الفصل الثاني
اختلاف العلماء في مقدار المسافة للمسافر التي يسوغ فيها مسح مسافر
стр. 2172
الفصل الثاني
اختلاف العلماء في مقدار المسافة للمسافر التي يسوغ فيها المسح
اختلف العلماء في المسافة التي يسوغ فيها الترخص بالمسح ثلاثة أيام ولياليهن، إلى أقوال:
فقيل: المعتبر مسيرة ثلاثة أيام للسير الوسط، بسير الإبل محملة بالأثقال، مع اعتبار النزول المعتاد للنوم والأكل والصلاة. وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: المعتبر أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ميلاً، وهو مذهب الجمهور من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 2173
وقيل: مسيرة يوم وليلة، روي هذا عن مالك، وقيل: إنه رجع عنه (١).
وقيل: أقل مسافة للترخص ثلاثة أميال.
وقيل: إن مشى ميلاً قصر الصلاة، وإن مشى أقل من ميل صلى أربعاً، وهذا اختيار ابن حزم (٢).
وقيل: جوازه في كل ما يسمى سفراً عرفاً، وهو اختيار ابن تيمية.
وقيل: أقوال غير ذلك.
دليل الجمهور القائلين بأربعة برد .
الدليل الأول:
(١١٨) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، ثنا إسماعيل الترمذي، ثنا إبراهيم بن العلاء، ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه وعطاء بن أبي رباح،
عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان (٣).
стр. 2174
[إسناده ضعيف جداً] (١).
والمعروف أنه من حديث ابن عباس موقوفاً عليه.
(١١٩) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، قال: أخبرني عطاء،
عن ابن عباس، قال: لا تقصر الصلاة إلى عرفة، وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان والطائف وجدة، فإذا قدمت على أهل أو ماشية
فأتم (٢).
стр. 2175
[إسناده صحيح].
فإن قيل: أليس قول الصحابي حجة؟
قيل: بلى، بشرط ألا يخالفه مثله، فالصحابة إذا اختلفوا طلب مرجح، كما هو الحال هنا.
الدليل الثاني:
(١٢٠) ما أخرجه البخاري تعليقاً في كتاب تقصير الصلاة، قال البخاري:
كان ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً (١).
[صحيح عنهما] (٢).
وأجيب:
بأن الصحابة مختلفون، قال ابن قدامة: " ولا أرى لما صار
إليه الأئمة حجة؛ لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها
مع الاختلاف، وقد روي عن ابن عمر وابن عباس خلاف ما احتج به أصحابنا " (٣).
стр. 2176
وقال الحافظ ابن حجر: " وقد اختلف عن ابن عمر في تحديد ذلك
- يعني: مسافة القصر ـ اختلافاً غير ما ذكر، فروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني نافع، أن ابن عمر كان أدنى ما يقصر فيه الصلاة مال له بخيبر، وبين المدينة وخيبر ستة وتسعون ميلاً.
وروى وكيع من وجه آخر عن ابن عمر، أنه قال: " يقصر من المدينة إلى السويداء " وبينهما اثنان وسبعون ميلاً.
وروى عبد الرزاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أنه سافر إلى ريم، فقصر الصلاة " قال عبد الرزاق: وهي على ثلاثين ميلاً من المدينة.
(١٢١) وروى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن مسعر، عن محارب:
سمعت ابن عمر يقول: إني أسافر الساعة من النهار، فأقصر ".
وقال الثوري: سمعت جبلة بن سحيم يقول: سمعت ابن عمر يقول: لو خرجت ميلاً لقصرت الصلاة، إسناد كل منهما صحيح، وهذه أقوال متغيرة جداً، والله أعلم " اهـ (١).
قلت: وهذه أسانيد صحيحة عن ابن عمر.
دليل من حدد بمسيرة ثلاثة أيام .
(١٢٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: قلت لأبي أسامة: حدثكم عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: لا تسافر
стр. 2177
المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم (١).
وأجيب:
بأن العدد لا مفهوم له، فقد جاء النهي عن سفر المرأة يوماً وليلة، بلا محرم، وجاء النهي عن سفر المرأة يومين، وجاء النهي عن السفر مطلقاً إلا ومعها محرم.
(١٢٣) روى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي ﷺ : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة، ليس معها حرمة (٢).
(١٢٤) وروى مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة، جميعاً قال: قتيبة: حدثنا جرير، عن عبد الملك، وهو ابن عمير، عن قزعة،
عن أبي سعيد، قال: سمعت منه حديثاً فأعجبني، فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: فأقول على رسول الله ﷺ ما لم أسمع، قال سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ : لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى، وسمعته يقول: لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو
стр. 2178
زوجها (١).
