بلغها فلا بد من الاحتلام إلا لعلة، ولذلك حدوه بثمانية عشرة عاماً.
وهذا الكلام لا يصلح أن يكون دليلاً يعتمد عليه في التحديد بالسن, لأنه قد يقال: ما الدليل على أن الثمانية عشر عاماً هي أقصى سن من لا يحتلم.
دليل من فرق بين الذكر والأنثى.
استدل من فرق بين الذكر والأنثى، فجعل الذكر أن يتم له ثماني عشرة سنة، وللأنثى أن يتم لها سبعة عشر عاماً. بأن الأنثى أسرع نمواً من الغلام، فزادوا سنة في حق الغلام لاشتمالها على الفصول الأربع التي منها ما يوافق المزاج لا محالة (١).
وكون الأنثى أسرع نمواً هذا أمر محسوس، لكن تحديده بالسنة يحتاج إلى توقيف. ولا دليل هنا.
دليل ابن حزم على أن البلوغ بالسن لا يكون إلا بتمام تسع عشرة.
قل ابن حزم: "وأما استكمال التسعة عشر عاماً، فإجماع متيقن، وأصله أن رسول الله ﷺ ورد المدينة، وفيها صبيان، وشبان، وكهول، فألزم الأحكام من خرج عن الصبا إلى الرجولة، ولم يلزمها الصبيان، ولم يكشف أحداً من كل من حواليه من الرجال: هل احتلمت يا فلان؟ وهل أشعرت؟ وهل أنزلت؟ وهل حضت يا فلانة؟ هذا أمر متيقن لا شك فيه، فصح يقيناً أن هناك سناً إذا بلغها الرجل أو المرأة فهما ممن ينزل، أو ينبت، أو يحيض إلا أن يكون فيهما آفة تمنع
стр. 2452
من ذلك، كما بالأطلس آفة منعته من اللحية لولاها لكان من أهل اللحى بلا شك. هذا أمر يعرف بما ذكرنا من التوقف وبضرورة الطبيعة الجارية في جميع أهل الأرض، ولا شك في أن من أكمل تسع عشرة سنة، ودخل في عشرين سنة، فقد فارق الصبا ولحق بالرجال - لا يختلف اثنان من أهل كل ملة وبلدة في ذلك (١).
والجواب على ما ذكر ابن حزم.
أن يقال: الاستدلال بالإجماع لا يصح إلا لو كان الإجماع منهم على أن من نقص عن تسع عشرة عاماً لم يصل إلى مرحلة البلوغ، أما كونهم اتفقوا على أن من أتم تسع عشرة سنة فقد بلغ، فلا يصح هذا دليلاً لرد ما دونها من مسائل الخلاف، وهذا بين. أرأيت لو أنهم اتفقوا على استحباب شيء واختلفوا في وجوبه، فكونهم اتفقوا على استحبابه لا يكون دليلاً لرد خلافهم في الوجوب، والله أعلم.
стр. 2453
الباب الأول: في أحكام الحيض من حيث مقداره ووقته
ويشتمل على تسعة فصول:
الفصل الأول: خلاف العلماء في السن التي تحيض فيها المرأة.
الفصل الثاني: الخلاف في منتهى سن الحيض عند النساء.
الفصل الثالث: هل الحمل زمن صالح للحيض؟
الفصل الرابع: خلاف العلماء في أقل الحيض.
الفصل الخامس: خلاف العلماء في أكثر الحيض.
الفصل السادس: خلاف العلماء في غالب الحيض.
الفصل السابع: خلاف العلماء في أقل الطهر.
الفصل الثامن: القول في أكثر الطهر.
الفصل التاسع: القول في غالب الطهر.
стр. 2454
الفصل الأول: خلاف العلماء في السن التي تحيض فيها المرأة
اختلف العلماء في الزمن الذي تحيض فيه المرأة.
فقيل: لا حيض قبل تسع سنين.
وهو المعتمد عند الحنفية (١)، واختاره بعض المالكية (٢)، والمشهور من مذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤).
وقيل: يمكن أن تحيض البنت وعمرها ست سنوات!!
وهو قول أبي النصر محمَّد بن سلام من الحنفية (٥).
стр. 2455
وقيل: أدنى سن تحيض به المرأة سبع سنين اختاره بع الحنفية (١).
وقيل: اثنتا عشرة سنة.
وهو قول بعض الحنفية (٢) ورواية عن الإمام أحمد اختارها أبو يعلى من الحنابلة (٣).
وقيل: لا حد لأدنى سن تحيض فيه المرأة.
