← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

بجامعة دمشق، يقول الدكتور صلاح: " نجري مقطعاً عرضياً في عود السواك ـ بعد غليه ونقعه في مزيج الغول والماء والغيليسرين بأقسام متساوية، ونفحصه تحت المجهر، فيبين لنا الطبقات التالية الموضحة بالرسم: ١ - طبقة فلينية. ٢ - نسيج قشري، تتخلله بعض الخلايا المتصلبة، والألياف، وداخله حبيبات نشا. ٣ - حزم لحائية خشبية تتألف من لحاء نحو الخارج، وطبقة مولدة cambium وأوعية خشبية، وهي تشكل الألياف المنظفة للأسنان، حولها نسيج متخشب، وهذه الأوعية الخشبية والنسيج المتخشب تكون

стр. 1822

على عدة طبقات يفصل بين هذه الطبقات نيسج خاص، كما يتضح من الرسم التفصيلي. ٤ - أشعة مخية، تفصل بين الحزم الخشبية اللحائية، وتكون خلاياها ملئية ببلورات السيليس والحماضات وحبيبات النشا (١).

стр. 1823

وإليك هذه الصورة لشجرة الأراك أخذت من كتاب عبد الرزاق السعيد.

стр. 1824

الخاتمة بعد أن يسر الله لنا المرور على أحكام السواك الفقهية والحديثية يتبين لنا عظمة هذا الدين، ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ (١). ففي نظافة الفم، وعناية الشارع به، مر علينا أكثر من مائة حديث، مع الشواهد، ولا أعني المتابعات، وإن كنت لم أعط الشوهد في الحاشية أي نصيب من الترقيم، ومر علينا أربعين مسألة فقهية، وستة عشر فائدة، أغلبها فقهي، فيكون المجموع ستة وخمسين مسألة، في هذا الجانب اليسير، والذي يتعلق في طهارة جزء من البدن، وهو الفم. فالله الحمد كما ينبغي لوجهه، وعظيم سلطانه أن وفقنا إلى هذا الدين الحنيف، والذي أسأل الله بأسمائه وصفاته أن يميتنا عليه بمنه وكرمه. والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقد تبين لي فوئد جمة من خلال البحث، أوجزها فيما يلي: الأولى: أن مباحث السواك، كان للفقهاء ﵏ توسع كبير فيما يكره، ويستحب دون أن يكون لذلك ضابط شرعي. الثانية: أن السواك كان في شريعة من قبلنا. الثالثة: أن العبادات، قد تكون يسيرة، ويرتب عليها ثواب عظيم، كالسواك، فإنه مرضاة للرب. الرابعة: أن الرسول ﷺ كان يواظب على السواك في جميع أحواله، عند دخوله إلى البيت، وعند قيامه من النوم، وعند الصلوات، وعند الوضوء. الخامسة: لو حافظ المسلم على السواك في جميع الأوقات التي يتأكد فيها، لكان معنى ذلك أن يستاك في اليوم أكثر من عشر مرات. وذلك عند الوضوء، وعند الصلوات الخمس، وعند السنن منها، وعند القيام من النوم، وعند دخول المنزل، ويوم الجمعة، وعند قراءة القرآن، وبعد تناول الطعام، وكل ما يغير الفم. السادسة: لا حرج في ذكر الفوائد الصحية لبعض العبادات، وإن كان بعض

стр. 1825

الصالحين قد يكره ذلك، ويقول: إننا نفعل العبادة ليست خدمة للجسم، وإنما قربة وطاعة، وهذا المعنى صحيح، لكن لا يمنع أن تذكر الفوائد الصحية ولا تنافي أن الباعث على ذلك مرضاة الله، وحديث السواك: " مطهرة للفم مرضاة للرب " شاهد على ذلك، وإن كان المسلم يعلم حق العلم أن الشرع لا يأمر إلا ما فيه منفعة وفائدة، ولا ينهى إلا عن شيء مؤذ وضار. ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعضكم لعلكم تذكرون﴾ (١). السابعة: وردت أحاديث في فضل السواك عن الصلاة بغير سواك، وهي أحاديث كثيرة، وقد اختلف العلماء فيها. والراجح أن الأحاديث ضعيفة. الثامنة: لم يثبت لي أن السواك من سنن الفطرة، والحديث الوارد في مسلم تكلم فيه الإمام أحمد. التاسعة: الأحاديث الواردة في التسوك بالأصبع لا يصح منها، شيء، ولكن الذي ينظف فاه بأصبعه خير من الذي لا ينظف فاه أبداً، ولكن لا يحصل له الثواب المترتب على السواك؛ لأنه دونه في التطهير، لكن يحصل له من الأجر بقدر ما يحصل له من الإنقاء، والتسوك بالأصبع يناسب إذا كان مع المضمضة، فإنه لا شك أنه مع الماء يحصل به قدر من نظافة الفم وتطهيره، واعتبره بعض المالكية من الدلك المشروع في الوضوء العاشرة: السواك أفضل من الفرشاة، وهذا الأمر ثابت طبياً. الحادي عشرة: الراجح أن السواك ليس بواجب، بل هو سنة مؤكدة. الثانية عشرة: اختلف في وجوب السواك على النبي ﷺ ، ولا يبعد تأكيد السواك في حقه ﷺ ، لأنه يناجي من لا نناجي، وقد جاء حديث في إسناده اختلاف. والله أعلم. الثالثة عشرة: خلاف داود، وابن حزم خلاف معتبر، وعدم الاعتداد بخلافهما

