الدليل الرابع:
[٣٤] روى ابن عدي (١)، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن زنجوية، ثنا محمد ابن إبراهيم أَبو أمية، ثنا حفص بن عمر بن ميمون، ثنا محمد بن سعيد الشامي،
стр. 2524
حدثني عبد الرحمن بن غنم، قال: سمعت معاذ بن جبل يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
"لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة، فما زاد تتوضأ لكل صلاة إلى أيام أقرائها، ولا نفاس دون أسبوعين، ولا نفاس فوق أربعين، فإن رأت النفساء الطهر دون الأربعين صامت وصلت، ولا يأتيها زوجها إلا بعد الأربعين".
[هذا حديث موضوع، والإجماع على أنه لا حد لأقل النفاس] (١).
стр. 2525
الدليل الخامس:
[٣٥] روى ابن الجوزي في العلل المتناهية، من طريق أبي داود النخعي، حدثني أَبو طوالة، عن أَبي سعيد الخدرى، عن النبي ﷺ ، قال:
أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر، وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يوماً (١).
[وأبو داود النخغي تقدمت ترجمته (٢)، واسمه سليمان بن عمرو وكان معروفاً بالكذب عياذاً بالله].
стр. 2526
الدليل السادس:
[٣٦] ذكر ابن حبان في الثقات، ولم يصل سنده، وابن الجوزي في التحقيق (١)، والعلل المتناهية (٢)، معلقاً قالا: روى حسين بن علوان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال:
"أكثر الحيض عشر، وأقله ثلاث".
[موضوع] (٣).
فكل هذه الأحاديث كما رأيت ضعفها شديد، وفيها الموضوع، وأصح حديث استدلوا به إلا أنهم أخطأوا الاستدلال به، الحديث الآتي:
الدليل السابع:
[٣٧] ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال:
стр. 2527
حدثنا أَبو أسامة، قال: سمعت هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ : قالت إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال: لا؛ إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التى كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : "قدر الأيام" فالأيام جمع، وأقل الجمع ثلاثة.
وأجيب:
بأن الحديث قد يكون جرى مجرى الأغلب، فلا يراد به التحديد. أو يكون ذلك في امرأة عرف أن حيضها كان أياماً، وعلى كل فالحديث ما قيل في أقل الحيض حتى يكون دليلاً على الحصر، ولذا جاء في الأحاديث الأخرى: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، وبعضها حده في الإقبال والإدبار بدون تحديد، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل لم يصح الاستدلال.
قال ابن عبد البر: وليس هذا عندي حجة تمنع من أن يكون الحيض أقل من ثلاث؛ لأنه كلام خرج في امرأة علم أن حيضها أيام، فخرج جوابها على ذلك، وجائز أن يكون الحيض أقل من ثلاث؛ لأن ذلك موجود في النساء غير مدفوع. اهـ (٢).
стр. 2528
وقال ابن رجب: "وأجاب من خالفهم بجوابين:
أحدهما: أن المراد بالأيام الأوقات؛ لأن اليوم قد يعبر به عن الوقت، قلَّ أو كثر. قال تعالى ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ (١).
والمراد: وقت يجيء العذاب. وقد يكون ليلاً، وقد يكون نهاراً، وقد يستمر، وقد لا يستمر. ويقال: يوم الجمل، ويقال: يوم صفين. وكل منهما كان عدة أيام.
والثاني: أن النبي ﷺ رد امرأة واحدة إلى عادتها، والظاهر أن عادتها كانت أياماً متعددة من الشهر، إما ستة أيام، أو سبعة. فليس فيه دليل على أن حيض كل امرأة يكون كذلك" (٢).
الدليل الثامن:
حكى بعض الحنفية الإجماع من الصحابة على أن أقل الحيض ثلاثة أيام.
قال الكاساني: "روى هذا عن جماعة من الصحابة ﵃، منهم عبد الله بن مسعود، وأنس بن ملك، وعمران بن حصين، وعثمان بن أبي العاص الثقفي ﵃ أنهم قالوا: الحيض ثلاث، أربع، خمس، ست، سبع، ثمان، تسع، عشر، ولم يرد عن غيرهم خلافه فيكون إجماعاً" (٣).
стр. 2529
قلت: قد علمت بأنه لا يصح في هذا الباب شيء، والأحاديث فيه تدور على وضاع أو متهم، ولو كان هناك إجماع ما صح خلافه عن عطاء، ومالك، وأحمد، والشافعي، وجمهور العلماء.
الدليل التاسع:
من القياس، ولولا أنهم ذكروه ما ذكرته؛ لأنه من الضعف بحيث لا يحتاج إلى جواب عنه، وكلامهم هذا يقدح في القياس، وهو من أدلة الشرع المعتبرة على الراجح إذا أحسن الاستدلال به.
