فرع: إذا انقطع الدم عن المرأة الكبيرة، ثم عاد
إذا انقطع الدم عن المرأة الكبيرة لكونها كبيرة، ودام انقطاعه سنوات ثم عاودها الدم فما الحكم؟.
الجواب: إذا كانت صفرة أو كدرة فلا تلتفت إليه؛ لأن الصفرة والكدرة في زمن الحيض، ووقت العادة حيض، أما هذه فقد يئست، كما أن الدم إن كان مجرد قطعة من الدم لم يكن متصلاً فكذلك لا تلتفت إليه؛ لأن ذلك ربما كان ناتجاً عن حمل المرأة شيئاً ثقيلاً نزل على أثره قطعة من الدم. فإن كان الدم جارياً، ولا تعلم له سبب، فقد اختلف العلماء هل يكون دم فساد مثله مثل من به سلس بول، أو يكون حيضاً؟. والأقوال لا تخرج عن ثلاثة أقوال:
الأول: أنه دم فساد، يكون حكمه حكم من به حدث دائم.
قال أحمد في المرأة الكبيرة ترى الدم: لا يكون حيضاً، هو بمنزلة الجرح، وإن اغتسلت فحسن (١). فلم يجعل حكمها كحكم الاستحاضة، وذلك بالعمل بالتمييز، أو العادة؛ لأنه لا يرى أن يتأتى منها الحيض، وهي بهذا السن.
وقال ابن رشد: "وأما العجوز التي لا يشبه أن تحيض، فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد لانتفاء الحيض مع الكبر، كما ينتفي مع الصغر" (٢).
стр. 2487
القول الثاني:
إن كان الدم على صفة دم الحيض، فإنه حيض، وهو اختيار ابن حزم، قال: "وإن رأت العجوز المسنة دماً أسود فهو حيض مانع من الصلاة والصوم والطواف والوطء، برهان ذلك قوله ﷺ الذي ذكرناه قبل بإسناده -: "إن دم الحيض أسود يعرف". وأمر رسول الله ﷺ إذا رأته بترك الصلاة، وقوله ﵇ في الحديث: "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم" فهذا دم أسود، وهي من بنات آدم، ولم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس حيضاً، كما جاء به النص فى الحامل، فإن ذكروا قول الله ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (١). قلنا: إنما أخبر الله تعالى عنهن بيأسهن، ولم يخبر تعالى أن يأسهن حق قاطع لحيضهن، ولم ننكر يأسهن من الحيض لكن قلنا: إن يأسهن من الحيض ليس مانعاً من أن يحدث الله تعالى لهن حيضاً، ولا أخبر تعالى بأن ذلك لا يكون ولا رسوله ﷺ ، وقد قال تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ (٢) فأخبر تعالى أنهن يائسات من النكاح، ولم يكن ذلك مانعاً من أن ينكحن بلا خلاف من أحد ولا فرق بين ورود الكلامين من الله تعالى من اللائي يئسن من المحيض، واللائي لا يرجون نكاحاً، فكلاهما حكم وارد في اللواتي يظنن هذين الظنين، وكلاهما لا يمنع مما يئسن منه من
стр. 2488
المحيض والنكاح. اهـ (١).
وقال ابن تيمية: "إذا انقطع دمها ويئست من أن يعود، فقد يئست من المحيض، ولو كانت بنت أربعين، فإذا تربصت وعاد الدم، تبين أنها لم تكن آيسة" اهـ (٢).
ودليل آخر أن الله علق أحكام الحيض على وجوده، فقال ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٣). فإذا وجد الأذى وجد حكمه، ولا فرق بين كونه يتقدمه طهر طويل، أو طهر قصير، ما دام أن هذا الدم له لون دم الحيض، ورائحته النتنة التي تعرفها المرأة من عادتها.