اختاره ابن رشد من المالكية (٤) وابن تيمية من الحنابلة (٥).
دليل من قال: لا حيض قبل تسع سنين
الدليل الأول:
[١٧] روى الترمذي (٦)، والبيهقي (٧)، كلاهما تعليقاً:
قال البيهقي: وروينا عن عائشة ﵂ قالت:
إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة.
قال البيهقي: تعني - والله أعلم - فحاضت فهي امرأة.
стр. 2456
[ضعيف لتعليقه، ومع كونه معلقاً فهو موقوف على عائشة] (١).
ولا دلالة فيه على المسألة؛ لأننا نسأل: هل إذا بلغت الجارية تسع سنين صارت امرأة مطلقاً، أو بشرط الحيض.
فإن قيل: إنها امرأة مطلقاً حتى ولو لم تر الحيض، فهذا لا أعلم أحداً قال به.
وإن قيل: بشرط الحيض، فهو لا يعارض القول الراجح، القائل بعدم التحديد؛ لأنهم يقولون أيضاً إذا رأت الجارية الحيض، وهي ابنة تسع سنين فهي امرأة، والله أعلم.
وربما قالت عائشة هذا بما عرفت من نفسها.
[١٨] فقد روى البخاري، قال: حدثنا محمَّد بن يوسف، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂:
стр. 2457
أن النبي ﷺ تزوجها، وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه، وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعاً. وهو في مسلم (١).
ولا يفهم من الحديث التحديد.
الدليل الثاني:
من النظر. قل ابن قدامة: "دم الحيض إنما خلقه الله لحكمة تربية الحمل به، فمن لا تصلح للحمل لا توجد فيها حكمته، فينتفي لانتفاء حكمته، كالمني فإنهما متقاربان في المعنى، فإن أحدهما يخلق منه الولد، والآخر يربيه ويغذيه، وكل واحد منهما لا يوجد من صغير. ووجودهما علم على البلوغ. وأقل سن تبلغ له الجارية تسع سنين فكان ذلك أقل سن تحيض له الجارية" اهـ (٢).
الدليل الثالث:
قالوا: إن المرجع في هذه المسألة إلى الوجود. لأنه لم يأت تحديد ذلك من الشرع، ولم يوجد من النساء من يحضن عادة فيما دون هذا السن (٣).
قال الشافعي: "أعجل من سمعت من النساء تحيض نساء تهامة، يحضن لتسع سنين، وقد رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة" (٤).
стр. 2458
قلت: بل جاء في المبسوط للسرخسي: "ابنة أبي مطيع البلخي، صارت جدة ولها من العمر تسعة عشر عاماً" اهـ (١).
وحساب ذلك أن يكون أبو مطيع زوج ابنته، وهي ابنة تسع سنين فوضعت لأقل الحمل: أي بعد ستة أشهر، وكانت أنثى، وزوجها هي الأخرى، وعمرها تسع سنين، فوضعت لأقل الحمل هي الأخرى، فأصبحت الأم جدة، وعمرها تسعة عشر عاماً.
دليل من قال: يمكن أن تحيض الجارية وعمرها ست سنوات .
لا أعلم له دليلاً، لا من الأثر، ولا من النظر. وإنما قال ذلك أبو نصر محمَّد بن سلام، وقد سئل كما في المبسوط: عن ابنة ست سنين إذا رأت الدم، فهل يكون هذا دم حيض؟
فأجاب: إن تمادى بها مدة الحيض، ولم يكن نزوله لآفة، فهو حيض (٢).
فهذا جواب على سؤال افتراضي لا دليل عليه لا من الأثر، ولا من النظر ولم يكن سؤالاً عن أمر واقع حتى يبنى عليه حكم. والله أعلم.
стр. 2459
دليل من حدد سن الحيض بسبع سنين.
[١٩] استدلوا بما رواه أَحمد، قال: حدثنا محمَّد بن عبد الرحمن الطفاوي، وعبد الله بن بكر السهمي، المعنى واحد قالا: حدثنا سوار أبو حمزة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه: عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته" (١).
[صحيح لغيره] (٢).
стр. 2460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2462
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2464
وجه الاستدلال:
قالوا: إن الأصل في الأمر الوجوب، ولا يؤمرون إلا إذا كانوا بالغين؛ لأن غير البالغ قد رفع عنه القلم.