стр. 1826

من التعصب المذهبي المجانب للصواب. الرابعة عشرة: لا يكره السواك للصائم مطلقاً لا برطب السواك، ولا يابسه، ولا قبل الزوال، ولا بعده. الخامسة عشرة: الخلوف أطيب عند الله في الدنيا وفي الآخرة من ريح المسك، وليس خاصاً في الآخرة. السادسة عشرة: لا يكره التسوك في المسجد، ولا يشرع التسوك من أجل الدخول، بل من أجل الصلاة. السابعة عشرة: لا يكره التسوك بحضرة الناس. الثامنة عشرة: لا يكره التسوك في الخلاء. التاسعة عشرة: لا تشرع التسمية للسواك. العشرون: الأفضل والله أعلم أن يكون تسوكه قبل المضمضة سواء كان بعد غسل الكفين أو قبل الشروع في الوضوء؛ وذلك لأن السواك إذا نظف الأسنان، ثم جاءت بعده المضمضة، ومج الماء يكون قد سقط كل أذى اقتلعه السواك من الأسنان أو اللثة. والله أعلم. الحادية والعشرون: لا يشرع التسوك للغسل ولا للتيمم، لعدم الدليل. الثانية والعشرون: لا يستحب السواك لسجود التلاوة والشكر، لعدم الدليل، ولا يعتبر سجودهما صلاة على الراجح. الثالثة والعشرون: ذكر الأطباء بأن السواك عرضاً يضر بالأسنان، لذا يستحب السواك طولاً من أجل كلامهم والله أعلم. الرابعة والعشرون: يمسك السواك إن شاء باليد اليمنى وإن شاء باليد اليسرى، ولا يوجد نص في المسألة، والأمر فيها واسع. الخامسة والعشرون: لا يستحب وضع السواك في موضع الأذن، ولم نتعبد بهذا. والحديث الوارد عن الرسول ضعيف، ولم يثبت كذلك عن زيد بن خالد الجهني. والله أعلم.

стр. 1827

السادسة والعشرون: أقل ما يحصل به التسوك مرة واحدة، وبه يتحقق الامتثال، وكلما أكثر كان أفضل. السابعة والعشرون: لا يحتاج التسوك إلى نية، وقد يقال: إذا كان التسوك لتحصيل السنة، كالتسوك عند الصلاة، والفم نظيف احتاج إلى نية. وأما غيره فلا. الثامنة والعشرون: لم يتبين لي من حيث السنة جواز التسوك بسواك الغير، وما ورد فيه لا يدل عليه، لأن التسوك بسواك الرسول، لا يؤخذ منه هذه الفائدة، والرسول ﷺ ليس كغيره. التاسعة والعشرون: إذا أعطي السواك للغير، بدئ بالأكبر، وليس بالأيمن الثلاثون: لا يشرع الدعاء عند ابتداء السواك، وليس فيه لا ذكر مطلق، ولا مقيد. الحادية والثلاثون: لا يشرع التسوك، والإمام قد دخل في الصلاة، بل المشروع إذا كبر الإمام أن يكبر المأموم. الثانية والثلاثون: لا بأس بالوضوء من فضل السواك. الثالثة والثلاثون: يستحب أن يعود الصبي للسواك حتى يألفه. الرابعة والثلاثون: يستحب أن يقطع المتسوك الجزء المستخدم من السواك بعد أربعين وعشرين ساعة، وذلك كما أثبته أحد الباحثين طبياً. هذه جل الفوائد الفقهية التي خرجت بها من البحث. أما الفوائد الحديثية، فهي كالتالي: الأولى: السواك مطهرة للفم مرضاة للرب حديث حسن. الثانية حديث ابن عباس: ما زال النبي يأمرنا به حتى خشينا أن ينزل عليه فيه. حديث حسن. الثالثة: حديث فضل الصلاة بسواك على الصلاة بغير سواك سبعين ضعفاً. حديث ضعيف. الرابعة: حديث عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : عشر من الفطرة قص