القول الثالث:
لا نحكم له بأنه حيض حتى يتكرر ثلاث مرات، وقد جاء في مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله "سألت أبي عن امرأة قد أتى عليها نيف وخمسون سنة، ولم تحض منذ سنة، وقد رأت منذ يومين دماً ليس بالكثير، ولكنها إذا استنجت رأته، ولم تفطر، ولم تترك الصلاة. ما ترى لها؟
стр. 2489
فقال أبي: لا تلتفت إليه، تصوم وتصلي، فإن عاودها بعد ذلك مرتين أو ثلاثاً فهذا حيض، وقد رجع تقضي الصوم. قلت: فالصلاة؟ قال: لا" اهـ (١).
стр. 2490
الفصل الثالث: خلاف العلماء في حيض الحمل
اختلف العلماء في الحامل هل تحيض أم لا؟.
فقيل: لا تحيض. وهو المشهور من مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢) والقديم من قول الشافعي (٣).
وقيل: بل تحيض. وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية في الجديد (٥).
стр. 2491
ورواية عن أحمد، بل حكي أنه رجع إليه (١).
أدلة من قال: الحامل لا تحيض .
[الدليل الأول] (*)
[٢٥] روى الدارقطني، قال: نا أبو محمد بن صاعد، نا عبد الله بن عمران العائذي بمكة، نا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن مسلم الجندي، عن عكرمة عن ابن عباس قال:
نهى ﷺ أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض.
قال لنا ابن صاعد: وما قال لنا في هذا الإسناد أحد عن ابن عباس إلا العائذي (٢) اهـ يعني أنه انفرد بوصله وغيره يرسله.
[والحديث صحيح بمجموع طرقه] (٣).
стр. 2492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2494
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ جعل وجود الحيض علماً على براءة الرحم، ولو كانت الحامل تحيض ما جاز وطؤها بمجرد الحيض.
وأجيب: قال ابن عبد البر: "ليس في قوله ﵇: "لا توطأ حامل
стр. 2495
حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض" ما ينفي أن يكون حيض على حمل؛ لأن الحديث إنما ورد في سبي أوطاس، حين أرادوا وطأهن، فأخبر أن الحامل لا براءة لرحمها بغير الوضع، والحائل لا براءة لرحمها بغير الحيض، لا أن الحامل لا تحيض" (١).
وقال ابن القيم: "النبي ﷺ قسم النساء إلى قسمين:
- حامل، فعدتها وضع الحمل. - وحائل، فعدتها بالحيض.
ونحن قائلون بموجب هذا، غير منازعين فيه، ولكن أين فيه ما يدل على أن ما تراه الحامل من الدم على عادتها تصوم وتصلي، هذا أمر آخر لا تعرض للحديث به. ولهذا يقول القائل بأن دمها دم حيض هذه العبارة بعينها، ولا يعد هذا تناقضاً ولا خللاً في العبارة.
وقال من قبل: قولكم إنه جعله دليلاً على براءة الرحم من الحمل في العدة والاستبراء. جعله دليلاً ظاهراً أو قطعياً؟
الأول: صحيح. والثاني: باطل؛ فإنه لو كان دليلاً قطعياً لما تخلف عن مدلوله، ولكانت أول مدة الحمل من حين انقطاع الحيض، وهذا لم يقله أحد، بل أول مدة الحمل من حين الوطء، ولو حاضت بعده عدة حيض، فلو وطئها، ثم جاءت لولد لأكثر من ستة أشهر من حين الوطء، ولأقل منها من
стр. 2496
حين انقطاع الحيض لحقه نسبه اتفاقاً، فعلم أنه أمارة ظاهرة، وقد يتخلف عنها مدلولها تخلف المطر عن الغيم الرطب.
وبهذا يخرج الجواب عما استدللتم به من السنة، فإنّا بها قائلون، وإلى حكمها صائرون، وهي الحكم بين المتنازعين (١).
الدليل الثاني:
[٢٦] ما رواه مسلم ﵀، قال: وحدثنا أَبو بكر بن أبي شيبة وزهير ابن حرب وابن نمير - واللفظ لأبي بكر - قالوا: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سالم، عن ابن عمر:
أنه طلق امرأته وهى حائض فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ ، فقال: مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا (٢).