قال السرخسي ﵀ في المبسوط: "إن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام اعتباراً بأقل مدة السفر، فإن كل واحد منهما يؤثر في الصوم والصلاة، وقد ثبت أن أقل مدة السفر ثلاثة أيام ولياليها فكذلك هذا" (١).
دليل من قال: أقل الحيض ثلاثة أيام بليلتيها المتخللتين .
استدلوا بالأدلة السابقة من أقل الحيض ثلاثة أيام، كما روي من حديث أَبي أمامة، ومعاذ، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم.
وجه الاستدلال:
أن الأحاديث ذكرت ثلاثة أيام، واليوم غير الليلة، فالأصل هي الأيام، وما يتخللها من الليالي، فإنه يتبعها ضرورة، والضرورة ترتفع بالليلتين
стр. 2530
المتخللتين، واليوم الثالث لا ضرورة في إدخال ليلته، والدليل على أن الليلة لا تدخل فى اليوم،
قوله تعالى ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ (١) فاليوم الثامن لم تدخل ليلته.
وهذا مسلم لو سلم لهم كون الحيض أقله ثلاثة أيام أما إذا علمنا أن أدلتهم ضعيفة جداً كان وجه الاستدلال ضعيفاً تبعاً (٢).
دليل من قال: أقل الحيض يوم وليلة .
الدليل الأول:
قال ابن قدامة: "الحيض ورد في الشرع مطلقاً من غير تحديد، ولا حد له في اللغة، ولا في الشريعة فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة كما في القبض والإحراز والتفرق وأشباهها، وقد وجد حيض معتاد يوماً.
قال عطاء: رأيت من النساء من تحيض يوماً، وتحيض خمسة عشر يوماً
وقال ابن المنذر: قال الأوزاعي: عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشياً
стр. 2531
يرون أنه حيض تدع له الصلاة.
وقال الشافعي: رأيت امرأة أثبت لي أنها لم تزل تحيض يوماً". اهـ (١).
الدليل الثاني:
التتبع والاستقراء، حيث لم يوجد حيض أقل من ذلك عادة مستمرة في عصر من الأعصار، فلا يكون حيضاً.
قال الشافعي: "قد رأيت امرأة أثبت لي أنها لم تزل تحيض يوماً، ولا تزيد عليه" (٢).
وأجيب بما يلي:
قال الشيخ إبراهيم البيجوري: "الاستقراء كان من الإمام الشافعي ﵀ لنساء العرب، ومعلوم أنه لم يتتبع نساء العالمين حتى يكون استقراء تاماً، بل ولا نساء زمانه كلهن، بل تتبع بعضهن حتى غلب على ظنه عموم الحكم، فهو استقراء ناقص، وهو إنما يفيد الظن، فهو دليل ظني" اهـ (٣).
قلت: حتى كلمة الشافعي لا تدل على أنه كان عن بحث واستقراء، بل إنه أفاد أنه وجد امرأة تحيض يوماً، ولا يعني أن هذا كان نتيجة بحث، واستقراء، ولذا وجد غيره من تحيض أقل من يوم، فقد روى الدارقطني (٤) والبيهقي (٥) من
стр. 2532
طريق العباس بن محمد، ثنا محمد بن مصعب، قال: سمعت الأوزاعي يقول: "عندنا امرأة تحيض غدوة، وتطهر عشية" (١).
стр. 2533
وقول الشافعي: تحيض يوماً، الظاهر أنه يعني مع ليلته، فإنه إذا اطلق اليوم دخلت الليلة، وإذا اطلقت الليلة دخل اليوم.
قال تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ (١)، مع قوله سبحانه: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (٢).
فأطلق اليوم وأريد به مع ليلته.
الدليل الثالث:
[٣٨] ما رواه الدارمي (٣) أخبرنا يعلى، ثنا إسماعيل، عن عامر - يعني الشعبي - قال:
جاءت امرأة إلى عليّ، تخاصم زوجها طلقها. فقالت: قد حضت في شهر ثلاث حيض. فقال علي لشريح: اقض بينهما.
قال: يا أمير المؤمنين، وأنت ها هنا. قل: اقض بينهما. قال: إن جاءت من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته، تزعم أنها حاضت ثلاث حيض، تطهر عند كل قرء وتصلي، جاز لها، وإلا فلا. قال علي: قالون. وقالون بلسان الروم
стр. 2534
أحسنت.
[رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعاً، فالشعبي لم يسمعه من علي] (١).
