الدليل الثالث:
(١٠٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن جعفر، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم، عن أبى عبد الله الجدلي،
عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، قال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة (١).
[رجاله ثقات، وأعله بعضهم بالانقطاع] (٢).
الدليل الرابع:
(١٠٤) ما رواه أحمد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا داود بن عمرو، عن بسر بن عبيد الله الحضرمي، عن أبي إدريس الخولاني،
عن عوف بن مالك الأشجعي، أن رسول الله ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام للمسافر ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة (٣).
الدليل الخامس:
(١٠٥) ما وراه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا المهاجر مولى البكرات، عن عبد الرحمن ابن أبي بكر،
عن أبيه، أن النبي ﷺ جعل للمسافر يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة (١).
[إسناده ضعيف] (٢)
стр. 2141
الدليل السادس:
الآثار الموقوفة على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وهي وإن كانت موقوفة إلا أن لها حكم الرفع، وذلك لأن القول بالتوقيت لا يمكن
أن يقال بمحض الرأي، فلا بد أن يكون القائل بذلك وقف عليه من الشرع، فما الفرق بين أربع وعشرين ساعة، وخمس وعشرين ساعة للمقيم لولا
أن ذلك متلقى من الشرع، ومثله يقال في حق المسافر، وإليك هذه
الآثار:
الأثر الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁.
(١٠٦) رواه عبد الرزاق، عن عبد الله بن المبارك، قال: حدثني عاصم بن سليمان،
عن أبي عثمان النهدي، قال: حضرت سعداً وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته (١).
الأثر الثاني: عن ابن مسعود.
(١٠٧) رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم، عن الحارث بن سويد،
عن عبد الله بن مسعود، قال: ثلاثة أيام للمسافر، ويوم للمقيم (١).
[إسناده صحيح] (٢).
стр. 2145
الأثر الثالث: عن ابن عباس.
(١٠٨) رواه الطحاوي، قال: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن موسى بن سلمة، قال:
سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن المسح على الخفين، قال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة (١).
[إسناده صحيح] (٢).
الأثر الرابع: عن سعد بن أبي وقاص.
(١٠٩) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، عن
стр. 2146
طلحة بن يحيى، عن أبان بن عثمان، قال:
سألت سعد بن أبي وقاص عن المسح على الخفين، فقال: ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم (١).
[إسناده حسن] (٢).
دليل من قال بعدم التوقيت .
الدليل الأول:
(١١٠) ما رواه الطحاوي، قال: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: ثنا موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، قال:
إتردت من الشام إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فخرجت من الشام يوم الجمعة، ودخلت المدينة يوم الجمعة، فدخلت على عمر، وعلي خفان مجرمقانيان، فقال لي: متى عهدك يا عقبة بخلع خفيك؟ فقلت: لبستهما يوم الجمعة، وهذا الجمعة، فقال لي: أصبت السنة (٣).
[إسناده صحيح، وأكثر الرواة على كلمة أصبت بدون كلمة السنة] (٤).
стр. 2147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2152
وأجيب عن هذا الحديث بعدة إجابات:
الأول: الحكم بشذوذ كلمة: " السنة " من قوله: " أصبت السنة" وممن حكم بشذوذها الدارقطني في العلل كما ذكرنا ذلك عنه في الكلام على تخريج الحديث. ويصعب الحكم بشذوذها، وقد جاءت من أكثر من طريق.
وقال أبو داود في مسائل أحمد: سمعت أحمد سئل عن رجل كان يتدين بحديث عقبة بن عامر في المسح، فكان يمسح أكثر من ثلاثة ولياليهن، ثم ترك ذلك.
قال أحمد: يعيد ما كان صلى، وقد مسح أكثر من ثلاثة ولياليهن.
فقال له الرجل: احتياطاً ذلك يُحتاط له، أو هو واجب عليه؟
فقال أحمد: لا يمسح على خفيه أكثر من ثلاثة ولياليهن، أمر رسول الله ﷺ أولى أن يتبع من قول عقبة بن عامر " (١).