جاء في التنقيح: "قال أَبو بكر الأثرم لأبي عبد الله ما ترى في الحامل ترى الدم تمسك عن الصلاة؟
قال: لا. قلت: أي شيء أثبت في هذا الباب؟
فقال: أنا أذهب في هذا إلى حديث محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سالم، عن أبيه، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي ﷺ ، فقال: مره فاليراجعها، ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً
فأقام الطهر مقام الحمل. فقلت: فإنك ذهبت بهذا الحديث إلى أن الحامل
стр. 2497
لا تكون إلا طاهراً؟ قال: نعم" (١).
الدليل الثالث:
قالوا: طلاق الحامل ليس ببدعة في زمن الدم وغيره إجماعاً، ولو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدم وفي طهرها بعد المسيس بدعة عملاً بعموم الخبر (٢).
وأجيب بما يلي: قال ابن القيم: في حديث ابن عمر إباحة الطلاق إذا كانت حائلاً بشرطين: الطهر، وعدم المسيس. فأين هذا التعرض لحكم الدم الذي تراه على حملها.
وقولكم: إن الحامل لو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدم بدعة، وقد اتفق الناس على أن طلاق الحامل ليس ببدعة، وإن رأت الدم.
قلنا: إن النبي ﷺ قسم أحوال النساء التي يراد طلاقها إلى:
- حال حمل.
- حال خلو منه.
وجواز طلاق الحامل مطلقاً من غير استثناء، وأما غير ذات الحمل فإنما اباح طلاقها بالشرطين المذكورين، وليس في هذا ما يدل على أن دم الحامل دم فساد، بل على أن الحامل تخالف غيرها في الطلاق، وأن غيرها إنما تطلق
стр. 2498
طاهراً غير مصابة، ولا يشترط في الحمل شيء من هذا، بل تطلق عقيب الإصابة، وتطلق وإن رأت الدم فكما لا يحرم طلاقها عقيب إصابتها، لا يحرم حال حيضها، وهذا الذي تقتضية حكمة الشرع في وقت الطلاق إذناً ومنعاً، فإن المرأة متى استبان حملها كان المطلق على بصيرة من أمره، ولم يعرض له من الندم ما يعرض له بعد الجماع ولا يشعر بحملها، فليس ما مُنِع منه نظير ما أذن فيه لا شرعاً ولا واقعاً ولا اعتباراً، ولا سيما من علل المنع من الطلاق فى الحيض بتطويل العدة، فهذا لا أثر له في الحمل (١).
الدليل الرابع:
قالوا: إن الله أجرى العادة بانقلاب دم الطمث لبناً وغذاء للحمل، فالخارج وقت الحمل يكون غيره، فهو دم فساد.
وأجيب:
قال ابن القيم: "وهذا من أكبر حجتنا عليكم؛ فإن هذا الإنقلاب والتغذية باللبن إنما يستحكم عند الوضع، وهو زمن سلطان الرضاع، وارتضاع المولود، وقد أجرى الله العادة بأن المرضع لا تحيض، ومع هذا لو رأت دماً في وقت عادتها لحكم له بحكم الحيض بالاتفاق، فلأن يحكم له بحكم الحيض في الحال التي لم
стр. 2499
يستحكم فيها انقلابه ولا تغذي الطفل به أولى وأحرى. وهب أن هذا كما تقولون، فهذا إنما يكون عند احتياج الطفل إلى التغذية باللبن، وهذا بعد أن ينفخ فيه الروح، فأما قبل ذلك فإنه لا ينقلب لبناً لعدم حاجة الحمل إليه. وأيضاً فإنه لا يستحيل كله لبناً، بل يستحيل بعضه، ويخرج الباقي (١).
الدليل الخامس:
قال تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢).
وقال سبحانه ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣).
قالوا: فلو كانت الحامل تحيض لكانت عدتها ثلاث حيض، فلما كان الدم الذى قد تراه الحامل لا ينقضي به العدة لم يكن حيضاً بل استحاضة.
