الفصل الثاني
الماء المستعمل في طهارة مستحبة
عرفنا متى يكون الماء مستعملا، وعرفنا حكم الماء المستعمل في طهارة واجبة، فهل يختلف الحكم لو كان الماء المستعمل في طهارة مستحبة، اختلف الفقهاء:
فقيل: إنه نجس، وهو رواية عن أبي حنيفة، ولا فرق عنده بين أن يستعمل في طهارة واجبة أو مستحبة (١).
وقيل: إنه طاهر، اختارها من الحنفية العراقيون، ومشايخ ما رواء النهر (٢)،
стр. 212
وهو وجه في مذهب الشافعية (١).
وقيل: إنه طهور مكروه في رفع الحدث، غير مكروه في زوال الخبث، وهو مذهب المالكية، ولا فرق عندهم في الحكم بين ما استعمل في طهارة واجبة أو مستحبة (٢)، واختار الكراهة بعض الحنابلة (٣).
وقيل: إنه طهور مطلقاً غير مكروه، وهو المشهور من مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
دليل القائلين بأنه نجس
انظر أدلتهم في الخلاف في الماء المستعمل في طهارة واجبة، لأنهم لايفرقون بين ما استعمل في طهارة واجبة، أو طهارة مستحبة ما دام أن
стр. 213
الطهارة مشروعة.
دليل القائلين بأنه طاهر غير طهور .
جمهورهم فرقوا بين ما استعمل في طهارة واجبة، وبين ما استعمل في طهارة مستحبة، فالأول قالوا: بأنه طاهر، والثاني طهور.
وسبب التفريق عندهم قولهم: أن ما استعمل في طهارة مستحبة لم يرفع حدثاً، ولم يذهب خبثاً، وبالتالي لم يتأثر الماء، غاية ما فيه أنه لا قى بدناً طاهراً، وهذا لايؤثر، بخلاف ما استعمل في رفع الحدث، فقد أثر في طهارة المحل. وانظر أدلتهم في الخلاف في الماء المستعمل في طهارة واجبة.
دليل القائلين بأنه طهور
الدليل الأول:
الأصل في الماء أنه طهور، ولا ينتقل عنه إلا لدليل من كتاب أو سنة، ولا دليل.
الدليل الثاني:
الماء المستعمل في الطهارة يسمى ماء، وهو ماء مطلق لم يتغير، والله يقول سبحانه: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (١)، فكيف يتيمم مع وجود ماء باق على خلقته التي خلقه الله عليها.
الدليل الثالث:
قال ابن المنذر: وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقي على أعضاء المتوضي والمغتسل وما قطر منه على ثيابهما طاهر، دليل على طهارة الماء
стр. 214
المستعمل، وإذا كان طاهراً فلا معنى لمنع الوضوء به بغير حجة (١).
الدليل الرابع:
إذا كان الماء إذا غسل به الثوب طهور، فكذلك الماء إذا غسل به البدن طهور ولا فرق بين ماء غسل به ثوب طاهر، وبين ماء غسل به بدن طاهر، والحدث معنى وليس نجاسة حتى يقال: إن الماء يتأثر بالنجاسة أو يتأثر بالانتقال إلى كونه طاهراً.
الراجح أن الماء المستعمل طهور، فلا فرق بين ما استعمل في طهارة واجبة، وبين ما استعمل في طهارة مستحبة، وسبب ترجيح هذا القول:
أولاً: لقوة أدلته، ودلالتها على المراد، في مقابل ضعف أدلة المخالفين.
ثانياً: أن في هذا رفعاً للمشقة والحرج عن الأمة، وهذا هو مقتضى الدين الإسلامي.
ثالثاً: ورود المناقشة المؤثرة على أدلة الأقوال المخالفة، مع سلامة أدلة هذا القول.
стр. 215
الفصل الثالث
الماء المستعمل في طهارة غير مشروعة
تبين لنا حكم الماء المستعمل في طهارة واجبة أو مستحبة، فما حكم الماء فيما لو كانت الطهارة غير مشروعة كالغسلة الرابعة في الوضوء، والغسل الثانية والثالثة في الاغتسال ونحوها؟
اختلف الفقهاء في ذلك:
فقيل: إن أراد بها ابتداء الوضوء، أي زاد بعد فراغه من الوضوء الأول، صار الماء مستعملاً، وإن أراد الزيادة على الوضوء الأول، ففيها قولان:
فقيل: يصير الماء مستعملاً؛ لأن الزيادة في معنى الوضوء على الوضوء.