وجه الاستدلال:
قالوا: قد اتفق شريح وعلي ﵄، وعلي له سنة متبعة على أن أقل الحيض يوم وليلة، ولا يمكن أن تحيض في شهر ثلاث مرات إلا في هذه الصورة؛ وذلك بأن تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة، وتطهر ثلاثة عشر يوماً، فالمجموع ثمانية وعشرون يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة فتخرج من العدة بعد تسعة وعشرين يوماً.
ويجاب عن هذا:
أولاً: أن الأثر إسناده منقطع، والمنقطع ضعيف.
ثانياً: ليس في القصة ما يدل على أنها حاضت يوماً وليلة, وطهرت ثلاثة عشر يوماً، ولذلك جاء في شرح ابن رجب لصحيح
стр. 2535
البخاري (١): "قال حرب الكرماني، ثنا إسحاق، نا أبي، قال: سألت ابن المبارك، فقال: أرأيت قول سفيان: تصدق المرأة في انقضاء عدتها في شهر، كيف هذا؟، وما معناه؟.
قال: قل ثلاثاً حيضاً، وعشراً طهراً، وثلاثاً حيضاً. كذا قال". اهـ
وبناء على هذا التفسير على أن أقل الحيض ثلاث، فيكون مجموع الحيض ثلاث مرات، كل واحد منها ثلاثة أيام، فمجموعها تسعة أيام، ويكون مجموع الطهر عشرين يوماً، كل طهر عشرة أيام، فالمجموع تسعة وعشرون يوماً.
وهذا أيضاً تفسير إسحاق بن راهوية، كما ذكره ابن رجب عنه في شرحه.
وثالثاً: الأثر لا يدل على التحديد، فلو ادعت المرأة انقضاء عدتها بأقل من شهر، فأين الدليل من الأثر على أنه لن يسمع بينتها، فقد يقع من امرأة أقل من شهر. والأثر لا يمنع منه.
وممن قال بأن أقل الحيض يوم وليلة عطاء بن أبي رباح.
[٣٩] فقد روى الدارمي، أخبرنا الحكم بن المبارك، نا مخلد بن يزيد، عن معقل بن عبيد الله، عن عطاء، قال: أدنى الحيض يوم (٢).
[قال الحافظ: "إسناده صحيح" (٣)، والحق أنه حسن، الحكم، ومخلد كل
стр. 2536
واحد منهما صدوق له أوهام، ومعقل: صدوق يخطئ].
والقول بتحديد أقل الحيض قول ضعيف.
قال ابن رجب: "لم يصح عند أكثر الأئمة في هذا الباب توقيت مرفوع، ولا موقوف، وإنما رجعوا فيه إلى ما حكي من عادات النساء خاصة، وعلى مثل ذلك اعتمد الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم" (١).
قلت: تحكيم عادة النساء إنما تعطي حكماً أغلبياً، وهي لا تدل على التحديد، وأين الدليل على أن المرجع في هذا غالب النساء، بحيث يبقى هذا الحكم الأغلبي حداً، فما نقص عنه فلا يمنع من الصلاة ولا من الصيام، حتى ولو كان في لون دم الحيض، وطبيعته، ورائحته، فلا شك في ضعف هذا القول.
دليل من قال: أقل الحيض يوم بدون ليلة .
قال المرداوي: "كان الشافعي يرى أن أقله يوم وليلة، إلى أن أخبره عبد الرحمن بن مهدي أن عندهم امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية" (٢).
وقد قال الشافعي: "قد رأيت امرأة أثبت لي أنها لم تزل تحيض يوماً، ولا تزيد عليه" (٣).
وقد اختلف أصحاب الشافعي في تفسير عبارة الشافعي: "لم تزل تحيض
стр. 2537
يوماً" مع قوله أقل الحيض يوم وليلة، هل هما قول واحد، أم قولان؟ قال في المهذب (١): "وأقل الحيض يوم وليلة. وقال في موضع آخر: يوم. فمن أصحابنا من قال: هما قولان. ومنهم من قال: هو يوم وليلة قولاً واحداً، وقوله: يوم، أراد بليلته.
ومنهم من قال: يوم قولاً واحداً، وإنما قال: يوم وليلة قبل أن يثبت عنده اليوم، فلما ثبت عنده رجع إليه. والدليل عليه أن المرجع في ذلك إلى الوجود، وقد ثبت الوجود في هذا القدر.
وقال الأوزاعي: ﵀: عندنا امرأة تحيض غدوة، وتطهر عشية.
وقال عطاء ﵀: رأيت من النساء من تحيض يوماً، وتحيض خمسة عشر يوماً.
وقال أبو عبد الله الزبيري ﵀: كان في نسائنا من تحيض يوماً، وتحيض خمسة عشر يوماً" اهـ (٢)
دليل من قال: لا حد لأقله .