стр. 1828

الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، الخ الحديث. المحفوظ أنه من قول طلق، ورفعه شاذ. الخامسة: حديث ابن عباس في قوله : ﴿وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد: في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك الخ الحديث. إسناده صحيح السادسة: حديث أبي أيوب: قال رسول الله ﷺ : أربع من سنن المرسلين التعطر والنكاح والسواك والحياء. إسناده ضعيف السابعة: حديث ابن مسعود أنه كان يجتني سواكاً من الأراك. حديث صحيح. الثامنة: أبي خيرة الصنابحي، قال: كنا في الوفد الذين أتينا رسول الله ﷺ ، من عبد القيس، فزودنا الأراك نستاك به. حديث ضعيف جداً. التاسعة: معاذ بن جبل قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة يطيب الفم ويذهب بالحفر وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي. حديث موضوع. العاشرة: حديث ضمرة بن حبيب: قال نهى رسول الله ﷺ عن السواك بعود الريحان والرمان، وقال: يحرك عرق الجذام. إسناده ضعيف الحادية عشرة: بينا نحن جلوس مع أمير المؤمنين على في المسجد على باب الرحبة، جاء رجل فقال: أرني وضوء رسول الله ﷺ ، وهو عند الزوال فدعا قنبر، فقال: ائتني بكوز من ماء فغسل كفيه ووجهه ثلاثا، وتمضمض ثلاثا فادخل بعض أصابعه في فيه، الحديث. إسناده ضعيف جداً، وذكر إدخال الأصبعين في فيه منكر. الثانية عشرة: حديث أنس عن النبي ﷺ : قال: يجزئ من السواك الأصابع إسناده ضعيف جداً. الثالثة عشرة: عمرو بن عوف المزني، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : الأصابع تجري مجرى السواك إذا لم يكن سواك. الحديث ضعيف جداً.

стр. 1829

الرابعة عشرة: حديث عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله الرجل يذهب فوه يستاك؟ قال: نعم. قلت: كيف يصنع؟ قال: يدخل إصبعه في فيه. إسناده ضعيف. الخامسة عشرة: أثر كان عثمان إذا توضأ يسوك فاه بأصبعه. إسناده ضعيف. السادسة عشرة: علي رضي الله تعالى عنه، قال: أمرنا بالسواك، وقال: إن العبد إذا قام يصلي أتاه الملك، فقام خلفه يستمع القرآن، ويدنو فلا يزال يستمع ويدنو، حتى يضع فاه على فيه الحديث. وإسناده صحيح. السابعة عشرة: حديث عليكم بالسواك فإنه مطيبة للفم، ومرضاة للرب. الحديث حسن، دون زيادة عليكم بالسواك، فإنها منكرة. الثامنة عشرة: أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة الحديث. في إسناده اختلاف. التاسعة عشرة: حديث عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ثلاث هن علي فريضة وهو لكم سنة: الوتر، والسواك،، وقيام الليل. إسناده ضعيف جداً. العشرون: حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: أمرت بالسواك حتى خفت على أسناني. حسن بالمجموع. الحادية والعشرون: حديث عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ ما لا أعد وما لا أحصى يستاك وهو صائم. حديث ضعيف. الثانية والعشرون: حديث عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : من خير خصال الصائم السواك. إسناده ضعيف. الثالثة والعشرون: حديث أيستاك الصائم؟ قال نعم: قلت: برطب السواك ويابسه؟ قال: نعم. قلت: أول النهار وآخره. قال: نعم. ضعيف. الرابعة والعشرون: حديث سألت معاذ بن جبل، أتسوك وأنت صائم؟ قال: نعم. قلت: أي النهار أتسوك؟ قال: أي النهار شئت. حديث ضعيف.

стр. 1830

الخامسة والعشرون: حديث ابن عباس، ﵄، قال: إن النبي ﷺ تسوك، وهو صائم. حديث حسن. السادسة والعشرون: أثر ابن عمر أنه لم يكن يرى به باساً بالسواك للصائم. إسناده صحيح. السابعة والعشرون: شذوذ كلمة: " يوم القيامة " من حديث: " ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك ". الثامنة والعشرون: شذوذ لفظة: " حين يخلف " من حديث ولخلوف فم الصائم حين يخلف من الطعام أطيب عند الله من ريح المسك. التاسعة والعشرون: حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ ، قال: أعطيت آمتي في شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبي قبلي أما واحدة فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليهم ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدا وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك. الحديث ضعيف. الثلاثون: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر أو قال أقطع. إسناده ضعيف، ومتنه مضطرب. الحادية والثلاثون: حديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان لا ينام إلا والسواك عنده فإذا استيقظ بدأ بالسواك. إسناده حسن إن شاء الله تعالى. الثانية والثلاثون: حديث أبي هريرة كان النبي ﷺ لا ينام ليلة ولا ينتبه إلا استن. حديث ضعيف. إسناده ضعيف. الثالثة والثلاثون: حديث عائشة، أن النبي ﷺ كان لا يرقد ليلاً ولا نهاراً إلا تسوك قبل أن يتوضأ. إسناده ضعيف. الرابعة والثلاثون: حديث أن رسول الله ﷺ كان يرقد، فإذا استيقظ تسوك، ثم توضأ، ثم صلى ثمان ركعات يجلس في كل ركعتين، فيسلم، ثم يوتر بخمس ركعات لا يجلس إلا في الخامسة، ولا يسلم إلا في الخامسة. رجاله ثقات إلا أن ذكر

