стр. 2276
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 17126
موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2
دبيان الدبيان
Полный текст (6 049 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2277
الدليل الثامن:
(١٥١) ما رواه الطبراني في الأوسط، من طريق جعفر النفيلي، ثنا
стр. 2278
عفير بن معدان، عن سليم بن عامر،
عن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والعمامة في غزوة تبوك (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل التاسع: من الآثار.
(١٥٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية وابن نمير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، قال:
رأيت أبا بكر يمسح على الخمار (٣).
стр. 2279
[إسناده حسن إن سلم من عنعنة ابن إسحاق] (١).
الأثر الثاني: عن عمر.
(١٥٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، قال:
قال عمر: إن شئت فامسح على العمامة، وإن شئت فانزعها (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
قال ابن المنذر: لو لم يثبت الحديث عن النبي ﷺ فيه، لوجب القول
стр. 2280
به لقول النبي ﷺ : " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "، ولقوله ﷺ : إن يطيعوا أبا بكر وعمر فقد رشدوا "، ولقوله ﷺ : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " (١).
الأثر الثالث:
صح المسح على العمامة من فعل أنس ﵁.
(١٥٤) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان،
عن عاصم، قال: رأيت أنساً يمسح على الخفين والعمامة (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
الأثر الرابع: عن أبي أمامة.
(١٥٥) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة،
عن أبي غالب، قال رأيت أبا أمامة يمسح على العمامة (٤).
[إسناده حسن] (٥).
стр. 2281
جواب المانعين من المسح على هذه الآثار.
قال النووي: الأحاديث التي ذكر فيها المسح على العمامة فقط، وقع فيها اختصار، والمراد مسح على الناصية والعمامة، ويدل على صحة هذا التأويل أنه صرح به في حديث المغيرة كما سبق بيانه، ثم قال مستدلاً على صحة هذا التأويل: إن القرآن جاء بوجوب مسح الرأس، وجاءت الأحاديث الصحيحة بمسح الناصية مع العمامة، وفي بعضها مسح العمامة ولم تذكر الناصية، فكان محتملاً لموافقة الأحاديث الباقية، ومحتملاً لمخالفتها، فكان حملها على الاتفاق، وموافقة القرآن أولى. قال أصحابنا: وإنما حذف بعض الرواة ذكر الناصية؛ لأن مسحها كان معلوماً؛ لأن مسح الرأس مقرر، معلوم لهم، وكان المهم بيان مسح العمامة.
قال الخطابي: والأصل أن الله تعالى فرض مسح الرأس، والحديث محتمل للتأويل، فلا يترك اليقين بالمحتمل، وقال هو وسائر الأصحاب: وقياس العمامة على الخف بعيد؛ لأن يشق نزعه، بخلافها، والله أعلم (١).
ورد عليهم:
بأن الظن بأن الصحابة رضوان الله عليهم اختصروا الحديث، وأنهم جاؤا بصيغة توهم أنه يجوز الاقتصار على العمامة، مع أن الاقتصار عليها لايجوز ظن لا يليق بصحابة رسول الله ﷺ ، وقد عدلهم الله في كتابه، وعدلهم الرسول ﷺ بسنته، وهم أدرى الناس بمقتضى اللغة ومدلولها، وما حمل الناس على هذا الظن الذي لا يليق بصحابة رسول الله ﷺ إلا أن
стр. 2282
الإنسان قد يعتقد حكم المسألة قبل النظر في أدلتها، إما تقليداً لإمام، أو موافقة لقول الأصحاب، وبالتالي إذا جاء ما يخالف هذا الاعتقاد تكلف في التأويل غير المستساغ، وأما من يسلم قياده للدليل الشرعي فإنه يميل معه حيث ما مال، وافق من وافق، وخالف من خالف؛ لأن الحجة هو الدليل والدليل وحده، بفهم الصحابة رضوان الله عليهم، ولهذا تجد أهل الحديث أقل الناس خلافاً لسلامة المنهج، والله الموفق للصواب.
أدلة المانعين .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ (١) وحقيقته تقتضي إمساسه الماء، ومباشرته، العمامة ليس رأساً، وماسح العمامة غير ماسح برأسه، فلا تجزيه صلاته.
