← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء (١). قال أبو داود: وهو مرسل ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ . [ضعيف، وزيادة خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه زيادة منكرة والحديث في الصحيحين وليس فيه هذه الزيادة] (٢). وجه الاستدلال: لولا أن الغسالة نجسة لما احتاج إلى نقلها قبل غسلها. الدليل الثاني: (٦٤) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عيسى بن أبي حية، نا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد، نا أبو بكر بن عياش، حدثنا سمعان بن مالك، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: جاء أعرابي فبال في المسجد، فأمر رسول الله ﷺ بمكانه، فاحتفر، فصب عليه دلواً من ماء، فقال الأعرابي: يا رسول الله المرء يحب القوم ولما يعمل عملهم، فقال رسول الله ﷺ : المرء مع من أحب (٣).

стр. 247

قال الدارقطني: سمعان مجهول (١). الدليل الثالث: (٦٥) ما رواه ابن الجوزي في التحقيق (٢)، وفي العلل المتناهية (٣)، من طريق محمد بن صاعد، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس، أن أعرابياً بال في المسجد، فقال النبي ﷺ : احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوباً من ماء. [حديث معلول، والمعروف أنه مرسل] (٤).

стр. 248

دليل الحنابلة في غسالة النجاسة . يرى الحنابلة أن الماء المنفصل من الغسلة الأولى حتى الغسلة السادسة نجس؛ لأن الماء قد انفصل والمحل نجس، حتى ولو ذهبت عين النجاسة، فالمحل نجس حكماً، والتعليل عندهم: أنه ماء قليل لاقى نجاسة، فينجس ولو لم يتغير (١). وأما الماء المنفصل من الغسلة السابعة فإنه طاهر، ولماذا لا يكون طهوراً؟

стр. 249

قالوا: لأنه أثر في المحل، فحصل به إزالة حكم النجاسة. ولماذا لا يكون نجساً؟ قالوا: لأنه انفصل عن محل طاهر؛ لأن المحل يطهر عندهم في الغسلة السابعة، إذا ذهبت عين النجاسة. أما المنفصل من الغسلة الثامنة فهو طهور؛ لأن المحل قد طهر من الغسلة السابعة، فلم يتأثر الماء. والقول بوجوب غسل النجاسات ثلاثاً عند الحنفية أو سبعاً عند الحنابلة قول ضعيف، إلا في ولوغ الكلب حيث ثبت العدد في غسل الإناء من ولوغه سبعاً، وسوف يأتي بسط هذه المسألة في باب النجاسات إن شاء الله تعالى (١). دليل الشافعية على كون الماء طاهراً . أدلتهم في هذه المسألة هي أدلتهم نفسها في المستعمل في رفع الحدث، فإذا كان المستعمل في رفع الحدث، وهو ليس نجاسة يكون طاهراً عندهم، فكيف بالمستعمل في إزالة النجاسة، ومن أدلتهم: (٦٦) ما رواه مسلم في صحيحه، قال: وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي وأبو الطاهر وأحمد بن عيسى جميعا، عن ابن وهب - قال هارون: حدثنا ابن وهب - أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب.

стр. 250

فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا (١). وانظر الجواب عليه في مسألة المستعمل في رفع الحدث. ومن أدلتهم قولهم: إن الماء المستعمل ليس ماء مطلقاً، بل هو مقيد بكونه ماء مستعملاً، والذي يرفع الحدث هو الماء المطلق كما في قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٢)، فلم يقيده بشئ، فالماء المستعمل حكمه حكم ماء الورد والزعفران والشاي ونحو ذلك (٣). وسبق الجواب عليه. والصحيح أن إثبات قسم من الماء يكون طاهراً غير مطهر قول ضعيف، وقد بينت في مبحث أقسام المياه أن الماء قسمان: طهور، ونجس. ولا يوجد قسم الطاهر، والله أعلم. دليل المالكية على أن غسالة النجاسة طاهرة مطهرة . استدل المالكية على أن غسالة النجاسة من الماء الطهور إذا لم تتغير بعدة أدلته، منها: الدليل الأول: (٦٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أن أعرابياً بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله ﷺ : لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء، فصب عليه، ورواه