الجواب الثاني: الترجيح.
أي ترجيح الأحاديث التي تقول بالتوقيت على هذه الرواية، ووجه ترجيحها على هذه الرواية من وجوه:
منها: أن الرواة متفقون على كلمة: " أصبت " مختلفون في إضافة
стр. 2153
كلمة: " السنة "، وهي إضافة مؤثرة؛ لأن الاقتصار على كلمة: " أصبت" تجعل الحديث موقوفاً، بينما إذا قلنا: " أصبت السنة " جعلتها في حكم المرفوع، ولا ينبغي لمسألة مهمة جداً، تتعلق بركن من أركان الإسلام، بل هي أعظم الأركان العملية، وهي الصلاة التي مفتاحها الطهارة، أن نأخذ بهذه الكلمة المختلف في ثبوتها، وندع الأحاديث الصحيحة التي لا خلاف فيها، والمرفوعة صريحاً، وليس حكماً إلى النبي ﷺ ، والأصل غسل الرجلين بالماء، جاءت الأحاديث الصحيحة بتوقيت المسح في ذلك يوماً وليلة للمقيم وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، ولا نتجاوز ذلك إلا بدليل صريح خال من النزاع، وإلا رجعنا إلى الغسل الذي هو المتيقن.
ومنها: أنه قد ثبت عن عمر القول بالتوقيت بأسانيد صحيحة، وقد سقتها بالقول الأول.
قال البيهقي: فإما أن يكون رجع إليه حين جاءه التثبت عن النبي ﷺ في التوقيت، وإما أن يكون قوله الذي يوافق السنة المشهورة أولى " (١).
ومنها: أن القول بالتوقيت لا سبيل فيه للاجتهاد والرأي، فهو متلقى من الشرع، بخلاف القول بعدم التوقيت.
ومنها: أن الأحاديث المرفوعة الصريحة بالتوقيت أكثر عدداً، وقد سقتها من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وخزيمة، وصفوان بن عسال، وعوف بن مالك الأشجعي، وأبي بكرة الثقفي، ويعضدها جمع من الآثار الموقوفة على الصحابة، وما كان أكثر عدداً فهو أولى بالقبول.
стр. 2154
قال ابن عبد البر عن القول بالتوقيت: " وهو الاحتياط عندي؛ لأن المسح ثبت بالتواتر، واتفق عليه جماعة أهل السنة، واطمأنت النفس إلى ذلك، فلما قال أكثرهم: لا يجوز المسح للمقيم أكثر من يوم وليلة: خمس صلوات، ولا يجوز للمسافر أكثر من ثلاثة أيام ولياليها، وجب على العالم أن يؤدي صلاته بيقين، واليقين الغسل حتى يجمعوا على المسح، ويتفق جمهورهم على ذلك، ويكون الخارج عنهم في ذلك شاذاً، كما شذ عن جماعتهم من لم ير المسح " (١).
الجواب الثالث: الجمع.
فيحمل حديث عمر على الضرورة، أو على المشقة الكبيرة، وتحمل أحاديث التوقيت فيما إذا لم يوجد ضرورة أو مشقة، وهذا اختيار ابن تيمية ﵀، وسيأتي نقل كلامه عند ذكر قوله إن شاء الله تعالى.
الدليل الثاني:
(١١١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن أيوب بن قطن الكندي،
عن أبي بن عمارة الأنصاري، قال: وكان رسول الله ﷺ قد صلى في بيته للقبلتين، قال: قلت يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم. قال: قلت: يا رسول الله يوماً؟ قال: نعم، ويومين. قلت: يا رسول الله، يومين؟ قال: نعم، وثلاثة، قال: قلت: يا رسول الله،
стр. 2155
وثلاثة؟ قال: نعم، وما شئت (١).
[إسناده ضعيف جداً مسلسل بالمجاهيل] (٢).
стр. 2156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2159
الدليل الثالث:
(١١٢) ما رواه الدارقطني: قال ثنا أبو محمد بن صاعد، نا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، نا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن أبي بكر وثابت،
عن أنس، عن النبي ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم، ولبس خفيه، فليمسح عليهما، وليصل بهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة (١).
[رجاله ثقات إلا أسد بن موسى وهو صدوق وقد اختلف عليه] (٢).
стр. 2160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2163
والجواب: إن كان صحيحاً فالصحيح إذا عارضه ما هو أصح منه، فإن أمكن الجمع، وإلا عمل بالأرجح، ولا شك أن أحاديث التوقيت أرجح من غيرها لكثرة رواتها، وقوة إسنادها، وقد سقت جملة من الأحاديث المرفوعة على أن المسح على الخفين عبادة مؤقتة، وسقت جملة من الآثار ذكرتها في القول الأول، والله أعلم.
الدليل الرابع:
استدلوا ببعض الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم.
الأثر الأول:
(١١٣) ما رواه ابن المنذر، قال: حدثنا إسحاق - يعني: ابن إبراهيم - عن عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: امسح على الخفين ما لم تخلعهما (١).
[إسناده صحيح] (٢).
стр. 2164
قال ابن حزم: لا حجة فيه؛ لأن ابن عمر لم يكن عنده المسح، ولا عرفه، بل أنكره حتى أعلمه به سعد بالكوفة، ثم أبوه بالمدينة في خلافته، فلم يكن في علم المسح كغيره، ومع ذلك فقد روى عنه التوقيت،
(١١٤) روينا من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: أين السائلون عن المسح على الخفين؟ للمسافر ثلاثاً، وللمقيم يوماً وليلة.
قلت: محمد بن عبيد الله العرزمي متروك، كما في التقريب.
لكن جاء بسند حسن عن ابن عمر القول بالتوقيت،
(١١٥) فقد روى ابن أبي شيبة، حدثنا هشيم، قال أخبرنا غيلان بن عبد الله مولى بني مخزوم، قال:
سمعت ابن عمر سأله رجل من الأنصار عن المسح على الخفين، فقال: ثلاثة أيام للمسافر، وللمقيم يوم وليلة (١).
[إسناده حسن] (٢).
стр. 2165
الأثر الثاني:
(١١٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال حدثنا أبو بكر الحنفي، عن أسامة بن زيد، عن إسحاق مولى زائدة،
أن سعد بن أبي وقاص خرج من الخلاء، فتوضأ، ومسح على خفيه، فقيل له: أتمسح عليهما، وقد خرجت من الخلاء، قال: نعم، إذا أدخلت القدمين الخفين، وهما طاهرتان، فامسح عليهما،
ولا تخلعهما إلا لجنابة (١).
[إسناده ضعيف، وقد ثبت عن سعد القول بالتوقيت] (٢).
стр. 2166
الأثر الثالث:
(١١٧) رواه الدارقطني، قال: حدثنا أبو محمد بن صاعد، نا الربيع ابن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، نا حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن زبيد بن الصلت، قال:
سمعت عمر ﵁ يقول: إذا توضأ أحدكم، ولبس خفيه، فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة (١).
стр. 2167
[سبق الكلام عليه، وبيان الاختلاف فيه على حماد في الدليل الثالث من هذا القول]
الجواب على هذه الآثار:
اتضح لنا أن الصحابة الذين قالوا بعدم التوقيت، نقل عنهم أيضاً القول بالتوقيت، فعمر وسعد بن أبي وقاص وابن عمر جاء عنهم القولان، وإن كان الراجح عن سعد وابن عمر القول بالتوقيت، ولم يصح عنهما القول بعدم التوقيت، ولو فرضنا أنه لم ينقل عنهم إلا قول واحد، وهو القول بعدم التوقيت، فيقابل أقوالهم بأقوال غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، كعلي، وابن مسعود، وصفوان بن عسال، خزيمة بن ثابت، وغيرهم، وإذا اختلف الصحابة وجب الرد إلى كتاب الله، وسنة رسول ﷺ ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ (١) فرجعنا إلى السنة المرفوعة عن رسول الله ﷺ ، فوجدنا فيها جملة من الأحاديث القائلة بالتوقيت، منها حديث علي بن أبي طالب، وصفوان، وعوف بن مالك، وأبي بكرة، وخزيمة، وغيرها، فتعين الأخذ بها، وترك ما سواها، والله أعلم.
دليل من قدر التوقيت بعدد الصلوات .
قالوا: لما اختلف أهل العلم في هذا الباب نظرنا إلى أقل ما قيل، وهو أن يصلي بالمسح خمس صلوات، إن كان مقيماً، وخمس عشرة صلاة إن كان مسافراً، فقلنا به، وتركنا ما زاد على ذلك لما اختلفوا؛ لأن الرخص
стр. 2168
لا يستعمل فيها إلا أقل ما قيل، وإذا اختلفوا في أكثر من ذلك وجب الرجوع إلى الأصل، وهو غسل الرجلين.
وهذا القول ضعيف جداً، مخالف للنص، لأن الحديث أذن للمقيم أن يمسح يوماً وليلة كاملين، بينما هم يقولون لمن مسح لصلاة الصبح، إذا صلى به العشاء لم يجز له أن يمسح، ولا أن يصلي به الوتر، فكان مدته يوماً وبعض ليلة، وهكذا يقال في الثلاثة أيام، فتبين ضعف هذا القول، كما أن الخلاف ليس سبباً في ترك القول الراجح، وإلا لزمكم ترك القول بالمسح على الخفين؛ لأنه قد اختلف فيه، فبعض السلف أنكره، وبعضهم ادعى أنه منسوخ بآية المائدة.
وقد ذكر بعض مشايخنا أن هذا القول هو من قول العامة، لكن وجدنا أن القول به محفوظ لبعض العلماء كالشعبي، وإسحاق بن راهوية، وسليمان بن داود الهاشمي، وأبي ثور، والله أعلم.
دليل من قال لا توقيت في حال الضرورة والمشقة الكبيرة .
قال ابن تيمية: " لو كان في خلعه بعد مضي الوقت ضرر، مثل أن يكون هناك برد شديد متى خلع خفيه تضرر، كما يوجد في أرض الثلوج وغيرها، أو كان في رفقة متى خلع وغسل لم ينتظروه، فينقطع عنهم، فلا يعرف الطريق، أو يخاف إذا فعل ذلك من عدو أو سبع، أو كان إذا فعل ذلك فاته واجب، ونحو ذلك، فهنا قيل: إنه يتيمم.
وقيل: إنه يمسح عليها للضرورة، وهذا أقوى؛ لأن لبسها هنا صار كلبس الجبيرة من بعض الوجوه، فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يوماً وليلة، وثلاثة أيام ولياليهن، وليس فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم،
стр. 2169
والمفهوم لا عموم له، ثم قال: " وعلى ذلك يحمل حديث عقبة بن عامر، لما خرج من دمشق إلى المدينة، يبشر الناس بفتح دمشق، ومسح أسبوعاً بلا خلع، فقال له عمر: أصبت السنة، وهو حديث صحيح، وليس الخف كالجبيرة مطلقاً فإنه لا يستوعب بالمسح بحال، ويخلع بالطهارة الكبرى،
ولا بد من لبسه علىطهارة، لكن المقصود أنه إذا تعذر خلعه فالمسح أولى من التيمم (١).
وقال أيضاً: " لما ذهبت على البريد، وجد بنا السير، وقد انقضت مدة المسح، فلم النزع والوضوء إلا بانقطاع عن الرفقة، أو حبسهم على وجه يتضررون بالوقوف، فغلب على ظني عدم التوقيت عند الحاجة، كما قلنا في الجبيرة، ونزلت حديث عمر، وقوله لعقبة بن عامر: أصبت السنة على هذا توفيقاً بين الآثار، ثم رأيته مصرحاً به في مغازي ابن عائد، أنه قد كان ذهب على البريد كما ذهبت لما فتحت دمشق، ذهب بشيرا بالفتح من يوم الجمعة إلى يوم الجمعة، فقال له عمر: منذ كم لم تنزع خفيك؟ فقال: منذ يوم الجمعة، قال: أصبت، فحمدت الله على الموافقة، وهذا أظنه أحد القولين لأصحابنا، وهو أنه إذا كان يتضرر بنزع الخف، صار بمنزلة الجبيرة ... . الخ كلامه ﵀ (٢).