стр. 1831

السواك فيه شاذ. الخامسة والثلاثون: حديث زيد بن خالد الجهني قال: ما كان رسول الله ﷺ يخرج من شيء لشيء من الصلوات حتى يستاك. إسناده ضعيف. السادسة والثلاثون: حديث بهز قال: كان النبي ﷺ يستاك عرضاً، ويشرب مصاً، ويتنفس ثلاثاً، ويقول: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ. حديث ضعيف. السابعة والثلاثون: حديث عن عائشة أنها قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره ولطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى. الحديث الراجح فيه إن إسناده منقطع. الثامنة والثلاثون: حديث جابر بن عبد الله قال: كان السواك من أذن النبي ﷺ موضع القلم من أذن الكاتب. حديث معلول. هذا ما خلصت إليه من نتائج في بحث السواك، والتي أرجو من الله العلي القدير أن أكون وفقت في كثير منها إلى الحق، وأن يغفر لي ما حصل في ذلك من تقصير وزلل، وهو الأصل في عمل الإنسان كما قال سبحانه ﴿إنه كان ظلوماً جهولاً﴾ (١). والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 1832

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، لا يستحق الحمد المطلق سواه، له الحمد في السموات والأرض، وله الحمد في الأولى والآخرة، يحمد على خلقه، وشرعه وقدره، وعلى كمال صفاته، قال تعالى: ﴿الحمد الله الذي خلق السموات والأرض﴾ (١). وأما حمده على كمال صفاته، قال سبحانه: ﴿الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً﴾ (٢). وأما حمده على كمال شرعه، قال سبحانه: ﴿الحمد لله الذي نزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً﴾ (٣). ويحمد على قضائه وقدره، قال سبحانه ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين﴾ (٥).

стр. 1833

وقال: ﴿ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون﴾ (١). ﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء﴾ (٢). وبعد، فهذا كتاب في أحكام المسح على الحائل من خف وجورب وعمامة وجبيرة، حاولت أن أجمع مسائله المتفرقة، متبعاً في منهجي ما يأتي: أولاً: من ناحية الأحاديث والآثار، لم أذكر حديثاً أو أثراً إلا وخرجته من مصادره، وتكلمت على أسانيده، وصرفت عناية خاصة للمتن، مبيناً حسب اجتهادي القاصر ما تبين لي من المحفوظ والشاذ بحسب القواعد الحديثية، وقد اعتمدت في الحكم عليها منهج الأئمة المتقدمين في عدم القبول والرد لأي زيادة ترد في المتن إلا بعد مقارنة من ذكرها بمن لم يذكرها، مبتعداً عن منهج جمهور الأصوليين والفقهاء الذين يشترطون في رد الزيادة أن تكون منافية، ولي في زيادة الثقة والشذوذ بحث سوف أبسطه في نشر الكتاب الأم الذي يعتبر أصلاً لهذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ثانياً: من ناحية الأقوال الفقهية، وجهت عناية خاصة بمذاهب الأئمة الأربعة، لشهرتها، وانتشارها، وتحريت في نسبة كل مذهب إلى أمهات كتبهم المعتمدة عند أصحابها، وتحريت في مذهب الإمام أحمد أن أنقل عنه من مسائله ما أمكن، فإن لم توجد المسألة في مسائل أحمد نقلتها من الكتب المشهورة في مذهب الحنابلة، وأضفت إلى المذاهب الأربعة أقوال

стр. 1834

بعض المحققين، كابن حزم الظاهري، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني وغيرهم. ثالثاً: بينت الراجح من الأقوال بما تقتضيه الأدلة، وتحريت الإنصاف في مناقشة الخلاف، مع التزام أدب الخلاف في بيان الراجح، مبتعداً عن التقليد والتعصب، معرضاً عن تتبع أوهام المشايخ والعلماء، وإذا اضطررت إلى ذلك أشرت إلى القول دون ذكر القائل، حرصاً على سلامة الصدور، ومحبة في تأليف القلوب. رابعاً: لم أضع فهارس للبحث؛ لأن الفهارس سوف توضع للكتاب الأم، والذي قارب أن يخرج للناس منه أحكام الطهارة، ووضعت خطة للبحث، مكونة من مقدمة، وثمانية أبواب، وخاتمة على النحو التالي: خطة البحث: تمهيد: تشتمل على حكمة الشرع في إباحة المسح على الخفين، وكون هذا الباب يذكره أهل العلم في باب العقائد وذلك لمخالفة بعض الفرق الضالة لأهل السنة والجماعة. الباب الأول: في حكم المسح. ويشتمل على فصول: الفصل الأول: في خلاف العلماء في المسح على الخفين. الفصل الثاني: في خلاف العلماء في المسح على الجوربين. الفصل الثالث: في خلاف العلماء في المسح على النعلين. الفصل الرابع: في خلاف العلماء في المسح على الخرق واللفائف. الفصل الخامس: أيهما أفضل المسح أو الغسل؟ الفصل السادس: هل المسح رخصة أم عزيمة؟