الدليل الأول:
قال تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٣) فإذا وجد الأذى وجد الحيض، سواء كان أكثر من يوم وليلة أو أقل، فالحكم يدور مع علته
стр. 2538
وجوداً وعدماً، وقَد أمر الله باعتزال النساء في المحيض، ولم يحده بحد، بل علق الحكم على وجوده، فيِجب اعتزالها ولو كان الدم أقل من يوم وليلة.
الدليل الثاني:
قال تَعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (١)
وجه الاستدلال:
نهى الله عن إتيان الحائض حتى تطهر، ولو كان الحيض له حد معين إذا نقص أو زاد بحيث يتحول إلى استحاضة، لجعل غاية النهي إلى مضي أيام معينة: عشرة أيام، أو خمسة عشر يوماً، ولم يعلقه على الطهارة.
الدليل الثالث:
القول بالتحديد يحتاج إلى دليل، وما دام لم يثبت في هذا دليل فلا يجوز القول به.
قال ابن القيم: "ولم يأت عن الله ولا عن رسوله، ولا عن الصحابة تحديد أقل الحيض بحد أبداً، ولا في القياس ما يقتضية" (٢).
والذين قالوا: بأن أقله يوم وليلة معترفون بأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة في هذا شيء، وإنما حكموا العادة.
стр. 2539
وأين الدليل على تحكيم العادة في مثل هذا حتى يصير حداً إن نقص عنه لم يمنعها الصلاة والصيام
الدليل الرابع:
[٤٠] ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ علق أحكام الحيض على إقبال الحيض وإدباره، ولم يعلقه بمضي مدة معينة، فعلم أن لا تحديد لأقل الحيض.
الدليل الخامس:
لو كان تحديد الفقهاء معتبراً لوجب على الرسول ﷺ أن يبينه، لحاجة الأمة إليه، ولعموم البلوى فيه، فلما لم يبينه، علم أنه ليس من الشرع.
قال ابن تيمية: "علق الله باسم الحيض أحكاماً متعددة، في الكتاب وفي السنة، ولم يقدر لأقله، ولا لأكثره، ولا الطهر بين الحيضتين. مع عموم بلوى
стр. 2540
الأمة في ذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قدر في ذلك حداً فقد خالف الكتاب والسنة" (١).
الدليل السادس:
الحيض نوع من الحدث، فلا يتقدر أقله بشيء كسائر الأحداث (٢)
الدليل السابع:
القياس على النفاس، فكما أن النفاس لا حد لأقله، فكذلك الحيض. والحيض والنفاس أحكامهما متشابهة.
هذه مجمل الأدلة التي استدلوا بها، وأرى - والله أعلم - أن القول الراجح هو القول بعدم التحديد، لأنه لم يثبت فيه شيء، وكل شيء ورد في الشرع مطلقاً فهو على إطلاقه، وكذا النصوص العامة هي على عمومها حتى يأتي ما يخصصها، وتقييد المطلق، وتخصيص العام لا يجوز إلا بنص مثله أو إجماع؛ لأنه إخراج لبعض أفراده، وتحكيم الوجود في أقل الحيض وأكثره ضعيف. والباحث يتساءل إذاً كيف كانت الأحكام قبل أن يستقر الوجود ويظهر لمن ادعاه؟ هل كانت الأحكام متروكة هكذا يتخبط الناس سنوات حتى يستقروا على حكم أو رأي؟ وكيف كان للرجال أن يقفوا على حقيقة الوجود ومنتهاه، والأمر يتعلق بالنساء والرجال لا يشبهونهن في ذلك؟!!
стр. 2541
الفرع الأول
القائلون بتحديد أقل الحيض، وهم الجمهور اعترضوا على من قال: بأنه لا حد لأقل الحيض، بأن المرأة المطلقة قد تدعي خروجها من العدة خلال ثلاثة أيام، بل ربما أقل، وبالتالي فلا بد من القول بتحديد أقل الحيض، وأقل الطهر.
وللجواب على هذا الإشكال، أن يقال:
القائلون بأنه لا حد لأقل الحيض قد اختلفوا في هذه المسألة إلى فريقين أو ثلاثة:
فريق فرق بين العدة والاستبراء، وبين العادة كالمالكية.
وفريق آخر لم يفرق بينهما مطلقاً كابن حزم.
وآخر وقف موقفاً متوسطاً، قال: إذا ادعت خلاف الظاهر كلفت البينة، وهذا رأي ابن تيمية.
وهذا الرأي وإن كان يبدو قوياً إلا أن البينة في مثل هذا تكاد تتعذر، ثم إن المرأة مؤتمنة على عدتها، والمؤتمن على شيء يقبل قوله.