стр. 251

مسلم (١). وجه الاستدلال: أن الماء الذي غسل به بول الأعرابي لو كان نجساً لم يقض النبي ﷺ بطهارة ذلك المحل، ولأمر أن يصب عليه الماء ثانية وثالثة، فصح أن المغسول به النجاسة طاهر مطهر (٢). الدليل الثاني: (٦٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أتي رسول الله ﷺ بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه. ورواه مسلم (٣). وجه الاستدلال من هذا الحديث كالاستدلال من الحديث الذي قبله، فإن قيل في الحديث الأول: إن النجاسة كانت على الأرض، فالحديث الثاني النجاسة على ثوب، وهذا دليل على أنه لافرق بينهما. الدليل الثالث: قالوا من جهة المعنى: الماء المنفصل عن المحل المغسول هو من جملة الماء الباقي في المحل المغسول، فالمنفصل بعض المتصل، والماء الباقي في المحل المغسول

стр. 252

طهور بإجماع، فوجب أن يكون المنفصل عنه مثله (١). الدليل الرابع: إذا غلب الماء على النجاسة ولم يظهر فيه شيء منها فقد طهرها، ولا تضره ممازجته لها إذا غلب عليها، سواء كان الماء قليلاً أم كثيراً، فقد جعل الله الماء طهوراً، وأنزله علينا ليطهرنا به، وقال الرسول ﷺ : " الماء لا ينجسه شيء " يعني: إلا ما غلب عليه من النجاسة فغيره، ومعلوم أنه لا يطهر نجاسة حتى يمازجها، فإن غلب عليها ولم يظهر فيه شيء منها، فالحكم له، وإن غلبته النجاسة فالحكم لها إذا ظهر في الماء شيء منها (٢). وقد أجمع العلماء على طهارة الخمر، إذا صارت خلاً من غير صانع، لاستهلاك ما كان يخامر العقل منها بطريان التحليل عليه، فلأن تطهر النجاسة، ويزول حكمها باستهلاك الماء لها أولى وأحرى (٣). وهذا القول هو الراجح، لدليل النقل والعقل، والله أعلم.

стр. 253

الباب السادس في الكلام على فضل الوضوء

стр. 254

الفصل الأول حكم وضوء الرجال والنساء جميعاً إذا كانوا من المحارم لا خلاف بين العلماء على جواز وضوء الرجال جميعاً من إناء واحد، ووضوء النساء جميعاً من إناء واحد، ووضوء الرجال والنساء جميعاً إن كان الرجال من المحارم، وقد نقل الإجماع على ذلك جماعة من أهل العلم، منهم: قال الطحاوي من الحنفية: الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهما الماء معاً من إناء واحد، أن ذلك لا ينجس الماء (١). وقال القرطبي من المالكية: اتفق العلماء على جواز اغتسال الرجل وحليلته ووضوئهما معاً من إناء واحد، إلا شيئاً روي في كراهية ذلك عن أبي هريرة، وحديث ابن عمر وعائشة وغيرهما يرده، وإنما الاختلاف في وضوئه أو غسله من فضلها (٢). وقال ابن حزم ﵀: واتفقوا على جواز توضيء الرجلين والمرأتين معاً (٣). اهـ وقال الترمذي: وهو قول عامة الفقهاء، أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد. وقال ابن تيمية: أحدها: وهو اشتراك الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد، وإن كان كل واحد منهما يغتسل بسؤر الآخر، وهذا مما اتفق عليه أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم، أن الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا

стр. 255

توضئوا واغتسلوا من ماء واحد جاز، فأما اغتسال الرجال والنساء جميعاً من إناء واحد فلم يتنازع العلماء في جوازه، وإذا جاز اغتسال الرجال والنساء جميعاً، فاغتسال الرجال دون النساء جميعاً، أو النساء دون الرجال جميعاً أولى بالجواز، وهذا مما لا نزاع فيه، فمن كره أن يغتسل معه غيره، أو رأى أن طهره لا يتم حتى يغتسل وحده، فقد خرج عن إجماع المسلمين، وفارق جماعة المؤمنين (١). اهـ مستند هذا الإجماع: الدليل الأول: (٦٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خيثمة، عن عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة، قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه واحد، فيبادرني، حتى أقول دع لي دع لي. قالت: وهما جنبان، وهو في البخاري (٢). الدليل الثاني: (٧٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد (٣).