وقيل: لا يصير مستعملاً؛ لأنه من باب التعدي، وهذا مذهب الحنفية (١).
فقيل: ما استعمل في طهارة غير مشروعة كالغسلة الرابعة طهور غير مستعمل، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره بعض المالكية (٤)،
وقيل: طهور مكروه، وهو قول في مذهب المالكية (٥).
стр. 216
دليل من قال يصبح الماء مستعملاً .
قالوا: إن الغسلة الرابعة في معنى الوضوء، فتكون مؤثرة في طهوريته.
دليل من قال الماء طهور غير مستعمل .
قالوا: إن الماء المستعمل في الغسلة الرابعة لم يرتفع بها حدث، ولم تقع على وجه القربة، بحيث تكون مؤثرة في طهارة المحل، فغاية ما هناك ماء طهور لا قى بدناً طاهراً، وهذا لا يخرجه عن طهوريته.
دليل من قال طهور مكروه .
تعليلهم بوجود الخلاف في طهوريته، فما دام أن هناك خلافاً في طهورية هذا الماء، فنكره التطهر به خروجاً من الخلاف.
وقد سبق لك الجواب عن اعتبار الخلاف دليلا على الكراهة، وأنه قول ضعيف جداً، وليس الخلاف من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها، والخلاف إن كان له حظ من النظر بحيث تكون له أدلة معتبرة فحينئذ يكون له اعتبار من أجل الأدلة الثابتة، وإن لم يكن له أدلة معتبرة، فلا حظ له ولا اعتبار، ومع ذلك فليس التعليل بالخلاف حجة شرعية، وإنما العبرة بالدليل الشرعي.
стр. 217
الفصل الرابع
الماء المستعمل في التبرد والنظافة
إذا استعمل الماء للتبرد، فهل يكون مستعملاً أم يبقى طهوراً، اختلف العلماء في ذلك،
فقيل: إن كان محدثاً صار الماء مستعملاً في مذهب أبي حنيفة، لوجود إزالة الحدث؛ لأن الحدث عنده يرتفع، ولو لم ينو، وإن كان استعمله للتبرد، وهو متوضئ، فهو طهور (١).
وقيل: الماء طهور بلا كراهة، وهذا مذهب المالكية (٢)، والشافعية والحنابلة (٣).
وهذا هو الراجح؛ فإذا كنا رجحنا أن الماء المستعمل في رفع الحدث أنه طهور غير مكروه، فمن باب أولى أن يكون الماء المستعمل للتبرد طهوراً غير مكروه، وغاية ما فيه ماء طهور لا قى بدناً طاهراً فلم يخرجه عن حكمه، ومن ادعى خروجه عن حد الطهورية فليس معه دليل، والماء نوعان لا ثالث لهما:
نجس، وهو ما تغير أحد أوصافه الثلاثة من لونه أو طعمه أوريحه بنجاسة وقعت فيه.
وطهور، وهو خلاف الماء النجس، وهو الماء الباقي على خلقته حقيقة
стр. 218
أو حكماً، ولا يوجد قسم ثالث لهما، وقد أبطلنا أدلة من قسم الماء إلى ثلاثة أقسام، مثبتاً القسم الطاهر، فإذا لم يثبت قسم الماء الطاهر، لم تثبت كل مسألة حكم فيها الفقاء بأن الماء طاهر غير طهور، ومنه مسألتنا هذه، والله أعلم.
стр. 219
الفصل الخامس
الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: حكم غسل اليد قبل إدخالها الإناء.
المبحث الثاني: هل الحكم خاص في من قام من نوم الليل.
стр. 220
الفصل الخامس
الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم
اختلف العلماء في الماء إذا غمس فيه يد قائم من نوم الليل،
فقيل: الماء طهور، ولا يكون مستعملاً بذلك، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤)، ومذهب الظاهرية (٥).
