مرارة، فكان يمسح عليها.
قلنا: هذا فعل منه، وليس إيجاباً للمسح عليها، وقد صح عنه ﵁ أنه كان يدخل الماء في باطن عينيه في الوضوء والغسل، وأنتم
لا ترون ذلك، فضلاً عن أن توجبوه فرضاً " (١) اهـ.
فقد يكون ابن عمر فعل ذلك احتياطاً، ويبقى ما دام أن ابن عباس خالفه، يطلب مرجح لأحد القولين من دليل آخر.
الدليل السابع:
من النظر، قالوا: إن المسح على الجبيرة أولى من التيمم من وجهين:
الأول: أن المسح يكون بالماء، والتيمم بالتراب، والأصل: استعمال الماء.
الثاني: المسح يكون في ما يغطي موضع الغسل، وأما التيمم في عضوين فقط، وقد يكونا أجنبين عن موضع الجرح، فالجرح إما أن يكون مكشوفاً أو مستوراً، فإن كان مكشوفاً، فالواجب غسله، فإن تعذر غسله بالماء، انتقل إلى مسحه بالماء، فإن تعذر المسح، فالتيمم.
وإن كان العضو مستوراً ففرضه المسح، فإن تضرر انتقل إلى التيمم.
وأجيب:
بأن هذا الترتيب لا دليل عليه، وهو استحسان في مقابل النص، أعني آية المائدة، فلا يقبل.
стр. 2347
الدليل الثامن:
قالوا: يشرع المسح على الجبيرة قياساً على العمامة والخفين؛ لأن هذا العضو ستر بما يسوغ شرعاً، فجاز المسح عليه كالخفين والعمامة.
وأجيب:
بأن هناك فرقاً بين الجبيرة والخفين، فلا يصح القياس، فمن ذلك:
أن المسح على الجبيرة واجب، والمسح على الخفين جائز.
الثاني: المسح على الجبيرة في الطهارتين الصغرى والكبرى، وفي الخف في الطهارة الصغرى فقط.
الثالث: المسح على الجبيرة لا توقيت فيها، بخلاف الخف.
الرابع: المسح على الجبيرة يستوعبها بالمسح، كما يستوعب الجلد، بخلاف الخف.
الخامس: أن المسح على الخفين يشترط له الطهارة، بخلاف الجبيرة على قول.
وإذا تبين بينهما هذه الفروق فكيف يصح قياس الجبيرة على الخف؟!
أدلة القائلين بالتيمم .
من القرآن قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (١).
وإذا لم يكن هذا الجرح مرضاً، فما هو المرض المبيح للتيمم؟ فهل يشترط أن يكون مرضاً مانعاً من استعمال الماء مطلقاً؟ أين الدليل على هذا
стр. 2348
الشرط، وهذا الشرط لو قالوه مخالف لقولهم: إذا كان معه ماء يكفي بعض طهره، استعمله، وتيمم عن الباقي.
الدليل الثاني:
(١٧٧) ما رواه ابن الجارود، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: أنبأني الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، أن عطاء حدثه،
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رجلاً أجنب في شتاء، فسأل، فأمر بالغسل، فاغتسل، فمات، فذكر ذلك للنبي ﷺ قال: ما لهم قتلوه؟ قتلهم الله ثلاثاً قد جعل الله الصعيد، أو التيمم طهوراً، شك ابن عباس، ثم أثبته بعد (١).
[إسناده حسن] (٢).
والغريب أن القائلين بالمسح تركوا هذا الحديث، وأخذوا بحديث جابر، وهو غلط من راويه الزبير بن خريق؛ لأن الأوزاعي والوليد بن عبيد الله قد خالفاه، فروياه عن عطاء من مسند ابن عباس، وليس فيه المسح على
стр. 2349
الجبيرة، ومع تقديمهم لحديث جابر على نكارته، لم يقولوا بمقتضاه من الجمع بين المسح والتيمم، بل أخذوا بعضه، وتركوا بعضه، وهذا من غرائب الاستدلال!!.