стр. 256

الدليل الثالث: (٧١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الله بن عبد الله بن جبر، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد (١). ففي هذه الأحاديث دليل على أن الرجل وزوجه يغتسلان معاً من غسل الجنابلة، وإذا اغتسلا معاً كان كل واحد منهما يغتسل بفضل صاحبه (٢).

стр. 257

الفصل الثاني في فضل وضوء المرأة إذا خلت المرأة بالماء، فهل يجوز الوضوء بفضلها، فيه خلاف: واختلفوا في معنى الخلوة على قولين: الأول: انفرادها بالاستعمال، سواء شوهدت أم لا، وهذا مذهب الجمهور (١)، ورواية عن أحمد (٢). الثاني: أن تخلو به فلا يشاهدها مميز، سواء كان ذكراً أم أنثى، وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (٣).

стр. 258

وقد اختلف الفقهاء في الوضوء بفضل المرأة على أقوال: فقيل: يجوز الوضوء بفضل المرأة، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل من الحنابلة (٤)، ورجحه ابن المنذر (٥)، وهو رأي ابن عباس ﵄ (٦).

стр. 259

وقيل: لا يستعمل في رفع حدث الرجل خاصة، ويستعمل في إزالة النجاسة، وفي رفع حدث المرأة والصبي، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد (١)،

стр. 260

ومذهب ابن حزم قريب منه (١). وقيل: يكره الوضوء بفضل المرأة، وهو مذهب سعيد بن المسيب والحسن (٢)،

стр. 261

واختاره بعض الشافعية (١). وقيل: لا بأس أن يغتسل بفضل طهور المرأة ما لم تكن جنباً أو حائضاً، وهو رأي ابن عمر ﵄ (٢). دليل الجمهور على أن فضل المرأة طهور . الدليل الأول: (٧٢) ما رواه مسلم في صحيحه، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن حاتم - قال إسحاق أخبرنا - وقال ابن حاتم حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، قال: أكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، أن ابن عباس أخبره، أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة (٣). [الحديث معلول، والمحفوظ ما أخرجه الشيخان أن رسول الله ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد] (٤). الدليل الثاني: (٧٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الرزاق، أنا الثوري، عن سماك بن

стр. 262

حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن امرأة من نساء النبي ﷺ استحمت من جنابة، فجاء النبي ﷺ يتوضأ من فضلها، فقالت: إني اغتسلت منه، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 263

دليل من قال: لا يغتسل بفضل المرأة . الدليل الأول: (٧٤) روى الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا يونس وعفان، قالا: ثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد الحميري، قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبوهريرة أربع سنين قال: نهانا رسول الله ﷺ "أن يمتشط أحدنا كل يوم، وأن يبول في مغتسله، وأن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن

стр. 264

يغتسل الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعاً (١). [رجاله ثقات] (٢).

стр. 265

الدليل الثاني: (٧٥) ما رواه أحمد، قال: ثنا سليمان بن داود، ثنا شعبة، عن عاصم الأحول، قال: سمعت أبا حاجب يحدث عن الحكم بن عمرو الغفاري، أن رسول الله ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل من فضل وضوء المرأة (١). [رجاله ثقات، وقد أعل بالوقف] (٢).

стр. 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 268

الدليل الثالث: (٧٦) حدثنا محمد بن يحيى، ثنا المعلى بن أسد، ثنا عبد العزيز بن المختار، ثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعاً. [المحفوظ وقفه على عبد الله بن سرجس] (١).

стр. 269

الجمع بين حديث النهي عن الوضوء بفضل المرأة، وحديث ابن عباس أن النبي ﷺ توضأ بفضل ميمونة. أجاب المانعون بأحد جوابين: الأول: قالوا: إن حديث ابن عباس غير محفوظ: " أن النبي ﷺ توضأ بفضل ميمونة، وأن المحفوظ ما جاء في الصحيحن من كون الرسول ﷺ يغتسل هو وميمونة من إناء واحد (١).

стр. 270

الجواب الثاني: قالوا: حديث أن النبي ﷺ توضأ بفضل ميمونة يحتمل أن يكون مع المشاهدة. ولذلك يشترطون أن تخلو به المرأة لطهارة كاملة. ومعنى تخلو به عندهم ليس معناه أن تنفرد به ولكن معناه ألا يشاهدها مميز أثناء الطهارة (١).

стр. 271

وهذا الكلام عليه مأخذان. الأول: أنه يبعد أن تشاهد المرأة وهي تغتسل من الجنابة. الثاني: أن اشتراط ألا يشاهدها أحد ليس ظاهراً من الحديث، ولكن يكون الماء فضلها إذا انفردت باستعماله .. ولذا جاء في الحديث "وليغترفا جميعا " ولو كان مجرد المشاهدة يؤثر ما أرشد إلى الاغتراف جميعاً، وكان ممكن أن يقول نهى أن يتوضأ الرجل بما خلت به المرأة، وكان ممكن أن يقول: ولتغترف عند أحد. القول الثاني في الجمع بين الحديثين: أن النهي محمول على الكراهة، والفعل دال على الجواز (١)، وهذا هو الراجح على القاعدة الأصولية التي تقول: إن فعل النبي ﷺ لا يعارض قوله. فإذا أمر بشيء وتركه دل ذلك على أن الأمر للاستحباب، وإذا نهى عن شيء وفعله دل على أن النهي للكراهة. إلا إذا جاءنا دليل خاص يدل على أن مخالفة النبي ﷺ خصوصية له فيبقى الأمر على أصله للوجوب، والنهي عن أصله للتحريم، وليس عندنا دليل على أن النبي ﷺ حين اغتسل بفضل ميمونة أن هذا الحكم خاص به، بل عندنا دليل على أنه عام بدليل أن الرسول ﷺ علل الحكم بقوله " إن الماء لا ينجسه شيء " أو على اللفظ المرجوح " إن الماء لا يجنب " ولم يقل إني لست كهيئتكم كما قال ذلك عند الوصال في الصيام.

стр. 272

القول الثالث في الجمع: حملوا النهي عن فضل وضوء المرأة من الجنب والحائض وأما إذا كانت طاهراً فلا بأس به (١). (٧٧) فقد روى مالك في الموطأ (٢)، وعنه عبد الرزاق (٣)، من طريق نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن جنباً أو حائضاً أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أيوب عن نافع به (٤). وهذا القول ضعيف: لأن اشتراط أن تكون المرأة حائضاً أو جنباً لم يرد في شيء من الأحاديث. وقد قال ﷺ لعائشة وهي حائض: " إن حيضتك ليست في يدك " رواه مسلم (٥). فإذا كانت حيضتها ليست في يدها فهي كذلك ليست في وجهها ولا في رأسها ولا في قدمها ولا في شيء من أعضائها سوى مكان الأذى. فلا دليل على اشتراط الحيض أو الجنابة، وبدن الجنب، وبدن الحائض سوى مكان الأذى لا فرق بينه وبين غيره إلا أن هذا محدث وهذا غير محدث.

стр. 273

القول الرابع في الجمع: قيل: إن النهي عن استعمال ما تقاطر من أعضائه عند التطهر، والجواز وارد على ما بقى في الماء من الإناء. وهذا القول قدمه الخطابي ورجحه على غيره في معالم السنن (١)، وهذا القول أيضاً ضعيف. فما كان من شأن الصحابة أن يجمعوا ما تقاطر من أعضائهم لاستعماله مرة أخرى حتى يفرق بين ما استعملته المرأة وبين ما استعمله الرجل. فالراجح أن النهي لا يثبت، والقول بعدم الكراهة أقوى، وإذا كان الإمام أحمد يقول: إن المسألة ليس فيها حديث ثابت، وإنما العمل بقول بعض الصحابة، فالجواب أن الصحابة مختلفون، وابن عباس يرى جواز الوضوء من فضل المرأة، وابن عمر لا يرى به بأساً إلا من الحائض والنفساء، وإذا كان الصحابة مختلفين كان السبيل طلب الترجيح من جهة الدليل. ولا دليل يسلم في المسألة. وإذا كان سؤر بهيمة الأنعام لا يمنع من الوضوء منه، بل ولا الهرة مع أن طهارتها لعلة التطواف، وإلا فالأصل نجاستها، فسؤر المرأة أولى بالجواز، وانظر إلى فقه ابن عباس حين قال: هي ألطف بناناً وأطيب ريحاً، ولو كان في المسألة نص سالم من النزاع لم أعارضه بالفهم القاصر، ولكن ما دامت النصوص لم تثبت، والصحابة مختلفون فينظر في أقربها للحق.

