← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

[والحديث موضوع] (١). الدليل الخامس: [٤٦] حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر، وأقل ما بين الحيضتين خمسة عشر يوماً .. [موضوع] (٢). الدليل السادس: [٤٧] حديث عائشة ﵂، رواه ابن حبان معلقاً بلفظ: أكثر الحيض عشر، وأقله ثلاث (٣). وهذه الأحاديث ضعفها شديد لا ينجبر، وبعضها موضوع. قال ابن المنذر: "ذكر الميموني أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل: أيصح عن رسول الله ﷺ شيء في أقل الحيض وأكثره. قال: لا. قلت: فحديث أنس؟ قال: ليس بشيء. أو قال: ليس يصح. قلت: فأعلى شيء فى هذا الباب حديث معقل، عن عطاء: الحيض يوم وليلة" (٤).

стр. 2557

وقال ابن رجب: "هذه الأحاديث المرفوع منها باطل، لا يصح، وكذلك الموقوف طرقه واهية، وقد طعن فيها غير واحد من الأئمة الحفاظ" (١). قلت: الطرق الموقوفه سأذكر تخريجها في الأدلة الآتية - إن شاء الله تعالى -. الدليل السابع: [٤٩] ما رواه الطبراني (٢) حدثنا موسى بن زكريا، ثنا عمرو بن الحصين، ثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، ثنا عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، قال: رسول الله ﷺ : "للحائض ما بينها وبين عشر، فإذا رأت الطهر فهي طاهر، وإن جاوزت العشر فهي مستحاضة، تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم احتشت واستثفرت، وتوضأت لكل صلاة، وتنتظر النفساء ما بينها وبين الأربعين، فإن رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم احتشت واستثفرت وتوضأت لكل صلاة". قال الطبراني: لم يروه عن عبدة إلا ابن علاثة، تفرد به عمرو. [الإسناد ضعيف جداً] (٣).

стр. 2558

الدليل الثامن: [٤٩] روى الدارقطني (١) حدثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا خلاد ابن أسلم، نا محمد بن فضل، عن أشعث، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، قال: لا تكون المرأة مستحاضة في يوم ولا يومين، ولا ثلاثة أيام، حتى تبلغ عشرة أيام، فإذا بلغت عشرة أيام كانت مستحاضة.

стр. 2559

[ضعيف] (١). ومع ضعفه هو موقوف. الدليل التاسع: [٥٠] ما رواه الدارقطني (٢) من طريق هارون بن زياد القشيري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: "الحيض ثلاث، وأربع، وخمس، وست، وسبع، وثمان، وتسع، وعشر،

стр. 2560

فإن زاد فهي مستحاضة". قال الدارقطني: لم يروه عن الأعمش بهذا الإسناد غير هارون ابن زياد القشيري، وهو ضعيف الحديث. وليس لهذا الحديث عند الكوفيين أصل عن الأعمش. والله أعلم. هذا ما وقفت عليه من أدلة الحنفية، وعلى كثرتها إلا أن المرفوع فيها ضعفه لا ينجبر، والموقوف ضعيف وليس فيه حجة. والله أعلم. دليل من قال: أكثر الحيض سبعة عشر يوماً . الدليل الأول: يرى ابن حزم أن ما زاد على سبعة عشر يوماً فإنه ليس بحيض إجماعاً!! قال ﵀: "قد صح عن رسول الله ﷺ أن دم الحيض أسود، فإذا رأته المرأة لم تصل، ووجب الانقياد لذلك، وصح أنها ما دامت تراه فهي حائض، لها حكم الحيض ما لم يأت نص أو إجماع فى دم أسود أنه ليس حيضاً، فقد صح النص بأنه قد يكون دم أسود، وليس حيضاً، ولم يوقت لنا فى أكثر عدة الحيض من شيء، فوجب أن نراعي أكثر ما قيل، فلم نجد إلا سبعة عشر يوماً، وقلنا بذلك، وأوجبنا ترك الصلاة برؤية الدم الأسود هذه المدة لا مزيد فأقل، وكان ما زاد على ذلك إجماعاً متيقناً أنه ليس حيضاً!! (١).