الدليل الثالث:
أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أهل جهاد، فكانت تكثر فيهم الجروح والقروح، فلو كان المسح على الجبيرة مشروعاً لجاء مبيناً في السنة تبييناً واضحاً لا إشكال فيه، كما بين الرسول ﷺ أن الريح حدث يبطل الوضوء، ولا ينازع في ذلك منازع، خاصة أن الأمر يتعلق بالصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية، فلما لم يأت المسح إلا من حديث رجل إما متهم بالكذب، وإما ضعيف قد خالفه من هو أوثق منه، علم أن المسح ليس مشروعاً.
الدليل الرابع:
صح عن ابن عباس موقوفاً عليه القول بالتيمم،
(١٧٨) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، قال: إذا أجنب الرجل، وبه الجراحة والجدري، فخاف على نفسه إن هو اغتسل، قال: يتيمم بالصعيد (١).
[حديث حسن] (٢).
стр. 2350
الدليل الخامس:
إذا كان الجنب قد رخص له إذا خاف على نفسه الضرر من الاغتسال أن يتيمم، فكذلك إذا خاف على جرحه، ولا فرق، ولا يقال له: امسح جسدك بالماء إذا خفت من الاغتسال؛ لأنه أولى من التيمم، فهذا بالماء، وذاك بالتراب، وهذا في عضوين، وذاك في الجسم كله، بل نقول له: تيمم، وهذا يكفيك، فكذلك إذا خاف على عضو من أعضائه.
стр. 2351
وفي المسألة قصة عمرو بن العاص، لكن اختلف فيه، هل تيمم أو غسل مغابنه وتوضأ؟
فرواه عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص بذكر الوضوء، وغسل المغابن (١).
ورواه عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، بذكر التيمم،
والطريق الأول: أوصل.
والطريق الثاني: أوفق لمقتضى القواعد، ولعله فعل الأمرين.
قال البيهقي: ويحتمل أن يكون قد فعل ما نقل في الروايتين جميعا، غسل ما قدر على غسله، وتيمم للباقي، والله أعلم (١).
دليل من قال يسقط فرضه ولا يمسح ولا يتيمم .
استدل ابن حزم بقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ (٢).
وقول الرسول ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ".
قال ابن حزم فسقط بالقرآن والسنة كل ما عجز عنه المرء، وكان التعويض منه شرعاً، والشرع لا يلزم إلا بقرآن أو سنة، ولم يأت قرآن ولاسنة بتعويض المسح على الجبائر " (٣).
стр. 2354
وفي ما قاله ﵀ نظر؛ لأن القرآن والسنة جاءت بالبدل،
وهو التيمم كما ذكرنا من سورة المائدة، ومن حديث ابن عباس، والله أعلم.
دليل من قال يجمع بين المسح والتيمم .
الدليل الأول:
حديث جابر في صاحب الشجة، وفيه: " إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده ".
[سبق تخريجه في أدلة القول الأول]
وقد ذكرنا أن هذه الزيادة زيادة منكرة، تفرد بها الزبير بن خريق مخالفاً لمن هو أوثق منه.
الدليل الثاني:
قالوا: إن ما تحت الجبيرة عليل لا يمكن غسله، فأشبه الجريح بوجوب التيمم، ولبسه لهذا الحائل أشبه الخف بمشقة النزع، فلما أشبههما وجب الجمع بين المسح والتيمم.
الدليل الثالث:
قالوا: ولأن في الجمع بينهما احتياطاً للعبادة، وخروجاً من الخلاف.
وهذا القول ضعيف أيضاً؛ لأن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف لقواعد الشرع، فإن كان المسح مطهراً، فلماذا التيمم؟ وإن كان التيمم مطهراً فلماذا المسح؟ ولا يكلف الله عبداً بعبادتين سببهما واحد.
стр. 2355
الراجح:
بعد استعراض أدلة الفريقين لا أرى في المسح على الجبيرة نصاً مرفوعاً يمكن أن يعول عليه، وجاء عن ابن عمر بسند صحيح موقوفاً عليه، وعارضه قول ابن عباس، والقول بالمسح هو قول عامة الفقهاء من التابعين وغيرهم، وأرى أن القول بالتيمم أرجح من المسح على الجبيرة؛ لآية المائدة، ولأثر ابن عباس الموافق لآية المائدة، وهو أحب إلى نفسي، ولو مسح أحد متبعاً بذلك الصحابي الجليل ابن عمر، فلا بأس عليه إن شاء الله تعالى.
