اكتفى بالمسح على الناصية، ولم يثبت هذا عنه، وليس هذا موضع بحثه، وحمل حديث المغيرة على الاستحباب حمل جيد لو كان الحديث صحيحاً؛ لأن الجمع أولى من الترجيح، لكن إذا ثبت أن حديث المغيرة ضعيف كما بينته، فلا داعي للجمع، فيبقى القول الأول هو الصحيح المتعين، والله أعلم.
стр. 2102
الفصل الثالث
هل يكفي غسل الخف عن مسحه
стр. 2103
الفصل الثالث
هل يكفي غسل الخف عن مسحه
هل يكفي غسل الخف عن مسحه، اختلف في ذلك
فقيل: يكفي مع الكراهة، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره محمد بن الحسن من الحنفية (٤).
وقيل: لا يجزئ، اختاره القفال من الشافعية (٥)، والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (٦).
وقيل: إن مسح بيديه على الخفين حال الغسل أجزأه، وإلا فلا (٧).
стр. 2104
دليل من قال يجزئ مع الكراهة .
الدليل الأول:
أن الغسل خلاف المشروع، وأن المشروع هو المسح فقط.
الدليل الثاني:
ولأنه قد يدخل في الاعتداء بالطهور، وأقل أحواله أن يكون مكروهاً.
الدليل الثالث:
(٨٩) ما رواه أحمد، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي نعامة،
أن عبد الله بن مغفل سمع ابناً له يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض من الجنة إذا دخلتها عن يميني، قال فقال له: يا بني سل الله الجنة، وتعوذه من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون من بعدي قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور (١).
[رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعاً] (٢).
стр. 2105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2106
ومن الاعتداء بالطهور مجاوزة الحد المشروع، وأنها من الإساءة والظلم.
стр. 2107
الدليل الرابع:
(٩٠) ما رواه أحمد، قال: ثنا يعلي، ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال:
جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً، قال: هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم (١).
[رجاله ثقات إلى عمرو بن شعيب، فهو حسن عند من يحسن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده] (٢).
ولا شك أن غسل الخف زيادة على المشروع، فيكون قد أساء وتعدى وظلم بهذه الزيادة.
دليل من قال لا يجزئ .
(٩١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يعقوب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد (٣).
وفي رواية لمسلم: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ".
فالرسول ﷺ إنما أمر بالمسح، فلما لم يفعله لم يجزه.
стр. 2108
دليل من قال إن مسح بيده على الخفين حال الغسل أجزأ .
قال: إن المطلوب هو المسح، وقد حصل بإمرار اليد على الخفين.
وهذا القول ربما يكون أقرب مع الكراهة؛ لأن الغسل فيه مخالفة للمشروع، ومن جهة قد يتلف الخف، لكن إن كان هناك حاجة إلى هذا الفعل ربما ترتفع الكراهة، والله أعلم.
стр. 2109
الفصل الرابع
حكم تكرار المسح على الخفين
стр. 2110
الفصل الرابع
حكم تكرار المسح على الخفين
اختلف العلماء في حكم تكرار المسح على الخفين.
فقيل: لا يسن تكرار المسح، وهو مذهب الحنفية (١)،
والشافعية (٢).
وقيل: يكره، هو مذهب المالكية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: يشرع تكرار المسح ثلاثاً، وهو اختيار عطاء (٥).
стр. 2111
دليل من قال لا يسن ومن قال بكراهة التكرار (١).
أولاً: لم ينقل تكرار المسح لا قولاً ولا فعلاً، وليس في الأحاديث إلا أنه مسح على خفيه، وهذا يصدق عليه بفعله مرة واحدة.
ثانياً: أن تكرار المسح يحوله من مسح إلى غسل.
ثالثاً: أن كل شيء فرضه المسح فشأنه التخفيف فهذا الرأس لايشرع تثليثه على الصحيح، ولايشرع تثليث المسح على الجبيرة على القول بمسحها.
قال في مواهب الجليل: " وإذا كانت الجبيرة في موضع يغسل في الوضوء ثلاثاً فإنه يمسح عليها مرة واحدة لا ثلاثاً، قاله عبد الحق في النكت، قال: ودليله المسح على الخفين إنما يمسح مرة واحدة، وهو بدل عن مغسول ثلاثاً؛ وذلك لأن شأن المسح التخفيف " (٢).
دليل من قال يستحب تكرار المسح ثلاثاً .