وهذا الاستدلال فيه ضعف؛ لأن الأمر لم يوجه للصبيان، وإنما خوطب به الأولياء، من باب التربية، وتعويدهم على الصلاة وتدريبهم عليها، حتى إذا بلغوا كان قيامهم بالأمر سهلاً, ولو كان الخطاب موجهاً إليهم لكان ممكن أن يصح الاستدلال.
стр. 2465
ولذلك في سورة النور. قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ (١).
وحين بلغوا وجه الخطاب إليهم مباشرة فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٢).
دليل من قال: أدنى سن تحيض به المرأة اثنا عشر سنة .
[٢٠] استدلوا بما روى مرفوعاً عن أبي أمامة ﵁:
"ذراري المسلمين يوم القيامة تحت العرش، شافع ومشفع، من لم يبلغ اثنتي عشرة سنة، ومن بلغ ثلاث عشرة سنة فعليه وله".
[ضعيف جداً].
ظاهره أن التكليف منوط ببلوغ هذا السن، ولأن لفظ الذراري يشمل الذكر والأنثى (٣).
стр. 2466
دليل من قال بعدم التحديد:
الدليل الأول:
عدم الدليل المقتضي للتحديد، فلا يوجد دليل من الكتاب، ولا من السنة على القول بالتحديد، فمتى وجد الدم الذي يمكن أن يحكم له بأنه حيض في لونه، ورائحته، وثخونته، فهو حيض، ولو كان التحديد شرعاً، بحيث لا يعتبر الدم قبله، ولا بعده حيضاً، لوجب على الرسول ﷺ أن يبينه للأمة، ولو بينه لنقلوه، ولحفظه الله لنا؛ حيث تعهد بحفظ الشريعة.
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (١).
وجه الاستدلال:
علق الله الحكم بوجود الدم، الذي هو أذى، فإذا وجد
стр. 2467
الأذى وجد الحيض.
قال شيخ الإسلام في الفتاوى: "لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة، ولا لأكثره، فمتى رأت الأنثى الحيض فهي حائض، وإن كانت دون تسع سنين، أو فوق خمسين، وذلك لأن أحكام الحيض علقها الله على وجوده، ولم يحدد الله ، ولا رسوله سناً معيناً، فوجب الرجوع فيه إلى الوجود الذي علق عليه الأحكام، وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة، ولا دليل في ذلك" اهـ (١).
وقيل ابن رشد في المقدمات الممهدات: "فأما الطفلة الصغيرة فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد لانتفاء الحيض مع الصغر، وليس له حد من السن، إلا ما يقطع النساء أن مثلها لا تحيض، وأما اليفعة التي تشبه أن تحيض فما رأت من الدم حكم له بأنه حيض، وكان ذلك دلالة على البلوغ" اهـ (٢).
وقال في مواهب الجليل: "وسن النساء قد يختلف في البلوغ، فالواجب أن يرجع في ذلك إلى ما يعرفه النساء، فهن على الفروج مؤتمنات، فإن شككن أخذ في ذلك بالأحوط" اهـ (٣).
وفي كتاب فقه الشيخ السعدي ﵀، قال: "الحيض هو دم طبيعة وجبلة، وذلك يختلف باختلاف النساء والأحوال والفصول، والقوة والضعف، وغيرها، فكونه يربط بسن معين، ومقدار معين، ويلغى ما سواه مع مماثلته له،
стр. 2468
ومع كونه مخالفاً لظاهر النصوص الشرعية، فإنه مناف للأحوال الطبيعية.
يوضح هذا القول الصحيح، أن القول الذي تقولونه، مع أنه لا يدل عليه كتاب ولا سنة، فإنه لا يمكن أن يبنى على قاعدة من القواعد، ولا أصل من الأصول ... إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى (١).
وهذا القول هو الراجح، إلا أنني أقطع أن سن السابعة لا يمكن أن يكون زمن حيض؛ لأن الرسول ﷺ جعل الخطاب فيه للأولياء، فقال: "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع" وسبق تخريجه، ولم يؤمر الولي بعقاب الولد في تلك السن؛ لأنها ليست سناً صالحة للتكليف.
стр. 2469
الفرع الأول: قول الجمهور: لا حيض قبل تسع سنين هل هو تحديد أم تقريب؟
في هذا خلاف بين أهل العلم.
قال البساطي، محمَّد بن عثمان الطائي كما في مواهب الجليل: اختلف في انتهاء الصغر.
فقيل: تسع. قيل: بأولها، وقيل: بوسطها، وقيل: بآخرها (١).
قلت: هذه الأقوال ثلاثة أوجه في مذهب الشافعية.