стр. 2356
الفصل الثاني
في شروط المسح على الجبيرة
стр. 2357
الشرط الأول
أن يكون الغسل مما يضر بالعضو أو الجروح
стр. 2358
الشرط الأول
أن يكون الغسل مما يضر بالعضو أو الجروح
من شروط المسح على الجبيرة أن يكون الغسل مما يضر بالعضو المنكسر، أو بالجروح والقروح، أو لا يخاف الضرر من جهة أخرى بسبب نزع الجبائر.
فإن كان لا يضره الغسل، ولا يخاف ضرراً بنزع الجبيرة، وجب الغسل؛ لأن الغسل فرض، سقط إلى بدل، وهو المسح لوجود العذر، فإذا لم يوجد العذر لم يسقط الغسل. وهذا لا خلاف فيه (١).
فإن خاف من المسح على الجبيرة، فإن أمكن وضع جبيرة أخرى ليمسح، وضع أخرى، وإن لم يمكن سقط المسح، كما سقط الغسل، وهل يسقط إلى بدل، وهو التيمم، أو يسقط إلى غير بدل سبق لنا ذكر الخلاف في جواز المسح على الجبيرة، فارجع إليه إن شئت.
стр. 2359
الشرط الثاني
الخلاف في اشتراط الطهارة للبس الجبيرة
стр. 2360
الشرط الثاني
الخلاف في اشتراط الطهارة للبس الجبيرة
اختلف العلماء هل يشترط في المسح على الجبيرة أن يلبسها على طهارة.
فقيل: لا يشترط، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢).
وقيل: لا تلبس الجبيرة إلا على طهارة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، فإن كان لا يضره نزعها وجب، وإن كان يضره تيمم، ولم يمسح عند الحنابلة (٣)، وعند الشافعية يمسح مع الإثم، ويعيد الصلاة إذا برئ (٤).
دليل الحنفية والمالكية على عدم اشتراط الطهارة .
الدليل الأول:
عدم الدليل على اشتراط الطهارة، فالأحاديث التي جاء فيها المسح
стр. 2361
على الجبيرة مطلقة، لم تشترط تقدم الطهارة.
الدليل الثاني:
المسح على الجبيرة يقع فجأة، أو في وقت لا يعلم الماسح وقوعها فيه، وبدون اختياره، بخلاف الخف، فإنه يلبسه مختاراً.
الدليل الثالث:
لو تأخر في لبس الجبيرة لتحصيل الطهارة، لحصل له ضرر بذلك، والشرع لا يأتي بمثل هذا.
الرابع:
أن اشتراط الطهارة فيه حرج ومشقة، والحرج والمشقة مرفوع عن هذه الأمة بنص القرآن والسنة.
دليل الحنابلة والشافعية على اشتراط الطهارة .
قالوا: لأن الجبيرة حائل يمسح عليه، فكان من شرط المسح عليه تقدم الطهارة كالخفين.
وأجيب:
بأنه لا يمكن قياس الجبيرة على الخف؛ لأن لبس الخف ترفه، وطلب كمال، ولبس الجبيرة ضرورة، ومرض، ولذا وقت في الخف، ولم يوقت في الجبيرة، وكان مسح الجبيرة واجباً عند من يراه، بخلاف الخف، وتستوعب الجبيرة بالمسح، ولا يستوعب الخف، ويجمع بين غسل ومسح في عضو واحد، ولا يجمع ذلك في الخف إلى آخر الفروق المعلومة، فلا يتأتى القياس على الخف.
وهذا القول أرجح، إلا أنه مبني على القول بالمسح على الجبيرة.
стр. 2362
الشرط الثالث
الخلاف في اشتراط ألا تتجاوز قدر الحاجة
стр. 2363
الشرط الثالث
الخلاف في اشتراط ألا تتجاوز قدر الحاجة
اختلف العلماء هل يشترط في الجبيرة ألا تتجاوز قدر الحاجة؟
فقيل: يشترط ألا تتجاوز قدر الحاجة (١)، فإن تجاوز بالجبيرة موضع الحاجة، فإن كان لايضره حلها، حلها وغسل ما تحت الصحيح، وإن كان يضره،
فقيل: يمسح عليها كلها بلا تيمم وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
وقيل: يمسح عليها، ويتيمم، وهو المشهور من مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
стр. 2364
دليل من قال بالمسح فقط .