стр. 2561

قلت: لا تثبت دعوى الإجماع مع وجود الخلاف؛ لأن هناك من قال: لا حد لأكثر الحيض ما لم يطبق عليها الدم كل الشهر، ثم أن قوله: إن دم الحيض دم أسود يعرف، إن كان مبنياً على حديث: "إن دم الحيض دم أسود يعرف" كما هو معلوم من تصحيح ابن حزم له، فالراجح أنه حديث ضعيف، مضطرب الإسناد، ومنكر المتن، كما سيأتي بيانه إن شاء الله في باب الإستحاضة. وقد ضعفه أبو حاتم والنسائي. وإن كان مبنياً على الرأي المحض؛ فإنه مخالف لما جاء من أن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، ولهذه المسألة بحث مستقل إن شاء الله تعالى. الدليل الثاني: قال ابن حزم: "قد روي من طريق عبد الرحمن بن مهدي أن الثقة أخبره أن امرأة كانت تحيض سبعة عشر يوماً. ورويناه عن أحمد بن حنبل، قال: أكثر ما سمعناه سبعة عشر يوماً. وعن نساء الماجشون: أنهن كن يحضن سبعة عشر يوماً (١). قلت: ليس في هذا ما يدل على التحديد. دليل من قال: لا حد لأكثر الحيض . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٢). فعلق الله أحكام الحيض على وجود هذا الأذى، فمتى وجد الأذى

стр. 2562

فالحيض موجود، ولم يعلقه على مضي خمسة عشر يوماً، أو على سبعة عشر يوماً، أو أقل أو أكثر. الدليل الثاني: القول بالتحديد يحتاج إلى دليل، وما دام لم يثبت في هذا شيء فلا يجوز القول به. والقائلون بالتحديد معترفون بأنه لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء عدا الحنفية وأدلتهم شديدة الضعف، وإنما حكموا العادة والوجود في زمانهم، ولا دليل من القرآن ولا من السنة على الرجوع إلى العادة حتى تصير حداً بحيث يُجْعل الدم الذي قبل تمام خمسة عشر يوماً بساعة يُجْعَل حيضاً مانعاً من الصلاة والصوم، والدم الذى بعد تمام خمسة عشر يوماً يُجْعَل استحاضة. والدم هو الدم، واللون هو اللون، والرائحة هي الرائحة. فهذا تفريق في الحكم بين متماثلين، بلا دليل واضح من الشرع. الدليل الثالث: [٥١] ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟. فقال رسول الله ﷺ : "لا، إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي. قال: وقال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت. ورواه

стр. 2563

مسلم إلا قوله: قال أبي: ثم توضئي لكل صلاة .. الخ (١) وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ علق أحكام الحيض على إقباله، وعلق أحكام الطهارة على إدباره، ولو كان له حد لا يتجاوزه لقال: فإذا مضى خمسة عشر يوماً، أو سبعة عشر يوماً فاغتسلي وصلي. الدليل الرابع: لو كان التحديد معتبراً لوجب على الرسول ﷺ أن يبينه للأمة، لكونه يتعلق به أعظم العبادات وهي الصلاة، بل يتعلق به ركنان من أركان الإسلام: الصلاة والصيام، ويتعلق به ما يتعلق من استحلال الفروج، وخروج المرأة من عدتها، والحكم لها ببراءة رحمها إلى غير ذلك من الأحكام، فلو كان التحديد معتبراً لبينه الرسول ﷺ لعموم البلوى به، فلما لم يبينه علم أن هذا التحديد غير معتبر شرعاً. قال ابن تيمية: "اسم الحيض علق الله به أحكاماً متعددة من الكتاب والسنة، ولم يقدر لأكثره ولا لأقله، ولم يقدر لأكثره ولا لأقله بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك، واحتياجهم إليه. واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قدر في ذلك قدراً، فقد خالف الكتاب والسنة، وهذا القول هو القول الراجح، ومع ذلك إذا اطبق على المرأة الحيض، واستمر شهراً كاملاً فهي مستحاضة؛ لأن