стр. 1835

الفصل السابع: هل المسح على الخفين رافع للحدث أم مبيح؟ الفصل الثامن: حكم من لبس الخفين ليمسح. الفصل التاسع: حكم مسح من به حدث دائم. الباب الثاني: في صفة المسح. وفيه فصول: الفصل الأول: في المقدار المجزئ في المسح على الخفين. الفصل الثاني: الخلاف في مسح أسفل الخف. الفصل الثالث: هل يكفي غسل الخف عن مسحه؟ الفصل الرابع: هل يشرع تكرار المسح؟ الفصل الخامس: هل يبدأ بالرجل اليمنى أم يمسحهما معاً؟ فرع: هل يشترط إظهار أثر الأصابع خطوطاً على الخف من المسح. الباب الثالث: في شروط المسح على الخفين. الشرط الأول: في طهارة الخف. الشرط الثاني: هل يشترط أن يكون الخف مباحاً؟ الشرط الثالث: خلاف العلماء في اشتراط كون الخف ساتراً لما يجب غسله. الشرط الرابع: ثبوت الخف بنفسه على القدم. الشرط الخامس: إمكان متابعة المشي على الخف. الشرط السادس: هل يشترط أن يكون الخف من جلد؟ الشرط السابع: هل يشترط أن يمنع الخف وصول الماء إلى الرجل؟ الشرط الثامن: يشترط أن يكون المسح في الطهارة الصغرى.

стр. 1836

الشرط التاسع: أن يكون المسح في المدة المأذون له فيها شرعاً. الشرط العاشر: هل يشترط لبس الخف على طهارة مائية؟ الشرط الحادي عشر: يشترط لبس الخفين بعد كمال الطهارة. الشرط الثاني عشر: يشترط إن كان سليم القدمين أن يمسح على الرجلين معاً. الشرط الثالث عشر: يشترط أن يكون المسح على الخفين، وما في معناهما. الشرط الرابع عشر: هل تشترط النية للمسح على الخفين؟ فرع: إذا لبس الخفين، وهو يدافع الأخبثين. الباب الرابع: خلاف العلماء في ابتداء مدة المسح. الباب الخامس: في السفر وأحكام المسح على الخفين. وفيه فصول: الفصل الأول: اختلاف التوقيت بين المسافر والمقيم الفصل الثاني: اختلاف العلماء في مقدار المسافة للمسافر التي يسوغ فيها مسح مسافر. الفصل الثالث: إذا لبس الخفين، وهو مقيم، ثم سافر. الفصل الرابع: إذا مسح في السفر، ثم أقام. الفصل الخامس: إذا شك في ابتداء المسح، هل كان في السفر أم في الحضر؟ الفصل الخامس: هل يمسح من كان عاصياً بسفره؟ الباب السادس: في أحكام لبس الخف على الخف. الفصل الأول: خلاف العلماء في جواز المسح إذا لبس خفاً على خف.

стр. 1837

الفصل الثاني: إذا لبس الخف الثاني بعد الحدث فهل يمسح عليه؟ الفصل الثالث: حكم المسح إذا كان الخفان مخرقين أو أحدهما. الفصل الرابع: إذا مسح الأعلى، ثم خلعه، فهل يمسح الأسفل؟ الباب السابع: مبطلات المسح على الخفين. الفصل الأول: خلاف العلماء إذا نزع خفيه بعد المسح، وقبل تمام المدة. الفصل الثاني: إذا ظهر بعض محل الفرض، ولم يخلع الخف فهل تبطل طهارته؟ الفصل الثالث: إذا انتهت مدة المسح، فهل يستأنف الوضوء؟ الفصل الرابع: يبطل المسح بوجود الحدث الأكبر. الباب الثامن: في أحكام المسح على العمامة. الفصل الأول: خلاف العلماء في المسح على العمامة. الفصل الثاني: خلاف العلماء في المسح على الخمار. الفصل الثالث: خلاف العلماء في المسح على القلانس. الفصل الرابع: في شروط المسح على العمامة. الشرط الأول: في اشتراط التحنيك أو الذؤابة في العمامة. الشرط الثاني: الخلاف في اشتراط لبسها على طهارة. الشرط الثالث: الخلاف في توقيت المسح على العمامة. الشرط الرابع: لا تمسح العمامة إلا في الحدث الأصغر. الشرط الخامس: الخلاف في اشتراط استيعاب العمامة في المسح. الشرط السادس: يشترط أن تكون العمامة مباحة. الشرط السابع: أن تكون العمامة ساترة لما جرت العادة بستره.