وأجيب:
بأن مسح الرأس لا ينافي إثبات المسح على العمامة بدليل آخر، وليس إثبات أحدهما مبطلاً للآخر، كما أن إثبات غسل الرجلين بقوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ ليس مبطلاً لإثبات المسح على الخفين، هذا مع التسليم أن قوله تعالى: ﴿وامسحوا بروؤسكم﴾ لا يشمله المسح على العمامة، وقد يقال: إن من مسح على عمامته، فقد مسح برأسه، فمن قَبَّلَ رأس الرجل من فوق عمامته، قيل له: قبل رأسه، وكذا من مسح على العمامة. والنبي ﷺ هو المبين لكلام الله ، وهو المفسر له،
стр. 2283
وقد مسح النبي ﷺ على العمامة، وأمر بالمسح عليها، وهذا يدل على أن المراد من الآية المسح على الرأس، أو حائله.
ثم كيف يظن أن المسح على العمامة معارض لآية المائدة، وقد مسح أبو بكر وعمر وجمع من الصحابة ﵃.
قال ابن المنذر: كيف يجوز أن يجهل مثل هؤلاء فرض مسح الرأس، وهو مذكور في كتاب الله ، فلولا بيان النبي ﷺ لهم ذلك وإجازته ما تركوا ظاهر الكتاب والسنة.
الدليل الثاني:
الآثار متواترة في مسح الرأس، فلو كان المسح على العمامة جائزاً لورد النقل به متواتراً في وزن وروده في المسح على الخفين، فلما لم يثبت عنه مسح العمامة من جهة التواتر، لم يجز المسح عليها من وجهين:
أحدهما: أن الآية تقتضي مسح الرأس، فغير جائز العدول عنه إلا بخبر يوجب العلم.
والثاني: عموم الحاجة إليه، فلا يقبل في مثله إلا المتواتر من الأخبار (١).
وأجيب:
بأن خبر الآحاد يوجب العلم على الصحيح، وتثبت به الأحكام، ولايشترط أن يكون الخبر متواتراً حتى يقبل، وما كان معروفاً عند السلف رد خبر الآحاد إذا كان السند إليه صحيحاً غير معارض بأقوى منه لكونه من
стр. 2284
أخبار الآحاد، وإنما جاء الكلام فيه من أهل البدع، وممن ردوا الأخبار الصحيحة لمعارضته لأفهامهم السقيمة، بل إن مصطلح التواتر والآحاد مصطلح حادث، وصدق القائل:
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم.
وليس هذا موضع الاستدلال على قبول خبر الآحاد، ولا على
تناقض أصحاب هذا القول، وقبولهم في مواضع كثيرة ما ردوه في موضع آخر.
الدليل الثالث:
(١٥٦) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، حدثني مرحوم بن عبد العزيز العطار، حدثني عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن معاوية بن قرة،
عن ابن عمر قال: توضأ رسول الله ﷺ واحدة واحدة، فقال: هذا وضوء من لا يقبل الله منه صلاة إلا به. الحديث قطعة من حديث طويل (١).
وجه الاستدلال:
قال الجصاص: معلوم أنه مسح برأسه؛ لأن مسح العمامة لا يسمى وضوءاً، ثم نفى جواز الصلاة إلا به.
وأجيب:
أولاً: أن الحديث ضعيف جداً فيه عبد الرحيم بن زيد العمي، وهو
стр. 2285
стр. 2286
ثانياً: مسح الخفين لا يسمى وضوءاً، ولم يمنع الحديث من المسح على الخفين، ولا من المسح على الجبيرة، فكذلك لا يمنع على فرض ثبوته من المسح على العمامة.
стр. 2287
الدليل الرابع:
من النظر، قالوا: إن الرأس عضو طهارته المسح، فلم يجز المسح على حائل دونه كالوجه واليد في التيمم فرضه المسح، فلم يجز على حائل دونه، وهذا مجمع عليه.
وأجيب:
هذا قياس في مقابلة النص فلا يعتبر، والأمور في مثل هذا لا يجري فيها القياس، فالرجلان فرضهما الغسل، ويجوز المسح عليهما، والذراع فرضه الغسل، وحين لم يتمكن الرسول ﷺ من إخراجه لغسله لضيق كمه نزع يده من كمه وغسله، ولم يمسح عليه.
وقد يقابل هذا القياس بقياس مثله، فيقال: الرأس عضو يسقط فرضه بالتيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين.
الدليل الخامس:
(١٥٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبي معقل،
عن أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة (١).
стр. 2288
стр. 2289
ثالثاً: قال ابن القيم: " مقصود أنس به أن النبي ﷺ لم ينقض عمامته حتى يستوعب مسح الشعر كله، ولم ينف التكميل على العمامة، وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه " (١). اهـ
وهذه الأجوبة جيدة لو كان الحديث صحيحاً، وما دام أنه لم يصح فلا نتكلف الإجابة عنه.
الدليل السادس:
(١٥٨) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال:
بلغني أن النبي ﷺ كان يتوضأ، وعليه العمامة، يؤخرها عن رأسه، ولا يحلها، ثم مسح برأسه، فأشار الماء بكف واحد على اليافوخ قط، ثم يعيد العمامة (٢).
[ضعيف] (٣).
وأجيب:
هذا الحديث مرسل، قال يحيى بن سعيد القطان: مرسلات مجاهد
стр. 2290
أحب إلي من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب.
وقال أحمد: ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء؛ فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد.
الدليل السابع: من الآثار.
(١٥٩) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر أنه كان لا يمسح على العمامة (١).
[إسناده صحيح] (٢).
الأثر الثاني، عن جابر ﵁.
(١٦٠) رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن عباد بن إسحاق (عبد الرحمن بن إسحاق) عن أبي عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: سألت جابراً عن المسح على العمامة، فقال: أمس الماء الشعر (٣).
[إسناده حسن] (٤).
стр. 2291
وسوف يأتي إن شاء الله تعالى عن عائشة وصفية بنت عبيد في المسح على الخمار نحو هذا.
قال ابن المنذر: وليس في إنكار من أنكر المسح على العمامة حجة؛ لأن أحداً لا يحيط بجميع السنن، ولعل الذي أنكر ذلك لو علم بالسنة لرجع
стр. 2292
إليها، بل غير جائز أن يظن مسلم ليس من أهل العلم غير ذلك، فكيف من كان من أهل العلم، ولا يجوز أن يظن بالقوم غير ذلك، وكما لم يضر إنكار من أنكر المسح على الخفين، ولم يوهن تخلف من تخلف عن القول بذلك إذا أذن النبي ﷺ في المسح على الخفين، كذلك لا يوهن تخلف من تخلف عن القول بإباحة المسح على العمامة.
والراجح من هذا الخلاف
بعد النظر في أدلة كل قول، نجد القول بالمسح على العمامة أقوى دليلاً من حيث الأثر، والله أعلم.
стр. 2293
الفصل الثاني
خلاف العلماء في المسح على الخمار
стр. 2294
стр. 2295
دليل من قال لا تمسح .
الدليل الأول:
كل دليل استدلوا به في المنع من المسح على العمامة استدلوا به في المنع من مسح الخمار.
ولكل جواب قيل عن استدلالهم هناك، يقال لهم هنا.
الدليل الثاني:
جاء الإذن بالمسح على العمامة، أما المسح على الخمار فلم يأت دليل في المسح عليه، والأصل المنع.
وأجيب:
بأن العمامة تسمى خماراً، كما جاء في الأحاديث أن الرسول ﷺ مسح على العمامة والخمار، راجعها في مسألة المسح على العمامة، فإذا كانت العمامة تسمى خماراً فخمار المرأة داخل في العموم اللفظي لكلمة عمامة، فلم يتعلق الحكم بالمسمى؛ لأن العمامة تسمى خماراً، ولا مانع من تسمية خمار المرأة عمامة إلا أنها خاصة بالمرأة؛ لأن كلاً منهما تخمر الرأس: أي تغطيه، ثم إن الرسول ﷺ لم يقل: لا يمسح إلا على العمامة، ولو قال هذا لربما سلم ما تقولون، لكن علمنا بمسحه على العمامة أنه يجوز المسح
стр. 2296
على كل ما غطى الرأس، حتى الخضاب الذي على الرأس، والحناء ونحوهما إذا خمر رأس المرأة جاز المسح عليه، فمباشرة الرأس بالماء ليست فرضاً، والله أعلم بالصواب.
الدليل الثالث ، من الآثار.
(١٦١) روى البيهقي في السنن الكبرى، من طريق ابن وهب، أخبرك ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، عن أم علقمة مولاة عائشة ﵂،
عن عائشة ﵂ أنها كانت إذا توضأت تدخل يدها من تحت الرداء، تمسح برأسها كله " (١).
[إسناده حسن] (٢).
стр. 2297
الأثر الثاني:
(١٦٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن مالك بن أنس، عن نافع، قال: رأيت صفية بنت أبي عبيد توضأت، فأدخلت يدها تحت خمارها، فمسحت بناصيتها (١).
[إسناده صحيح].
وأجيب:
بأن المسح على الخمار ليس بواجب حتى يقال بأن في هذا دليلاً على أنه لا يجوز المسح على الخمار، بل المرأة في الخيار إن شاءت مسحت على رأسها، وإن شاءت مسحت على خمارها كالمسح على الخفين، ولو ورد عنهن المنع من المسح على الخمار لقيل: إن قولهما معارض بفعل أم سلمة ﵂، وقد جاء عنها المسح على الخمار.
دليل من قال تمسح .
الدليل الأول:
القياس الجلي على العمامة، فلا فرق بين العمامة والخمار.
стр. 2298
الدليل الثاني:
ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، والعكس إلا ما دل الدليل باختصاصه بأحدهما، ولذلك فالنساء داخلات في قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ (١) مع أن المأمور في الآية الرجال.
الدليل الثالث:
(١٦٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد الله بن نمير، عن سفيان، عن سماك، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة أنها كانت تمسح على الخمار (٢).
[إسناده حسن إن شاء الله تعالى] (٣).
стр. 2299
الراجح من هذا الخلاف:
بعد استعراض أدلة الفريقين، وبعد مناقشة الأدلة السابقة يتبين لي أن القول بجواز المسح على الخمار أرجح، وهو إما داخل في العموم اللفظي من جواز المسح على العمامة، وإما مقيس عليها بجامع أن كلاً منهما غطاء على الرأس، يشق نزعه. والله أعلم.
стр. 2300
الفصل الثالث
خلاف العلماء في المسح على القلانس
стр. 2301
стр. 2302
وقيل: يمسح إن كانت مشدودة تحت حلقه، وهو رواية عن أحمد (١).
دليل من قال لا يمسح .
قالوا: الأصل وجوب مسح الرأس، لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ (٢) وعدل عن الأصل في العمامة لورود النص بها.
التعليل الثاني:
قالوا: إنه لا يشق نزعها، فليست محنكة، ولا ذؤابة لها.
قال ابن المنذر: " ولا نعلم أحداً قال بالمسح على القلنسوة، وقد روينا عن أنس أنه مسح عليها " (٣).
قلت: قد علمت أن الإمام أحمد قد قال بالمسح على القلنسوة في رواية عنه.
دليل القائلين بالمسح .
الدليل الأول:
(١٦٤) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن سعيد ابن عبد الله بن ضرار، قال:
رأيت أنس بن مالك أتى الخلاء، ثم خرج وعليه قلنسوة بيضاء مزرورة فمسح على القلنسوة وعلى جوربين له مرعزاً أسودين ثم صلى (٤).
стр. 2303
[إسناده فيه لين] (١).
الدليل الثاني:
(١٦٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن أبي عروبة، عن أشعث، عن أبيه،
أن أبا موسى خرج من الخلاء، فمسح على قلنسوته (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
وفعل الصحابي إذا لم يعارض نصاً مرفوعاً، ولم يخالفه صحابي مثله، فهو حجة؛ لأن فهمهم أولى من فهمنا، وعلمهم أكمل من علمنا، وإصابتهم للحق أقرب من غيرهم، ونحن مأمورون باتباع سبيلهم، فإذا نقل الخلاف بينهم كان على الإنسان أن يتحرى أقربها للحق.
الدليل الثالث:
قالوا: بأن القلنسوة ملبوس معتاد يستر الرأس، فأشبه العمامة، ولم نشترط أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة كما لا نشترطه في العمامة - وسوف تأتي مناقشة هذا الشرط إن شاء الله تعالى - قال أبو بكر الخلال: إن مسح إنسان على القلنسوة لم أر به بأساً، لأن أحمد قال في رواية الميموني: أنا
стр. 2304
أتوقاه، وإن ذهب إليه ذاهب لم يعنفه. قال الخلال: وكيف يعنفه؟ وقد روي عن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ بأسانيد صحاح، ورجال ثقات، فروى الأثرم بإسناده عن عمر أنه قال: إن شاء حسر عن رأسه، وإن شاء مسح قلنسوته وعمامته. وروى بإسناده عن أبي موسى أنه خرج من الخلاء فمسح على القلنسوة (١) اهـ.
قلت: وثبت عن أنس بن مالك أيضاً، وقد خرجته عنه.
الدليل الرابع:
قالوا: إن الرسول ﷺ لم يقل: لا تمسحوا إلا على العمامة والخمار، حتى يمكن أن يقال: لا يجوز المسح على حائل إلا إذا كان عمامة أو خماراً، فحين مسح على العمامة علمنا أن مباشرة الرأس بالماء ليست فرضاً.
دليل من قال يشترط أن تكون مشدودة تحت الحلق .
قالوا: إن القلنسوة إذا لم تكن مشدودة لا يشق نزعها، فأشبهت الكوفية (الطاقية) أما إذا كانت مشدودة فحينئذ تشبه العمامة بمشقة النزع، فجاز المسح عليها، والشارع لا يفرق بين متماثلين، كما لا يجمع بين متفرقين، وأثر أنس الوارد أنه مسح على قلنسوة مزرورة، والمزرور: هو المشدود بالزرار، وإذا كان كذلك فإنها تشبه العمامة بمشقة النزع.
هذه غالب أدلة الأقوال الثلاثة، والقول بالجواز قول قوي جداً، والقول باشتراط أن تكون مشدودة فيه احتياط، والله أعلم.
стр. 2305
الفصل الرابع
في شروط المسح على العمامة
стр. 2306
الشرط الأول
في اشتراط التحنيك أو الذؤابة في العمامة
стр. 2307
الشرط الأول
في اشتراط التحنيك أو الذؤابة في العمامة
اختلف العلماء في اشتراط التحنيك أو كون العمامة ذات ذؤابة،
فقيل: لا يمسح عليها إلا أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: لا يشترط، وهو اختيار ابن تيمية (٢)، وهو الراجح.
دليل الحنابلة .
الدليل الأول:
المسح المنقول لنا إنما جاء الإذن على العمائم المعهودة، التي يلبسها المسلمون، وصفتها بأن يكون تحت الحنك منها شيء.
قال ابن قدامة: " ومن شروط المسح عليها أن تكون على صفة عمائم المسلمين، بأن يكون تحت الحنك منها شيء؛ لأن هذه عمائم العرب، وهي أكثر ستراً من غيرها، ويشق نزعها، ولأنها إذا لم تكن محنكة أشبهت الكوفية (الطاقية) والكوفية لا يمسح عليها، فكذلك غير المحنكة (٣).
الدليل الثاني:
(١٦٦) قال ابن قدامة في المغني: روي عن النبي ﷺ أنه أمر بالتلحي،
стр. 2308
ونهى عن الاقتعاط. رواه أبو عبيد، وقال: الاقتعاط: أن لايكون تحت الحنك منها شيء، وروي أن عمر ﵁ رأى رجلاً ليس تحت حنكه من عمامته شيء، فحنكه بكور منها، وقال: هذه الفاسقية؟. فامتنع المسح عليها للنهي عنها (١) اهـ.
والحديث المرفوع، والأثر عن عمر لم أقف على أسانيدهما بشيء من الكتب، فالله أعلم بصحتهما.
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: " وأما هذه الشرائط التي ذكرها ابن قدامة فلم أر ما يدل على ثبوتها من الأحاديث الصحيحة، وأما ما روي عن النبي ﷺ أنه أمر بالتلحي، ونهى عن الاقتعاط، فلم يذكر ابن قدامة سنده، ولم يذكر تحسينه ولا تصحيحه عن أحد من أئمة الحديث، ولم أقف على سنده، ولا على من حسنه أو صححه، فالله أعلم كيف هو؟ (٢).
الدليل الثالث:
قالوا: إن العمائم إذا لم تكن محنكة، ولم يكن لها ذؤابة أشبهت عمائم أهل الذمة، فيكون لبسها حراماً، وما حرم لبسه لم يجز المسح عليه.
وأجيب:
بأنه لم يرد نهي عن لبس العمامة غير محنكة أو صماء، وإذا لم يرد نهي، وكانت العمامة بلا ذؤابة ليست من لباسهم الذي يختصون به، ويتميزون به عن غيرهم، فلا تحريم في لبسها، وقد انتشر بين التابعين في
стр. 2309
المدينة من أولاد المهاجرين والأنصار لبسها بلا تحنيك كما سيأتي.
ثم قولهم: كل ما حرم لبسه لم يجز المسح عليه قد ناقشت هذا في الخف المغصوب والمحرم، ورجحت جواز المسح عليه وإن كان لبسه حراماً.
دليل من قال لا يشترط .
الدليل الأول:
قالوا: إن الإذن بالمسح ورد مطلقاً، وما ورد مطلقاً فلا يجوز تقييده إلا بدليل مثله من كتاب أو سنة أو إجماع.
الدليل الثاني:
أن تحنيكها زمن الصحابة كان للحاجة إلى الجهاد، قال ابن تيمية: "والسلف كانوا يحنكون عمائمهم؛ لأنهم كانوا يركبون الخيل، ويجاهدون في سبيل الله، فإن لم يربطوا العمائم بالتحنيك وإلا سقطت، ولم يمكن معها طرد الخيل، ولهذا ذكر أحمد عن أهل الشام أنهم كانوا يحافظون على هذه السنة؛ لأنهم كانوا في زمنه هم المجاهدون، وذكر إسحاق بن راهوية بإسناده أن أولاد المهاجرين والأنصار كانوا يلبسون العمائم بلا تحنيك، وهذا لأنهم كانوا في الحجاز في زمن التابعين لا يجاهدون، ورخص إسحاق وغيره في لبسها بلا تحنيك .. الخ كلامه ﵀ (١).
وقولهم: إن غير المحنكة لا يشق نزعها، فالجواب أن هذه العلة ليست علة منصوصاً عليها يمكن أن تخص العام، أو تقيد المطلق، والعلة المستنبطة علة مظنونة، قد تكون هي العلة، وقد تكون غيرها، فلا نستطيع
стр. 2310
أن نجزم بأنها هي العلة، وقد لا تتعين في مشقة النزع، بل قد تكون الحكمة أن العمامة لو حركها انفلت أكوارها؛ ولأن لبسها في أيام البرد قد يعرق الرأس بسببها فإذا نزعها قد يصاب بضرر بسبب الهواء البارد، المهم أن العلة المستنبطة ينبغي ألا يقيد بها الأحاديث المطلقة، والله أعلم.
الراجح من القولين:
بعد استعراض أدلة الفريقين نجد أن القول بعدم الاشتراط أقوى دليلاً، وأن المسح على العمامة يجوز ولو لم تكن محنكة أو ذات ذؤابة. والله الموفق.
стр. 2311
الشرط الثاني
الخلاف في اشتراط لبس العمامة على طهارة
стр. 2312
الشرط الثاني
الخلاف في اشتراط لبسها على طهارة
اختلف العلماء القائلين بالمسح على العمامة، هل يشترط الطهارة للبسها أم لا؟ على قولين:
فقيل: تشترط الطهارة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: لا تشترط، وهو رواية عن أحمد (٢)، واختاره ابن حزم (٣)، ورجحه ابن تيمية (٤).
دليل الحنابلة على اشتراط الطهارة .
الدليل الأول:
القياس على الخف، فإذا كان يشترط للمسح على الخف الطهارة فكذلك في المسح على العمامة، بجامع أن كلاً منهما ممسوح على عضو من أعضاء الوضوء، كان الواجب مباشرة ذلك العضو لولا هذا الحائل.
وأجيب:
بأن القياس على الخف فيه نظر؛ لأن طهارة القدم هي الغسل،
стр. 2313
وطهارة الرأس هو المسح فافترقا، فطهارة الرأس أخف من طهارة الخف، ثم إن العمامة تمسح كلها، والخف يمسح ظاهره على الصحيح، وفرق آخر عندكم: هو أن ظهور شيء من القدم يبطل المسح، وظهور شيء من الرأس كالناصية، وجوانب الرأس لا يبطل المسح على العمامة، ثم إن القياس في مثل هذه الأمور من أضعف الأقيسة.
دليل من قال لا تشترط الطهارة .
الدليل الأول:
عدم الدليل على الاشتراط، وهذا كاف في نفيه؛ لأن من اشترط شيئاً طلب منه الدليل، ولا دليل على الاشتراط.
الدليل الثاني:
أن الأحاديث ليس فيها إلا أن الرسول ﷺ مسح على العمامة، ولم تشترط للمسح عليها لبسها على طهارة كالمسح على الخف، فنقف عند حدود النص، ولا نقيد أو نخصص إلا بدليل.
قال ابن حزم في الرد على من قاس العمامة على الخف: " القياس باطل، وليس هنا علة جامعة بين حكم المسح على العمامة والخمار، والمسح على الخفين، وإنما نص رسول الله ﷺ في اللباس على الطهارة على الخفين، ولم ينص ذلك في العمامة والخمار، قال تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وما كان ربك نسياً﴾ (٢)، فلو وجب هذا في
стр. 2314
стр. 2315
الشرط الثالث
الخلاف في توقيت المسح على العمامة