قال: إن المسح بدل عن الغسل، وإن كانت القدم تغسل ثلاثاً استحب التثليث في المسح؛ لأن البدل له حكم المبدل
وأجيب: بأن هذا قياس في مقابل النص، فيكون قياساً فاسداً، ثم إن التيمم بدل عن الوضوء، ولا يشرع فيه التثليث، فالبدل له حكم المبدل في الحكم لا في الصفة، ولذلك يكتفى في مسح الخف بظاهره، ولم يجب التعميم كالأصل.
стр. 2112
الفصل الخامس
هل يبدأ بالرجل اليمنى أم يمسحهما معاً
стр. 2113
الفصل الخامس
هل يبدأ بالرجل اليمنى أم يمسحهما معاً؟
اختلف العلماء في سنة المسح، وأما الفرض فكيف أتى بالمسح على ظهر القدم بكل اليد، أو ببعضه أجزأه على الصحيح (١).
وقال ابن حزم: ما وقع عليه اسم مسح، فقد أدى فرضه إلا أن أبا حنيفة قال: لا يجزئ المسح على الخفين إلا بثلاثة أصابع (٢).
وقال الصنعاني: لم يرد في الكيفية ولا الكمية حديث يعتمد عليه، إلا حديث علي في بيان المسح، والظاهر أنه إذا فعل المكلف ما يسمى مسحاً على الخف لغة أجزأه " (٣).
وهل يمسح الخفين معاً كالأذنين، أو يسن أن يقدم اليمنى ثم اليسرى؟
فقيل: يمسح الخفين معاً، بحيث يضع أصابع يده اليمنى على مقدم خفه الأيمن، وأصابع يده اليسرى علىمقدم خفه الأيسر، ويمدهما جميعاً إلى
стр. 2114
الساق. وهذا مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يستحب تقديم اليمنى على اليسرى، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣)، وظاهر مذهب من يرى مسح أسفل الخف مع أعلاه، كالمالكية والشافعية (٤).
دليل من قال يمسحان معاً .
الدليل الأول:
(٩٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا الثقفي، عن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا الحسن،
عن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين (٥).
стр. 2115
[الحديث ضعيف، وسبق بحثه].
الدليل الثاني:
(٩٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زكريا، عن عامر، عن عروة بن المغيرة،
عن أبيه، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما (١).
فقوله: " فمسح عليهما " ولم يقل بدأ باليمنى، ولو كان مشروعاً لنقلت هذه الصفة، وحفظت؛ لأنه من شرع الله .
وأجيب:
بأن الحديث مجمل غير مبين، وليس صريحاً في التيامن، ولا في عدمه.
الدليل الثالث:
القياس على الأذنين، فطهارة المسح لا تيمن فيها، فكما أن الأذنين عضوان مستقلان، ومع ذلك لم يشرع التيمن فيهما، فكذلك الرجلان في حالة المسح.
وأجيب:
بأن الأذنين يمسحان مع الرأس، وهوعضو واحد، ولذلك لا يشرع أخذ ماء جديد لهما، بل يكفي ماء الرأس، وإذا كانا تبعاً للرأس، لم يكن هناك محل للتيامن، فلا يمكن في عضو واحد، يتيامن في بعضه، ولا يتيامن في بعضه الآخر، والله أعلم.
стр. 2116
دليل من قال تقدم اليمنى على اليسرى .
الدليل الأول:
أن المسح بدل من الغسل، والبدل له حكم المبدل، فكما أنه يشرع تقديم غسل اليمنى في الرجلين واليدين، فكذلك يشرع تقديم مسح اليمنى على اليسرى.
الدليل الثاني:
لم يأت نص صريح في مسح الرجلين معاً، وحيث لم يأت نص، يبقى الحكم لا يختلف عن غسلهما حتى يأت نص صريح في استحباب عدم التيامن، لأن الاستحباب حكم شرعي، يحتاج إلى نص شرعي صريح صحيح، ولم يتوفر هنا، والله أعلم.
стр. 2117
فرع
قال في الفتاوى الهندية: وإظهار الخطوط ليس بشرط في ظاهر الرواية، كذا في الزاهدي، وهكذا في شرح الطحاوي، ولكنه مستحب، هكذا في منية المصلي (١).
(٩٤) قلت: ربما يؤخذ استحباب إظهار الخطوط، بما رواه ابن أبي شيبة في المصنف قال: حدثنا الثقفي، عن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا الحسن،
عن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين (٢).
[إسناده ضعيف، وسبق بحثه].
(٩٥) ومن الآثار، ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال:
رأيت الحسن بال، ثم توضأ، فمسح على خفيه مسحة واحدة على ظهورهما، قال: فرأيت أثر أصابعه على الخف.
[إسناده صحيح] (٣).