التعليل الأول:
لما كانت الجبيرة زائدة عن موضع الجرح، وكان حل الجبيرة يضره، أصبح وجود الجبيرة ضرورة، فجاز المسح على الجميع.
التعليل الثاني:
قالوا: ولأن إيجاب المسح والتيمم معاً إيجاب طهارتين لعضو واحد، وهذا مخالف لقواعد الشرع.
التعليل الثالث:
قالوا: إن تقدير الموضع الزائد على الحاجة قد يتعسر، ولا ينضبط، ولذلك قال ابن قدامة في المغني: " كأن أبا عبد الله استحب أن يتوقى أن يبسط الشد على الجرح بما يجاوزه، ثم سهل في مسألة الميموني والمروذي؛ لأن هذا مما لا ينضبط، وهو شديد جداً، ولا بأس بالمسح على العصائب كيف شدها " اهـ.
دليل من قال بالجمع بين المسح والتيمم .
قالوا: إن شد الجبيرة على موضع لا يحتاج إليه، كشدها على موضع لا كسر فيه، فيبقى ما على موضع الحاجة يقتضي المسح، والزائد يقتضي التيمم.
وأجيب:
بأن الشيء قد يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً، لما سبق ذكره من وجود الحرج في ضبط مقدار الحاجة.
стр. 2365
الراجح من الخلاف
بعد استعراض الخلاف نجد أن قول الجمهور في هذه المسألة أقوى، إلا أني لا أراه، لكونه مبنياً على القول بالمسح على الجبيرة، وقد ناقشت هذه المسألة في فصل مستقل، والله أعلم.
стр. 2366
الشرط الرابع
هل يشترط أن تكون الجبيرة مباحة
стр. 2367
الشرط الرابع
هل يشترط أن تكون الجبيرة مباحة؟
إذا كانت الجبيرة من حرير أو غصب، ففي جواز المسح عليها قولان:
أحدهما: لا يصح المسح عليه.
والثاني: يصح المسح عليها.
والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في الخف المحرم، وقد سبق بحثه، والصحيح جواز المسح على الجبيرة، ولو كانت محرمة، لأن الجهة منفكة، والتحريم ليس من قبل الصلاة، وإنما هو لأمر خارج، وهذا الترجيح مبني على القول بجواز المسح على الجبيرة، وقد سبق لك الخلاف.
стр. 2368
الشرط الخامس
هل يشترط أن يكون غالب البدن صحيحاً
стр. 2369
الشرط الخامس
هل يشترط أن يكون غالب البدن صحيحاً؟
ذهب المالكية إلى أنه يشترط للمسح على الجبيرة أن يكون غالب البدن في الطهارة الكبرى أو غالب الأعضاء الأربعة في الطهارة الصغرى صحيحاً، أو يكون نصفه صحيحاً ونصفه جريحاً، فإن كان البدن كله جريحاً، أو غالبه جريحاً، فلا يمسح على الجبائر، بل يتيمم، حتى ولو لم يضره غسل ذلك الصحيح (١).
قالوا: إذا كان الصحيح من البدن، هو القليل، فلا حكم له، فكأن البدن أصبح كله جريحاً، وإذا كان البدن كله جريحاً وجب التيمم بنص القرآن، قال تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٢).
وهذا دليل على ضعف القول بالمسح على الجبيرة؛ لأن البدن إذا كان نصفه جريحاً يتيمم، ولا يمسح، استدلالاً بآية المائدة، فكذلك إذا كان غالبه صحيحاً يتيمم، ولا يمسح، ولا فرق، خاصة إذا علمنا أن المسح على الجبيرة ليس فيها نص صحيح يصار إليه.
стр. 2370
الشرط السادس
هل يشترط أن توضع جبيرة على الجرح حتى يمسح
стр. 2371
الشرط السادس
هل يشترط أن توضع جبيرة على الجرح حتى يمسح
إذا كان الجرح ليس عليه عصابة، ولا جبيرة، فالمشهور من مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، أنه يتيمم للجرح ولا يمسح عليه، حتى لو كان يمكنه مسحه بلا ضرر.
وهذا مما يضعف القول بالمسح؛ لأنه إذا كان المسح لا يشرع مع مباشرة الممسوح بدون حائل، فكونه لا يشرع مع الحائل من باب أولى.