ورد هذا الاستدلال: بأن الله جعل عدة الحامل بوضع الحمل، وعدة الحائل بالأقراء، ولو أمكن انقضاء عدة الحامل بالأقراء لأفضى ذلك بأن يملكها الثاني أو يتزوجها وهي حامل من غيره، فيسقي ماؤه زرع غيره (٤).
стр. 2500
والحمل يسيطر على ما عداه من العدد، فهو يلغي بأن يكون عدة ويلغي غيره كما لو مات رجل عن امرأته، وهي حامل، ووضعت بعد موته بلحظة فإن عدتها تنقضي بينما المتوفى عنها زوجها بلا حمل، عدتها أربعة أشهر وعشرا، ولهذا لو حاضت الحامل ثلاث حيض مطردة كعادتها تماماً فإن عدتها لا تنقضي.
تبين من هذا أن إلغاء الاعتداد بالحيض زمن الحمل، ليس لأنه ليس حيضاً، وإنما لأن الحيض لا يصلح أن يكون عدة مع الحمل.
الدليل السادس:
[٢٧] روى الدارمي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد - هو ابن أبي شيبة - ثنا خالد بن الحارث، وعبدة بن سليمان، عن سعيد، عن مطر، عن عائشة في الحامل ترى الدم، قالت: تغتسل وتصلي.
[حسن لغيره] (١).
стр. 2501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2505
الدليل السابع:
[٢٨] قال الزركشي في شرحه للخرقي: "روى عن ابن شاهين، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إن الله رفع الحيض عن الحبلى، وجعل الدم رزقاً للولد (١).
[لم أقف على إسناده لأنظر في ثبوته عن ابن عباس] (٢).
وقد ناقشت كون الحامل لا تحيض من أجل تغذية الجنين. أولاً: أن هذا يتصور بعد نفخ الروح فيه. وثانياً: أنه منتقض بالمرضع، فالمرضع لا تحيض غالباً من أجل إرضاع الولد، وإذا رأت الدم فهو حيض بالاتفاق.
الدليل الثامن:
الحس والواقع يشهد بأن الحامل لا تحيض.
стр. 2506
قال أحمد: إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم. (١)
قلت: كونه عادة في الغالب لا يمنع إذا نزل الدم أن يحكم له بأنه حيض، كالمرضع غالباً لا تحيض، وإذا نزل الدم حكم له بأنه حيض إجماعاً.
الدليل التاسع:
قياس الحامل على الآيسة. فما تراه الآيسة من الدم لا يحكم له بأنه حيض؛ لأنه زمن لا يعتادها الحيض غالباً، فكذلك الحامل إذا رأت الدم لا يحكم له بأنه حيض؛ لأنه زمن لا يعتادها غالباً.
والجواب على هذا ما رجحته في المسألة التى قبل هذه، وأن الآيسة إذا عاد لها دم الحيض بعد انقطاعه تركت الصلاة والصيام، وإذا انهدم المقيس عليه انهدم المقيس، فالفرع لا يثبت مع عدم التسليم في الأصل.
هذا ما تيسر لي جمعه من أدلة القائلين بأن الحامل لا تحيض. ونسبه ابن قدامة بأنه قول جمهور التابعين، منهم عطاء (٢)، والحسن (٣)، وجابر بن زيد،
стр. 2507
وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، والشعبي (١) ومكحول، وحماد، والثوري، والأوزاعي (٢)، وأبو حنيفة، وابن المنذر، وأبو عبيد، وأبو ثور، واختلف فيه على عائشة (٣).
أدلة القائلين بأن الحامل تحيض .
الدليل الأول:
قال تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٤)، فإذا وجد الأذى وجد حكمه، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
الدليل الثاني:
[٢٩] روى البخاري، ومسلم، من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال فى الحيض: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم" الحديث قطعة من حديث طويل (٥).
وجه الاستدلال:
خرجت الصغيرة جداً التي لم تبلغ؛ لأن الحيض علامة على البلوغ كما
стр. 2508
بينا، وخرجت الآيسة كما في قوله تعالى ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ (١) وبقي ما عداهما. ومن أراد إخراج الحامل، وأنها لا تحيض فعليه الدليل من الكتاب أو من السنة، ولا دليل.