قال النووي في المجموع: "والأصح استكمال التسع".
وقال أيضاً: "والمذهب الذي عليه التفريع استكمال التسع.
وهل هو تحديد أم تقريب؟ وجهان، حكاهما صاحب الحاوي والدارمي، وغيرهما؟
أحدهما: تحديد، فلو نقص عن التسع ما نقص فليس بحيض، وهذا مقتضى إطلاق كثيرين.
الثاني: وهو أصحها أنه تقريب. صححه الروياني، والرافعي، وغيرهما.
فعلى هذا قال صاحب الحاوي: لا يؤثر نقص اليوم، واليومين.
قال الدارمي: لا يؤثر الشهر، والشهران" (٢).
стр. 2470
وقال النووي في الروضة: "وهذا الضبط للتقريب على الأصح، فلو كان بين رؤية الدم، واستكمال التسع على الصحيح، ما لا يسع حيضاً وطهراً، كان ذلك الدم حيضاً، وإلا فلا" (١).
وأما المشهور من مذهب الحنابلة، فإنهم يرون أنه تحديد، فلا بد من تمام تسع سنين.
قال في الإنصاف: "وحيث قلنا: أقل سن تحيض له كذا فهو تحديد، فلا بد من تمام تسع سنين" اهـ (٢).
وهذا الخلاف مبني على قول من يرى تحديد السن التي تحيض به المرأة وأما من يرى عدم التحديد، وهو الراجح، فليس بحاجة إلى هذا التفصيل.
والمراد بالسنين: السنون القمرية.
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٣).
فقوله سبحانه: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ إشارة إلى أنها مواقيت عالمية، لعموم الناس مسلمهم وكافرهم. ولا عبرة بتوقيت غير التوقيت القمري. وقد أشار سبحانه بأنه توقيت منذ خلق السموات والأرض.
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ
стр. 2471
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ الآية (١).
[٢١] ومن السنة ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
"إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً". ورواه البخاري (٢).
стр. 2472
الفرع الثاني
إذا قلنا بالتحديد، وإن أدنى سن تحيض فيه المرأة تسع سنين، أو اثنتا عشرة سنة، فرأت الدم قبل ذلك. فماذا يكون؟
فقيل: دم علة وفساد.
وقيل: دم استحاضة.
وقيل: لا فرق بين دم العلة والفساد، وبين دم الاستحاضة، فكل واحد منهما يطلق على الآخر؛ لأن دم الاستحاضة دم علة ومرض.
وإذا كان الفساد يقابله الصحيح، أو الصحة؛ فإن دم الاستحاضة ليس عن صحة، بل هو عن علة ومرض فيكون فساداً.
وهل الخلاف لفظي، لا يتجاوز المصطلح؟ أم بينهما فرق في الأحكام؟ قد يقال: إن الخلاف لفظي, لأن دم الفساد، ودم الاستحاضة كل منهما لا يمنع الصلاة والصيام ونحوهما.
وقد يقال: إن الخلاف ليس لفظياً؛ فإن دم الاستحاضة له أحكام من العمل بالعادة إذا أقبلت، أو العمل بالتمييز، بينما دم الفساد هو كالجرح، وكمن به سلس بول, لأنه قد يحصل من الصغيرة التي لا تحيض فلا يمكن أن ينزل عليه أحكام الحيض، كما لا يمكن أن ينزل عليه أحكام الاستحاضة.
إذا عرفت ذلك، فإليك النقول عن أهل العلم.
قال ابن نجيم في البحر الرائق: "قال بعضهم إن ما تراه المرأة قبل استكمال
стр. 2473
تسع سنين فهو دم فساد، ولا يقال له استحاضة؛ لأن الاستحاضة لا تكون إلا على صفة لا تكون حيضاً؛ ولهذا قال الأزهري: الاستحاضة سيلان الدم في غير أوقاته المعتاد" (١).
قلت: التعليل ليس بجيد؛ لأن الدم الذي تراه قبل تسع سنين على القول بالتحديد يصدق عليه أنه على صفة لا تكون حيضاً.
وقيل الشافعي كما في المجموع: "لو رأت الدم قبل استكمال تسع سنين، فهو دم فساد. ولا يقال له استحاضة؛ لأن الاستحاضة لا تكون إلا على إثر حيض - ثم قال في فصل المميزة -: "ولو رأت الدم خمسة عشر يوماً دماً أسود، ثم رأت أحمر، فالأسود حيض وفي الأحمر وجهان:
قال أبو إسحاق: هو استحاضة.