واختار الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وهو رواية في مذهب أحمد (٥)، أن الفرض غسل الجرح بالماء، فإن خاف ضرراً مسح على الجرح بدون حائل،
стр. 2372
فإن خاف ضرراً من وصول البلل إلى الجرح مسح على الجبيرة أو العصابة.
وهذا القول أقوى من الأول إلا أنه مبني على القول بالمسح على الجبيرة، والله أعلم.
стр. 2373
الشرط السابع
هل يشترط أن تكون الجبيرة من خشب أو يلحق بها اللصوق ونحوها
стр. 2374
الشرط السابع
هل يشترط أن تكون الجبيرة
من خشب أو يلحق بها اللصوق ونحوها
لا يشترط أن تكون الجبيرة من خشب، وحكم اللصوق على الجروح حكم الجبيرة (١).
قال المرداوي: اللصوق حيث تضرر بقلعه يمسح عليه إلى حله كالجبيرة، وينبغي أن لا يكون فيه خلاف " (٢).
(١٧٩) قلت: أصل ذلك ما رواه ابن المنذر، قال: حدثنا موسى بن هارون، ثنا سماغ، ثنا الوليد، نا سعيد بن أبي عروبة، حدثني سليمان بن موسى، عن نافع، قال:
جرحت إبهام رجل ابن عمر فألقمها مرارة، فكان يتوضأ عليها (٣).
[سبق بحثه].
قال ابن قدامة: ولا فرق بين كون الشد على كسر أو جرح. قال أحمد: إذا توضأ، وخاف على جرحه الماء مسح على الخرقة. وحديث جابر في صاحب الشجة إنما هو في المسح على عصابة جرح؛ لأن الشجة اسم
стр. 2375
لجرح الرأس خاصة؛ ولأنه حائل مضوع يخاف الضرر بغسله فأشبه الشد على الكسر، وكذلك إن وضع على جرحه دواء، وخاف من نزعه، مسح عليه، نص عليه أحمد. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن الجرح يكون بالرجل يضع عليه الدواء، فيخاف إن نزع الدواء إذا أراد الوضوء أن يؤذيه؟ قال: ما أدري ما يؤذيه، ولكن إذا خاف على نفسه، أو خُوِّف من ذلك مسح عليه " (١) اهـ.
стр. 2376
الفصل الثالث
إذا سقطت الجبيرة أو أبدلها فهل يعيد المسح ؟
стр. 2377
الفصل الثالث
إذا سقطت الجبيرة أو أبدلها فهل يعيد المسح؟
اختلف العلماء القائلون بالمسح على الجبيرة في الحكم إذا سقطت الجبيرة.
فقيل: إذا سقطت الجبيرة قبل البرء، فلا شيء عليه، وإن سقطت بعد البرء، فإن كان محدثاً توضأ وغسل محل الجبيرة، وإن لم يكن محدثاً غسل موضع الجبيرة لا غير. وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: نزع الجبيرة مؤثر بكل حال، سواء كان عن برء أو لا، واختلفوا فيما يترتب على الكشف.
فقيل: إذا سقطت الجبيرة، ولو كان في صلاة قطعها مطلقاً، فإن كان عن برء غسل ذلك الموضع مباشرة، وإن كان لم يبرأ فإنه يعيد الجبيرة، ويمسح عليها إن فعل ذلك بالقرب، وإن لم يفعل ذلك حتى طال الفصل بغير عذر، استأنف الوضوء، وهو مذهب المالكية (٢).
وقيل: سقوطها مبطل للطهارة مطلقاً، سواء كان سقوطها عن برء
стр. 2378
أو عن غيره، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: لا تبطل الطهارة مطلقاً، سواء سقطت عن برء، أو عن غيره، وهو اختيار ابن حزم (٣).
دليل الحنفية على التفريق بين كون السقوط عن برء وبين غيره .
قالوا: إن الجرح إذا لم يبرأ فالعذر قائم، فلا يجب عليه شيء، وزوال الممسوح لا يبطل المسح إذا كان العذر قائماً، كما لو توضأ وحلق شعره، وإن كان سقوطها عن برء، فقد قدر على الأصل، وهو الغسل، فسقط حكم البدل، وهو المسح، فوجب غسل ذلك الموضع.