стр. 1838

الباب التاسع: في المسح على الجبيرة. وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: خلاف العلماء في جواز المسح على الجبيرة. الفصل الثاني: في شروط المسح على الجبيرة. الشرط الأول: أن يكون الغسل مما يضر بالعضو الشرط الثاني: الخلاف في اشتراط الطهارة للبس الجبيرة. الشرط الثالث: الخلاف في اشتراط ألا تتجاوز قدر الحاجة. الشرط الرابع: هل يشترط أن تكون الجبيرة مباحة؟ الشرط الخامس: هل يشترط أن يكون غالب البدن صحيحاً؟ الشرط السادس: هل يجوز المسح على الجرح إذا لم يكن عليه جبيرة؟ الشرط السابع: هل يشترط أن تكون الجبيرة من خشب أو يلحق بها اللصوق ونحوها؟ الفصل الثالث: إذا سقطت الجبيرة أو أبدلها فهل يعيد المسح؟ الفصل الرابع: في صفة المسح المبحث الأول: هل يجب استيعاب الجبيرة بالمسح؟ المبحث الثاني: إذا كانت الجبيرة على موضع يغسل ثلاثاً، فهل يستحب له أن يمسح ثلاثاً؟ الخاتمة: أهم النتائج التي توصلت إليها في البحث. هذا ما حاولت بحثه، فإن كنت وفقت فهذا من الله ، وله الفضل كله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإن كانت الأخرى، فهو من تقصيري وتفريطي، فالله أسأله مغفرته وعفوه، اللهم كما

стр. 1839

سترت الذنوب والعيوب، وأظهرت الجميل والحسن، اللهم فاكتب لي، ولوالدي، ولمشايخي، ولإخواننا المغفرة والرحمة والتجاوز يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. كتبه أبو عمر: دبيان بن محمد الدبيان السعودية ـ القصيم ـ بريدة

стр. 1840

تمهيد

стр. 1841

تمهيد لقد رفع الله الحرج عن هذه الأمة، فشريعة الله لا عنت فيها، ولا مشقة، تراعي أحوال المكلف، فاليسر وعدم التكلف هو شأن هذه الملة التي جاءت من أحكم الحاكمين، ومن رب العالمين، ومع أن شرع الله لا حرج فيه إلا أنه إذا طرأ على المكلف ما يستدعي التيسير عليه خفف عنه بالقدر الذي لا يشق عليه، فهذا المسافر يقصر الصلاة، ويفطر في رمضان لأن الغالب في السفر أن يكون فيه كلفة ومشقة، وهذا المريض يصلي قائماً، فإذا لم يستطع صلى قاعداً، فإذا لم يستطع صلى على جنب، وهكذا الشرع مع أحوال المكلف، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ما جعل عليكم في الدين من حرج، ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم، ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم، وكان الله شاكراً عليماً. وفي المسح على الخفين والجوارب والعمامة ما فيه من التيسير على المكلف خاصة في أيام البرد الشديد، وفي بعض البلاد الباردة جداً ما يدرك المرء نعمة الله عليه، ولو شاء الله لأعنتكم. ولقد ظل بعض أهل البدع في مسألة المسح على الخفين حتى أنكروه مع ثبوته عن الإمام علي بن أبي طالب ﵁، بل وثبت عنه المسح على النعلين، وكان الأليق في دعواهم لمحبة الإمام علي بن أبي طالب أن يتبعوه ولكن المحبة التي لا تكون مبنية على أسس شرعية لن تهدي صاحبها إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فخالفوا فيه أهل السنة من وجهين: الأول: أنهم يرون مسح القدم، ولو لم يكن عليها خف، فوقعوا في

стр. 1842

وعيد قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: ويل للأعقاب من النار (١). الثاني: أنهم أنكروا المسح على الخفين على كثرة الأحاديث الواردة فيه، حتى اعتبرت من قبيل الأحاديث المتواترة. وقد ذكر المسح على الخفين بعض ممن ألف في العقائد مع أنه مسألة فقهية، للتنبيه على أن حكم هذه المسألة فرق بين أهل السنة، وبين أهل البدع من الخوارج والرافضة هداهم الله. وعلى كل حال فهم يخالفون أهل السنة في أكبر من ذلك، ولهم في كتاب الله ، وسنة رسول الله ﷺ ، وصحابته عقائد منكرة، وإنما ذكرت ما ذكرت تحذيراً لمن ينكر سنة المسح لئلا يتشبه بهم، وليحذر من طريقة أهل البدع. والله الهادي وحده إلى الطريق المستقيم. وقبل أن أختم هذا الفصل، أود أن أعرف الخف والجورب والموق والجبيرة عند أهل اللغة. تعريف الخف: قال الفيومي: الخف: الملبوس، جمعه: خفاف، مثل كتاب. وفرق بين هذا وخف البعير؛ إذ يجمع الثاني على أخفاف، مثل قفل، وأقفال (٢). وقال الفيروزآبادي: أخفاف: واحد الخفاف، التي تلبس، وتخفّف: لبسه.

стр. 1843

ثم ذكر المثل المشهور: جئتكم بخفي حنين، مثل يضرب عند اليأس من الحاجة (١). وجاء في المعجم الوسيط: الخف: ما يلبس في الرجل من جلد رقيق (٢). تعريف الجوارب: قال الأزهري والفيروزآبادي: الجورب لفافة الرجل (٣). وقيل: إنه فارسي معرب، وأصله كورب (٤). وأما مادته التي يصنع منها، فقال أبو بكر بن العربي: الجورب غشاآن للقدم من صوف، يتخذ للوقاء. وفي التوضيح للحطاب المالكي: الجوارب ما كان على شكل الخف، من كتان أو قطن أو غير ذلك. وفي الروض المربع للبهوتي الحنبلي: الجورب: ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد. وقال العيني: الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد، وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب (٥).