وقيل ابن جريج: هو دم فساد لا استحاضة؛ لأن الاستحاضة ما دخل على إثر حيض في زمانه، ثم جاوز خمسة عشر" اهـ (٢).
وقيل المرداوي في الحاوي الكبير: "النساء على أربعة أضرب: طاهر، وحائض، ومستحاضة، وذات فساد. فأما الطاهر فهي التي ترى النقاء، ومعناه أن تستدخل القطن فيخرج نقياً. وأما الحائض فهي التي ترى الدم في زمان يكون حيضاً. وأما المستحاضة فهي التي ترى الدم في إثر الحيض على صفة
стр. 2474
لا تكون حيضاً. وأما ذات الفساد فهي التي تبتدئ بدم لا يكون حيضاً" (١)
قال النووي بعد نقله لك محمد الحاوي: "وحاصله أن الاستحاضة لا تطلق إلا على دم متصل بالحيض، وليس بحيض، وأما ما لا يتصل بالحيض فدم فساد، ولا يسمى استحاضة، وقد وافقه عليه جماعة.
وقال الأكثرون: يسمى الجميع استحاضة. قالوا: والاستحاضة نوعان: نوع يتصل بدم الحيض. وقد سبق بيانه.
ونوع لا يتصل به، كصغيرة لم تبلغ تسع سنين، رأت الدم، وكبيرة رأته وانقطع لدون يوم وليلة. فحكمه حكم الحدث.
قال النووي: وهو الأصح الموافق لما سبق عن الأزهري وغيره من أهل اللغة، أن الاستحاضة دم يجري في غير أوانه" (٢)
وقال ابن رشد في المقدمات: "والدم الذي تراه المرأة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: دم حيض، ودم استحاضة ويسمونه دم علة وفساد، ودم نفاس". اهـ (٣).
стр. 2475
الفصل الثاني: خلاف العلماء في منتهى سن الحيض عند النساء
اختلف العلماء في منتهى سن الحيض إلى أقوال:
فقيل: لا حيض بعد خمسين سنة.
وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١)، وبه قال إسحاق بن راهويه (٢)، واختاره بعض الحنفية (٣)، وابن شعبان من المالكية (٤).
وقيل: منتهى الحيض خمس وخمسون سنة.
وهو قول أكثر الحنفية. وقال العيني: الفتوى في زماننا عليه (٥).
وقيل: لا حيض بعد ستين سنة. حكاه ابن نجيم عن أكثر المشايخ (٦)،
стр. 2476
وهو رواية عن أحمد (١) , واختاره المحاملي من الشافعية (٢).
وقيل: لا حيض بعد سبعين سنة. واختاره ابن شاس من المالكية (٣).
وقيل: إن رأت الدم بعد الخمسين إلى الستين فمشكوك فيه، تصوم، وتصلي، وتقضي الصوم احتياطاً وهو اختيار الخرقي من الحنابلة (٤).
وقيل: نساء العجم إلى خمسين، ونساء العرب إلى الستين؛ لأنهن أقوى جبلة وهو رواية عن أحمد (٥).
وقيل: لا تحديد لمنتهى سن الحيض عند النساء، وهو الراجح.
وهو رواية عن أبي حنيفة (٦)، واختاره ابن رشد من المالكية (٧)، والماوردي من الشافعية (٨) وكذلك ابن تيمية من
стр. 2477
الحنابلة (١).
دليل من قال: لا حيض بعد الخمسين
قال ابن قدامة:
[٢٢] روي عن عائشة أنها قالت:
إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض (٢).
قال الزركشي: ذكره أحمد في رواية حنبل عنه (٣).
وروي عنها أنها قالت: لن ترى المرأة في بطنها ولداً بعد الخمسين.
قال الزركشي: رواه الدارقطني (٤). اهـ ولم أقف عليه (٥).
стр. 2478
ولا يعلم ثبوت ذلك عن عائشة، وعلى فرض ثبوت ذلك عنها؛ فإنها قد تكون قالت ذلك بناء على غالب النساء، أو بناء على من التقت بهن من النساء، وليس عاماً في كل النساء.
قال ابن قدامة: "وما ذكر عن عائشة لا حجة فيه؛ لأن وجود الحيض أمر حقيقي، المرجع فيه إلى الوجود، والوجود لا علم لها به، ثم قد وجد بخلاف ما قالته؛ فإن موسى بن عبد الله بن حسن قد ولدته أمه بعد الخمسين، ووجد الحيض بعد الخمسين فلا يمكن إنكاره.