стр. 274

الفصل الثالث في الوضوء بفضل الرجل ذكرنا في ما سبق الخلاف في الوضوء بفضل المرأة، وعلمنا أن قول الجمهور جواز الوضوء بفضل المرأة، والذي منع من الوضوء بفضل المرأة هم الحنابلة (١)، وابن حزم (٢)، كما سبق، ولا شك أن الذي أجاز الوضوء بفضل المرأة أجاز الوضوء بفضل الرجل من باب أولى، ولم يمنع الحنابلة وابن حزم (٣)، الوضوء بفضل الرجل، مع منعهم الوضوء بفضل المرأة، وقد حكي فيه الإجماع، نقله جماعة من أهل العلم. قال ابن عبد البر: لا بأس بفضل وضوء الرجل المسلم يتوضأ منه، وهذا كله في فضل طهور الرجل إجماع من العلماء والحمد لله (٤). وقال النووي ﵀: واتفقوا على جواز وضوء الرجل والمرأة بفضل الرجل. وقال أيضاً: لا نعلم أحداً من أهل العلم منعها- أي المرأة - فضل

стр. 275

الرجل (١). وقال أيضاً: وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فجائز بالإجماع أيضاً (٢). ومع نقل الإجماع إلا أن الحديث الوارد قد جمع النهي عن الوضوء بفضل الرجل كما نهى عن الوضوء بفضل المرأة، فإن صح الإجماع فذاك، (٧٨) وإلا فلينظر في الحديث، فقد روى الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا يونس وعفان، قالا: ثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد الحميري، قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبوهريرة أربع سنين قال: نهانا رسول الله ﷺ "أن يمتشط أحدنا كل يوم، وأن يبول في مغتسله، وأن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعاً (٣). وهذا حديث رجاله ثقات، وما حكي من الإجماع فينظر في صحة دعواه، فإن صح كان دليلاً لقول الإمام أحمد في تضعيف النهي عن الوضوء بفضل المرأة، لأنه لا يمكن أن ينهى الرسول ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة، ويسوي الحديث بينهما في النهي، ثم ينقل الإجماع على عدم النهي عن وضوء المرأة بفضل الرجل إلا إذا كان النهي الوارد لا يثبت عن الرسول ﷺ ، والله أعلم.

стр. 276

الباب السابع في الشك والاشتباه ويشتمل على خمسة فصول: الفصل الأول: في الشك في الماء ونحوه. الفصل الثاني: إذا اشتبه الماء الطهور بالماء النجس. الفصل الثالث: إذا اشتبه ماء طهور بماء طاهر. الفصل الرابع: إذا اشتبه ثياب طاهرة بمحرمة أو نجسة. الفصل الخامس: في الإخبار بنجاسة الماء.

стр. 277

الفصل الأول في حكم الماء ونحوه إذا كان مشكوكاً فيه ينبغى أن يعلم أنه ليس في الشريعة شئ مشكوك فيه البتة، وإنما يعرض الشك للمكلف بتعارض أمارتين فصاعدا، فتصير المسألة مشكوكاً فيها بالنسبة إليه، فهى شكية عنده، وربما تكون ظنية عند غيره، وقطعية عند آخرين، فكون المسألة شكية أو ظنية أو قطعية ليس وصفاً ثابتاً لها، وإنما هو أمر يعرض لها عند إضافتها إلى حكم المكلف (١). وينبغي أن يعلم أن مراد كثير من الفقهاء بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والصوم والطلاق والعتق وغيرها هو التردد بين وجود الشئ وعدمه، سواء كان الطرفان في التردد سواء، أو أحدهما راجحاً، فهذا معناه في استعمال الفقهاء في كتب الفقه، وأما أصحاب الأصول ففرقوا بينهما. فقالوا: التردد بين الطرفين إن كان على السواء فهو الشك، وإلا فالراجح ظن والمرجوح وهم (٢). وقد يجتمع في هذه المسائل أصل وظاهر، وذلك نحو آنية الكفار المتدينين باستعمال النجاسة، وثياب القصابين، والصبيان الذين لا يتقون النجاسة فقيل: إنه محكوم بنجاستها عملاً بالظاهر. وقيل: إنه محكوم بطهارتها عملاً بالأصل. وقد يترجح الظاهر في بعض المسائل على الأصل فيؤخذ به، وقد يقدم

стр. 278

الأصل، وقد يستوى الظاهر والأصل، وهذا هو السبب في عدم طرد فروع هذه المسائل عند بعض المذاهب (١). إذا عرفنا هذا فقد اختلف العلماء في حكم الشيء إذا تيقن طهارته أو نجاسته، وشك في نقيض ذلك. فقيل: يبني على اليقين، وهو مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).

стр. 279

وقيل: يختلف الشك في الماء، عن الشك في نجاسة الثوب، عن الشك في الحدث، والشك في الحدث يختلف في داخل الصلاة، عنه في خارجها، وهذا مذهب المالكية وإليك بيان مذهبهم في هذه المسائل. إذا شك في نجاسة الثوب ونحوه وجب نضحه (١). وإذا شك في نجاسة البدن وجب غسله (٢). وإذا شك في حصول الحدث، ففيه قولان: فقيل: ينقض مطلقاً، وهو رواية ابن القاسم عن مالك. وقيل: الشك ينقض الوضوء خارج الصلاة، ولا ينقض داخلها، وهو

стр. 280

المشهور من مذهب المالكية (١)، ونسب هذا القول للحسن ﵀ (٢). وروى ابن نافع عن مالك أنه لا وضوء عليه مطلقاً كالجمهور (٣). وأما مذهب المالكية في الشك في الماء، فيعمل بالأصل، وهو الطهارة كمذهب الجمهور (٤).

стр. 281

دليل الجمهور . الأصل العظيم، أن اليقين لا يزول بالشك، فمن تيقن الطهارة وشك بالحدث، أو تيقن النجاسة وشك في الطهارة، بنى على اليقين، وهذا الأصل له أدلة شرعية صحيحة. دليل المالكية على وجوب النضح إذا شك في طهارة الثوب . (٧٩) ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر بن الخطاب عرس ببعض الطريق قريباً من بعض المياه، فاحتلم عمر، وقد كاد أن يصبح فلم يجد مع الركب ماء، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من ذلك الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو بن العاص: أصبحت ومعنا ثياب، فدع ثوبك يغسل. فقال عمر بن الخطاب: واعجباً لك يا عمرو بن العاصي، لئن كنت تجد ثياباً أفكل الناس يجد ثياباً، والله لو فعلتها لكانت سنة، بل أغسل ما رأيت، وأنضح ما لم أر (١). [إسناده منقطع] (٢). وجه الاستدلال: لا شك أن النضح هنا هو الرش، بدليل قوله: " اغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر. فجعل النضح غير الغسل.

стр. 282

قال ابن عبد البر في الاستذكار: ولا خلاف بين العلماء أن النضح فى حديث عمر هذا معناه الرش، وهو عند أهل العلم طهارة ماشك فيه، كأنهم جعلوه دفعاً للوسوسة. ثم قال بعد: فمن استيقن حلول المني في ثوبه غسل موضعه منه إذا اعتقد نجاسته، كغسله سائر النجاسات على ما قد بينا، وإن لم يعرف موضعه غسله كله، فإن شك هل أصاب ثوبه شيء منه أم لا؟ نضحه بالماء على ما وصفنا، وعلى هذا مذهب الفقهاء كما ذكرنا. قلت: هذا الاستدلال فيه نظر بين، لأنه مبني أولاً على نجاسة المني والدليل خلافه، ومبني أيضاً على أن فعل عمر يدل على الوجوب، وإذا كان فعل الرسول ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب فكيف بفعل غيره (١). الدليل الثاني على وجوب النضح . (٨٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصل لكم، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف (٢). والجواب أن النضح هنا ليس عن نجاسة؛ إذ لو كان عن نجاسة لانتشرت

стр. 283

النجاسة بالنضح، ولكن النضح ليلين الحصير لاستعماله، وقد نقل ابن عبد البر مثل ذلك عن إسماعيل بن إسحاق من المالكية (١)، وهو الراجح؛ لأن ثوب المسلم ونحوه محمول على طهارته، ولا يؤثر الشك فيه حتى تستيقن النجاسة. دليل المالكية على وجوب الغسل إذا شك في نجاسة البدن . (٨١) استدلوا بما رواه مسلم، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وحامد بن عمر البكراوي، قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. وهو في البخاري دون قوله: ثلاثاً (٢). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أمر بغسل اليد للشك في نجاستها، فهذا يقتضي وجوب غسل البدن إذا شك في نجاسته. قالوا: وإنما لم نقل بالنضح؛ لإن النضح خلاف القياس، فيقتصر فيه على ما ورد، وهو الحصير والثوب والخف، وجعل ابن رشد هذا القول هو المذهب (٣). وقد ناقشت الحديث فيما سبق، وبينت العلة من الأمر، وأنها ليست

стр. 284

للنجاسة، ولو كان الغسل من النجاسة لكفى في ذلك غسلة واحدة، كما في نجاسة دم الحيض يصيب الثوب. وأما دليل المالكية على أن الشك في الحدث ينقض الطهارة . قالوا: إنما أوجب الوضوء بالشك؛ لأن الطهارة شرط، والشك في الشرط مؤثر، بخلاف الشك في طلاق زوجته، أو عتق أمته، أو شك في الطهارة أو الرضاع لا يؤثر؛ لأنه شك في المانع، وهو لا يؤثر، وإنما أثر في الشرط دون المانع، لأن العبادة محققة في الذمة فلا تبرأ منها إلا بطهارة محققة، والمانع يطرأ على أمر محقق وهو الإباحة أو الملك من الرقيق، فلا تنقطع بأمر مشكوك فيه (١). وأما وجه الفرق بين الحدث داخل الصلاة وخارج الصلاة. (٨٢) فقد أخذوا ذلك من ظاهر الحديث، فقد روى البخاري، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب (ح) وعن عباد بن تميم، عن عمه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، ورواه مسلم (٢). فأمره الرسول ﷺ إذا شك في الصلاة أن يستمر فيها، ولا ينصرف عنها إلا بيقين، قالوا: وأما إذا شك خارج الصلاة، فالحكم مختلف، فيلزمه أن

стр. 285

يأتي بالطهارة بيقين. قال الدسوقي في حاشيته: من شك، وهو في الصلاة طرأ عليه الشك فيها بعد دخوله، فوجب أن لا ينصرف عنها إلا بيقين، ومن شك خارجها طرأ عليه الشك في طهارته قبل الدخول في الصلاة، فوجب أن لا يدخلها إلا بطهارة متيقنة (١). قال ابن حجر تعليقاً على ذلك: إن كان ناقضاً خارج الصلاة فينبغي أن يكون كذلك في الصلاة كبقية النواقض (٢). هذا محصل مذهب مالك في الشك سواء كان في الماء أم في الثوب، أم في البدن، أم في الحدث، وله تفصيل في كل مسألة، ومذهبه لا يطرد، وما كان قولاً له موافقاً للجمهور تركت ذكر دليله اكتفاء بذكر دليل الجمهور، وما خالف فيه ذكرت وجه الدليل عنده. والله أعلم. الراجح من هذه الأقوال قول الجمهور، وهو العمل باليقين، إلا أني أرى إن أمكن العمل بالظن عمل به، فإنه إذا كان هناك ظن راجح أخذ به، لأننا تعبدنا بالظن إذا تعذر اليقين، إلا في مسألة الماء إذا شك في طهارته أو نجاسته، فإن هذه المسألة نادرة الوقوع خاصة إذا رجحنا أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فإن تغير الماء حكمنا عليه بالنجاسة وهو أمر محسوس مشاهد، وإن لم يتغير فهو طهور، والله أعلم.
следующие страницы →