стр. 1844

فظهر أن الفرق بينه وبين الخف، أن الخف يكون من جلد، والجورب يكون من غير الجلد. تعريف الجرموق: الجرموق: بضم الجيم والميم: فارسي معرب، وهو شيء يلبس فوق الخف لشدة البرد، أو حفظه من الطين وغيره، ويكون من الجلد غالباً. والجمع: جراميق. وقال الأزهري: الجرموق: خف يلبس فوق الخف. وفي القاموس: لا تجتمع الجيم والقاف في كلمة إلا معربة، أو تكون صوتاً (١). تعريف الموق: والموق كما في مختار الصحاح: ما يلبس فوق الخف، وهو فارسي معرب (٢). وقال الجوهري والمطرزي: الموق خف قصير، يلبس فوق الخف، نقلاً من شرح فتح القدير (٣). وأنكر النووي أن يكون الموق يلبس فوق الخف، فذكر عن أصحابه أن الموق: هو الخف لا الجرموق، وقال: هو الصحيح المعروف في كتب أهل الحديث وغريبه (٤).

стр. 1845

وجاء في نصب الراية: " قال الشيخ تقي الدين في الإمام: وقد اختلفت عباراتهم في تفسير الموق، فقال: ابن سيده: الموق ضرب من الخفاف، والجمع أمواق، عربي صحيح. وحكى الأزهري عن الليث: الموق ضرب من الخفاف، ويجمع على أمواق. وقال الجوهري: الموق الذي يلبس فوق الخف، فارسي معرب. وقال الفراء: الموق الخف فارسي معرب، وجمعه أمواق. وكذلك قال الهروي الموق الخف فارسي معرب، وقال كراع: الموق الخف والجمع أمواق انتهى " (١). تعريف الجبيرة: جاء في المصباح: " جبرت اليد: وضعت عليها جبيرة، والجبيرة: عظام توضع على الموضع العليل من الجسد، ينجبر بها، والجبارة بالكسر: مثله، والجمع: الجبائر (٢). وفي المختار: الجبيرة: العيدان التي تجبر بها العظام (٣). وقال في طلبة الطلبة: الجبائر: هي التي تربط على الجرح، جمع جبيرة: وهي العيدان التي تجبر بها العظام (٤). وقال البعلي: هي أخشاب ونحوها، تربط على الكسر ونحوه (٥).

стр. 1846

الباب الأول في حكم المسح ويشتمل على تسعة فصول

стр. 1847

الفصل الأول خلاف العلماء في المسح على الخفين اختلف العلماء في جواز المسح على الخفين: فقيل: يجوز في الحضر والسفر. وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، ورواية عن مالك (٤)، واختيار ابن حزم (٥).

стр. 1848

وقيل: يجوز في السفر ولا يجوز في الحضر. وهو رواية عن مالك (١). وقيل: لا يجوز مطلقاً، وهو أضعف الروايات عن مالك (٢). أدلة الجمهور على جواز المسح على الخفين . الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (٣). قال الطبري: اختلف القراء، في قراءة قوله تعالى (وأرجلكم) فقرأه جماعة من قراء الحجاز والعراق: " وأرجلكم " نصباً، فتأويله: إذا قمتم إلى

стр. 1849

الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم. ثم قال: وقرأ آخرون من قراء الحجاز والعراق: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ بخفض الأرجل (١). وقال ابن الجوزي: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر اللام عطفاً على مسح الرأس (٢). وجه الشاهد من الآية: على قراءة كسر: (وأرجلكم) تأولها بعضهم أن فيها إشارة للمسح على الخفين. قال القرطبي: قيل: إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيداً لمسحهما لكن إذا كان عليهما خفان، وتلقينا هذا القيد من رسول الله ﷺ إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان، فبين ﷺ بفعله الحال التي تغسل فيه الرجل، والحال التي تمسح فيه، وهذا حسن (٣). قلت: ولا يمكن أن يفهم من قراءة الجر جواز مسح القدم، ولو كانت مكشوفة، لأن النبي ﷺ لم يمسح قدميه قط، وقد قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: " ويل للأعقاب من النار " (٤).