هذا ملخص الأقوال، وإليك النقول عنهم جميعاً، سواء من ادعى بأن أقل الحيض له حد معين، أو من قال: بأنه لا حد لأقل الحيض.
كلام القائلين بأنه لا حد لأقل الحيض .
قال الكشناوي من المالكية: "وأقله - يعني الحيض - في العبادة دفعة
стр. 2542
واحدة، فيجب عليها الغسل بالدفعة، ويبطل صومها، وتقضي ذلك اليوم، وأما في العدة والاستبراء فلا يعد حيضاً إلا ما استمر يوماً، أو بعض يوم له بال" (١).
فإذا كان أقل الطهر عند المالكية خمسة عشر يوماً، فلا يمكن أن تنقضي عدتها إلا بأكثر من شهر، سواء قلنا: (القرء) هو الحيض، أو قلنا: المراد به الطهر.
وقال ابن تيمية: "قال في المحرر: وإذا ادعت انقضاء عدتها بالأقراء، أو الولادة قبل قولها إذا كان ممكناً، إلا أن تدعيه بالحيض في شهر فلا يقبل قولها إلا ببينة.
قال أبو العباس: قياس المذهب المنصوص: أنها إذا ادعت ما يخالف الظاهر كلفت البينة، لا سيما إذا أوجبنا عليها البينة فيما إذا علق طلاقها بحيضها، فقالت: حضت، فإن التهمة في الخلاص من العدة كالتهمة في الخلاص من النكاح، فيتوجه أنها إذا ادعت الانقضاء في أقل من ثلاثة أشهر كلفت البينة" (٢).
ويشكل على قول ابن تيمية ﵀ أن الله جعل النساء مؤتمنات على عددهن. قال تعالى ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي
стр. 2543
أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١).
وذكر ابن رجب قال: روى الأعمش، عن مسروق، عن أبي ابن كعب، قال: إن من الأمانة أن ائتمنت المرأة على رحمها (٢).
وكل من كان مؤتمناً فإنه يقبل قوله مع يمينه.
ووافق ابن القيم شيخه ابن تيمية، فقال ﵀: "فإن قيل: ينبغي إن كان ليس لأقله حد لو ادعت انقضاء عدتها فى أربعة أيام تباح للأزواج.
قيل: إن العدة ليس من هذا؛ لأن قوله: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يريد الأقراء الكاملة، وأقل الكاملة أن تكون في شهر، لحديث علي مع شريح" (٣).
قلت: لا أعلم أن هناك قرءاً كاملاً، وآخر ناقصاً، فالقرء هو القرء، قد يطول وقد يقصر، لكن لا يوصف بالكمال والنقص.
وخالفهم ابن حزم، فلم يفرق بين العبادة، وبين العدة والاستبراء، فقال ﵀: وأما من فرق بين الصلاة والصوم وتحريم الوطء، وبين العدة، فقول ظاهر الخطأ، ولا نعلم له حجة أصلاً، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة،
стр. 2544
ولا سقيمة، ولا إجماع، ولا من قول صاحب، ولا من قياس، ولا من احتياط، ولا من رأي له وجه!! فوجب تركه.
وأشار ابن حزم إلى أن القول بعدم التفريق بين العبادة وبين العدة هو قول الأوزاعي، وداود الظاهري، وأحد قولي الشافعي (١).
كلام القائلين بتحديد أقل الحيض .
اختلف الجمهور القائلون بتحديد أقل مدة الحيض، متى تصدق المرأة في دعوى انقضاء عدتها، وذلك لاختلافهم في أقل الحيض، وفي أقل الطهر. وإليك النقول عنهم.
قال ابن رجب: "ومذهب أبي حنيفة لا تصدق في دعوى انقضاء العدة في أقل من ستين يوماً. واختلف عنه في تعليل ذلك، فنقل عنه أبو يوسف أنها تبدأ بطهر كامل خمسة عشر يوماً، ويجعل كل حيضة خمسة أيام، والأقراء عندهم حيض.
ونَقَلَ عنه - أي عن أبي حنيفة - الحسن بن زياد أنه اعتبر أكثر الحيض، وهو عندهم عشرة أيام، وأقل الطهر، وهو خمسة عشر يوماً، وبدأ بالحيض.
وقال صاحباه: أبو يوسف ومحمد: لا تصدق إلا في كمال تسعة وثلاثين
стр. 2545
يوماً؛ بناء على أقل الحيض، وهو عندهم ثلاثة، وأقل الطهر وهو خمسة عشر.
وقال سفيان الثوري: لا تصدق في أقل من أربعين يوماً، وهو أقل ما تحيض النساء فيه وتطهر، وهذا كقول أبي يوسف ومحمد" ثم قال: ومنهم من قال: إنما يقبل ذلك بغير بينة في حق من ليس لها عادة مستقرة، وأما من لها عادة منتظمة فلا تصدق إلا ببينة على الأصح. كذا قال صاحب الترغيب.
وقال ابن عقيل فى فنونه: "لا يقبل مع فساد النساء، وكثرة كذبهن دعوى انقضاء العدة فى أربعين ولا خمسين يوماً إلا ببينة تشهد أن هذه عادتها، أو أنها رأت الحيض على هذا المقدار، وتكرر ثلاثاً.
وقال إسحاق وأبو عبيد: لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر، إلا أن تكون لها عادة معلومة قد عرفها بطانة أهلها المرتضى دينهن وأمانتهن فيعمل بها حينئذٍ، ومتى لم يكن كذلك فقد وقعت الريبة فتحتاط، ويعدل الأقراء بالشهور، كما في حق الآيسة والصغيرة". انتهى كلامه ﵀ (١)
وأما المذهب الحنبلي فيقسمون الوقت إلى ثلاثة أقسام:
وقت لا تسمع دعواها مطلقاً، ولا ينظر فيها، حتى ولو ادعت بينة، كما لو ادعت انقضاء عدتها بثمانية وعشرين يوماً؛ لأنهم بنوا على قواعدهم بأن أقل
стр. 2546
الحيض يوم وليلة، وأقل الطهر ثلاثة عشر يوماً، فلا يمكن بناءً عليه أن تنقضي عدتها بهذه المدة فأقل.
والثاني: تقبل عادتها بلا بينة، كما لو ادعتها بزمن معتاد، كشهرين ونصف مثلاً؛ لأن المرأة مؤتمنة على عادتها.
والثالث من الأوقات: لو ادعت انقضاء عادتها بشهر مثلاً تسمع دعواها، وينظر فيها، ولا يقبل قولها إلا ببينة، اعتماداً على قصة شريح مع علي، وسندها منقطع. كما مر معنا (١).
والذي يترجح لي أن التفريق بين العبادة والعدة قول لا دليل عليه، فما دام يحكم له بأنه حيض مانع من الصلاة والصيام فهو معتبر في العدة إلا أن قبول قول المرأة في الصورة النادرة ينبغي الاحتياط فيه، لا تفريقاً بين العبادة والعدة، وإنما حفظاً للحقوق.
فإن كانت عادتها مطردة مستمرة لا تحيض إلا يوماً، أو أقل أو أكثر، كان قبولها فى العادة جارياً على أن هذه عادتها.
وإن ادعت خلاف عادتها المعلومة المستمرة فالظاهر لا يؤيد دعواها، فكونها تدعي خلاف عادتها، وأنها جاءتها بهذه الصورة النادرة المستمرة، ثم
стр. 2547
تكررت ثلاث مرات متتالية، وهي على هذه الصورة النادرة على خلاف ما يعلم من عادتها، فهذا يحدث في النفس شيئاً من قبول دعواها، فتكلف البينة، إن لم يصدقها زوجها. والله أعلم (١).
стр. 2548
الفرع الثاني
إذا قيل: إن أقل الحيض يوم وليلة على المذهب المرجوح، ثم وجدنا امرأة يأتيها الدم مستمراً ومطرداً أقل من ذلك بلون دم الحيض ورائحته المعهودة.
فهل يجعلونه دم حيض، وفد خالف قواعدهم؟ أم يجعلونه دم فساد؟
اختلفوا في هذه المسألة، وذكرها النووي، وذكر فيها أوجهاً:
أحدها: لا يعتبر حال هذه، بل الحكم على ما عهد، لأن بحث الأولين أوفى.
قال إمام الحرمين: والذي أختار، ولا أرى العدول عنه الاكتفاء بما استقرت عليه مذاهب الماضين من أئمتنا في الأقل والأكثر، ولو فتحنا باب اتباع الوجود في كل ما يحدث، وأخذنا في تغيير ما يعهد تقليلاً وتكثيراً، لاختلطت الأبواب، وظهر الاضطراب، والوجه اتباع ما تقرر للعلماء الباحثين قبلنا.
قلت: هذا القول إما دليل على ضعف اعتبار الوجود دليلاً في أقل الحيض؛ لأنه ثبت أنه يوجد أقل من ذلك، وأن اعتبار الوجود يؤدي إلى اضطراب الأقوال، وإما أن يكون هذا القول دعوة إلى التقليد المحض، وعدم الأخذ بالدليل، وأن بحث الأولين مقدم مطلقاً؛ لكونه صدر منهم فقط. والتقليد بدعة، وقد بدأت الأمة تتخلص من مستنقعه، معظمة للدليل الصحيح، والقول المبني عليه.
ثم قال النووي: والوجه الثاني: أنه يعتبر حال هذه المرأة ليكون هذا
стр. 2549
حيضها وطهرها؛ لأن الاعتماد على الوجود، وقد حصل، وهذا القول يتمشي مع القول الراجح، بأنه لا حد لأقل الحيض، بل العبرة بالوجود، فمتى وجد الأذى وجد الحيض (١).
стр. 2550
الفصل الخامس: خلاف العلماء في أكثر الحيض
اختلف العلماء في أكثر الحيض إلى أقوال.
فقيل: أكثر الحيض خمسة عشر يوماً.
وهو مذهب المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣)
وقيل: أكثر الحيض عشرة أيام، وهو مذهب الحنفية (٤).
стр. 2551
وقيل: أكثر الحيض سبعة عشرة يوماً، وهو رواية عن الإمام أحمد (١).
وابن حزم من الظاهرية (٢)
وقيل: لا حد لأكثر الحيض، وهو اختيار ابن تيمية (٣)
أدلة الجمهور على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً .
الدليل الأول:
[٤١] قال السخاوي: روى عن ابن عمر مرفوعاً:
"النساء ناقصات عقل ودين. قيل: وما نقصان دينهن؟ قال: تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي".
وبعضهم يقول: شطر عمرها.
[لا أصل له] (٤).
стр. 2552
وجه الاستدلال عندهم:
الشطر النصف، ومعلوم أن المرأة تحيض غالباً في كل شهر مرة، ولهذا جعل الله عدتها ثلاث حيض، والآيسة والتي لا تحيض لصغر ثلاثة أشهر، ومن جلست في حيضها من كل شهر خمسة عشر يوماً لا تصلي، فقد جلست شطر عمرها عن الصلاة.
الدليل الثاني:
قال ابن قدامة: "الحيض ورد في الشرع مطلقاً من غير تحديد، ولا حد له في اللغة، ولا في الشريعة فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة كما في القبض
стр. 2553
والإحراز والتفرق وأشباهها، وقد وجد حيض معتاد يوماً خمسة عشر يوماً.
قال عطاء: رأيت من النساء من تحيض يوماً، وتحيض خمسة عشر يوماً
وقال أحمد: حدثني يحيى بن آدم، قال: سمعت شريكاً يقول: عندنا امرأة تحيض كل شهر خمسة عشر يوماً حيضاً مستقيماً" (١).
الدليل الثالث:
لا يمكن أن يزيد الحيض عن خمسة عشر يوماً لأمرين:
الأول: لو زاد الحيض عن خمسة عشر يوماً كان حيض المرأة في الشهر الواحد أكثر من طهرها، وهذا محال!!
وتعقبه ابن حزم، فقال: "من أين لكم أنه محال؟ وما المانع إن وجدنا ذلك ألا يوقف عنده؟ فما نعلم منع من هذا قرآن ولا سنة أصلاً، ولا إجماع، ولا قياس، ولا قول صاحب" (٢).
الأمر الثاني: أن الحيض لو كان أكثر الشهر؛ فإن الأكثر يثبت له حكم الكل، وإذا ثبت له حكم الكل صارت مستحاضة؛ لأن من أطبق عليها الشهر كاملاً صارت مستحاضة.
وتعقب: بأن هذا فيه تكلف إذ كيف يلحق من زاد يوماً واحداً على خمسة عشر مثلاً، فيكون حكمها حكم من أطبق عليها الدم كل الشهر.
стр. 2554
الدليل الرابع:
التتبع والاستقراء، فقد تتبع السلف أكثر الحيض فوجدوه لا يزيد على خمسة عشر يوماً.
قال النووي: "ثبت مستفيضاً عن السلف من التابعين فمن بعدهم أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً, وأنهم وجدوه كذلك عياناً، وقد جمع البيهقي أكثر ذلك في كتابه الخلافيات، وفي السنن الكبير، منهم عطاء، والحسن، وعبيد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وشريك، والحسن بن صالح، وعبد الرحمن بن مهدي ﵏" (١)
أدلة القائلين بأن أكثر الحيض عشرة أيام .
الدليل الأول:
[٤٢] روى ابن عدي في الكامل (٢).
عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "الحيض ثلاثة أيام، وأربعة، وخمسة، وستة، وسبعة، ثمانية، وتسعة، وعشرة، فإذا جاوز العشرة فهي مستحاضة".
[ضعيف جداً] (٣).
стр. 2555
الدليل الثاني:
[٤٣] روى الطبراني (١). من حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال:
أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر.
[إسناده ضعيف جداً] (٢).
الدليل الثالث:
[٤٤] روى الدارقطني، من حديث واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ﷺ : "أقل الحيض ثلاث أيام، وأكثره عشرة أيام".
[ضعيف جداً] (٣).
الدليل الرابع:
[٤٥] روى ابن عدي، قال: عن معاذ بن جبل ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
لا حيض دون ثلاثة أيام، ولا فوق عشرة أيام، فما زاد على ذلك فهي مستحاضة.
стр. 2556
[والحديث موضوع] (١).
الدليل الخامس:
[٤٦] حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر، وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يوماً ..
[موضوع] (٢).
الدليل السادس:
[٤٧] حديث عائشة ﵂، رواه ابن حبان معلقاً بلفظ: أكثر الحيض عشر، وأقله ثلاث (٣).
وهذه الأحاديث ضعفها شديد لا ينجبر، وبعضها موضوع.
قال ابن المنذر: "ذكر الميموني أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل: أيصح عن رسول الله ﷺ شيء في أقل الحيض وأكثره. قال: لا. قلت: فحديث أنس؟ قال: ليس بشيء. أو قال: ليس يصح. قلت: فأعلى شيء فى هذا الباب حديث معقل، عن عطاء: الحيض يوم وليلة" (٤).
стр. 2557
وقال ابن رجب: "هذه الأحاديث المرفوع منها باطل، لا يصح، وكذلك الموقوف طرقه واهية، وقد طعن فيها غير واحد من الأئمة الحفاظ" (١).
قلت: الطرق الموقوفه سأذكر تخريجها في الأدلة الآتية - إن شاء الله تعالى -.
الدليل السابع:
[٤٩] ما رواه الطبراني (٢) حدثنا موسى بن زكريا، ثنا عمرو بن الحصين، ثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، ثنا عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، قال: رسول الله ﷺ :
"للحائض ما بينها وبين عشر، فإذا رأت الطهر فهي طاهر، وإن جاوزت العشر فهي مستحاضة، تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم احتشت واستثفرت، وتوضأت لكل صلاة، وتنتظر النفساء ما بينها وبين الأربعين، فإن رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم احتشت واستثفرت وتوضأت لكل صلاة".
قال الطبراني: لم يروه عن عبدة إلا ابن علاثة، تفرد به عمرو.
[الإسناد ضعيف جداً] (٣).
стр. 2558
الدليل الثامن:
[٤٩] روى الدارقطني (١) حدثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا خلاد ابن أسلم، نا محمد بن فضل، عن أشعث، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، قال:
لا تكون المرأة مستحاضة في يوم ولا يومين، ولا ثلاثة أيام، حتى تبلغ عشرة أيام، فإذا بلغت عشرة أيام كانت مستحاضة.
стр. 2559
[ضعيف] (١). ومع ضعفه هو موقوف.
الدليل التاسع:
[٥٠] ما رواه الدارقطني (٢) من طريق هارون بن زياد القشيري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال:
"الحيض ثلاث، وأربع، وخمس، وست، وسبع، وثمان، وتسع، وعشر،
стр. 2560
فإن زاد فهي مستحاضة".
قال الدارقطني: لم يروه عن الأعمش بهذا الإسناد غير هارون ابن زياد القشيري، وهو ضعيف الحديث. وليس لهذا الحديث عند الكوفيين أصل عن الأعمش. والله أعلم.
هذا ما وقفت عليه من أدلة الحنفية، وعلى كثرتها إلا أن المرفوع فيها ضعفه لا ينجبر، والموقوف ضعيف وليس فيه حجة. والله أعلم.
دليل من قال: أكثر الحيض سبعة عشر يوماً .
الدليل الأول:
يرى ابن حزم أن ما زاد على سبعة عشر يوماً فإنه ليس بحيض إجماعاً!!
قال ﵀: "قد صح عن رسول الله ﷺ أن دم الحيض أسود، فإذا رأته المرأة لم تصل، ووجب الانقياد لذلك، وصح أنها ما دامت تراه فهي حائض، لها حكم الحيض ما لم يأت نص أو إجماع فى دم أسود أنه ليس حيضاً، فقد صح النص بأنه قد يكون دم أسود، وليس حيضاً، ولم يوقت لنا فى أكثر عدة الحيض من شيء، فوجب أن نراعي أكثر ما قيل، فلم نجد إلا سبعة عشر يوماً، وقلنا بذلك، وأوجبنا ترك الصلاة برؤية الدم الأسود هذه المدة لا مزيد فأقل، وكان ما زاد على ذلك إجماعاً متيقناً أنه ليس حيضاً!! (١).