً، ولم يذهب خبثاً، وبالتالي لم يتأثر الماء، غاية ما فيه أنه لا قى بدناً طاهراً، وهذا لايؤثر، بخلاف ما استعمل في رفع الحدث، فقد أثر في طهارة المحل. وانظر أدلتهم في الخلاف في الماء المستعمل في طهارة واجبة.
دليل القائلين بأنه طهور
الدليل الأول:
الأصل في الماء أنه طهور، ولا ينتقل عنه إلا لدليل من كتاب أو سنة، ولا دليل.
الدليل الثاني:
الماء المستعمل في الطهارة يسمى ماء، وهو ماء مطلق لم يتغير، والله يقول سبحانه: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (١)، فكيف يتيمم مع وجود ماء باق على خلقته التي خلقه الله عليها.
الدليل الثالث:
قال ابن المنذر: وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقي على أعضاء المتوضي والمغتسل وما قطر منه على ثيابهما طاهر، دليل على طهارة الماء
стр. 214
المستعمل، وإذا كان طاهراً فلا معنى لمنع الوضوء به بغير حجة (١).
الدليل الرابع:
إذا كان الماء إذا غسل به الثوب طهور، فكذلك الماء إذا غسل به البدن طهور ولا فرق بين ماء غسل به ثوب طاهر، وبين ماء غسل به بدن طاهر، والحدث معنى وليس نجاسة حتى يقال: إن الماء يتأثر بالنجاسة أو يتأثر بالانتقال إلى كونه طاهراً.
الراجح أن الماء المستعمل طهور، فلا فرق بين ما استعمل في طهارة واجبة، وبين ما استعمل في طهارة مستحبة، وسبب ترجيح هذا القول:
أولاً: لقوة أدلته، ودلالتها على المراد، في مقابل ضعف أدلة المخالفين.
ثانياً: أن في هذا رفعاً للمشقة والحرج عن الأمة، وهذا هو مقتضى الدين الإسلامي.
ثالثاً: ورود المناقشة المؤثرة على أدلة الأقوال المخالفة، مع سلامة أدلة هذا القول.
стр. 215
الفصل الثالث
الماء المستعمل في طهارة غير مشروعة
تبين لنا حكم الماء المستعمل في طهارة واجبة أو مستحبة، فما حكم الماء فيما لو كانت الطهارة غير مشروعة كالغسلة الرابعة في الوضوء، والغسل الثانية والثالثة في الاغتسال ونحوها؟
اختلف الفقهاء في ذلك:
فقيل: إن أراد بها ابتداء الوضوء، أي زاد بعد فراغه من الوضوء الأول، صار الماء مستعملاً، وإن أراد الزيادة على الوضوء الأول، ففيها قولان:
فقيل: يصير الماء مستعملاً؛ لأن الزيادة في معنى الوضوء على الوضوء.
وقيل: لا يصير مستعملاً؛ لأنه من باب التعدي، وهذا مذهب الحنفية (١).
فقيل: ما استعمل في طهارة غير مشروعة كالغسلة الرابعة طهور غير مستعمل، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره بعض المالكية (٤)،
وقيل: طهور مكروه، وهو قول في مذهب المالكية (٥).