ويشكل عليه: إن كان سقوط الجبيرة حدثاً، فلا فرق بين كون الجرح قد برئ أم لم يبرأ، وإن لم يكن حدثاً فطهارته تامة حتى لو سقط عن برء، والله أعلم.
دليل المالكية على وجوب مسحها أو غسل الموضع مباشرة .
قالوا: إن المسح على الجبيرة ناب عن غسل ذلك الموضع، فإذا سقطت الجبيرة انتقضت طهارة ذلك الموضع، فوجب غسله إن كان قد برئ، أو إعادة مسحه إن لم يبرأ، وانظر دليلهم في خلع الخف، فإن الباب واحد عندهم.
стр. 2379
دليل من قال تبطل الطهارة مطلقا .
سقنا أدلتهم في مسألة بطلان الطهارة بخلع الخف، فإن الباب عندهم واحد.
الراجح أن الطهارة لا تبطل، وليس سقوط اللصقة أو الجبيرة حدثاً، ولا جاء نص بإيجاب الوضوء من ذلك، والوجوب يحتاج إلى دليل، ولا دليل، وهذا الترجيح مبني على القول بالمسح على الجبيرة، وقد رجحت أن القول بالتيمم أقوى.
стр. 2380
الفصل الرابع
في صفة المسح
стр. 2381
المبحث الأول
هل يجب استعياب الجبيرة بالمسح
стр. 2382
المبحث الأول
هل يجب استيعاب الجبيرة بالمسح؟
اختلف العلماء في صفة المسح،
فقيل: يمسح أكثر الجبيرة، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: يجب استيعاب الجبيرة بالمسح، وهو مذهب المالكية (٢)، وأصح الوجهين عند الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: يكفي مسح ما يطلق عليه اسم مسح، وهو وجه في مذهب الشافعية (٥).
دليل من قال بوجوب التعميم .
الدليل الأول:
ظاهر الأحاديث التي جاءت بالمسح على الجبائر، فإنها تفيد التعميم، ومنها حديث صاحب الشجة، وفيه: " إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ".
стр. 2383
والحديث ضعيف، وسبق تخريجه.
فقوله: " ثم يمسح عليها " ظاهره المسح على جميعها.
الدليل الثاني:
قالوا: إن مسح الجبيرة مسح ضرورة، فأشبه مسح الوجه واليدين في التيمم في وجوب الاستيعاب.
الدليل الثالث:
ولأنه لا يشق تعميمها بالمسح، بخلاف الخف فإنه يشق تعميم جميعه.
الدليل الرابع:
الأصل أنه بدل عن غسل العضو، وإذا كان يجب تعميم العضو بالغسل لو كان صحيحاً، وجب تعميمه بالمسح، وإنما لم نقل ذلك بالخف؛ لأنه جاء الدليل على الاكتفاء بالبعض، وهو خلاف القياس، ولم يأت دليل بالاكتفاء ببعض الجبيرة، فلم تلحق بالخف.
دليل الحنفية بالاكتفاء بالأكثر .
قالوا: لم يأت في المسح على الجبائر تقدير من جهة الشرع، بل ورد المسح على الجبائر، فظاهره يقتضي الاستيعاب، إلا أن ذلك لا يخلو من حرج ومشقة، فأقيم الأكثر مقام الجميع.
دليل من قال يكفي مطلق المسح .
قاسوه على الخف، انظر دليلهم في الكلام على صفة مسح الخف.
الراجح: وجوب الاستيعاب لو قلنا بالمسح على الجبيرة.
стр. 2384
المبحث الثاني
إذا كانت الجبيرة على موضع يغسل ثلاثاً فهل يستحب له أن يمسح ثلاثاً
стр. 2385
المبحث الثاني
إذا كانت الجبيرة على موضع يغسل ثلاثاً
فهل يستحب له أن يمسح ثلاثاً؟
سبق لنا أن تكلمنا عن تكرار المسح على الخفين، وسقنا الخلاف في تكرار المسح عليه،
فقيل: لا يسن تكرار المسح، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢).
وقيل: يكره، وهو مذهب المالكية (٣)
والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: يشرع تكراه المسح ثلاثاً قياساً على الغسل، وهو اختيار عطاء (٥).