الدليل الثالث:
قال ابن القيم: "لا نزاع أن الحامل قد ترى الدم على عادتها، ولا سيما في أول حملها، وإنما النزاع في حكم هذا الدم لا في وجوده، وقد كان حيضاً قبل الحمل بالإتفاق، فنحن نستصحب حكمه حتى يأتي دليل من الشرع يرفع حكمه، والحكم إذا ثبت فى محل فالأصل بقاؤه حتى يأتي ما يرفعه، فكيف نحكم له بأنه حيض قبل الحمل، وبعده لا نثبت له نفس الحكم، مع أن الدم هو الدم، والرائحة هي الرائحة.
هذا تفريق بين متماثلين. اهـ (٢).
الدليل الرابع:
الدم الخارج من الفرج الذى رتب الشارع عليه الأحكام قسمان: حيض، واستحاضة. ولم يجعل لهما ثالثاً. وهذا ليس باستحاضة؛ فإن الاستحاضة الدم المطلق، والزائد على أكثر الحيض، أو الخارج عن العادة، وهذا ليس واحداً منها فبطل أن يكون استحاضة فهو حيض، ولا يمكنهم إثبات قسم ثالث في هذا
стр. 2509
المحل، وجعله دم فساد؛ فإن بها لا يثبت إلا بنص أو إجماع، أو دليل يجب المصير إليه، وهو منتف (١).
الدليل الخامس:
حيض المرأة: خروج دمها في أوقات معلومة لغة وشرعاً، وهذا كذلك، وقد رد النبي ﷺ المستحاضة إلى قدر عادتها، قال رسول الله ﷺ : "اجلسي قدر الأيام التى كنت تحيضين فيها"، فدل على أن عادة النساء معتبرة فى وصف الدم وحكمه، فإذا جرى دم الحامل على عادتها المعتادة ووقتها من غير زيادة ولا نقصان، ولا انتقال دلت عادتها على أنه حيض، ووجب تحكيم عادتها وتقديمها على الفساد الخارج عن العادة (٢).
الدليل السادس:
[٣٠] ما أخرجه الدارمي، قال: أخبرنا حجاج، ثنا حماد، عن يحيى ابن سعيد، عن عائشة، أنها قالت: إذا رأت الحبلى الدم فلتمسك عن الصلاة فإنه حيض (٣).
[صحيح لغيره] (٤).
стр. 2510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2511
أجاب أصحاب القول الأول عن أثر عائشة:
بأن كلامها محمول على ما تراه قريباً من الولادة بيوم أو يومين، وأنه نفاس جمعاً بين قوليها.
قلت: هذا الجواب من الممكن أن يقبل لو قالت: لا تصلي، وأما مع التصريح بأنه حيض كما في رواية يحيى بن سعيد، عنها فلا يصح هذا الاحتمال.
والراجح من الأقوال أن الحامل تحيض، لكن لما كان الغالب في الحامل
стр. 2512
أنها لا تحيض كان الواجب على المرأة أن تتأكد بأنه دم حيض، بحيث يمكن أن نقول: إن استمرت عادتها، ولم تنقطع أبداً بسبب الحمل بحيث تأتيها في وقتها من كل شهر، فهذا واضح أنه حيض يمنعها من الصلاة والصيام، وإن انقطعت عادتها بسبب الحمل، ثم عاودها الدم نظرت:
فإن كان صفرة أو كدرة لم تلتفت إليه؛ لأن الصفرة والكدرة بعد الطهر لا يلتفت إليها. وإن كان دماً، فإن كان إنما نزل عليها قطعة من الدم ثم توقف لم تلتفت إليه أيضاً لاحتمال أن تكون حملت شيئاً ثقيلاً، فنزل معها هذا الدم. وإن كان دماً استمر معها نزوله نظرت المرأة إلى طبيعة الدم، وما تعرفه من عادتها، لأن هذا الدم قد يكون مقدمة لسقوط الجنين، وهو ما يسمى عند نسائنا (العوار) وإن كان الدم دم الحيض بلونه ورائحته وثخونته التي تعهدها المرأة من دم الحيض كفت عن الصلاة، وإن شكت المرأة لم تمتنع عن الصلاة، وإنما قلت: لم تمتنع بالشك، لأمرين:
الأول: أن وجوب الصلاة متيقن، ووجود المانع مشكوك فيه، والشك لا يقضي على اليقين.