стр. 221
قال ابن تيمية: وهو قول أكثر الفقهاء (١)، ورجحه ابن القيم (٢).
وقيل: إن الماء ينجس إذا كان الماء قليلاً، وهو مذهب الحسن البصري، وإسحاق بن راهوية، ومحمد بن جرير الطبري (٣)، وهو رواية عن أحمد (٤).
وقيل: إن الماء يكون طاهراً غير مطهر، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٥)، وهو من المفرادت (٦).
стр. 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 223
دليل الحنابلة على أن الماء طاهر .
(٥٦) ما رواه مسلم، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وحامد بن عمر البكراوي قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده (١).
وجه الاستدلال:
قالوا: لم نقل بنجاسة الماء إذا غمست فيه اليد قبل غسلها؛ لأن اليد معلوم طهارتها، وليست نجسة، فهي يد طاهرة قابلت ماء طهوراً، ولم نقل إن الماء طهور، لكون الرسول ﷺ نهى عن غمسها حتى تغسل ثلاثاً، فلولا أنه يفيد منعاً لم ينه عنه، فدل على أن الماء يكون طاهراً غير مطهر.
دليل الجمهور على أن الماء طهور.
حمل الجمهور حديث أبي هريرة على الاستحباب، وعللوا ذلك بأن طهارة اليد متيقنة، ونجاسة اليد مشكوك فيها، لقوله ﷺ : " فإنه لا يدري أين باتت يده " والشك لا يقضي على اليقين.
وكون الرسول ﷺ أرشد إلى غسل اليد ثلاث مرات قبل غمسها فى الإناء قرينة على أن الغسل ليس بواجب إذ لو كان واجباً لكفى فيها غسلة واحدة قياساً على دم الحيض، وإذا كان الغسل ليس واجباً لم يكن غمسها
стр. 224
مؤثراً في الماء، فيبقى الماء على طهوريته حتى يأتي دليل صحيح صريح ينقله عن الطهورية.
وسوف نناقش علة النهي عن غمس اليد في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
دليل من قال إن الماء ينجس .
لا أعلم لهم دليلاً على نجاسة الماء، ولذلك قال النووي عن القول بالنجاسة: وهو ضعيف جداً؛ فإن الأصل في اليد والماء الطهارة، فلا ينجس بالشك، وقواعد الشريعة متظاهرة على هذا.
وقال ابن القيم: " القول بنجاسته من أشذ الشاذ " (١).
دليل الحنابلة على كون الماء طاهراً وليس بطهور .
(٥٧) ما رواه مسلم، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وحامد بن عمر البكراوي، قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق،
عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. وهو في البخاري دون قوله: ثلاثاً (٢).
وجه الاستدلال:
قالوا: إن الحديث نهى عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها، ولولا أن
стр. 225
غمسها يؤثر في الماء لم ينه عنه، فإذا نهى عنه دل ذلك على تحول الماء إلى طاهر غير مطهر، وإنما قلنا: طاهر؛ لأن اليد ليست نجسة، وقلنا: ليس بطهور؛ للنهي عن غمس اليد في الماء، والله أعلم.
وأجيب:
أن الحديث لم يتعرض لحكم الماء، ولم يذكر الرسول ﷺ بأن الماء يتحول إلى طاهر لا يصح التطهر منه، إنما نهى عن غمس اليد فيه بعد القيام من النوم.
وقد سبق لنا في بحث أقسام المياه أن الماء: طهور ونجس ولا دليل على وجود قسم ثالث.
стр. 226
المبحث الأول
حكم غسل اليد قبل إدخالها الإناء
اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة:
فقيل: غسل اليد سنة، وليس بواجب، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
وقيل: يجب غسل اليد ثلاثاً، وإليه ذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه (٥)، وإسحاق، وداود الظاهري، وابن حزم (٦)، والحسن البصري (٧).
دليل الجمهور على كون الغسل سنة.
الدليل الأول: قوله تعالى ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا
стр. 227
وجوهكم﴾ (١).
(٥٨) وروى مسلم، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي ح
وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قالا جميعاً: حدثنا شعبة، عن جامع بن شداد قال: سمعت حمران بن أبان يحدث أبا بردة في هذا المسجد في إمارة بشر، أن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى، فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن. هذا حديث ابن معاذ، وليس في حديث غندر في إمارة بشر، ولا ذكر المكتوبات (٢).
