دليل الجمهور .
الأصل العظيم، أن اليقين لا يزول بالشك، فمن تيقن الطهارة وشك بالحدث، أو تيقن النجاسة وشك في الطهارة، بنى على اليقين، وهذا الأصل له أدلة شرعية صحيحة.
دليل المالكية على وجوب النضح إذا شك في طهارة الثوب .
(٧٩) ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر بن الخطاب عرس ببعض الطريق قريباً من بعض المياه، فاحتلم عمر، وقد كاد أن يصبح فلم يجد مع الركب ماء، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من ذلك الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو بن العاص: أصبحت ومعنا ثياب، فدع ثوبك يغسل. فقال عمر بن الخطاب: واعجباً لك يا عمرو بن العاصي، لئن كنت تجد ثياباً أفكل الناس يجد ثياباً، والله لو فعلتها لكانت سنة، بل أغسل ما رأيت، وأنضح ما لم أر (١).
[إسناده منقطع] (٢).
وجه الاستدلال:
لا شك أن النضح هنا هو الرش، بدليل قوله: " اغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر. فجعل النضح غير الغسل.
стр. 282
قال ابن عبد البر في الاستذكار: ولا خلاف بين العلماء أن النضح فى حديث عمر هذا معناه الرش، وهو عند أهل العلم طهارة ماشك فيه، كأنهم جعلوه دفعاً للوسوسة.
ثم قال بعد: فمن استيقن حلول المني في ثوبه غسل موضعه منه إذا اعتقد نجاسته، كغسله سائر النجاسات على ما قد بينا، وإن لم يعرف موضعه غسله كله، فإن شك هل أصاب ثوبه شيء منه أم لا؟ نضحه بالماء على ما وصفنا، وعلى هذا مذهب الفقهاء كما ذكرنا.
قلت: هذا الاستدلال فيه نظر بين، لأنه مبني أولاً على نجاسة المني والدليل خلافه، ومبني أيضاً على أن فعل عمر يدل على الوجوب، وإذا كان فعل الرسول ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب فكيف بفعل غيره (١).
الدليل الثاني على وجوب النضح .
(٨٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
عن أنس بن مالك، أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصل لكم، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف (٢).
والجواب أن النضح هنا ليس عن نجاسة؛ إذ لو كان عن نجاسة لانتشرت
стр. 283
النجاسة بالنضح، ولكن النضح ليلين الحصير لاستعماله، وقد نقل ابن عبد البر مثل ذلك عن إسماعيل بن إسحاق من المالكية (١)، وهو الراجح؛ لأن ثوب المسلم ونحوه محمول على طهارته، ولا يؤثر الشك فيه حتى تستيقن النجاسة.
دليل المالكية على وجوب الغسل إذا شك في نجاسة البدن .
(٨١) استدلوا بما رواه مسلم، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وحامد بن عمر البكراوي، قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق،
عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. وهو في البخاري دون قوله: ثلاثاً (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمر بغسل اليد للشك في نجاستها، فهذا يقتضي وجوب غسل البدن إذا شك في نجاسته.
قالوا: وإنما لم نقل بالنضح؛ لإن النضح خلاف القياس، فيقتصر فيه على ما ورد، وهو الحصير والثوب والخف، وجعل ابن رشد هذا القول هو المذهب (٣).
وقد ناقشت الحديث فيما سبق، وبينت العلة من الأمر، وأنها ليست
стр. 284
للنجاسة، ولو كان الغسل من النجاسة لكفى في ذلك غسلة واحدة، كما في نجاسة دم الحيض يصيب الثوب.
وأما دليل المالكية على أن الشك في الحدث ينقض الطهارة .
قالوا: إنما أوجب الوضوء بالشك؛ لأن الطهارة شرط، والشك في الشرط مؤثر، بخلاف الشك في طلاق زوجته، أو عتق أمته، أو شك في الطهارة أو الرضاع لا يؤثر؛ لأنه شك في المانع، وهو لا يؤثر، وإنما أثر في الشرط دون المانع، لأن العبادة محققة في الذمة فلا تبرأ منها إلا بطهارة محققة، والمانع يطرأ على أمر محقق وهو الإباحة أو الملك من الرقيق، فلا تنقطع بأمر مشكوك فيه (١).
وأما وجه الفرق بين الحدث داخل الصلاة وخارج الصلاة.
(٨٢) فقد أخذوا ذلك من ظاهر الحديث، فقد روى البخاري، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب (ح) وعن عباد بن تميم،
عن عمه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، ورواه مسلم (٢).
فأمره الرسول ﷺ إذا شك في الصلاة أن يستمر فيها، ولا ينصرف عنها إلا بيقين، قالوا: وأما إذا شك خارج الصلاة، فالحكم مختلف، فيلزمه أن
стр. 285
يأتي بالطهارة بيقين.
قال الدسوقي في حاشيته: من شك، وهو في الصلاة طرأ عليه الشك فيها بعد دخوله، فوجب أن لا ينصرف عنها إلا بيقين، ومن شك خارجها طرأ عليه الشك في طهارته قبل الدخول في الصلاة، فوجب أن لا يدخلها إلا بطهارة متيقنة (١).
قال ابن حجر تعليقاً على ذلك: إن كان ناقضاً خارج الصلاة فينبغي أن يكون كذلك في الصلاة كبقية النواقض (٢).
هذا محصل مذهب مالك في الشك سواء كان في الماء أم في الثوب، أم في البدن، أم في الحدث، وله تفصيل في كل مسألة، ومذهبه لا يطرد، وما كان قولاً له موافقاً للجمهور تركت ذكر دليله اكتفاء بذكر دليل الجمهور، وما خالف فيه ذكرت وجه الدليل عنده. والله أعلم.
الراجح من هذه الأقوال قول الجمهور، وهو العمل باليقين، إلا أني أرى إن أمكن العمل بالظن عمل به، فإنه إذا كان هناك ظن راجح أخذ به، لأننا تعبدنا بالظن إذا تعذر اليقين، إلا في مسألة الماء إذا شك في طهارته أو نجاسته، فإن هذه المسألة نادرة الوقوع خاصة إذا رجحنا أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فإن تغير الماء حكمنا عليه بالنجاسة وهو أمر محسوس مشاهد، وإن لم يتغير فهو طهور، والله أعلم.
стр. 286
الفصل الثاني إذا اشتبه الماء الطهور بالماء النجس
إذا اشتبه الماء الطهور بالماء النجس، كما لو كان هناك أواني فيها ماء طهور، بأواني فيها ماء نجس، واشتبها عليه، فقد اختلف العلماء فيها على أقوال.
القول الأول: مذهب الحنفية:
قيل يتحرى بشرط أن تكون الغلبة للأواني الطاهرة، فإن كانت الغلبة للأواني النجسة، أو كانا سواء، فليس له أن يتحرى، أي يجب تركهما (١).
القول الثاني: مذهب المالكية:
في مذهب المالكية أقوال كالتالي:
قيل: إنه يتيمم ويتركها، وهو اختيار سحنون.
وقيل: يتوضأ بعدد الأواني النجسة، ويصلي بكل وضوء صلاة، ثم يزيد وضوءاً واحداً، ويصلي وحيئذ تبرأ ذمته بيقين (٢).
وقيل: يتحرى أحدهما ويتوضأ به ويصلي، وهو اختيار محمد بن المواز.
стр. 287
وقيل: يهرق الإناء الواحد، ثم يحصل الثاني ماء مشكوكاً فيه، فلا يؤثر فيه الشك، لأن الأصل في الماء الطهارة، ورجحه ابن عبد البر في الكافي.
وقيل: يتوضأ بأيهما شاء؛ لأن الماء ما دام لم يتغير بنجاسة فهو طهور، ذكره ابن الجلاب في التفريع، وهو الراجح (١)، واختاره ابن حزم (٢).
القول الثالث: مذهب الشافعية .
الصحيح المنصوص عليه عندهم، الذي قطع به جمهورهم، وتظاهرت عليه نصوص الشافعي ﵀: أنه لا تجوز الطهارة بواحد منهما إلا إذا اجتهد وغلب على ظنه طهارته بعلامة تظهر، فإن ظنه بغير علامة تظهر لم تجز الطهارة به (٣).
стр. 288
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
المشهور من مذهب الحنابلة أنه يحرم استعمالهما، ولا يجوز التحري، ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما (١).
стр. 289
هذا ملخص الأقوال في المسألة، وبعضها أقوى من بعض، وسوف نعرض أدلة أقوى الأقوال في المسألة.
دليل من قال يتيمم .
قالوا: إذا اجتمع مبيح وحاضر، على وجه لا يتميز أحدهما عن الآخر، وجب اجتنابهما جميعاً؛ لأن اجتناب النجس واجب، ولا يمكن اجتنابه إلا بتركهما جميعاً.
(٨٣) ويشهد لهذا ما رواه مسلم، قال: حدثني الوليد بن شجاع، حدثنا علي بن مسهر، عن عاصم، عن الشعبي،
عن عدي بن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ : وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره، وقد قتل، فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله. الحديث، والحديث رواه البخاري (١).
هذا الدليل الأثري، وأما الدليل النظري، فإن هذا الرجل إن توضأ بأحدها لم يؤد الصلاة بيقين، لاحتمال أن يكون الماء نجساً، وإذا توضأ بكل واحد منها وصلى لزمته صلاتان للظهر مثلاً، وهو خلاف الأصول، فوجب العدول إلى التيمم.
стр. 290
دليل من قال يتحرى .
الدليل الأول:
(٨٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:
قال عبد الله: صلى النبي ﷺ . قال: إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص، فلما سلم، قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء، قال: وما ذاك؟ فأخبر، وفيه قال رسول الله ﷺ : وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين (١).
وجه الاستدلال:
إذا كان المسلم يتحرى في الصلاة إذا شك فيها، مع أنها المقصود الأعظم من الطهارة، فكونه يتحرى في شرطها من باب أولى.
الدليل الثاني:
القياس على مشروعية التحري في إصابة القبلة، فكما أنه يجوز التحري إجماعاً إذا اشتبهت القبلة، فكذلك هنا.
الدليل الثالث:
ولأنه تعذر اليقين هنا، وكلما تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن.
وأما من قيد التحري بأن تكون الغلبة للأواني الطاهرة، فإنه نظر إلى أن الحكم للأغلب، فإن كان الأغلب الطهور، كانت إصابته في التحري راجحة، وإن كان الأغلب للنجس، كانت إصابته في تحريه أبعد، لهذا اشترط أن يكون
стр. 291
عدد الماء الطهور أغلب، وأما من اشترط في الترجيح أن تكون هناك علامة وأمارة، فهذا ظاهر، لأن الترجيح لابد أن يكون له مستند، فإذا لم يكن هناك علامة أوجبت الترجيح لم يكن ترجيحاً، وإنما كان تخييراً، والله أعلم.
دليل من قال يهرق أحدهما ثم يتوضأ بالآخر .
وجهه: إذا أهرق أحدهما، أصبح الماء الباقي مشكوكاً فيه، والشك في طهارة الماء لا تمنع من التطهر به، لأن الأصل في الماء الطهارة، حتى يتيقن النجاسة.
دليل من قال يتوضأ بأحدهما ويصلي ثم يتوضأ بالأخر ويصلي.
وجهه: أنه لا بد أن يؤدي الصلاة بيقين، ولا يوجد يقين إلا بهذا الطريق، أن يتوضأ ويصلي بكل واحد منهما ..
وهذا القول يلزم منه أن يصلي الإنسان الفرض الواحد مرتين، ثم لا يدري هذا أيهما فرضه، هل الصلاة الأولى، أم الصلاة الثانية، وليس له مثيل في الشرع في إيجاب عبادة واحدة مرتين، لا يدري أيهما فرضه.
دليل من قال: يتوضأ بأيهما شاء .
بنى هذا القول على أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وبالتالي لا يمكن أن تتصور هذه المسألة، لأن التغير أمر محسوس، فإذا لم يظهر التغير على الماء حكم بطهوريته، وهذا هو الراجح، فإذا غلبت عليه النجاسة طعماً أو لوناً أو ريحاً أصبح نجساً. وسوف نسوق أدلة هذا القول إن شاء الله تعالى في بحث الماء النجس إذا وقعت فيه نجاسة، وهو قليل، فلم تغيره.
فالراجح من أقوال أهل العلم أن الماء لا يمكن أن يشتبه الطهور بالماء
стр. 292
النجس، لأننا لا نحكم على الماء بأنه نجس حتى يتغير، فإذا تغير أصبح محسوساً، يمكن معرفته، اللهم إلا أن يكون الماء الذي في الإناء قد ولغ فيه كلب، فإنه يحكم بنجاسته، ولو لم يتغير، فممكن في هذه الصورة النادرة أن تقع، وأما في غيرها فلا يتصور وقوعها، ولا يقال: قد يفقد الإنسان الشم أو النظر أو التذوق فلا يشعر بتغير الرائحة أو اللون أو الطعم؛ لأننا نقول: هذه الصورة ليست من قبل الماء، وإنما هي من قبل الإنسان نفسه، ونحن نتكلم عن اشتباه حقيقة الماء الطهور بالنجس، والله أعلم.
стр. 293
الفصل الثالث
إذا اشتبه ماء طهور بماء طاهر
اختلف العلماء في ما إذا اشتبه طهور بطاهر،
فقيل: يتوضأ بعدد الطاهر وزيادة إناء ويصلي صلاة واحدة، وما شك في كونه من الطاهر أو هو من الطهور فهو من جملة الطاهر، وهذا مذهب المالكية (١)، ووجه في مذهبي الشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
وقيل: يتحرى، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٤).
وقيل: يتوضأ منهما وضوءاً واحداً، من هذا غرفة، ومن هذا غرفة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥).
والفرق بينه وبين المذهب المالكي أن المذهب المالكي جعله يتوضأ مرتين من هذا مرة ومن هذا مرة، ولكن الحنابلة جعلوا الوضوء وضوءاً واحداً لكن في كل عضو يجب غسله مرتين من الطهور مرة ومن الطاهر مرة.
وقيل: يتخير بناء على أنه لا يوجد قسم الطاهر أصلاً، فالماء إما طهور،
стр. 294
وإما نجس (١)، وهو الراجح.
دليل من قال: يتوضأ بعدد الطاهر وزيادة إناء .
عللوا ذلك بأنه لا يمكن أن يجزم الإنسان بأنه أصاب الماء الطهور بيقين إلا إذا توضأ بعدد الطاهر وزاد عليه وضوءاً.
دليل من قال يتوضأ مرة واحدة من هذا غرفة ومن هذا غرفة.
منع الحنابلة الوضوء كاملاً، من هذا مرة ومن هذا مرة قالوا: لأنه لو توضأ وضوء كاملا من هذا، ثم انتقل وتوضأ وضوءاً كاملاً من الماء الآخر يكون قد أدى وضوءه، وهو شاك لا يدري أيهما رفع الحدث، بخلاف ما لو توضأ من هذا غرفة ومن هذا غرفة، فإن الإنسان يجزم بأنه رفع الحدث بيقين، فعندما غسل يده تيقن أنه رفع الحدث عنها، وكذلك يقال في الوجه وفي القدمين وفي غيرهما.
وتعليل آخر: قالوا: ولأننا بهذا لانوجب على العبد وضوءين مع إمكان رفع الحدث بوضوء واحد، فالأصل أنه لايجب عليه إلا وضوء واحد.
وقد نقل الإجماع على وجوب الوضوء مرتين ابن قدامة، فقال:
لا أعلم فيه خلافاً (٢). وكذا قال صاحب الشرح الكبير (٣).
قلت: نقل الإجماع فيه نظر، لأن إثبات ماء طاهر لا يطهر، الدليل على خلافه.
стр. 295
دليل من قال: يتحرى .
أنظر أدلة من قال بالتحري في المسألة السابقة، فإن الباب واحد، والأدلة واحدة.
دليل من قال: يتخير .
أدلة هذا القول، هي نفس الأدلة الدالة على عدم وجود قسم ثالث، يسمى الماء الطاهر، طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، فما دام أنه ماء، فهو إما طهور، وإما نجس، وقد سقتها في خلاف العلماء في أقسام المياه، وإذا ثبت أنه لا يوجد قسم الماء الطاهر، كان تصور هذه المسألة غير ممكن، والله أعلم.
стр. 296
الفصل الرابع
إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو محرمة
إذا اشتبهت ثياب طاهرة، بثياب متنجسة، أو محرمة كالحرير، فقد اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: يتحرى، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، واختاره الباجي من المالكية (٣)، وهو رواية في مذهب أحمد (٤)، واختاره ابن تيمية (٥).
стр. 297
وقيل: يصلي بعدد الثياب النجسة أو المحرمة، ويزيد صلاة، وهو المشهور من مذهب أحمد (١)، وقول في مذهب المالكية (٢).
وقيل: يصلي عرياناً، وهو قول أبي ثور (٣).
وقيل: إن كثر عدد الثياب تحرى دفعاً للمشقة، وإن قل عددها عمل باليقين، وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة (٤).
دليل من قال بالتحري .
انظر أدلة القائلين بالتحري في مسألة ما إذا اشتبه الماء الطهور بالنجس.
واستدل ابن تيمية على ذلك بقوله: لأن اجتناب النجاسة من باب الترك، ولهذا لا تشترط له النية، ولو صلى في ثوب لا يعلم نجاسته، ثم علمها بعد الصلاة لم يعد، فإن اجتهد فقد صلى في ثوب يغلب على ظنه طهارته، وهذا هو الواجب عليه لا غير. قال ابن القيم: وهذا كما لو اشترى ثوباً لا يعلم حاله جاز له أن يصلي فيه اعتماداً على غلبة ظنه، وإن كان نجساً في نفس الأمر، فكذلك إذا أداه اجتهاده إلى طهارة أحد الثوبين وغلب على ظنه جاز أن يصلي فيه، وإن كان نجساً في نفس الأمر (٥).
دليل من قال يصلي بعدد النجس ويزيد صلاة .
قالوا: إذا صلى بعدد النجس، وزاد صلاة فقد أدى فرضه بيقين، وصلى
стр. 298
بثوب متيقن طهارته، وإذا أمكن الوصول إلى اليقين تعين، بخلاف من صلى بالتحري فإنه ليس متيقن الطهارة، بل غاية ما فيه غلبة ظن، والعمل بالظن مع إمكان اليقين لا يجوز.
دليل من قال يصلي عرياناً .
قال: إن الثوب النجس في الشرع كالمعدوم، والصلاة فيه حرام، وقد عجز عن ستر العورة بثوب طاهر، فسقط فرض السترة.
قال ابن القيم: وقول أبي ثور في غاية الفساد، فإنه لو تيقن نجاسة الثوب لكانت صلاته فيه خيراً وأحب إلى الله من صلاته متجرداً بادي السوأة للناظرين (١).
الراجح من هذه الأقوال هو القول بالتحري، وذلك لقوة أدلته ووجهاتها، ولما في ذلك من رفع المشقة ودفع الحرج عن الأمة، ولأن هذا مقتضى قول الله : ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٢) فهذا المتحري قد اتقى الله ما استطاع، وعمل بما أداه إليه اجتهاده، ولم يفرط، وهذا هو وسعه الذي لا يكلفه الله غيره، والله أعلم.
стр. 299
الفصل الخامس
في الإخبار بنجاسة الماء
стр. 300
المبحث الأول
إذا أخبره رجل أو امرأة بنجاسة الماء
إذا أخبر الرجل عن الماء، فإما أن يخبر عن طهارة الماء، أو يخبر عن نجاسته،
فإن أخبر عن طهارة الماء، فقد قال النفراوي من المالكية: لو أخبرك شخص بطهارة ماء شككت في نجاسته لوجب عليك الرجوع إلى خبره، ولو كافراً أو صبياً؛ لأنه أقر بما يحمل عليه الماء، اللهم إلا أن يظهر في الماء ما يقتضي نجاسته أو يسلب طهوريته (١).
والحقيقة أن العمل في هذه الحال ليس بسبب خبر الكافر، وإنما العمل بالأصل، وهو أن الأصل في الماء الطهارة، ومجرد الشك لا ينقل الماء عن الطهورية، ولذلك قال بقبول خبر الكافر، مع أن الكافر ليس ممن يقبل خبره، لانتفاء العدالة في حقه ظاهراً وباطناً.
وأما إذا أخبر عن نجاسة الماء، فإما أن يبين سبب النجاسة أو لا.
فإن بين سبب النجاسة، فقد حكي الإجماع على وجوب قبول خبره.
فقد قال النووي: اتفق الفقهاء على أنه إذا أخبر الثقة بنجاسة ماء، أو ثوب، أو طعام، أو غيره، وبين سبب النجاسة، وكان ذلك السبب يقتضي النجاسة حكم بنجاسته؛ لأن خبر الواحد العدل في مثل هذه الأشياء مقبول، وليس هذا من باب الشهادة، وإنما هو من باب الخبر، وكذا لو أخبر عن دخول وقت الصلاة، وعن حرمة الطعام أو حله، ولا فرق في هذا بين الرجل
стр. 301
والمرأة، ولا بين الأعمى والبصير بخلاف الكافر والفاسق فلا يقبل خبرهما في النجاسة والطهارة، وكذا المجنون والصبي الذي لا يميز فلا يقبل خبرهما في مثل هذه الأشياء بلا خلاف (١).
وهل يجوز الاجتهاد في مثل هذه الحالة، وقد أخبره عدل، وبين سبب النجاسة؟
قال النووي: قال أصحابنا: إذا أخبره مقبول الخبر بالنجاسة، وجب قبوله، ولا يجوز الاجتهاد بلا خلاف، كما لا يجتهد المفتي إذا وجد النص، وكما لا يجتهد إذا أخبره ثقة عن علم بالقبلة ووقت الصلاة، وغير ذلك (٢).
وأما إذا لم يبين سبب النجاسة ففيه ثلاثة أقوال:
قيل: يجب قبول خبره مطلقاً، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: لا يجب مطلقاً، وهو قول الجمهور (٤).
وقيل: يجب إن اتفقا مذهباً، وكان عالماً بما ينجس الماء، فإن اختلفا مذهباً لم يجب، لكن الأحسن ترك الماء؛ لتعارض الأصل، وهو الطهورية،
стр. 302
وإخبار المخبر بتنجيسه، وهذا عند وجود غيره، وإلا تعين استعمال الماء، وهذا مذهب المالكية (١).
قال النووي: إذا لم يبين- يعني: سبب النجاسة- لم يقبل، هكذا نص عليه الشافعي والأصحاب، قال الشيخ أبو حامد: نص عليه الشافعي رواه عنه المزني في الجامع الكبير (٢).
ثم قال النووي: وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه، والمحاملي وغيرهما: قال الشافعي: فإن كان يعلم من حال المخبر أنه يعلم أن سؤر السباع طاهر، وأن الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس، قبل قوله عند الإطلاق- أي وإن لم يبين سبب النجاسة- هكذا نقل هؤلاء نص الشافعي، وكذا قطع بهذا التفصيل الذي نص عليه جماعات من أصحابنا المصنفين، منهم: الشيخ أبو محمد الجويني في الفروق، والبغوي والروياني وغيرهم، ونقله صاحب العدة عن أصحابنا العراقيين، ونقل صاحب البيان عن الشيخ أبي حامد أنه نقله عن نص الشافعي، ولم أر لأحد من أصحابنا تصريحاً بمخالفته، فهو إذن متفق عليه (٣).
وقال ابن قدامة: إذا لم يعين سببها، فقال القاضي: لا يلزم قبول خبره؛ لاحتمال اعتقاده نجاسة الماء بسبب لا يعتقده المخبر، كالحنفي يرى نجاسة الماء الكثير، والشافعي يرى نجاسة الماء اليسير بما لا نفس له سائلة، والموسوس الذي يعتقد نجاسته بما لا ينجسه.
стр. 303
ويحتمل أن يلزم قبول خبره، إذا انتفت هذه الاحتمالات في حقه (١).
قلت: هذا الكلام إنما يتمشى على رأي من يرى نجاسة الماء، ولو لم يتغير، أما من يرى أن الماء لا ينجس إلا بالتغير فلا يحتاج إلى هذا التفصيل؛ لأن الماء إذا لم يتغير فهو طهور، نعم لو أخبره بولوغ الكلب في إناء، قبل هذا التفصيل؛ لأنه والحالة هذه قد ينجس الماء ولو لم يتغير، لكنه خاص في هذه الصورة فقط.
قال في حاشية الدسوقي: فإن كان الماء غير متغير، وأخبر بالنجاسة، فلا يقبل خبره؛ لأن الأصل الطهارة (٢).
стр. 304
المبحث الثاني
إذا أخبره صبي عن طهارة أو نجاسة الماء
إذا أخره صبي مميز عن نجاسة الماء، وبين سبب النجاسة، فهل يجب عليه قبول خبره أم لا؟
ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب قبول خبره؛ لأن قبول الخبر مبني على ثبوت العدالة، وهو لا يمكن أن يوصف بالعدالة لصغره؛ لأن العدالة يشترط فيها أن يكون مسلماً عاقلاً بالغاً، فما دام أنه ليس من أهل الرواية ولا الشهادة لم يلزم قبول خبره (١).
وقيل: بل يجب قبول خبره، اختاره بعض الحنفية (٢)، وهووجه عند الشافعية (٣)، وهو الصحيح.
لأن الصبي إذا كانت تصح إمامته في الصلاة، ويؤتمن على شروطها وواجباتها، فكيف لا يقبل خبره عن نجاسة الماء.
وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن سلمة تقديم الصبي للإمامة،
стр. 305
(٨٥) فقد روى البخاري ﵀ قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة،
عن عمرو بن سلمة قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله. قال فلقيته فسألته فقال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم، ما للناس ما للناس ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله أوحى إليه، أو أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم، فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقاً، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا، فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا بن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت: امرأة من الحي ألا تغطون عنا است قارئكم، فاشتروا فقطعوا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (١).
كما أن الصحيح أن الصبي من أهل الرواية تحملاً وأداءً إذا علم منه الصلاح، ولم يجرب عليه الكذب (٢).
стр. 306
المبحث الثالث
إذا أخبره فاسق عن نجاسة الماء
اختلف العلماء في خبر الفاسق إذا أخبره عن نجاسة الماء،
فقيل: إذا غلب على ظنه صدقه تيمم، ولم يتوضأ به، وإن أراقه ثم تيمم كان أحوط، وإن غلب على ظنه كذبه توضأ به، وإن تيمم بعد الوضوء كان أحوط، ولا يجب، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: لا يقبل قول الفاسق، وهذا مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
دليل من قال: إن غلب على ظنه صدقه قبله.
الدليل قوله : ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ (٥)، فالله سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق، بل بالتثبت والتبين، فإن ظهرت دلالة على صدقه قبل خبره، وإن ظهرت دلالة على كذبه رد خبره، وإن لم يتبين واحد من الأمرين وقف خبره.
دليل من قال: لا يقبل خبر الفاسق.
قالوا: لأن من شروط قبول الخبر العدالة، فلا يقبل خبر الفاسق؛ لأنه
стр. 307
ليس من أهل الرواية ولا من أهل الشهادة، والعدالة المشروطة هنا هي العدالة الظاهرة، إلا أن الشافعية صرحوا بأنه: لو أخبر جماعة من الفساق لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن نجاسة الماء أو طهارته قبل خبرهم، وكذا لو أخبر الفاسق عن فعل نفسه في الماء.
стр. 308
المبحث الرابع
في السؤال عن الماء
إذا شك الإنسان في طهورية الماء، فهل يجب عليه أن يسأل عن حال الماء أو هل يستحب له ذلك؟
اختلف العلماء في هذه المسألة:
فقيل: لا يجب على الإنسان أن يسأل هل الماء طهور أم نجس، وهذا هو مذهب الجمهور (١).
وقيل: يكره السؤال، نقله صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه.
وقيل: يجب عليه السؤال.
وقيل: الأولى السؤال. وهما قولان في مذهب الحنابلة (٢).
ولو سأل هل يلزم الجواب على أقوال:
فقيل: لا يلزمه الجواب.
وقيل: يلزمه، كالسؤال عن القبلة. وهذان قولان في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: يلزمه إن علم نجاسته، اختاره الأزجي من الحنابلة وصوبه في
стр. 309
الإنصاف (١).
دليل من قال لا يسأل.
الدليل الأول:
عدم الدليل المقتضي للوجوب، فلو كان السؤال واجباً لجاء الأمر به.
الدليل الثاني:
العمل بالأصل، فالأصل في الماء الطهارة، وتغير الماء إن كان موجوداً قد يكون تغيره بطاهر، أو تغيره بمكثه أو بما لا يمازج الماء.
الدليل الثالث:
(٨٦) ما رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب،
أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضاً، فقال عمرو بن العاص: لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا؛ فإنا نرد على السباع وترد علينا (٢).
[رجاله ثقات إلا أن إسناده منقطع] (٣).
стр. 310
هذا القول هو الراجح إلا أنه إن كان الماء نجساً وجب على من يعلم أن يخبره نصحاً له، وحتى لا يصلي وهو غير طاهر.
دليل من قال: يلزمه السؤال.
قالوا: إن هذا السؤال يتعلق بشرط الصلاة، وهو طهورية الماء، فيلزمه السؤال كما يلزمه السؤال عن القبلة.
دليل من قال يلزمه الجواب إن علم نجاسة الماء.
قالوا: إن إخباره عن نجاسة الماء من النصيحة له، ومن الأمر بالمعروف الواجب عليه.
(٨٧) فقد روى مسلم في صحيحه، قال: حدثنا محمد بن عباد المكي، حدثنا سفيان قال: قلت لسهيل: إن عمراً حدثنا عن القعقاع، عن أبيك، قال: ورجوت أن يسقط عني رجلاً قال: فقال سمعته من الذي سمعه منه أبي، كان صديقا له بالشام، ثم حدثنا سفيان، عن سهيل، عن عطاء بن يزيد،
عن تميم الداري، أن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١).
стр. 311
الباب الثامن
في الماء النجس
ويشتمل على أربعة فصول:
الفصل الأول: في الماء القليل إذا لاقته نجاسة ولم يتغير
الفصل الثاني: في الماء الكثير إذا لاقته نجاسة
الفصل الثالث: في المائع غير المائي تخالطه النجاسة.
الفصل الرابع: في الماء المسخن.
стр. 312
الفصل الأول
في الماء الراكد إذا لاقته نجاسة فلم تغيره
اختلف العلماء في الماء إذا لا قته نجاسة فلم تغيره،
فقيل: إذا كان الماء قليلاً فإنه ينجس، ولو لم يتغير، وإذا كان كثيراً فإنه لاينجس إلا بالتغير، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣)، على خلاف بينهم في حد القليل والكثير (٤).
стр. 313
وقيل: إن الماء لا ينجس إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة، وهذا مذهب مالك في رواية المدنيين عنه (١)، ورواية عن أحمد (٢)، وإليه ذهب ابن المسيب، والحسن البصري (٣)، وسفيان الثوري، ويحيى بن سعيد القطان،
стр. 314
وعبد الرحمن بن مهدي (١)، واختاره ابن المنذر (٢)، وابن تيمية (٣)، وغيرهم.
وقيل: إن كانت النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة فإنه ينجس ولو كان كثيراً إلا أن يشق نزحه.
وإن كانت النجاسة غيرها فإنه ينجس إذا كان دون القلتين، فإن كان قلتين فأكثر لم ينجس إلا بالتغير، وهذا قول في مذهب الحنابلة (٤).
دليل الحنفية على اعتبار الخلوص .
قالوا: إن الله حرم علينا الخبائث، ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء، فإذا غلب على ظننا أن النجاسة تخلص إلى الطرف الآخر، فإن من استعمل الماء يكون قد استعمل النجاسة، واستعمال النجاسة لا يجوز، والأخذ بغلبة الظن طريق شرعي، فإن كثيراً من الأحكام الشرعية مبنية على الظن، وليس على اليقين.
وأما الدليل على تقدير الخلوص بالحركة أو بالمساحة أو بغيرهما فلا دليل خاص عليها، وإنما رأى بعض الحنفية أن غلبة الظن قد لا تنضبط،
стр. 315
فاجتهدوا في تحديد مقدار الماء الذي تخلص النجاسة إلى طرفه الآخر، لكن الأصل هو غلبة الظن.
وأما الدليل على إن الماء القليل ينجس ولو لم يتغير .
هناك مجموعة أدلة منها:
الدليل الأول:
(٨٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله،
عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (١).
[إسناده صحيح إن شاء الله] (٢).