الثاني: أن دم الحيض قد ارتفع بسبب الحمل، فيُسْتَصحب هذا الحكم حتى يتيقن نزوله. والله أعلم بالصواب.
هكذا كان الرأي قبل مراجعة كلام الأطباء، وهم أهل الاختصاص، وبعد مراجعة المراجع الطبيه تبين لي أن الحامل لا يمكن أن تحيض بحال، وأن ما تراه المرأة من الدم لا ينطبق عليه أنه حيض، وإليك كلامهم:
стр. 2513
لا بد من التصور أولاً كيف يحدث الحيض؟ ثم بعد ذلك إذا عرف مصدر دم الحيض كان من السهولة معرفة هل الحامل تحيض أم لا؟
يقرر الأطباء أن الدورة تبدأ مباشرة بعد الحيض؛ حيث يكون الغشاء المبطن للرحم رقيقاً وبسيطاً، ولا تزيد ثخونته عن نصف ميليمتر، ثم تأتي مرحلة النمو بواسطة تأثير هرمون الانوثة (الاوستروجين) الذي تفرزه حويصلة جراف من المبيض، فينمو الرحم وأوعيته الدموية، وكذلك تنمو غدد الرحم، وتبدو كالأنابيب ... ويبلغ ثخونة غشاء الرحم في هذه المرحلة خمسة ميليمترات ... ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الافراز بواسطة تأثير هرمون الحمل (البروجسترون) الذى تفرزه حويصلة جراف بالمبيض بعد خروج البويضة منها، وتدعى الحويصلة عندئذٍ الجسم الأصفر .. وينمو غشاء الرحم نمواً عظيماً، ويبطن الغشاء بطبقات وثيرة من الدماء والغذاء، وتنمو غدد الرحم نمواً هائلاً استعدداً لعلوق البويضة الملقحة (النطفة الامشاج) .. وتبلغ ثخونة غشاء الرحم في هذه المرحلة ثمانية ميليمترات (أي ١٦ ضعف ما كان عليه عند بدء الدورة) (١).
стр. 2514
فإذ حصل الحمل بإذن الله، وعلقت البويضة استمر الرحم في النمو، ويصبح الجسم الأصفر هو جسم الحمل المُنَمِّي له بواسطة إفراز هرمون الحمل، إما إذا قدر الله ولم يحصل الحمل فإن الرحم تنقبض أوعيته الدموية انقباضاً شديداً تمنع فيه تغذية الغشاء حتى يتفتت ويسقط الغشاء المبطن بالدماء والغدد على شكل دم الحيض، وينهار البناء بكامله، ويبكي الرحم دماً هو دم الحيض (١).
هكذا يحصل حيض المرأة، فإذا كان كذلك ففي ضوء هذه المعطيات الطبية لا يمكن أن يكون الدم الخارج من المرأة، وهي حامل أن يعتبر حيضاً:
يقول الدكتور محي الدين كحالة اختصاصي أمراض وجراحة النساء والتوليد، يؤكد أن الدورة الشهرية للمرأة (الطمث) هى القاعدة التي تهيء الرحم للحمل، وبالتالي فلا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار ما ينزل من دم على المرأة الحامل هو الحيض الطبيعي للمرأة، بل هو دم مرضي، يسمى في الفقه استحاضة
وذكر أن ما تتوهمه الحامل حيضاً: هو في حقيقته دم خلاف طبيعة الحيض، وله أسباب كثيرة منها:
١ - نزول الدم الناتج عن انفجار حويصلة البويضة، يظهر بعد أسبوعين من حمل المرأة.