فإن قيل: هذا الدم ليس بحيض مع كونه على صفته وفي وقته وعادته بغير نص، فهذا تحكم لا يقبل". اهـ
دليل من حد سن اليأس بالستين أو السبعين أو نحوهما .
قال في شرح العمدة: "لا يختلف المذهب أن لانقطاع الحيض غاية إذا بلغتها المرأة لم تحض بعدها، بل يكون الدم حينئذٍ دم فساد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ (١)، ولو أمكن أن الحيض لا ينقطع أبداً، لم ييئسن أبداً؛ ولأنه لم يوجد حيض معتاد في بنت المائة ونحوها فإن وجود شيء من ذلك فهو دم فساد كالصغيرة. وهذه الغاية ستون سنة في إحدى الروايات؛ لأن ما قبل ذلك قد وجد حيض معتاد بنفل نساء ثقات" اهـ.
стр. 2479
وإذا رأيت هذا الاختلاف بينهم، فبعضهم يقول: خمس وخمسون سنة، وبعضهم ستون، وبعضهم سبعون. رأيت أن كل واحد منهم قال بحسب ما كان غالباً في بيئته، ومشهوراً بين نسائه، وكلها تدل على أنه ليس في المسألة نص وإلا لما كان هذا الاختلاف، واليأس ليس سناً محدداً متى ما بلغته أصبحت يائسة، بل هو وصف يلحق المرأة، كما أن الحيض ليس سناً بمجرد بلوغه تكون حائضاً حتى تتصف به. فاليأس من المحيض كما تقتضيه معنى الكلمة لغة: هو القنوط من رجوعه، وانقطاع الرجاء بنزوله، ولهذا سوى الله في العدة بين المرأة التي لا تحيض، وبين المرأة اليائسة من المحيض بجامع أن كلاً منهما قد انقطع حيضها.
دليل من قال: الدم من الخمسين إلى الستين مشكوك فيه .
قال الخرقي: "وإذا رأت الدم ولها خمسون سنة، فلا تدع الصوم ولا الصلاة، وتقضي الصوم احتياطاً. فإن رأته بعد الستين فقد زال الإشكال، وتيقن أنه ليس بحيض، فتصوم وتصلي ولا تقضي" (١).
ولعل الخرقي حين رأى أن في مذهب أحمد قولين:
الأول: أنه لا حيض بعد خمسين سنة.
الثاني: أن الغاية في الحيض ستون سنة.
تعارض عنده هذان القولان، فأعرض عنهما، وقال: إن ما بينهما مشكوك
стр. 2480
فيه، لا تترك له الصلاة ولا الصوم؛ لأن وجوبهما متيقن فلا يسقط بالشك، وتقضي الصوم المفروض احتياطاً؛ لأن وجوبه كان متيقناً، وما صامته في زمن الدم مشكوك في صحته، فلا يسقط به ما تيقن وجوبه (١).
وقال الزركشي: "كأن الخرقي ﵀ تعارضت عنده هذه الأقوال فأعرض عنها وقيل: إن ما بينهما مشكوك فيه، فتصوم وتصلي؛ لاحتمال كونه دم حيض، وأداء الصلاة لا يلزمها، والصوم الواجب تقضيه لعدم صحته منها على هذا التقدير" اهـ (٢).
قلت: هذا القول في غاية الضعف؛ لأن الله لم يوجب على العبد صيام يوم واحد مرتين؛ ولأن الشك ليس في أحكام الله، وإنما هو وصف عارض يطرأ على الباحث إما لقصور في البحث، أو لتردد في أدلة ظاهرها التعارض، وما يكون عند فلان من شك وتردد لا يكون عند الآخر.
دليل من قال: لا حد بالسن لمنتهى الحيض .
الدليل الأول:
من القرآن الكريم قوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (٣).
فأخبر الله عن المحيض بأنه هو الأذى الخارج من
стр. 2481
الفرج، فإذا وجد هذا الأذى وجد حكمه، فكيف نحكم لهذا الدم قبل تمام الخمسين بشهر بأنه حيض وبعد تمام الخمسين نحكم بأنه دم فساد، مع أن الدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة، ومثله يقال لمن حد سن اليأس بالستين أو بالسبعين أو بغيرهما.
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ (١).
فعلق الله سبحانه نهاية الحيض باليأس، ولم يعلقه ببلوغ سن معينة، والمرأة التي ما زال حيضها مطرداً مستمراً على صفته ولونه كيف يقال عنها بأنها آيسة من المحيض لمجرد بلوغها خمسين سنة أو ستين سنة ولو كان لليأس سن معين لقال: واللائي بلغن خمسين سنة.