(١٢٥) وروى البخاري، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي معبد،
عن ابن عباس ﵄، أنه سمع النبي ﷺ يقول:
لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، قال: اذهب فحج مع امرأتك (٢).
وهذا مطلق، ولم يذكر مدة، فيقتضي بحكم إطلاقه منع السفر طويله وقصيره.
قال البيهقي: وهذه الروايات في الأيام الثلاثة، واليومين واليوم صحيحة، وكأن الرسول ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثاً بغير محرم؟ فقال: لا وسئل عن سفرها يومين بغير محرم؟ فقال: لا. وسئل عن يوم، فقال: لا، فأدى كل منهم ما حفظ، ولا يكون شيء من هذا حداً للسفر (٣).
وقال القرطبي: " كل ما دون الثلاث داخل في الثلاث، فيصح أن يعين بعضها، ويحكم عليه بحكم جميعها، فينص تارة على الثلاث، وتارة على أقل منها؛ لأنه داخل فيها (٤).
стр. 2179
الدليل الثاني:
(١٢٦) ما رواه مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة،
عن شريح بن هانئ قال أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألناه، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام، ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم (١).
فالمراد بيان حكم جميع المسافرين؛ لأن الألف واللام في المسافر للجنس، فيدخل في هذا الحكم كل مسافر سفره ثلاثة أيام، فيمسح ثلاثة أيام، أما إذا كان سفره أقل من ثلاثة أيام فلا يعد مسافراً بالمعنى الشرعي؛ لأنه لا يكرر المسح في الأيام الثلاثة (٢).
وأجيب:
بأن الحديث جاء لبيان أكثر مدة المسح، فلا يصح الاحتجاج به؛ على أنه يمكن قطع المسافة القصيرة في ثلاثة أيام. (٣).
الدليل الثالث:
من النظر، أن الثلاثة أقل الكثير، وأكثر القليل، ولا يجوز له القصر
стр. 2180
في قليل السفر، فوجب أن يكون أقل الكثير، وهو الثلاث حد له (١).
دليل من حدد المسافة بثلاثة أميال .
(١٢٧) روى الإمام مسلم، قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار كلاهما، عن غندر. قال أبو بكر: حدثنا محمد بن جعفر غندر، عن شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال:
سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك- صلى ركعتين (٢).
وهذا من أقوى الأدلة على التحديد، ورده بعضهم: فقال: إنه مشكوك فيه، هل هو ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ؛ إذ كل واحد مشكوك فيه.
قال القرطبي: ولا يوافق عليه؛ لأن الشك في الثلاثة أميال، أما الثلاثة فراسخ فليس فيها شك باعتبارها الأكثر.
وقال بعضهم: إن ذلك حكاية لفعله ﷺ ، وأنه قصر في هذه المسافة، وذلك لا يمنع جواز القصر في غيرها إذا كان يسمى سفراً، فليس في الحديث تحديد الترخص بهذه المسافة.
وهذا الجواب، وإن كان فيه قوة، لكنه مع ذلك ليس شافياً؛ لأن السؤال عن المسافة التي يقصر فيها، وجاء الجواب بلفظ: " كان " الدالة على الاستمرار غالباً، فقال: " كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال قصر الصلاة " مفهومه أنه إذا خرج أقل من ذلك لم يقصر، لكن القول
стр. 2181
بثلاثة فراسخ أرجح؛ لأنه هو المتيقن.
وبعضهم حمل الحديث على أن المراد به المسافة التي يبتدئ منها القصر، لا غاية السفر، وهذا بعيد، قال الحافظ في الفتح: " ولا يخفى بعد هذا المحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه، أن يحيى بن يزيد، رواه عن أنس، قال: سألت أنساً عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة - يعني من البصرة - فأصلي ركعتين حتى أرجع، فقال أنس: .. فذكر الحديث، فظهر أنه سأل عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل مجاوزة البلد الذي يخرج منها " (١) اهـ.
(١٢٨) وقد روى البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة،
عن أنس بن مالك، ﵁، قال: صليت الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين (٢).
فإذا قصد الرجل سفراً، فإنه يقصر متى فارق بنيان القرية، وبحث هذه المسألة في موضع غير هذا.
دليل من قال يمسح في كل ما يسمى سفراً عرفاً .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا
стр. 2182
لكم عدوا مبيناً﴾ (١).
وقد سقط شرط الخوف بالخبر المذكور عن يعلى بن أمية، فبقي ظاهر الآية متناول لكل ضرب (٢).