стр. 2515
٢ - نزول دم ناتج عن انغماد البويضة في الرحم بشكل يؤثر على جدار الرحم، ويسبب نزيفاً، وذلك بعد ثلاثة أسابيع من الحمل.
٣ - نزول دم قد يستمر من ثلاثة أسابيع إلى تسعة: الأولى من الحمل بسبب عدم امتلاء تجويف الرحم بالجنين.
٤ - نزيف ناتج عن التهاب في عنق الرحم في أي وقت من الحمل.
٥ - نزيف ناتج عن لحمية في عنق الرحم في أي وقت من الحمل.
٦ - جرح في المشيمة يؤدي إلى نزيف.
٧ - مرضي سرطاني.
٨ - نزف فى حالة حمل هاجر في الأنبوب، حيث يكون الرحم خالياً، وينمو الجنين فى أنبوب الرحم (١).
стр. 2516
الفصل الرابع: خلاف العلماء في أقل الحيض
اختلف العلماء في أقل الحيض.
فقيل: أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها. وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة (١).
وقيل: أقل مدة الحيض ثلاثة أيام بليلتيها المتخللتين. وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة (٢).
وقيل: لا حد لأقله ولو دفعة. وهذا مذهب مالك (٣)، وهو الراجح.
وقيل: أقل الحيض يوم وليلة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤). وعليه
стр. 2517
جماهير الشافعية (١)
وقيل: أقل الحيض يوم بدون ليلة، وهو رواية عن الشافعي (٢) وأحمد (٣)
أدلة القائلين بأن أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها .
الدليل الأول:
[٣١] روى الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي، ثنا الفضل ابن غانم، ثنا حسان بن إبراهيم، عن عبد الملك، عن العلاء بن الحارث (٤) , عن مكحول،
عن أَبي أمامة، عن النبي ﷺ ، قال: "أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر".
[إسناده ضعيف جداً. فيه العلاء بن كثير، وهو متروك] (٥).
стр. 2518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2519
الدليل الثاني:
[٣٢] ما رواه الدارقطني، قال حدثنا أَبو حامد محمد بن هارون، نا محمد ابن أحمد بن أنس الشامي، حدثنا حماد بن المنهال البصري، عن محمد بن راشد، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ :
"أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام".
[ضعيف جداً] (١).
стр. 2520
الدليل الثالث:
[٣٣] ما رواه ابن عدي (١)، ثنا أحمد بن الحسن الكرخي، ثنا الحسن بن شبيب المقرئ، ثنا أَبو يوسف، عن الحسن بن دينار، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:
"الحيض ثلاثة أيام، وأربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية وتسعة وعشرة، فإذا جاوزت العشرة فمستحاضة".
[ضعيف جداً] (٢).
стр. 2521
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2523
الدليل الرابع:
[٣٤] روى ابن عدي (١)، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن زنجوية، ثنا محمد ابن إبراهيم أَبو أمية، ثنا حفص بن عمر بن ميمون، ثنا محمد بن سعيد الشامي،
стр. 2524
حدثني عبد الرحمن بن غنم، قال: سمعت معاذ بن جبل يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
"لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة، فما زاد تتوضأ لكل صلاة إلى أيام أقرائها، ولا نفاس دون أسبوعين، ولا نفاس فوق أربعين، فإن رأت النفساء الطهر دون الأربعين صامت وصلت، ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين".
[هذا حديث موضوع، والإجماع على أنه لا حد لأقل النفاس] (١).
стр. 2525
الدليل الخامس:
[٣٥] روى ابن الجوزي في العلل المتناهية، من طريق أبي داود النخعي، حدثني أَبو طوالة، عن أَبي سعيد الخدرى، عن النبي ﷺ ، قال:
أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر، وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يوماً (١).
[وأبو داود النخغي تقدمت ترجمته (٢)، واسمه سليمان بن عمرو وكان معروفاً بالكذب عياذاً بالله].