فقوله ﷺ : " من توضأ كما أمره الله " فلم يقدم في الآ ية والخبر على الوجه فرضاً، فلو كان غسل اليد فرضاً لقدم ذكره، والله أعلم.
والجواب:
أن يقال: لا خلاف في أن غسل اليدين للوضوء من سنن الوضوء، ولكن غسلها لمن قام من الليل لا يتعلق بالوضوء فقط وإنما هو لمن أراد غمسها فى الإناء سواء كان لوضوء أم لغيره.
الدليل الثانى:
استدل القائلون بالسنية، أن طهارة اليد متيقنة، ونجاسة اليد مشكوك فيها لقوله ﷺ : " فإنه لا يدرى أين باتت يده "، والشك لا يقضي على اليقين، فدل على أن النهي عن غمسها ليس للتحريم، وأن غسل اليد مستحب وليس بواجب.
стр. 228
قال ابن دقيق العيد: الأمر - وإن كان ظاهره الوجوب - إلا أنه يصرف عن الظاهر لقرينة ودليل، وقد دل الدليل، وقامت القرينة ههنا؛ فإنه ﷺ علل بأمر يقتضي الشك، وهو قوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده "، والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوباً في الحكم , إذا كان الأصل المستصحب على خلافه موجوداً. والأصل: الطهارة في اليد، فلتستصحب.
ويجاب:
أن هذا توجيه يصح لو كانت العلة فى النهي عن غمس اليد هى نجاسة اليد، أما من يرى أن العلة تعبدية، أو أن العلة كما ذكر ابن تيمية وابن القيم: هى مبيت الشيطان على يده أو مبيتها عليه فلا يصح هذا الاستدلال. ولو كانت العلة فى الغسل النجاسة، لأرشد الرسول ﷺ إلى غسلها مرة واحدة، ألا ترى إلى دم الحيض يصيب الثوب، أرشد الرسول ﷺ إلى غسله مرة واحدة غسلة تذهب بعين النجاسة مع أن نجاسته متيقنة، فكيف بالنجاسة المتوهمة.
الدليل الثالث:
لما أرشد الرسول ﷺ إلى غسل اليد ثلاث مرات قبل غمسها فى الإناء علم أنه ليس بواجب إذ لو كان واجباً لكفى فيها غسلة واحدة. قياساً على دم الحيض
وأجيب:
بأن هذا القول مبنى على أن النهي لاحتمال أن تكون اليد نجسة. والذين قالوا بالوجوب لم يعللو بذلك على أن العدد ورد حتى فى إزالة النجاسة كالاستجمار والتسبيع فى ولوغ الكلب.
стр. 229
الدليل الرابع:
(٥٩) ما رواه مسلم، قال: حدثني بشر بن الحكم العبدي، حدثنا عبد العزيز- يعني: الدراوردي- عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة،
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليستنثر ثلاث مرات؛ فإن الشيطان يبيت على خياشيمه، ورواه البخاري (١).
وجه الاستدلال:
قالوا إذا كان الاستنثار سنة بالإجماع بعد القيام من النوم، فكذلك غسل اليدين بعد القيام من النوم، وقبل غمسهما في الإناء ليس بواجب.
والجواب:
أن يقال: هذا قياس فى العبادات، والقياس فيها ضعيف.
فالراجح: أن القول باستحباب غسل اليدين ثلاثاً إذا انتبه من نوم الليل قول قوي، والقول بالوجوب أقوى، ولو غمس يديه لم يمنع ذلك من التطهر بالماء، فالماء باق على طهوريته، والله أعلم.
دليل الحنابلة على الوجوب.
(٦٠) ما رواه مسلم، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وحامد بن عمر البكراوي، قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق،
стр. 230
عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. وهو في البخاري دون قوله: ثلاثاً (١).
وجه الاستدلال:
أن الحديث نهى عن غمس اليد بعد الاستيقاظ إلا بعد غسلها ثلاثاً، والأصل في النهي التحريم إلا لصارف، ولا صارف هنا.
وهل يختلف الحكم إذا تيقن المسلم طهارة يده؟
اختلفوا في ذلك:
فقيل: لا يسن غسلها، بل يغمسها بدون غسل، اختاره بعض الحنفية (٢).
وقيل: هو بالخيار، إن شاء غسل يده قبل غمسها، وإن شاء غمس يده، ولو لم يغسلها. وهذا مذهب الشافعية (٣).
وقيل: يجب غسلها حتى ولو كانت يده في جراب، أو كانت مكتوفة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وسبب اختلافهم في هذه المسألة اختلافهم في علة الأمر بغسل اليد:
فقيل: إن العلة هي الشك في نجاسة اليد، حتى قيد بعض الحنفية حديث النهي عن غمس اليد في الإناء حتى يغسلها بما إذا نام مستنجياً بالأحجار، أو
стр. 231
متنجس البدن، لا إذا نام متيقناً طهارتها، أو مستنجياً بالماء (١).
وذكر الشافعية أن أهل الحجاز كانوا يستعملون الأحجار في الاستجمار، وكانت البلاد حارة، فيعرقون، وربما طافت أيديهم في موضع النجاسة فتنجست (٢).
والصحيح: أن الحديث مطلق، وهو عام لمن استنجى بالماء أو بالأحجار، عليه سراويل أم لا، ولا يقيد النص إلا نص مثله.
وقيل: إن العلة تعبدية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، فيجب الامتثال دون النظر إلى سبب الوجوب.
وقيل: إن العلة مبيت الشيطان على يده، وهذا اختيار الشيخين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله. قالا: هذه العلة نظير تعليل الشارع الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم في قوله ﷺ : " إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمنخريه من الماء، فإن الشيطان يبيت على خيشومه " متفق عليه، وسبق تخريجه. فأمر بالغسل معللا بمبيت الشيطان على خيشومه، فعلم أن ذلك سبب الغسل، والحديث معروف. وقوله فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده يمكن أن يراد به ذلك، فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التى شهد لها النص بالإعتبار، وأما ملابسته ليده خاصة؛ فلأنها أعم الجوارح كسباً وتصرفاً ومباشرة لما يأمر به الشيطان من المعصية، فصاحبها كثير التصرف والعمل بها، ولهذا سميت جارحة لأنه يجترح بها: أى يكسب. والله أعلم (٣).
стр. 232
المبحث الثاني
هل يختص الحكم في القيام
من نوم الليل أو يشمل كل نوم ؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: لا فرق بين نوم الليل، ونوم النهار، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢).
وقيل: إن الحكم ليس مخصوصاً بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها، سواء قام من نوم الليل أو النهار، أو شك في نجاستها من غير نوم، وأما إذا تيقن طهارتها فوجهان: الأصح منهما، وهو والذي ذهب إليه الجماهير من أصحاب الشافعية أنه لا كراهة في غمس اليد، بل هو مخير إن شاء غمس، وإن شاء غسل قبل الغمس؛ لأن النبي ﷺ ذكر النوم، ونبه على العلة، وهى الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة، وهذا مذهب الشافعية (٣).
وقيل: الحكم يتعلق بنوم الليل خاصة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤). وهو الراجح.
стр. 233
دليل الجمهور على عدم التفريق بين نوم الليل والنهار .
الدليل الأول:
(٦١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قوله: " إذا استيقظ أحدكم من نومه " فكلمة (نومه) نكرة مضافة، فتعم، كقوله سبحانه: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ (٢) فيشمل نوم الليل ونوم النهار.
الدليل الثاني:
على فرض أن يكون الحديث في نوم الليل فيدخل فيه نوم النهار من باب القياس الجلي؛ إذ لا فرق، فإذا كان النائم يجب عليه أن يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء لما ورد من ذلك في الحديث، فنوم النهار مثل نوم الليل في القياس.
الدليل الثالث:
قوله في الحديث: " فإنه لا يدري " وهذه العلة موجودة في نوم النهار،
стр. 234
فالنائم إذا نام لا يدري سواء كان نومه في الليل أم في النهار؛ لأن النوم يحجب العقل.
قال ابن حجر: لكن التعليل يقتضي الحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة.
قال الرافعي في شرح المسند: يمكن أن يقال الكراهة في الغمس لمن نام ليلا أشد منها لمن نام نهارا؛ لأن الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادة (١).
بل ذهب الباجي في المنتقى إلى دخول المغمى عليه والمجنون في الحكم، فقال: تعليق هذا الحكم بنوم الليل لا يدل على اختصاصه به؛ لأن النائم إن كان لا يدري أين باتت يده فكذلك المجنون والمغمى عليه، وكذلك من قام إلى وضوء من بائل أو متغوط أو محدث فإنه يستحب له غسل يده قبل أن يدخلها في إنائه خلافاً للشافعي؛ لأن المستيقظ لا يمكنه التحرز من مس رفغه ونتف إبطه وفتل ما يخرج من أنفه وقتل برغوث وعصر بثر وحك موضع عرق، وإذا كان هذا المعنى الذي شرع له غسل اليد موجودا في المستيقظ لزمه ذلك الحكم، ولا يسقط عنه أن يكون علق في الشرع على النائم، ألا ترى أن الشرع علقه على نوم المبيت ولم يمنع ذلك من أن يتعدى إلى نوم النهار لما تساويا في علة الحكم (٢).
وأجيب:
بأن الحكم خص في المبيت، فلم يقل في الحديث: " فإنه لا يدري "
стр. 235
وسكت، بل قال: لا يدري أين باتت يده، ولو كانت العلة احتمال نجاسة اليد لكان له وجه في إلحاق المغمى عليه، وسبق لي أن ذكرت الاختلاف في العلة، ولم يظهر لي أن العلة احتمال النجاسة، وإلا لكانت غسلة واحدة كافية إن شاء الله في حصول المقصود، بل إن الغسل ثلاثاً مشروع حتى للمستيقظ عند إرادة الوضوء، فذكر التثليث يلحقه بالتعبد المحض، وإذا كانت العلة تعبدية لم يكن للقياس معنى، لعدم تعدي العلة، والله أعلم.
دليل الحنابلة على اختصاصه بنوم الليل .
الدليل الأول:
قوله ﷺ : " فإنه لا يدري أين باتت يده " والبيتوتة لا تكون إلا بالليل، كقوله تعالى ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون أو من أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون﴾ (١)، فخص البيات بالليل ثم ذكر النهار.
وأجيب:
بقول ابن حزم: ادعى قوم أن هذا في نوم الليل خاصة لقوله ﷺ : " أين باتت يده "، وادعوا أن المبيت لا يكون إلا بالليل.
قال أبو محمد: وهذا خطأ، بل يقال: بات القوم يدبرون أمر كذا وإن كان نهاراً (٢).
ورد هذا ابن عبد البر، فقال: أما المبيت فيشبه أن يكون ما قاله أحمد بن حنبل صحيحاً فيه؛ لأن الخليل قال في كتاب العين: البيتوتة دخولك في
стр. 236
الليل، وكونك فيه بنوم وبغير نوم، قال ومن قال: بت بمعنى نمت، وفسره على النوم فقد أخطأ، قال: ألا ترى أنك تقول بت أراعي النجم، معناه: بت أنظر إلى النجم. قال: فلو كان نوماً كيف كان ينام وينظر، إنما هو ظللت أراعي النجم. قال: وتقول: أباتهم الله إباتة حسنة، وباتوا بيتوتة صالحة، وأباتهم الأمر بياتاً، كل ذلك دخول الليل، وليس من النوم في شيء (١).
الدليل الثاني:
قوله ﷺ : " إذا استيقظ أحدكم من نومه " فإن النوم عند الإطلاق لا يراد به إلا نوم الليل (٢).
الدليل الثالث:
(٦٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي رزين،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم من الليل، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري أين باتت يده (٣).
[الحديث صحيح، وذكر القيام من الليل أخشى أن يكون غير محفوظ، فكل من ذكر الليل قد اختلف عليه فيه، فأكثر الطرق وأصحها ليس فيها ذكر الليل] (٤).
стр. 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 241
دليل من قال: الحكم يتعلق بالشك .
استدل الشافعية بأن الحكم يتعلق بالشك، لقوله ﷺ في الحديث: " فإنه
стр. 242
لا يدري أين باتت يده " أما من تيقن طهارة يده فلا شيء عليه، فالرسول ﷺ ذكر النوم ونبه على العلة، وهي الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة (١).
الراجح من أقوال أهل العلم:
بعد استعراض الخلاف الذي تميل له نفسي أن الليل قيد مؤثر والله أعلم؛ لقوله ﷺ في الحديث: " أين باتت يده "
ولأن دخول نوم الليل متيقن، ودخول غيره مشكوك فيه، والأصل براءة الذمة وعدم التكليف؛ ولأن نوم الليل أطول من نوم النهار عادة، وعلقت به أحكام كثيرة منها الأذكار الخاصة بالنوم على الصحيح، ومنها ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذ هو نام ثلاث عقد يضرب على مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان (٢).
فقوله: " وإلا أصبح " دليل على أن هذا في نوم الليل، والله أعلم.
стр. 243
الفصل السادس
الماء المستعمل في إزالة النجاسة
الماء المستعمل في إزالة النجاسة إذا انفصل عن المحل لا يخلو إما أن يتغير بالنجاسة أو لا.
فإن تغير الماء بالنجاسة، فهو نجس بالإجماع، وقد تكلمنا عن الماء المتغير بالنجاسة في فصل الماء المتغير، فارجع إليه إن شئت.
وإن كان الماء المنفصل لم يتغير، فقد اختلف العلماء في حكمه بناء على اختلافهم في وجوب تكرار الغسل، فبعضهم يرى وجوب تكرار غسل النجاسة ثلاث مرات، وبعضهم يرى تكرارها سبع مرات، وبعضهم يرى أنه يكفي في غسل النجاسة غسلة واحدة ما لم تكن نجاسة كلب، وسوف يأتي بسط الأقوال كلها، ومناقشتها في باب إزالة النجاسة، ولكن البحث الآن في الماء المنفصل عند تطهير هذا المحل المتنجس، وهو ما يسمى بغسالة النجاسة، أو الماء المستعمل في إزالة النجاسة، إذا انفصل عن المحل، وهو لم يتغير هل يكون نجساً أم طاهراً أم طهوراً، اختلف العلماء في هذا:
فقيل: الماء المنفصل من غسل النجاسة الحقيقية من الغسلة الأولى حتى الغسلة الثالثة نجس، وهذا مذهب الحنفية (١).
стр. 244
وقيل: الماء المنفصل طهور ما لم يتغير بالنجاسة، وهو مذهب المالكية (١).
وقيل: يكون طاهراً غير مطهر، وهو الأصح عند الشافعية (٢).
وقيل: المنفصل من الغسلة الأولى حتى الغسلة السادسة نجس، حتى ولو زالت عين النجاسة في الغسلة الأولى، والمنفصل من الغسلة السابعة طاهر، غير مطهر، والمنفصل من الغسلة الثامنة طهور. وهذا المشهور من مذهب
стр. 245
الحنابلة (١).
دليل الحنفية على نجاسة الغسلات الثلاث .
قولهم مبني على وجوب غسل النجاسات ثلاث مرات، وسوف يأتي بسط الأدلة على هذه المسألة في مبحث مستقل، وعليه قالوا: إن الماء المنفصل في الغسلة الأولى والثانية انفصل والمحل نجس فتنجس، وأما الغسلة الثالثة فنجسة، وإن كان المحل قد طهر بناء على أن الماء قد استعمل في إزالة نجاسة، فالماء عندهم ينجس إذا استعمل في الطهارة سواء في طهارة الحدث أم في طهارة الخبث، وسبق لنا تحرير مذهبهم في الماء المستعمل في طهارة الحدث، وأجبنا عليه.
الدليل الثاني على نجاسة الغسالة:
(٦٣) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا جرير- يعني: ابن حازم- قال: سمعت عبد الملك- يعني: ابن عمير- يحدث عن عبد الله بن معقل بن مقرن قال: صلى أعرابي مع النبي ﷺ بهذه القصة - يعني: قصة بول الأعرابي في المسجد- قال فيه: وقال: يعني النبي ﷺ :
стр. 246
خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء (١).
قال أبو داود: وهو مرسل ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ .
[ضعيف، وزيادة خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه زيادة منكرة والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة] (٢).
وجه الاستدلال:
لولا أن الغسالة نجسة لما احتاج إلى نقلها قبل غسلها.
الدليل الثاني:
(٦٤) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عيسى بن أبي حية، نا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد، نا أبو بكر بن عياش، حدثنا سمعان بن مالك، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: جاء أعرابي فبال في المسجد، فأمر رسول الله ﷺ بمكانه، فاحتفر، فصب عليه دلواً من ماء، فقال الأعرابي: يا رسول الله المرء يحب القوم ولما يعمل عملهم، فقال رسول الله ﷺ : المرء مع من أحب (٣).
стр. 247
قال الدارقطني: سمعان مجهول (١).
الدليل الثالث:
(٦٥) ما رواه ابن الجوزي في التحقيق (٢)، وفي العلل المتناهية (٣)، من طريق محمد بن صاعد، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد،
عن أنس، أن أعرابياً بال في المسجد، فقال النبي ﷺ : احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوباً من ماء.
[حديث معلول، والمعروف أنه مرسل] (٤).
стр. 248
دليل الحنابلة في غسالة النجاسة .
يرى الحنابلة أن الماء المنفصل من الغسلة الأولى حتى الغسلة السادسة نجس؛ لأن الماء قد انفصل والمحل نجس، حتى ولو ذهبت عين النجاسة، فالمحل نجس حكماً، والتعليل عندهم: أنه ماء قليل لاقى نجاسة، فينجس ولو لم يتغير (١).
وأما الماء المنفصل من الغسلة السابعة فإنه طاهر، ولماذا لا يكون طهوراً؟
стр. 249
قالوا: لأنه أثر في المحل، فحصل به إزالة حكم النجاسة.
ولماذا لا يكون نجساً؟
قالوا: لأنه انفصل عن محل طاهر؛ لأن المحل يطهر عندهم في الغسلة السابعة، إذا ذهبت عين النجاسة.
أما المنفصل من الغسلة الثامنة فهو طهور؛ لأن المحل قد طهر من الغسلة السابعة، فلم يتأثر الماء.
والقول بوجوب غسل النجاسات ثلاثاً عند الحنفية أو سبعاً عند الحنابلة قول ضعيف، إلا في ولوغ الكلب حيث ثبت العدد في غسل الإناء من ولوغه سبعاً، وسوف يأتي بسط هذه المسألة في باب النجاسات إن شاء الله تعالى (١).
دليل الشافعية على كون الماء طاهراً .
أدلتهم في هذه المسألة هي أدلتهم نفسها في المستعمل في رفع الحدث، فإذا كان المستعمل في رفع الحدث، وهو ليس نجاسة يكون طاهراً عندهم، فكيف بالمستعمل في إزالة النجاسة، ومن أدلتهم:
(٦٦) ما رواه مسلم في صحيحه، قال: وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي وأبو الطاهر وأحمد بن عيسى جميعا، عن ابن وهب - قال هارون: حدثنا ابن وهب - أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب.
стр. 250
فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا (١).
وانظر الجواب عليه في مسألة المستعمل في رفع الحدث.
ومن أدلتهم قولهم: إن الماء المستعمل ليس ماء مطلقاً، بل هو مقيد بكونه ماء مستعملاً، والذي يرفع الحدث هو الماء المطلق كما في قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٢)، فلم يقيده بشئ، فالماء المستعمل حكمه حكم ماء الورد والزعفران والشاي ونحو ذلك (٣).
وسبق الجواب عليه.
والصحيح أن إثبات قسم من الماء يكون طاهراً غير مطهر قول ضعيف، وقد بينت في مبحث أقسام المياه أن الماء قسمان: طهور، ونجس. ولا يوجد قسم الطاهر، والله أعلم.
دليل المالكية على أن غسالة النجاسة طاهرة مطهرة .
استدل المالكية على أن غسالة النجاسة من الماء الطهور إذا لم تتغير بعدة أدلته، منها:
الدليل الأول:
(٦٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت،
عن أنس بن مالك، أن أعرابياً بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله ﷺ : لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء، فصب عليه، ورواه