وقول الجمهور أحوط، وهو المتيقن، وحمل حديث عقبة بن عامر في حال الضرر ليس ظاهراً من اللفظ، وإذا كان على الرفقة أن ينتظروا للصلاة، كان عليهم أن ينتظروا لشروطها، وإذا كان عليهم أن ينتظرو لكي يغسل
стр. 2170
وجهه ويديه، ويمسح برأسه، فلن يعجزوا عن الانتظار لغسل قدميه، وممكن أن يخلع خفيه مسبقاً قبل الوقوف بقليل حتى لا يعيق الرفقة، ولا يقال: إن أحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يوماً وليلة، وليس فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم؛ لأن الأصل وجوب غسل الرجلين، جاء الإذن يوماً وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، وما عداه يرجع للأصل المستقر المجمع عليه، وهو وجوب غسل الرجلين، وقد قال ﷺ في الحديث المتفق عليه:"ويل للأعقاب من النار" خالفنا هذا الأصل لدليل صحيح في مدة معلومة فرقاً بين المقيم والمسافر لا يتجاوزها المسلم، فمن تجاوزها فقد تجاوز حدود الله، والله أعلم.
стр. 2171
الفصل الثاني
اختلاف العلماء في مقدار المسافة للمسافر التي يسوغ فيها مسح مسافر
стр. 2172
الفصل الثاني
اختلاف العلماء في مقدار المسافة للمسافر التي يسوغ فيها المسح
اختلف العلماء في المسافة التي يسوغ فيها الترخص بالمسح ثلاثة أيام ولياليهن، إلى أقوال:
فقيل: المعتبر مسيرة ثلاثة أيام للسير الوسط، بسير الإبل محملة بالأثقال، مع اعتبار النزول المعتاد للنوم والأكل والصلاة. وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: المعتبر أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ميلاً، وهو مذهب الجمهور من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 2173
وقيل: مسيرة يوم وليلة، روي هذا عن مالك، وقيل: إنه رجع عنه (١).
وقيل: أقل مسافة للترخص ثلاثة أميال.
وقيل: إن مشى ميلاً قصر الصلاة، وإن مشى أقل من ميل صلى أربعاً، وهذا اختيار ابن حزم (٢).
وقيل: جوازه في كل ما يسمى سفراً عرفاً، وهو اختيار ابن تيمية.
وقيل: أقوال غير ذلك.
دليل الجمهور القائلين بأربعة برد .
الدليل الأول:
(١١٨) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، ثنا إسماعيل الترمذي، ثنا إبراهيم بن العلاء، ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه وعطاء بن أبي رباح،
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان (٣).
стр. 2174
[إسناده ضعيف جداً] (١).
والمعروف أنه من حديث ابن عباس موقوفاً عليه.
(١١٩) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، قال: أخبرني عطاء،
عن ابن عباس، قال: لا تقصر الصلاة إلى عرفة، وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان والطائف وجدة، فإذا قدمت على أهل أو ماشية
فأتم (٢).
стр. 2175
[إسناده صحيح].
فإن قيل: أليس قول الصحابي حجة؟
قيل: بلى، بشرط ألا يخالفه مثله، فالصحابة إذا اختلفوا طلب مرجح، كما هو الحال هنا.
الدليل الثاني:
(١٢٠) ما أخرجه البخاري تعليقاً في كتاب تقصير الصلاة، قال البخاري:
كان ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً (١).
[صحيح عنهما] (٢).
وأجيب:
بأن الصحابة مختلفون، قال ابن قدامة: " ولا أرى لما صار
إليه الأئمة حجة؛ لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها
مع الاختلاف، وقد روي عن ابن عمر وابن عباس خلاف ما احتج به أصحابنا " (٣).