وأجيب:
بأن النبي ﷺ خرج إلى قباء، وإلى العوالي ولم يقصر الصلاة، فليس المراد بالضرب أي ضرب، بل المراد به ضرب مخصوص، بمسافة مخصوصة، وقد جاء في حديث أنس السابق كان إذا خرج ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة، ظاهره أنه لا يقصر الصلاة في كل ضرب، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن لفظ السفر في الكتاب والسنة مطلق غير مقيد بمسافة معينة.
قال ابن تيمية: السفر مطلق في الكتاب والسنة، فليس الكتاب والسنة يخصان بسفر دون سفر، ولا بقصر دون قصر، ولم يحد النبي ﷺ مسافة القصر بحد زماني، ولا مكاني، والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع، ويقيد ما قيده.
стр. 2183
(١٢٩) قلت: ومن الأحاديث ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور وأبو الربيع وقتيبة بن سعيد - قال يحيى: أخبرنا وقال الآخرون: حدثنا - أبو عوانة عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد،
عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (١).
(١٣٠) وما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى بن سليمان قال، حدثني بن وهب، قال حدثني عمر بن محمد أن حفص بن عاصم حدثه، قال:
سافر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال: صحبت النبي ﷺ ، فلم أره يسبح في السفر، وقال جل ذكره: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٢).
فالسفر في هذه الأحاديث، وفي غيرها مطلق لم يقيد بشيء، فمن قيده بمسافة معينة، فعليه الدليل، ولا دليل.
ويجاب عن هذه الأحاديث بما أجيب عنه في الآية الكريمة، وأن السفر ليس المقصود به كل سفور عن محل الإقامة، بل المراد به سفوراً معيناً، وإذا لم يصدق السفر على بعض أفراده بطل الاستدلال.
الدليل الثالث:
أن التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، سيما وليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه.
стр. 2184
الدليل الرابع:
(١٣١) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر (١).
وإسناده صحيح، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه قال لإهل مكة في عرفة أو مزدلفة أو منى: أتموا، وعليه فقد صلى أهل مكة بعرفة، ومزدلفة ركعتين، وهي أقل من أربعة برد.
قال ابن تيمية: " وأما القصر فلا شك أنه من خصائص السفر، ولا تعلق له بالنسك، ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم سفر، وأي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم، والله لم يرخص في السفر ركعتين إلا لمسافر، فعلم أنهم كانوا مسافرين اهـ.
(١٣٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن إسماعيل ابن أمية، عن نافع،
عن ابن عمر أنه كان يقيم بمكة، فإذا خرج إلى منى قصر (٢).
[وإسناده صحيح].
قلت: ابن عمر ممن هاجر، فالمقصود خروجه إلى منى في الحج.
стр. 2185
الدليل الخامس:
أن الشيء إذا كان له حقيقة شرعية قدمت على غيرها من الحقائق، كالصلاة حقيقتها اللغوية: الدعاء، والإيمان حقيقته اللغوية: التصديق لكن جاء في الشرع بيان حقيقتهما الشرعية، فقضى على حقيقتهما اللغوية.
والسفر ليس له حقيقة شرعية، فتقدم، وليس له حقيقة لغوية، واللفظ إذا لم يكن له حقيقة شرعية ولا لغوية قدمت الحقيقة العرفية، فما عده الناس في عرفهم سفراً فهو سفر، وما لم يعتبره الناس سفراً فليس بسفر.
وأجيب:
بأن هذا الكلام جيد، ولكن تعليق الأمر بالعرف لا ينضبط، وقد يلتبس الأمر على عامة الناس، وقد يكون سبباً في تلاعب بعض الناس بفرائض الدين ممن لا يقدر الأمور بمقدارها، وأين اطراد العرف مع اتساع رقعة البلاد، وكثرة الناس، وقد كانت البلاد الإسلامية فيما سبق محدودة المكان وعدد الناس قليل، ويمكن ضبط العرف، أما الآن ففيه صعوبة.
وهذ القول والذي قبله رغم ما اعترض به عليهما هما أقوى الأقوال، والله أعلم.
стр. 2186
الفصل الثالث
إذا لبس الخفين وهو مقيم ثم سافر
стр. 2187
الفصل الثالث
إذا لبس الخفين وهو مقيم
ثم سافر فهل يمسح مسح مسافر أو مقيم؟
إذا لبس خفيه، وهو مقيم، ثم سافر، فله حالات:
الحالة الأولى: أن يسافر بعد لبس خفيه، وقبل حدثه، فهنا يمسح مسح مسافر، لأن مجرد اللبس لا يتعلق به حكم، قال النووي: بالإجماع.
الحالة الثانية: أن يحدث، وهو مقيم، ولم يمسح إلا في السفر.
فقيل: يمسح مسح مسافر. وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: يمسح مسح مقيم، وهو اختيار المزني (٢)،وهو رواية عن
стр. 2188
أحمد (١).
دليل الجمهور .
الأول:
الإجماع، نقل الإجماع ابن قدامة في المغني، قال: " لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن من لم يمسح حتى سافر، أنه يتم مسح المسافر " (٢).
قلت: الخلاف محفوظ، عن أحمد وغيره.
الدليل الثاني:
من النظر، أن كل عبادة اعتبر فيها الوقت، فإن ابتداء وقتها محسوب من الوقت الذي يمكن فيها فعلها، وصفتها معتبرة بوقت أدائها كالصلاة إن كانت ظهراً، فأول وقتها زوال الشمس، وصفتها في القصر والإتمام بوقت الأداء والفعل، فإن كان وقت فعلها وأدائها مسافراً قصر، وإن كان مقيماً أتم، كذلك المسح عند الحنفية والشافعية والحنابلة أول زمانه وقت الحدث، وصفته في مسح المقيم والمسافر معتبر بوقت المسح (٣).
стр. 2189
دليل من قال يمسح مسح مقيم .
قال: لأن ابتداء مدة المسح عنده من الحدث، وهو موجود في الحضر، والحدث كالمسح في اعتباره من زمان المسح، قال: ألا ترى لو أنه مر عليه بعد حدثه يوم وليلة، ولم يمسح، فقد انقضت المدة، كما لو مسح.
والقول الأول أقوى، وقول المزني مبني على قول ضعيف في أن مدة المسح تبتدئ من الحدث، وهو خطأ، بل الراجح أنها تبتدئ من المسح، وقد فصلت هذا القول في مسألة مستقلة.
الحالة الثالثة: أحدث في الحضر، ثم سافر بعد خروج وقت الصلاة.
فعند الشافعية في هذه المسألة وجهان:
الأول: قالوا: يتم مسح مقيم؛ لأن خروج وقت الصلاة عنه في الحضر بمنزلة دخوله في الصلاة في وجوب الإتمام، فكذا المسح.
وقيل: يتم مسح مسافر؛ لأنه تلبس بالمسح، وهو مسافر، فهو كما لو سافر قبل خروج الوقت، ويخالف الصلاة، بأن الصلاة تفوت وتقضى، فإذا فاتت في الحضر، ثبتت في الذمة صلاة حضر، فلزمه قضاؤها، والمسح لا يفوت، ولا يثبت في الذمة، فصار كالصلاة قبل فوات الوقت. اهـ
والصحيح أنه يمسح مسح مسافر لا لهذا التعليل، ولكن لأنه حين أراد أن يمسح في السفر كان حكمه حكم المسافر، اعتباراً بحاله وقت المسح.
الحالة الرابعة: أحدث، ومسح في الحضر، ثم سافر.
فإن كان قد أكمل مسح يوم وليلة في الحضر قبل سفره، لم يكن له أن يمسح.
وإن كان قد سافر قبل تمام يوم وليلة، فاختلفوا.
стр. 2190
فقيل: يمسح مسح مقيم، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وروى عن إسحاق، والثوري (٣)، ورجحه ابن حزم، بل بالغ حتى قال: يمسح ولو سافر بعد انقضاء اليوم والليلة (٤).
وقيل: يمسح مسح مسافر، وهو مذهب الحنفية (٥)، ورواية عن أحمد (٦).
دليل الجمهور .
الدليل الأول:
أنها عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر، فغلب جانب الحضر.
стр. 2191
الدليل الثاني:
ولأن المسح عبادة يختلف قدرها في الحضر والسفر، فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكمه؛ لأنه المتيقن.
الدليل الثالث:
قياساً على الصلاة، فلو أنه أحرم بالصلاة في سفينة في البلد، فسارت وفارقت البلد، وهو في الصلاة، فإنه يتمها صلاة حضر بإجماع المسلمين.
الدليل الرابع:
مسحات الخف، وإن كن عبادات لا يرتبط بعضها ببعض، لكن وقتها وقت واحد، بعضه مرتبط ببعض، ولا بد من بناء أحد طرفيه على الآخر، فإذا وقع بعض المدة في الحضر، وجوزنا أن يتم مسح مسافر، لكان قد وقع مسح الثلاث في الإقامة والسفر، وهو خلاف الحديث.
دليل الحنفية على كونه يمسح مسح مسافر .
أن الرسول ﷺ جعل للمسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وهذا مسافر، ولم يفرق الشرع بين مسافر ومسافر، فمن فرق فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
أن المسافر إذا مسح في سفره، ثم أقام، مسح مسح مقيم، فنظرنا في حاله إلى انتهائه، وليس إلى ابتدائه، فكذلك هذا، إذا مسح، وهو مقيم، ثم سافر اعتبرنا حاله بانتهائها، وهو مسح مسافر، ولا فرق. وكل حكم تعلق بالوقت اعتبر فيه آخره، فالحائض إذا طهرت فيه تجب عليها الصلاة،
стр. 2192
وإذا حاضت فيه سقطت عنها، والمسافر إذا أقام في آخر الوقت أتم، والمقيم إذا سافر فيه قصر، فكذلك المسح.
الدليل الثالث:
ولكونه سافر قبل مضي مدة المسح، فأشبه من سافر قبل أن يمسح.
الدليل الرابع:
ولأن العبادة المعتبر فيها وقت الأداء، فالصلاة إذا دخل وقتها، وهو مقيم، ثم سافر، صلى صلاة مسافر.
стр. 2193
الفصل الرابع
إذا مسح في السفر ثم أقام
стр. 2194
الفصل الرابع
إذا مسح في السفر ثم أقام
رجل لبس خفيه، وهو في السفر، ثم أقام، فما حكمه؟
الجواب: لا يخلو هذا الرجل إما أن يكون قد مسح في سفره أم لا.
فإن كان لم يمسح في سفره حتى أقام مسح يوماً وليلة مسح مقيم، وإن كان قد مسح في سفره، فلا يخلو فإما أن يكون قد استوفى مسح يوم وليلة أم لا.
فإن كان قد استوفى مسح يوم وليلة في سفره، فقد انتهت مدته، ولايصح أن يمسح في إقامته شيئاً، وإن لم يستوف مسح يوم وليلة أتم مسح مقيم، هذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، ممن يرى توقيت المسح.
وقال المزني: إن مسح في السفر ثم أقام، فإن مسح في السفر يوماً وليلة، يمسح في الإقامة ثلث يومين وليلتين، وهو ثلثا يوم وليلة؛ لأنه لو مسح ثم أقام في الحال، مسح ثلث ما بقي، وهو يوم وليلة، فإذا بقي له يومان وليلتان، جاز له أن يمسح ثلثيهما (٤).
стр. 2195
واختار بعض الحنابلة: أنه يمسح مسح مسافر إن كان مسح في سفره أكثر من يوم وليلة (١)، ولا أعلم له دليلاً.
دليل الجمهور.
الأول: أن هذا المسافر لما أقام أصبح حكمه حكم المقيم، ولا يجوز للمقيم أن يمسح أكثر من يوم وليلة.
وثانياً: أن المسح ثلاثة أيام ولياليهن إنما هي للمسافر، فإذا انتفى السفر، انتفت الرخصة.
وثالثاً: أنه اجتمع في حاله حضر وسفر، فغلب حكم الحضر احتياطاً.
وهنا الحنفية قد وافقوا الشافعية والحنابلة في الحكم، وإن كانوا يختلفون في العلة، فالعلة عند الحنابلة والشافعية أن الإقامة أغلظ الحالتين: أعني حالة السفر والإقامة.
والعلة عند الحنفية: أن الإقامة نهاية الحالتين، فالاعتبار بالنهاية،
لا بالأغلظ، ولذلك إذا مسح، وهو مقيم، ثم سافر يختلف الحكم عند الحنابلة والشافعية من جهة، وعند الحنفية من جهة أخرى، لاختلافهم في العلة، فيمنع الشافعية والحنابلة من المسح، لأن الاعتبار للأغلظ، ويجوز الحنفية المسح؛ لأن الاعتبار بالنهاية، والله أعلم.
وأما دليل المزني، فقد ذكرت تعليله مع قوله، وتعليله ضعيف جداً،
стр. 2196
وإنما ذكرته ليعلم أن المسألة ليست إجماعاً عند من يرى التوقيت.
وأما مذهب المالكية فلا تتأتى هذه المسألة عند المشهور من مذهبهم؛ لأنهم لا يرون التوقيت أصلاً، فهو يمسح حتى يخلع لا فرق بين المسافر والحاضر، والله أعلم.
ويلحق بهذه المسألة لو مسح أحد الخفين في الحضر، والآخر في السفر، ففيها وجهان للشافعية:
الأول: يمسح مسح مقيم، تغليباً لجانب الحضر، اختاره النووي.
وقيل: يتم مسح مسافر، اعتباراً بتمام المسح.
ولا يتأتى هذا التفصيل على القول الراجح، لأن المعتبر في المسح وقت الأداء، فإذا مسح في الإقامة، ثم سافر أتم مسح مسافر ما دام مسافراً لما علمت (١).
стр. 2197
الفصل الخامس
إذا شك في ابتداء المسح هل كان في السفر أم في الحضر ؟
стр. 2198
الفصل الخامس
إذا شك في ابتداء المسح هل كان في السفر أم في الحضر؟
إذا شك في ابتداء المسح، هل كان في الحضر أم في السفر؟
فالحنفية لا فرق عندهم هل كان ابتداء المسح في الحضر أم في السفر؟ لأن المعتبر عندهم حاله الآن في المسح، فالعبرة بالانتهاء، لا بالابتداء، فإن كان مسافراً مسح مَسْحَ مسافر، وإن كان مقيماً أتم مسح مقيم، وقد سبق النقل عنهم، مع ذكر أدلتهم.
وأما الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، الذين يقولون: يغلب جانب الحضر متى اجتمع حضر وسفر، فإن الشك مؤثر عندهم، ليعلم هل يمسح مسح مقيم أو يمسح مسح مسافر، فالمشهور عندهم أنه يمسح مسح مقيم؛ لأن الأصل غسل الرجل، والمسح رخصة، فإذا لم يتيقن شرط الرخصة، رجع إلى أصل الفرض، وهو الغسل، وإذا شك هل كان أول مسحه وقت الظهر أم وقت العصر جعله وقت الظهر؛ لأن الأصل غسل الرجلين، فلا يجوز المسح إلا فيما يتيقنه.
والراجح في هذه المسألة أنه إن كان شك في ابتداء مسحه، وهو الآن مقيم، فالمسح مسح مقيم، وإن كان مسافراً مسح مسح مسافر، لأن المعتبر حالته وقت المسح، وليس المعتبر ابتداء مسحه، وأما لو شك هل مسح في الظهر أم في العصر، فإن جعله في الظهر مطلقاً، فهو أحوط، وإن أراد
стр. 2199
أن يعمل بغلبة ظنه، فله ذلك، وقد شرع التحري في السهو في الصلاة، وعمل بالظن في أمور كثيرة، منها دخول وقت الصلاة، ومنها طلوع الفجر في الإمساك للصائم، وغروب الشمس للفطر، والاستجمار، وغسل الجنابة إذا غلب على ظنه تعميم الماء، ومثلها مسائل كثيرة يكفي فيها غلبة الظن.
стр. 2200
الفصل السادس
إذا كان عاصياً بسفره هل يمسح ؟
стр. 2201
الفصل السادس
إذا كان عاصياً بسفره هل يمسح؟
إذا كان المسافر عاصياً بسفره، فهل يمسح على الخفين أم لا؟
فقيل: يمسح مطلقاً، وهو مذهب الحنفية (١)، واختاره ابن حزم (٢).
وقيل: لا يمسح ما زاد على اليوم والليلة مطلقاً، وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: لا يمسح مطلقاً لا مسح مقيم، ولا مسح مسافر، وهو وجه في مذهب الشافعية (٥).
وقيل: كل رخصة جازت في الحضر كالمسح على الخفين والتيمم، وأكل الميتة، فتفعل، ولو كان عاصياً بسفره، وكل رخصة تختص بالسفر، كقصر الصلاة، والفطر في رمضان، فشرطه ألا يكون عاصياً بسفره، فلا تفعل، وهذا مذهب المالكية (٦).
стр. 2202
دليل من قال: لا يمسح .
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿من اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ (١).
وقال تعالى ﴿فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم﴾ (٢).
قال ابن قدامة: أباح الأكل لمن لم يكن عادياً ولا باغياً، فلا يباح لباغ ولا عاد. قال ابن عباس: غير باغ على المسلمين، مفارق لجماعتهم، يخيف السبيل، ولا عاد عليهم (٣).
وأجيب:
بأن المراد بالباغي: من يأكل فوق حاجته، والعادي: من يأكل هذه المحرمات، وهو يجد عنها مندوحة، فليس في الآية دليل على ما ذكرتم.
وهذا قول قتادة، والحسن، ورجحه ابن جرير الطبري في تفسيره، فقال: " وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: فمن اضطر غير ... باغ بأكله ما حرم عليه من أكله، ولا عاد في أكله، وله عن ترك أكله بوجود غيره مما أحله الله له مندوحة وغنى، وذلك أن الله تعالى ذِكْرِه لم يرخص لأحد في قتل نفسه بحال، وإذ كان ذلك كذلك فلا شك أن الخارج على الإمام والقاطع الطريق وإن كانا قد أتيا ما حرم الله عليهما من خروج
стр. 2203
هذا على من خرج عليه، وسعي هذا بالإفساد في الأرض، فغير مبيح لهما فعلهما ما فعلا مما حرم الله عليهما ما كان حرم الله عليهما قبل إتيانهما ما أتيا من ذلك من قتل أنفسهما " ثم قال: فالواجب على قطاع الطريق والبغاة على الأئمة العادلة الأوبة إلى طاعة الله والرجوع إلى ما ألزمهما الله الرجوع إليه والتوبة من معاصي الله، لا قتل أنفسهما بالمجاعة فيزدادان إلى إثمهما إثما، وإلى خلافهما أمر الله خلافا " (١).
ولاشك أن إهلاك النفس أعظم من المعصية التي من أجلها ترك الأكل، فحفظ النفس من أعظم مقاصد الشرع، وإذا تعارض ارتكاب مفسدتين، قدم ارتكاب الأخف منهما.
قلت: وما نسبه ابن قدامة لابن عباس غير معروف عنه، والمعروف عن ابن عباس في قوله: ﴿غير باغ ولا عاد﴾ أي غير باغ في أكل الميتة ولا عاد في أكله (٢).
وقيل: فمن اضطر: أي من أكره على أكله، فلا إثم عليه.
الدليل الثاني:
الإجماع، نقل النووي الإجماع على أن الرجل إذا كان سفره معصية كقطع الطريق، وإباق العبد أنه لا يمسح ثلاثة أيام بلا خلاف (٣).
стр. 2204
ودعوى الإجماع فيها نظر؛ فإن الحنفية لا يفرقون بين العاصي بسفره، والعاصي في سفره، فكلاهما يحل له الترخص عندهم.
قال في مراقي الفلاح: " فيقصر فرض الرباعي من السفر، ولو كان عاصياً بسفره، كآبق من سيده، وقاطع طريق، لإطلاق الرخصة " (١).
التعليل الثالث:
أن ما زاد على اليوم والليلة إنما يستبيحه بسبب السفر، وسفره معصية، ولا تكون الرخصة طريقاً إلى المعصية.
التعليل الرابع:
أن المسح على الخفين رخصة، والرخص لا تستباح بالمعاصي، وهذا يشبه الذي قبله.
التعليل الخامس:
أن في منعه من ترخص السفر كالمسح والقصر والفطر ونحوها تذكيراً له في أن يتوب، ويرجع عما عصى الله فيه.
وأجيب: لو أنه ترك التيمم إذا احتاج لاستعمال الماء، فهو بين أن نلزمه باستعمال الماء في الطهارة ويهلك، وإهلاك النفس مفسدة كبرى لايمكن أن يأمر بها الشرع، وبين أن يترك الصلاة فلا يتيمم، ولا يغتسل، ومن ثم لا يصلي، وترك الصلاة طامة كبرى، وبين أن يتيمم ويؤدي
الصلاة، ويأثم بسفره، وهو أخف الضررين، ويوافق يسر الشريعة.
стр. 2205
وسماحتها (١).
دليل الحنفية على جواز المسح .
الدليل الأول:
النصوص في الكتاب والسنة مطلقة، لم تفرق بين مسافر وآخر، قال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر﴾ (٢).
وقال ﷺ : " يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليها " فلو كان سفر المعصية غير داخل في النصوص لبينه الشرع ﴿وما كان ربك نسياً﴾ (٣)،
ولا يجوز تقييد ما أطلقه الله سبحانه، وأطلقه رسوله ﷺ إلا بنص أو إجماع، وما دام الإذن مطلقاً بالمسح فلا مانع أن يمسح المسافر، ولو كان عاصياً بسفره.
стр. 2206
الدليل الثاني:
أن السفر نفسه لا يوصف بطاعة ولا معصية، وإنما تكون المعصية أو الطاعة مما يفعل فيه، فلا يقال: سفر طائع، أو عاصي، وإنما يتصف بالطاعة والمعصية العبد بحسب أفعاله.
التعليل الثالث:
أن المقيم قد يكون على معصية وظلم للمسلمين وعدوان عليهم وفي ذلك ما هو أشد أحياناً من سفر المعصية بل أنكم ترون المسح على الخفين من باب الرخص، ومع ذلك تسمحون للمقيم أن يمسح، ولو كانت إقامته للمعصية، فيكون استباح الرخصة بالمعصية، فينتقض دليلكم.
التعليل الرابع:
القياس على من نوى سفراً مباحاً، ثم نوى المعصية بعده، فإذا كان هذا يمسح، فكذلك العاصي بسفره؛ إذ لا فرق (١).
التعليل الخامس:
قال الحنفية: نحن لا نجعل المعصية سبباً في الرخصة، وإنما السبب
стр. 2207
لحوق المشقة الناشئة من نقل الأقدام، والحر والبرد وغير ذلك، والمحظور ما يجاوره من المعصية، فكان السفر من حيث إفادته الرخصة مباحاً؛ لأن ذلك مما يقبل الإنفصال.
стр. 2208
فرع
هناك فرق بين العاصي بسفره، والعاصي في سفره، فالأول أنشأ السفر من أجل المعصية، لولا السفر لم يتمكن من فعلها، كما لو قطع الطريق، وأبق العبد، وسافر بقصد عمل الفواحش، ومنه السفر من أجل طلب علم محرم كالسحر والموسيقى وبعض الآداب المحرمة.
وأما العاصي في سفره أن يكون السفر عقد من أجل أمر مباح، لكن فعل فيه أموراً محرمة، كالغيبة، وشرب الدخان، وسماع الغناء وغيرها كثير، فهذا عاص في سفره، وليس عاصياً بسفره.
والعاصي في سفره له أن يترخص برخص السفر؛ لأن سفره ليس سبباً في فعل المحرم، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن عابدين من الحنفية (١)، والدسوقي في حاشيته (٢) وغيرهما.
قال الصاوي من المالكية: " بخلاف المعصية في السفر، فلا تمنع اتفاقاً كالسفر لتجارة، ثم تعرض له معاص" (٣).
قال النووي: " أما العاصي في سفره، وهو من خرج في سفر مباح وقصد صحيح، ثم ارتكب معاصي في طريقه كشرب الخمر وغيره، فله الترخص بالقصر وغيره بلا خلاف؛ لأنه ليس ممنوعاً من السفر، وإنما يمنع من المعصية، بخلاف العاصي بسفره " (٤).
стр. 2209
وجاء في حاشية العنقري: " خرج بقولنا: " العاصي بسفره " العاصي فيه، فإن له الترخص، نقله من فيروز (١).
وقال في كشاف القناع: " ويقصر من ابتدأ سفراً، ولو عصى في سفره الجائز، كأن شرب مسكراً ونحوه، كأن زنى فيه، أو قذف، أو اغتاب؛ لأنه لم يقصد السفر لذلك " (٢).
الراجح:
أنه لا فرق بين العاصي في سفره، والعاصي بسفره، فكلاهما له حق الترخص؛ حيث وجد السفر، وليس في هذا إعانة على المحرم، ولا تخفيف عن العاصي، لأن السفر من حيث هو لا يوصف بمعصية ولا طاعة، ولابن تيمية كلام طويل في مناقشة هذه الأقوال أورده بطوله لأهميته.
قال ابن تيمية: " والذين قالوا: لا يثبت ذلك - يعني من الرخص - فى السفر المحرم عمدتهم قوله تعالى فى الميتة: ﴿فمن اضطر غير باغ
ولا عاد فلا اثم عليه﴾ (٣).
وقد ذهب طائفة من المفسرين إلى أن الباغي: هو الباغي على الإمام الذى يجوز قتاله، والعادي: هو العادي على المسلمين: وهم المحاربون، قطاع الطريق. قالوا: فإذا ثبت أن الميتة لا تحل لهم، فسائر الرخص أولى. وقالوا: اذا اضطر العاصى بسفره أمرناه أن يتوب ويأكل، ولا نبيح له
стр. 2210
إتلاف نفسه، وهذا القول معروف عن أصحاب الشافعى وأحمد، وأما أحمد ومالك فجوزا له أكل الميتة دون القصر والفطر، قالوا: لأن السفر المحرم معصية، والرخص للمسافر إعانة على ذلك، فلا تجوز الإعانة على المعصية.
قال ابن تيمية: " وهذه حجج ضعيفة، أما الآية فأكثر المفسرين قالوا المراد بالباغي: الذى يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي: الذى يتعدى القدر الذى يحتاج إليه، وهذا التفسير هو الصواب دون الأول؛ لأن الله أنزل هذا فى السور المكية الأنعام والنحل وفى المدينة ليبين ما يحل وما يحرم من الأكل، والضرورة لا تختص بسفر، ولو كانت فى سفر فليس السفر المحرم مختصاً بقطع الطريق والخروج على الإمام، ولم يكن على عهد النبى ﷺ إمام يخرج عليه، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافراً، والبغاة الذين أمر الله بقتالهم فى القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولاً مسافرين، بل كانوا من أهل العوالي مقيمين، واقتتلوا بالنعال والجريد، فكيف يجوز أن تفسر الآية بما لا يختص بالسفر، وليس فيها كل سفر محرم، فالمذكور فى الآية لو كان كما قيل لم يكن مطابقاً للسفر المحرم؛ فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرم بدونه، وأيضا فقوله: ﴿غير باغ﴾ حال من اضطر، فيجب أن يكون حال اضطراره وأكله الذى يأكل فيه، غير باغ ولا عاد؛ فإنه قال: فلا إثم عليه، ومعلوم أن الإثم إنما ينفى عن الأكل، الذى هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه، فمعنى الآية: فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد، وهذا يبين أن المقصود: أنه لا يبغي فى أكله، ولا يتعدى، والله تعالى يقرن بين البغي والعدوان، فالبغى: ما جنسه ظلم، والعدوان: مجاوزة القدر المباح