قال ابن تيمية: "واليأس المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ (٢) ليس هو بلوغ سن، ولو كان بلوغ سن لبينه النبي ﷺ ، وإنما هو أن تيأس المرأة نفسها من أن تحيض، فإذا انقطع دمها ويئست من أن يعود فقد يئست من المحيض، ولو كانت بنت أربعين، ثم إذا تربصت وعاد الدم تبين أنها لم تكن آيسة" حتى قال: ومن لم يجعل هذا هو اليأس فقوله مضطرب" (٣).
стр. 2482
الدليل الثالث:
إن تفسير اليأس بالآية في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ (١) ببلوغ سن معينة ليس معروفاً باللغة، والمرجع إنما هو إلى اللغة حيث لم ترد له حقيقة شرعية، واليأس في اللغة هو القنوط، وهو نقيض الرجاء (٢). فكيف يقال للمرأة وهي ترجو الحيض في أوقاته، ويأتيها على صفته المعهودة بأنها يائسة.
قال تعالى ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ (٣): أي لما يئسوا من استخلاصه.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) أي لا يقنط من رحمته وفرجه (٥)، فإذا انقطع رجاء المرأة من نزول الحيض فقد بلغت سن اليأس منه.
الدليل الرابع:
لم يأت في الكتاب ولا في السنة تحديد لمنتهى سن الحيض بغير اليأس، فأحكام الحيض علقها الله وسوله على وجوده، وأحكام الطهارة علقت على
стр. 2483
إدباره، ولم يحدد الله ورسوله لذلك سناً معيناً، فوجب الرجوع فيه إلى الوجود الذي علقت الأحكام عليه، وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من السنة، ولا دليل على ذلك.
الدليل الخامس:
[٢٣] ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إنى امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟. فقال رسول الله ﷺ : "لا، إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعى الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي،
قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت.
ورواه مسلم إلا قوله: قال أبي: ثم توضئي لكل صلاة ... الخ (١)
وجه الاستدلال:
علق الرسول ﷺ أحكام الحيض على إقباله، كما علق أحكام الطهارة على إدباره، ولم يعلقها على بلوغ سن معين، فإذا أقبل الحيض في أي زمن حتى ولو بعد الخمسين تركت الصلاة، وإذا أدبر الحيض حكم بطهارتها.
стр. 2484
الدليل السادس:
[٢٤] ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن محمد، يعنى - ابن عمرو - قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، قالت: إنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : "إذا كان دم الحيض، فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي".
[الحديث فيه انقطاع واضطراب بالاسناد، ومخالف لما في الصحيحين من قصة فاطمة]
وسيأتي بيان ذلك مفصلاً في أحكام الاستحاضة إن شاء الله تعالى.
وجه الاستدلال:
في الحديث أمر المرأة إذا رأت الدم الأسود المعروف بأنه دم حيض بأن تترك الصلاة، وإن كانت مسنة.
الدليل السابع:
اضطراب أقوال القائلين بالتحديد دليل على ضعفها، فبعضهم حدد ذلك بخمسين، وبعضهم بالستين، وبعضهم بالسبعين، كل هذا يدل على أنه ليس في المسألة نص قاطع، وسنة واضحة، وهي أقوال مبنية على الرأي المحض وأحسن أحوالها أن يكون كل واحد منهم حكم بحسب أهل بلده، وهذا يختلف
стр. 2485
باختلاف حرارة البلاد وبرودتِها، وقوة طبيعة النساء وضعفها في تلك البلاد (١).
فالقول الراجح هو القائل بعدم التحديد لعدم الدليل على التحديد.
قال ابن رشد: "وأما العجوز التي لا تشبه أن تحيض فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد لانتفاء الحيض مع الكبر!! كما ينتفي مع الصغر، وليس لذلك حد من السنين إلا ما يقطع النساء على أن مثلها لا تحيض" (٢).
وقال ابن حزم: "وإذا رأت العجوز المسنة دماً أسود، فهو حيض مانع من الصلاة والطواف والوطء" (٣).
وقال ابن تيمية: "لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة، ولا لأكثره .. الخ كلامه (٤).
стр. 2486
فرع: إذا انقطع الدم عن المرأة الكبيرة، ثم عاد
إذا انقطع الدم عن المرأة الكبيرة لكونها كبيرة، ودام انقطاعه سنوات ثم عاودها الدم فما الحكم؟.
الجواب: إذا كانت صفرة أو كدرة فلا تلتفت إليه؛ لأن الصفرة والكدرة في زمن الحيض، ووقت العادة حيض، أما هذه فقد يئست، كما أن الدم إن كان مجرد قطعة من الدم لم يكن متصلاً فكذلك لا تلتفت إليه؛ لأن ذلك ربما كان ناتجاً عن حمل المرأة شيئاً ثقيلاً نزل على أثره قطعة من الدم. فإن كان الدم جارياً، ولا تعلم له سبب، فقد اختلف العلماء هل يكون دم فساد مثله مثل من به سلس بول، أو يكون حيضاً؟. والأقوال لا تخرج عن ثلاثة أقوال:
الأول: أنه دم فساد، يكون حكمه حكم من به حدث دائم.
قال أحمد في المرأة الكبيرة ترى الدم: لا يكون حيضاً، هو بمنزلة الجرح، وإن اغتسلت فحسن (١). فلم يجعل حكمها كحكم الاستحاضة، وذلك بالعمل بالتمييز، أو العادة؛ لأنه لا يرى أن يتأتى منها الحيض، وهي بهذا السن.
وقال ابن رشد: "وأما العجوز التي لا يشبه أن تحيض، فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد لانتفاء الحيض مع الكبر، كما ينتفي مع الصغر" (٢).
стр. 2487
القول الثاني:
إن كان الدم على صفة دم الحيض، فإنه حيض، وهو اختيار ابن حزم، قال: "وإن رأت العجوز المسنة دماً أسود فهو حيض مانع من الصلاة والصوم والطواف والوطء، برهان ذلك قوله ﷺ الذي ذكرناه قبل بإسناده -: "إن دم الحيض أسود يعرف". وأمر رسول الله ﷺ إذا رأته بترك الصلاة، وقوله ﵇ في الحديث: "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم" فهذا دم أسود، وهي من بنات آدم، ولم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس حيضاً، كما جاء به النص فى الحامل، فإن ذكروا قول الله ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (١). قلنا: إنما أخبر الله تعالى عنهن بيأسهن، ولم يخبر تعالى أن يأسهن حق قاطع لحيضهن، ولم ننكر يأسهن من الحيض لكن قلنا: إن يأسهن من الحيض ليس مانعاً من أن يحدث الله تعالى لهن حيضاً، ولا أخبر تعالى بأن ذلك لا يكون ولا رسوله ﷺ ، وقد قال تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ (٢) فأخبر تعالى أنهن يائسات من النكاح، ولم يكن ذلك مانعاً من أن ينكحن بلا خلاف من أحد ولا فرق بين ورود الكلامين من الله تعالى من اللائي يئسن من المحيض، واللائي لا يرجون نكاحاً، فكلاهما حكم وارد في اللواتي يظنن هذين الظنين، وكلاهما لا يمنع مما يئسن منه من
стр. 2488
المحيض والنكاح. اهـ (١).
وقال ابن تيمية: "إذا انقطع دمها ويئست من أن يعود، فقد يئست من المحيض، ولو كانت بنت أربعين، فإذا تربصت وعاد الدم، تبين أنها لم تكن آيسة" اهـ (٢).
ودليل آخر أن الله علق أحكام الحيض على وجوده، فقال ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٣). فإذا وجد الأذى وجد حكمه، ولا فرق بين كونه يتقدمه طهر طويل، أو طهر قصير، ما دام أن هذا الدم له لون دم الحيض، ورائحته النتنة التي تعرفها المرأة من عادتها.
القول الثالث:
لا نحكم له بأنه حيض حتى يتكرر ثلاث مرات، وقد جاء في مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله "سألت أبي عن امرأة قد أتى عليها نيف وخمسون سنة، ولم تحض منذ سنة، وقد رأت منذ يومين دماً ليس بالكثير، ولكنها إذا استنجت رأته، ولم تفطر، ولم تترك الصلاة. ما ترى لها؟
стр. 2489
فقال أبي: لا تلتفت إليه، تصوم وتصلي، فإن عاودها بعد ذلك مرتين أو ثلاثاً فهذا حيض، وقد رجع تقضي الصوم. قلت: فالصلاة؟ قال: لا" اهـ (١).
стр. 2490
الفصل الثالث: خلاف العلماء في حيض الحمل
اختلف العلماء في الحامل هل تحيض أم لا؟.
فقيل: لا تحيض. وهو المشهور من مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢) والقديم من قول الشافعي (٣).
وقيل: بل تحيض. وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية في الجديد (٥).