стр. 2118
(٩٦) وبما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي العلاء، قال: رأيت قيس بن عباد بال، ثم أتى دجلة، فمسح على الخف، وفرج بينهما، فرأيت أثر أصابعه في الخف (١).
[إسناده ضعيف، فيه أبو العلاء، وسبق بحثه].
وهل يشرع للإنسان أن يتقصد أن يظهر أثر أصابعه على خفه، وهل يؤخذ ذلك من هذه الأدلة، فيه تأمل، والذي أميل إليه عدم الاستحباب، والله أعلم.
стр. 2119
الباب الرابع
خلاف العلماء في ابتداء مدة المسح
стр. 2120
الباب الرابع
خلاف العلماء في ابتداء مدة المسح
لما كان الراجح من أقوال أهل العلم أن عبادة المسح على الخفين مؤقتة بوقت معين، فقد اختلف العلماء في ابتداء مدة المسح:
فقيل: من أول حدث بعد لبس الخف، هو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: من أول مسح بعد الحدث، وهو رواية عن أحمد (٤)، وهو قول الأوزاعي وأبي ثور (٥)،
واختاره ابن المنذر (٦)، ورجحه النووي (٧).
وقيل: ابتداء المدة من اللبس،
стр. 2121
وهو محكي عن الحسن البصري (١).
وقيل: يمسح خمس صلوات في اليوم والليلة، وعليه تبتدئ مدة المسح من أول صلاة صلاها، وهو قول الشعبي وأبي ثور وإسحاق (٢).
دليل من قال ابتداء المدة من أول حدث بعد لبس الخف .
الدليل الأول:
(٩٧) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال:
أتيت صفوان، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب، قلت: حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب رسول الله ﷺ فأتيتك أسألك عن ذلك، هل سمعت منه في ذلك شيئاً، قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفراً، أو كنا مسافرين لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم ... . الحديث (٣).
[وإسناده حسن، وسبق الكلام عليه].
وجه الاستدلال:
قال ابن مفلح الصغير: " يدل بمفهومه أنه تنزع لثلاث يمضين من
стр. 2122
الغائط " (١).
قلت: قوله: " من غائط وبول ونوم " التفريق بين الحدث الأصغر والأكبر، فلا تنزع في الحدث الأصغر، بل يمسح عليهما، ولم يتعرض الحديث لابتداء مدة المسح، والله أعلم.
الدليل الثاني:
روى القاسم بن زكريا المطرز من حديث صفوان، وفيه: " من الحدث إلى الحدث " (٢).
الدليل الثالث:
من القياس، قالوا: إن المسح على الخفين عبادة مؤقتة، فكان ابتداء وقتها من حين جواز فعلها، كالصلاة فإن أخر المسح بعد الحدث، فقد ترك ما أبيح له، وفوت على نفسه جزءاً من الوقت، فإن ترك ما أبيح له إلى أن جاء الوقت الذي أحدث فيه فقد تم الوقت الذي أبيح له فيه المسح، ووجب خلع الخف (٣).
الدليل الرابع:
قالوا: إن الحدث سبب للمسح على الخفين، فعلق الحكم به،
ولا يمكن اعتباره من وقت المسح؛ لأنه لو أحدث ولم يمسح، ولم يصل أياماً
стр. 2123
لا إشكال أنه لا يمسح بعد ذلك، فكان العدل في الاعتبار من وقت
الحدث (١).
أدلة القائلين بأن المدة تبتدئ من أول مسح بعد الحدث .
الدليل الأول:
(٩٨) ما رواه أحمد، قال: ثنا أيوب، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة،
عن شريح بن هانئ، قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن المسح، فقالت: ائت علياً رضي الله تعالى عنه، فهو أعلم بذلك مني، قال: فأتيت علياً رضي الله تعالى عنه، فسألته عن المسح على الخفين، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نمسح على الخفين يوماً وليلةً، وللمسافر ثلاثاً (٢).
(٩٩) وما رواه أحمد، قال: ثنا إسماعيل، ثنا هشام الدستوائي، ثنا حماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي،
عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله ﷺ كان يقول: يمسح المسافر على الخفين ثلاث ليال، والمقيم يوماً وليلةً (٣).
فقوله في الحديث " نمسح يوماً وليلة " كما في حديث علي، وقوله: " يمسح المسافر ثلاث ليال " كما في حديث خزيمة ظاهرهما يدل على أن
стр. 2124
الوقت في ذلك وقت المسح، لا وقت الحدث.