стр. 1850

وقال ابن العربي: وطريق النظر البديع أن القراءتين محتملتان، وأن اللغة تقضي بأنهما جائزتان، فردهما الصحابة إلى الرأس مسحاً، فلما قطع بنا حديث النبي ﷺ ووقف في وجوهنا وعيده - يعني حديث ويل للأعقاب من النار - قلنا: جاءت السنة قاضية بأن النصب يوجب العطف على الوجه واليدين، ثم قال: وجاء الخفض ليبين أن الرجلين يمسحان حال الاختيار على حائل، وهما الخفان، بخلاف سائر الأعضاء، فعطف النصب مغسولاً على مغسول، وعطف بالخفض ممسوحاً على ممسوح، وصح المعنى فيه (١). وقال الشنقيطي ﵀: قال بعض العلماء: المراد بقراءة الجر: المسح، ولكن النبي ﷺ بين أن ذلك المسح لا يكون إلا على خف، وعليه فالآية تشير إلى المسح على الخف في قراءة الخفض (٢). الدليل الثاني: (١) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وإسحاق بن إبراهيم وأبو كريب جميعاً، عن أبي معاوية ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع - واللفظ ليحيى -قال: أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، قال: بال جرير، ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه.

стр. 1851

قال الأعمش: قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. وفي رواية: قال: فكان أصحاب عبد الله يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، والحديث في البخاري (١). الدليل الثالث: (٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن مغيرة بن شعبة، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فقال: يامغيرة خذ الإداوة، فأخذتها، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني، فقضى حاجته، وعليه جبة شأمية، فذهب ليخرج يده من كمها، فضاقت، فأخرج يده من أسفلها، فصببت عليه، فتوضأ وضوءه للصلاة، ومسح على خفيه، ثم صلى. ورواه مسلم (٢). الدليل الرابع: (٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أصبغ بن الفرج المصري، عن ابن وهب، قال: حدثني عمرو بن الحارث، حدثني أبو النضر، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفين، وأن عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك، فقال: نعم إذا حدثك شيئاً

стр. 1852

سعد عن النبي ﷺ فلا تسأل عنه غيره (١). الدليل الخامس: (٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، أن أباه أخبره، أنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين (٢). الدليل السادس: (٥) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا أبوخيثمة، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، قال: كنت مع النبي ﷺ ، فانتهى إلى سباطة قوم، فبال قائماً، فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ، فمسح على خفيه (٣). الدليل السابع: (٦) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، قالا: حدثنا أبو معاوية ح وحدثنا إسحاق، أخبرنا عيسى بن يونس، كلاهما عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،

стр. 1853

عن كعب بن عجرة، عن بلال أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار (١). ورواه النسائي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم (دحيم) وسليمان بن داود، واللفظ له، عن ابن نافع، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أسامة بن زيد، قال: دخل رسول الله ﷺ وبلال الأسواق، فذهب لحاجته، ثم خرج، قال أسامة: فسألت بلالاً ما صنع؟ فقال بلال: ذهب النبي ﷺ لحاجته، ثم توضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين، ثم صلى (٢). [حديث صحيح] (٣).

стр. 1854

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1855

والحديث صريح بأنه مسح في الحضر، وليس بالسفر. الدليل الثامن: (٧) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد ح وحدثني محمد بن حاتم - واللفظ له - حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه، قال: عمداً صنعته يا عمر (١). الدليل التاسع: في الأحاديث التي توقت للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام، فيها دلالة على جواز المسح في الحضر والسفر، وسوف يأتي ذكرها - إن شاء الله - في بحث هل المسح مؤقت أم لا؟ منها حديث علي بن أبي طالب، وصفوان بن عسال، وحديث خزيمة بن ثابت، وعوف بن مالك، وغيرها من الأحاديث، وكذلك جاء المسح في حديث ثوبان، وأنس، وسلمان، وأبي طلحة، وسيأتي إن شاء الله تعالى تخريجها في باب المسح على العمامة. والله أعلم. الدليل العاشر: قال ابن عبد البر: لا أعلم في الصحابة مخالفاً - يعني: في جواز

стр. 1856

المسح على الخفين - إلا شيئاً لا يصح عن عائشة، وابن عباس وأبي هريرة، وقد روي عنهم من وجوه خلافه في المسح على الخفين (١)، وكذلك لا أعلم في التابعين أحداً ينكر ذلك، ولا في فقهاء المسلمين إلا رواية جابر، عن مالك، والروايات الصحاح عنه بخلافه، وهي منكرة يدفعها موطؤه، وأصول مذهبه (٢). ونقل ابن المنذر، عن ابن المبارك، قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف؛ لأن كل من روي عنهم إنكاره، فقد روى عنه إثباته (٣). (٨) وروى ابن المنذر، قال: حدثنا علي بن الحسن، ثنا أحمد بن يونس، ثنا محمد بن الفضل بن عطية، عن الحسن، قال: حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه ﵇ مسح على الخفين (٤). قال ابن المنذر بعد أن ساق جملة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ممن يرى جواز المسح على الخفين، قال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وكل من لقيت منهم على القول به (٥).

стр. 1857

وقال أيضاً: " أجمعوا على أن كل من أكمل طهارته، ثم لبس الخفين، وأحدث، أن له أن يمسح عليهما (١). أدلة القائلين بجواز المسح في السفر خاصة . الدليل الأول: (٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب، فسله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألناه، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم (٢). [الحديث روي مرفوعاً وروي موقوفاً، والرفع محفوظ إن شاء الله تعالى] (٣).

стр. 1858

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1859

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1860

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →