وجه الاستدلال:
فهذا الرجل وهو أعرابي كما في بعض الروايات، كان يجهل الطهور، وقد سأل عن الوضوء فلو كانت النية من شرائطه التي يتوقف عليها صحة الوضوء لذكر النبي ﷺ النية له. فلما لم يذكرها علم أنها ليست بشرط.
وأجيب:
بأن النبي ﷺ قد علم المسيء صلاته كيفية الصلاة، ولم يذكر له
стр. 2068
النية، وقد قلتم بوجوبها للصلاة فما الفرق؟
الدليل الخامس:
(٦٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمر والناقد وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر كلهم، عن ابن عيينة. قال إسحاق: أخبرنا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: قلت:
يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (١).
وجه الاستدلال:
قوله: " إنما يكفيك " ساقه مساق الحصر، ولم يذكر النية.
قلت: السؤال عن الكيفية، ولذا قال ﷺ لعمار
كما في البخاري، ومسلم (٢) في صفة التيمم: " إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا " وذكر صفة التيمم، ولم يذكر له النية، وأنتم تقولون باشتراط النية في التيمم.
الدليل السادس:
القياس على إزالة النجاسة، فإذا كانت طهارة الخبث لا تتوقف على
стр. 2069
نية فعدم توقف طهارة الحدث على النية أولى؛ وإنما قلنا إن طهارة الخبث أولى؛ لأن سببها وموجبها أمر حسي، وخبث مشاهد؛ ولأنه لا بدل لها من التراب، فقد ظهرت قوتها حساً وشرعاً.
وأجيب:
هناك فرق بين طهارة الحدث، وطهارة الخبث، فالأولى من باب فعل المأمور، ولم يكن الموجب لها نجاسة حسية، وتخصيصها بالأعضاء الأربعة في الصغرى تعبد، أما طهارة الخبث فالمطلوب التخلي منها، فهي من باب التروك، ولهذا لو صلى ناسياً حدثه أعاد، بخلاف طهارة الخبث، فما كان من باب فعل المأمور وجبت له النية كالصلاة، وما كان من باب التروك لم تجب كالنجاسة وترك الزنا ونحوهما.
الدليل السابع:
قال تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ (١). فإذا كان الماء خلق طهوراً، فهذه صفته وطبيعته، كما خلق الماء مروياً، وخلق مبرداً سائلاً، كل ذلك طبعه ووصفه الذي جعل عليه، فكما أنه لا يحتاج إلى النية في حصول الري والتبريد، فكذلك في حصول التطهير، فإذا كان الماء خلق طاهراً، وطاهريته لا تتوقف على نية، فكذلك طهوريته (٢).
الدليل الثامن:
المراد من الوضوء النظافة والوضاءة، وقيام العبد بين يدي الرب
стр. 2070
تبارك وتعالى على أكمل أحواله، مستور العورة، متجنباً للنجاسة، نظيف الأعضاء وضيئها، وهذا حاصل باتيانه بهذه الأفعال، نواها أو لم ينوها، يوضحه أن الوضوء غير مراد لنفسه، بل مراد لغيره، والمراد لغيره لا يجب أن ينوى؛ لأنه وسيلة. وإنما تعتبر النية في المراد لنفسه إذ هو المقصود المراد (١). فالراجح قول الجمهور وأن النية شرط في طهارة الحدث، وقياسها على طهارة الخبث لا يصح، ونية الوضوء كافية، ولا يحتاج المسح على الخفين إلى نية مستقلة، بل هو داخل في نية الوضوء، كأفعال الصلاة، فالصلاة لا بد لها من نية، وأفعال الركوع والسجود لا يحتاجان إلى نية خاصة، بل هما داخلان في نية الصلاة، ومثله أفعال الحج، والله أعلم.
стр. 2071
الباب الثالث
في صفة المسح
ويشتمل على خمسة فصول
стр. 2072
الفصل الأول
في المقدار المجزئ في المسح على الخفين
فقيل: إن مسح خفه بأصبع أو أصبعين لم يجزه، وإن مسح بثلاثة أصابع أجزأه، وهو مذهب الحنفية.
وقيل: يجب استيعاب أعلى الخف بالمسح، وهو مذهب المالكية (١).
وقيل: يجزئ مقدار ما يقع عليه اسم المسح في محل الفرض، وهو مذهب الشافعية (٢)، وبه قال سفيان، (٣) وهو مذهب داود الظاهري، ورجحه ابن حزم (٤).
وقيل: يجب أن يمسح أكثر ظاهر الخف، وهو مذهب الحنابلة.
دليل من قال يمسح بثلاثة أصابع .
الدليل الأول:
(٧٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي
стр. 2073
العلاء (١)، قال: رأيت قيس بن عباد بال، ثم أتى دجلة، فمسح على الخف، وفرج بينهما، فرأيت أثر أصابعه في الخف (٢).
[إسناده ضعيف، فيه أبو العلاء يريم] (٣)
стр. 2074
الدليل الثاني:
(٧١) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال:
رأيت الحسن بال، ثم توضأ، فمسح على خفيه مسحة واحدة على ظهورهما، قال: فرأيت أثر أصابعه على الخف (١).
[إسناده صحيح] (٢).
وجه الاستدلال من الأثرين:
قوله في الأثرين: " فرأيت أثر أصابعه "، والأصابع: اسم جمع، وأقل الجمع الصحيح ثلاثة، فكان هذا تقديراً للمسح ثلاثة أصابع اليد. وقدرناها بأصابع اليد؛ لأنها آلة المسح؛ ولأن الفرض يتأدى بها بيقين؛ لأنها ظاهرة محسوسة، فأما أصابع الرجل فمستترة بالخف، لا يعلم مقداره إلا بالحرز والظن، فكان التقدير بأصابع اليد أولى.
دليل من قال يجب إستيعاب ظاهر الخف .
استدلوا بالأحاديث الدالة على مسح ظاهر الخف، فإنها نصت على مسح الظاهر، ولو كان المقصود أكثر الظاهر أو بعضه لنقل. منها:
стр. 2075
(٧٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن رافع، ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا يزيد بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير،
عن على رضي الله تعالى عنه قال: ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه (١).
[رجاله ثقات] (٢).
стр. 2076
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2077
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2078
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2079
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2080
وجه الاستدلال: فهذا الحديث نص على مسح ظاهر الخف، وهو دليل على وجوب استيعاب ظاهر الخف، ولو كان يغني أكثر الظاهر لنقل.
الدليل الثاني:
(٧٣) ما رواه أحمد، قال: أبي ثنا إبراهيم بن أبي العباس، ثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن عروة، قال:
قال المغيرة بن شعبة: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهور الخفين.
قال عبد الله: قال أبي: حدثنا سريج والهاشمي أيضاً (١).
[تفرد بذكر المسح على ظهور الخفين عبد الرحمن بن أبي الزناد، وفيه لين، وباقي رجاله ثقات] (٢).
стр. 2081
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2082
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2083
وجه الاستدلال من هذا الحديث كالاستدلال بالذي قبله.
الدليل الثالث:
(٧٤) ما رواه ابن المنذر في الأوسط (١)، والبيهقي في السنن (٢)، من
стр. 2084
طريق عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب،
عن حميد بن مخراق الأنصاري، أنه رأى أنس بن مالك بقباء مسح ظاهر خفيه بكفيه مسحة واحدة. هذا لفظ البيهقي.
[إسناده ضعيف] (١).
الدليل الرابع: من الآثار.
(٧٥) ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة،
أنه رأى أباه يمسح على الخفين، قال: وكان لا يزيد إذا مسح على الخفين على أن يمسح على ظهورهما، ولا يمسح بطونهما (٢).
دليل من قال يجزئ ما يقع عليه اسم المسح .
قالوا: إن المسح ورد مطلقاً، ولم يصح عن النبي ﷺ في تقدير واجبه شيء، فتعين الاكتفاء بما يصدق عليه اسم المسح.
فإن قيل: لم ينقل عن النبي ﷺ الاكتفاء بما يصدق عليه مطلق المسح.
قيل: لا يفتقر ذلك إلى نقل؛ لأنه مستفاد من إطلاق إباحة المسح، فإنه يتناول القليل والكثير، ولا يعدل عنه إلا بدليل.
دليل من قال يجب أن يمسح أكثر ظاهر الخف .
إذا كان المسح بالأصابع على ظاهر الخف، فإن هذا دليل على أنه
стр. 2085
لا يستوعب الظاهر بل يكفي مسح أكثر الظاهر.
الدليل الأول:
(٧٦) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن المصفى الحمصي، قال: ثنا بقية، عن جرير بن يزيد، قال: حدثني منذر، حدثني محمد بن المنكدر،
عن جابر، قال: مر رسول الله ﷺ برجل يتوضأ، ويغسل خفيه، فقال بيده - كأنه دفعه - إنما أمرت بالمسح، وقال رسول الله ﷺ بيده هكذا من أطراف الأصابع إلى أصل الساق، وخطط بالأصابع (١).
[حديث ضعيف جداً أو موضوع] (٢).
стр. 2086
الدليل الثاني:
(٧٧) ما رواه عبد الرزاق (٨٥١) عن معمر، عن أيوب، قال:
رأيت الحسن بال، ثم توضأ، فمسح على خفيه مسحة واحدة على ظهورهما، قال: فرأيت أثر أصابعه على الخف.
[إسناده صحيح] (١).
الدليل الثالث:
(٧٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال:
رأيت عمر بن الخطاب بال، فتوضأ، ومسح على خفيه، قال: حتى إني لأنظر إلى أثر أصابعه على خفيه (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
стр. 2087
الدليل الرابع:
(٧٩) ما رواه ابن المنذر، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا زكريا بن زحمويه، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي، حدثنا الفضل بن مبشر، قال:
رأيت جابر بن عبد الله يتوضأ، ويمسح على خفيه على ظهورهما مسحة واحدة إلى فوق، ثم يصلي الصلوات كلها، قال: ورأيت رسول الله ﷺ يصنعه، فأنا أصنع كما رأيت رسول الله ﷺ (١).
[إسناده فيه لين] (٢).
стр. 2088
الدليل الخامس:
(٨٠) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف قال: حدثنا الثقفي، عن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا الحسن،
عن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 2089
دليل من قال يجزئ مقدار ما يقع عليه اسم مسح .
قالوا: إن المسح ورد مطلقاً، ولم يصح عن النبي ﷺ في تقدير واجبه شيء، فتعين الاكتفاء بما يصدق عليه اسم المسح.
فإن قيل: لم ينقل الاكتفاء بما يصدق عليه مطلق المسح.
قيل: لا يفتقر ذلك إلى نقل؛ لأنه مستفاد من إطلاق إباحة المسح، فإنه يتناول القليل والكثير، ولا يعدل عنه إلا بدليل.
الراجح: هو القول بأن الواجب أكثر ظاهر الخف، واستيعاب ظاهره شاق جداً خاصة إذا علمنا أن آلة المسح هي الأصابع، وأنها تترك خطوطاً على ظاهر الخف، فكان أكثره قائماً مقام استيعاب ظاهره، والله أعلم.
стр. 2090
الفصل الثاني
الخلاف في مسح أسفل الخف
стр. 2091
الفصل الثاني
الخلاف في مسح أسفل الخف
اختلف العلماء في مسح أسفل الخف،
فقيل: لا يمسح أسفل الخف، وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: يمسح الظاهر والباطن، فإن مسح الباطن فقط لم يجزئ، وحكي إجماعاً والخلف محفوظ. وإن مسح الأعلى فقط أجزأه ذلك. وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤).
قال مالك: إن مسح الأعلى فقط وصلى، يعيد الصلاة ما دام في
стр. 2092
الوقت، فإن خرج الوقت أجزأه (١).
دليل الحنفية والحنابلة .
الدليل الأول:
(٨١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن رافع، ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا يزيد بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير،
عن علي رضي الله تعالى عنه قال: ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه (٢).
[رجاله ثقات وسبق تخريجه].
الدليل الثاني:
(٨٢) ما رواه أحمد، قال: أبي ثنا إبراهيم بن أبي العباس، ثنا عبد
стр. 2093
الرحمن ابن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن عروة، قال:
قال المغيرة بن شعبة: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهور الخفين.
قال عبد الله: قال أبي: حدثنا سريج والهاشمي أيضاً (١).
[تفرد بذكر المسح على ظهور الخفين عبد الرحمن بن أبي الزناد، وفيه لين، وباقي رجاله ثقات، وسبق بحثه].
الدليل الثالث:
(٨٣) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا الثقفي، عن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا الحسن،
عن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين (٢).
[إسناده ضعيف، وسبق بحثه]
الدليل الرابع:
(٨٤) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي العلاء، قال: رأيت قيس بن عباد بال، ثم أتى دجلة، فمسح على الخف، وفرج بينهما، فرأيت أثر أصابعه في الخف (٣).
стр. 2094
[إسناده ضعيف، فيه أبو العلاء، وسبق بحثه].
الدليل الخامس:
(٨٥) ما رواه ابن المنذر، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا زكريا بن زحمويه، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي، حدثنا الفضل بن مبشر، قال:
رأيت جابر بن عبد الله يتوضأ، ويمسح على خفيه على ظهورهما مسحة واحدة إلى فوق، ثم يصلي الصلوات كلها، قال: ورأيت رسول الله ﷺ يصنعه، فأنا أصنع كما رأيت رسول الله ﷺ (١).
[إسناده فيه لين، وسبق بحثه]
الدليل السادس:
(٨٦) من الآثار، ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال:
رأيت الحسن بال، ثم توضأ، فمسح على خفيه مسحة واحدة على ظهورهما، قال: فرأيت أثر أصابعه على الخف.
[إسناده صحيح] (٢).
دليل من قال: يمسح أسفل الخف .
الدليل الأول:
(٨٧) ما رواه أحمد، قال: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور، عن رجاء ابن حيوة، عن كاتب المغيرة،
стр. 2095
عن المغيرة أن رسول الله ﷺ توضأ فمسح أسفل الخف وأعلاه (١).
[الحديث معلول] (٢).
стр. 2096
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2097
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2098
الدليل الثاني:
(٨٨) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال:
قال عطاء: رأيت ابن عمر يمسح عليهما - يعني خفيه - مسحة واحدة بيديه كلتيهما، بطونهما وظهورهما، وقد أهرق قبل ذلك الماء، فتوضأ هكذا لجنازة دعي إليها.
[رجاله ثقات] (١).
стр. 2099
والجواب عن هذا:
أن هذا الأثر موقوف على ابن عمر ﵁، مخالف لما هو مرفوع، فلا يقبل.
الدليل الثالث:
من النظر أن المسح بدل من الغسل، وإذا كان في الغسل يغسل أعلى القدم وأسفله، فكذلك المسح ينبغي أن يستوعب القدم أعلاه وأسفله.
قال ابن رشد في بداية المجتهد " وسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك، وتشبيه المسح بالغسل، وذلك أن في ذلك أثرين متعارضين:
أحدهما: حديث المغيرة بن شعبة، وفيه: " أنه مسح أعلى الخف وباطنه ".
والآخر: حديث علي: " لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه ".
فمن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين، حمل حديث المغيرة على الاستحباب، وحديث علي على الوجوب، وهي طريقة حسنة، ومن ذهب مذهب الترجيح أخذ إما بحديث علي، وإما بحديث المغيرة، فمن رجح حديث المغيرة على حديث علي رجحه من قبل القياس، أعني: قياس المسح على الغسل، ومن رجح حديث علي، رجحه من قبل مخالفته للقياس ، أو من جهة السند ... الخ كلامه ﵀.
قلت: وإذا كان الاكتفاء بالظاهر مخالفاً للقياس، كان من قال به لابد أنه اطلع على سنة في هذا؛ لأن مجرد القياس قد لا يدل عليه، ومن مسح الأعلى والأسفل اجتهد برأيه قياساً على الغسل، ولا شك أن الأول
стр. 2100
أولى، على أن قولنا مخالف للقياس هذا بحسب الفهم القاصر، وإلا فلا يوجد في الشرع ما يخالف القياس الصحيح، فإن التخفيف بالمسح على وفق القياس.
وأنكر ابن حزم على المالكية كونهم يأمرون من ترك مسح أسفل الخف دون أعلاه، أن يعيد صلاته ما دام في الوقت.
قال ابن حزم: " إن كان قد أدى فرض طهارته وصلاته فلا معنى للإعادة، وإن كان لم يؤدها، فيلزمه عندهم أن يصلي أبداً " (١). يعني في الوقت أو خارج الوقت. والحق ما قال ابن حزم.
وتكلف النووي في المجموع في تأويل حديث علي، ليوافق مذهب إمامه أن المجزئ في المسح أقل ما يصدق عليه أنه مسح.
قال النووي: " لو كان الدين بالرأي لكان ينبغي لمن أراد الاقتصار على أقل ما يجزئ أن يقتصر على أسفله، ولكني رأيت رسول الله ﷺ اقتصر على أعلاه، ولم يقتصر على أسفله، فقوله عفى الله عنه: " لكان ينبغي لمن أراد الاقتصار على أقل ما يجزئ " هذا اللفظ من كيس النووي بلا ريب، وليست من اللفظ النبوي، ثم قال عفى الله عنه:
" فليس فيه نفي استحباب الاستيعاب، وهذا كما صح أن النبي ﷺ مسح بناصيته، ولم يلزم منه نفي استحباب استيعاب الرأس، وإنما المقصود منه بيان أن الاستيعاب ليس بواجب ".
قلت: ظاهر كلام النووي ﵀ أنه ثبت عن الرسول ﷺ أنه
стр. 2101
اكتفى بالمسح على الناصية، ولم يثبت هذا عنه، وليس هذا موضع بحثه، وحمل حديث المغيرة على الاستحباب حمل جيد لو كان الحديث صحيحاً؛ لأن الجمع أولى من الترجيح، لكن إذا ثبت أن حديث المغيرة ضعيف كما بينته، فلا داعي للجمع، فيبقى القول الأول هو الصحيح المتعين، والله أعلم.
стр. 2102
الفصل الثالث
هل يكفي غسل الخف عن مسحه
стр. 2103
الفصل الثالث
هل يكفي غسل الخف عن مسحه
هل يكفي غسل الخف عن مسحه، اختلف في ذلك
فقيل: يكفي مع الكراهة، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره محمد بن الحسن من الحنفية (٤).
وقيل: لا يجزئ، اختاره القفال من الشافعية (٥)، والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (٦).
وقيل: إن مسح بيديه على الخفين حال الغسل أجزأه، وإلا فلا (٧).
стр. 2104
دليل من قال يجزئ مع الكراهة .
الدليل الأول:
أن الغسل خلاف المشروع، وأن المشروع هو المسح فقط.
الدليل الثاني:
ولأنه قد يدخل في الاعتداء بالطهور، وأقل أحواله أن يكون مكروهاً.
الدليل الثالث:
(٨٩) ما رواه أحمد، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي نعامة،
أن عبد الله بن مغفل سمع ابناً له يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض من الجنة إذا دخلتها عن يميني، قال فقال له: يا بني سل الله الجنة، وتعوذه من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون من بعدي قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور (١).
[رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعاً] (٢).