الدليل الثاني:
قولكم: إن ابتداء المدة من الحدث ليس عليه دليل، فجميع أحاديث المسح على الخفين ليس للحدث ذكر في شيء منها، فلا يجوز أن يعدل
عن ظاهر قول الرسول ﷺ إلا قول غيره إلا بخبر عن رسول الله ﷺ أو إجماع.
الدليل الثالث:
أن الرسول ﷺ رخص للمقيم أن يمسح يوماً وليلة، فلو قلنا: إن ابتداء المدة من الحدث، لكان المسح أقل من يوم وليلة، فيكون خلاف الحديث، فلو أنه توضأ لصلاة العشاء، ثم مسح لصلاة الفجر، فإن هذا مدة مسحه يوماً وبعض ليلة، فلم يصدق عليه أنه مسح يوماً وليلة، ولا يمكن أن تكون مدة مسحه يوماً وليلة إلا إذا اعتبرنا المدة من المسح.
وقولكم: إنه هو الذي فوت على نفسه المسح، فالجواب حتى لو مسح بعد حدثه لا يمكن أن تكون المدة أربعاً وعشرين ساعة؛ لأنه معلوم أن الحدث لا بد أن يسبق المسح، ولو بفترة وجيزة، فلا يتصور أن يمسح يوماً وليلة تامين إلا إذا اعتبرنا المدة من المسح.
الدليل الرابع:
(١٠٠) ما رواه عبد الرزاق، عن عبد الله بن المبارك، قال: حدثني عاصم بن سليمان،
عن أبي عثمان النهدي، قال: حضرت سعداً وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليهما إلى مثل ساعته
стр. 2125
من يومه وليلته (١).
[إسناده صحيح] (٢).
قال ابن المنذر تعليقاً على هذا الأثر: ولا شك أن عمر بن الخطاب أعلم بمعنى قول الرسول ﷺ ممن بعده، وهو أحد من روى عن النبي ﷺ المسح على الخفين، وموضعه من الدين موضعه، وقد قال النبي ﷺ :"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي "، وروي عنه أنه قال: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ". اهـ كلام ابن المنذر (٣).
الدليل الخامس:
قالوا: إن القائلين بأن المدة تبتدئ من الحدث، قالوا: إذا أحدث قبل سفره، ثم سافر، فمسح في سفره، أتم مسح مسافر، ولو أحدث قبل سفره، ومسح، ثم سافر فمسح مقيم، فقد عُلِق الحكم بالمسح، ولم يعلقه بالحدث، وهذا دليل على أن المعتبر هو المسح، وليس الحدث، إلا أنهم حاولوا أن يخرجوا من هذا الإيراد، قال في الحاوي: " كل عبادة اعتبر فيها الوقت، فإن ابتداء وقتها محسوب من الوقت الذي يمكن فيها فعلها، وصفتها
стр. 2126
معتبرة بوقت أدائها كالصلاة إن كانت ظهراً فأول وقتها زوال الشمس، وصفتها في القصر والإتمام بوقت الأداء والفعل، فإن كان وقت فعلها وأدائها مسافراً قصر، وإن كان مقيماً أتم، كذلك المسح أول زمانه من وقت الحدث، لأن أول وقت الفعل وصفته في مسح المقيم والمسافر معتبر بوقت المسح (١).
وهذا الإنفكاك لا يفكهم؛ لأننا نقول: إن كان الحكم معلقاً بالحدث أنيط الحكم به من حين الحدث، سواء سافر قبل المسح أو بعده، وإن كان الحكم معلقاً بالمسح أنيط الحكم به، فمذهبكم أن الحاضر إذا لزمه مسح الحضر كما لو مسح في الحضر، ثم سافر لم يمسح أكثر من يوم وليلة، ثم يخلع، وهذا قد لزمه حكم مسح الحضر بوقت الحدث قبل أن يسافر، فحين علقتم الحكم بالمسح تركتم أصلكم الذي أصلتموه في هذه المسألة، وهذا دليل على ضعف قول من قال: إن ابتداء المدة من الحدث.
دليل من قال ابتداء المدة من اللبس .
استدلوا بحديث صفوان بن عسال المتقدم، وفيه: " كان رسولنا يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم ". وسبق تخريجه.
وجه الاستدلال:
قوله: " لا ننزع ثلاثة أيام " جعل الثلاثة مدة للبس الخف لا مدة
стр. 2127
للمسح، ولا مدة للحدث (١).
والجواب أن يقال:
يحمل حديث صفوان على حديث غيره كحديث علي وخزيمة وغيرهما المصرحة بأن المسح ثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، وكلام الرسول ﷺ يفسر بعضه بعضاً، ولا يضرب بعضه ببعض.
دليل من قال تبتدئ مدة المسح من أول صلاة صلاها إلى خمس صلوات .
هذا القول حمل حديث يمسح المقيم يوماً وليلة حملوه على خمس صلوات مفروضة، وحجتهم كما ذكر ابن المنذر:
" لما اختلف أهل العلم في هذا الباب نظرنا إلى أقل ما قيل، وهو أن يصلي بالمسح خمس صلوات، فقلنا به، وتركنا ما زاد على ذلك لما اختلفوا؛ لأن الرخص لا يستعمل فيها إلا أقل ما قيل، وإذا اختلفوا في أكثر من ذلك وجب الرجوع إلى الأصل، وهو غسل الرجلين.
وأجيب:
لو عللنا بالخلاف لتركنا المسح على الخفين؛ لأن بعض الصحابة والسلف أنكر المسح على الخفين، أو قال بأنه منسوخ بآية المائدة، فلماذا لم تقولوا بأنهم لما اختلفوا في جواز المسح على الخفين رجعنا إلى الأصل المتيقن، وهو غسل الرجلين.
فإن قلتم: لأن القول بأن المسح على الخفين غير مشروع قول ضعيف.
стр. 2128
قلنا: إذاً المنهج في الخلاف اتباع القول القوي على الضعيف، والأقوى على القوي، والاحتياط باب، والقول بأنه لا يجوز الزيادة في المسح على خمس صلوات باب آخر، ولا ينبغي في ترجيح قول أو في تركه التعليل بالخلاف.
فالراجح من الأقوال أن المدة تبتدئ من أول مسح بعد الحدث، وهذا القول هو الذي يصدق عليه أنه مسح يوماً وليلة، والله أعلم.
стр. 2129
الباب الخامس
في السفر وأحكام المسح على الخفين
وفيه ستة فصول
стр. 2130
الفصل الأول
اختلاف التوقيت بين المسافر والمقيم
اختلف العلماء هل المسح على الخفين عبادة مؤقتة أو لا؟
وعلى القول بالتوقيت، هل تختلف مدة المسافر عن المقيم أم لا؟
فقيل: إن المسح مؤقت بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليها للمسافر، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو رواية عن مالك (٤)، واختاره ابن حزم (٥).
وقيل: لا توقيت فيه، وهو المشهور من مذهب مالك (٦)، والقول القديم للشافعي (٧).
стр. 2131
وقيل: يمسح خمس صلوات إن كان مقيماً، ولا يمسح أكثر، ويمسح لخمس عشرة صلاة فقط إن كان مسافراً، وبه يقول إسحاق بن راهوية، وسليمان بن داود الهاشمي، وأبو ثور.
وقيل: إن التوقيت يسقط في حال الضرورة، والمشقة، فالضرورة كأن يكون هناك برد شديد متى خلع تضرر، أو مع رفقة متى خلع وغسل لم ينتظروه، وخاف على نفسه (١).
والمشقة كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس. واختاره ابن تيمية (٢).
دليل من قال بالتوقيت .
الدليل الأول:
(١٠١) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن عمرو بن قيس، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة،
عن شريح بن هانئ، قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فاسأله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فأتيته، فسألته، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم (٣).
стр. 2132
[الحديث روي مرفوعاً وروي موقوفاً، والرفع محفوظ إن شاء الله تعالى] (١).
الدليل الثاني:
(١٠٢) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عاصم،
عن زر بن حبيش، قال: أتيت صفوان، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب، قلت: حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب رسول الله ﷺ فأتيتك أسألك عن ذلك، هل سمعت منه في ذلك شيئاً، قال: نعم، كأن يأمرنا إذا كنا سفراً، أو كنا مسافرين لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم. الحديث (٢).
[إسناده حسن] (٣).
стр. 2133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2137
الدليل الثالث:
(١٠٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن جعفر، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم، عن أبى عبد الله الجدلي،
عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، قال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة (١).
[رجاله ثقات، وأعله بعضهم بالانقطاع] (٢).
الدليل الرابع:
(١٠٤) ما رواه أحمد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا داود بن عمرو، عن بسر بن عبيد الله الحضرمي، عن أبي إدريس الخولاني،
عن عوف بن مالك الأشجعي، أن رسول الله ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام للمسافر ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة (٣).
الدليل الخامس:
(١٠٥) ما وراه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا المهاجر مولى البكرات، عن عبد الرحمن ابن أبي بكر،
عن أبيه، أن النبي ﷺ جعل للمسافر يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة (١).
[إسناده ضعيف] (٢)