стр. 2564

الله ﵎ جعل عدة المرأة ذات الأقراء في الطلاق ثلاثة قروء، فقال سبحانه ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) وجعل عدة اليائسة من المحيض والصغيرة التي لا تحيض ثلاثة أشهر، فقال سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٢) فجعل بإزاء كل شهر طهراً وحيضاً، فكونه يطبق عليها الدم الشهر كاملاً نعلم أن هذا الدم منه ما هو حيض، ومنه ما هو استحاضة وليس بحيض" (٣). والطب يؤكد حقيقة أن الحيض لا يمكن أن يأتي في الشهر مرتين: ففي سؤال وجه لأحدى أخصائيات النساء والولادة، يقول السؤال: دورتي الشهرية منتظمة، ولكنها تأتي في الشهر مرتين: أي في بدايته ونهايته، فهل يمكن أن يتم التبويض مرتين في الشهر؟ وكان جواب الدكتورة: لا يمكن أن تتم عملية التبويض مرتين في الشهر الواحد، حتى وإ جاءت الدورة الشهرية مرتين أو ثلاث مرات في الشهر الواحد، كما في بعض الحالات المرضية. الخ كلامها (٤).

стр. 2565

الفصل السادس: خلاف العلماء في غالب الحيض ذهبت الشافعية (١) والحنابلة (٢) إلى أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة. وحكاه النووي اتفاقا (٣). الأدلة على أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة . الدليل الأول (*): [٥٢] ما رواه أحمد (٤) ثنا عبد الملك بن عمرو، قال ثنا زهير - يعني

стр. 2566

بن محمد الخراساني - عن عبد الله بن محمد يعني ابن عقيل بن أبي طالب، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت استحاض حيضة شديدة كثيرة، فجئت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، قالت: فقلت: يا رسول الله إن لي حاجة، فقال: وما هي؟ فقلت: يا رسول الله إني استحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيِها، قد منعتني الصلاة والصيام قال: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم. قالت: هو أكثر من ذلك قال فتلجمي قالت: إنما أثج ثجا، فقال لها: سآمرك بأمرين أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الآخر فان قويت عليهما فأنت أعلم، فقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت انك قد طهرت واستيقنت واستنقأت فصلي أربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فان ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن بميقات حيضهن وطهرهن، وان قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعا ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين وكذلك فافعلي وصلي وصومي إن قدرت على ذلك وقال رسول الله: وهذا أعجب الأمرين إلى. [والحديث قد اختلف في صحته، والراجح أنه ضعيف، وله أكثر من علة سوف أذكرها بشيء من التفصيل في باب الاستحاضة إن شاء الله تعالى].

стр. 2567

قوله في الحديث: "تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام" ثم قال: "كما تحيض النساء وكما يطهرن". والمقصود به: غالب النساء؛ لاستحالة إرادة كلهن لاختلافهن. قال النووي: "واختلفوا في "أو" في قوله (ستة أيام أو سبعة أيام). فقيل: شك من الراوي، هل قال: هذا، أو قال: هذا. وقيل: (أو) للتخيير، واختلفوا في معناه. فقيل: تخيير تشهي. إن شاءت جلست ستة أيام، وإن شاءت جلست سبعة. وقيل: تخيير بما يليق بالمرأة، وذلك بأن ترجع إلى عادة أختها وأمها وما أشبه ذلك لغالب النساء، فإذا كان أكثر أقاربها ستة أيام قدمتها، أو سبعة فكذلك. وقيل: يحتمل أن تكون هذه المرأة قد ثبت لها عادة فيما تقدم ستة أيام أو سبعة أيام إلا أنها قد نسيتها، فلا تدري أيهما كانت، فأمرها أن تتحرى وتجتهد، وتبني أمرها على ما تيقنته، أو غلب على ظنها من أحد العددين، لقوله: "في علم الله" أي فيما علم الله من أمرك. وقيل: إن هذه المرأة عادتها تارة تكون ستة أيام، وتارة تكون سبعة أيام. والقولان الأخيران فيهما ضعف؛ لأنهما على افتراض أمر، والظاهر خلافه.

стр. 2568

الفصل السابع: خلاف العلماء في أقل الطهر اختلف العلماء في أقل الطهر فقيل: أقل الطهر خمسة عشر - يوماً. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤). وقيل: أقل الطهر ثلاثة عشر يوماً، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٥).

стр. 2569

وقيل: أقل الطهر بين الحيضتين تسعة عشر يوماً. اختاره من الحنفية أبو حازم القاضي، وأبو عبد الله البلخي (١). وقيل: أقله خمسة أيام، وهذا القول هو رواية ابن الماجشون عن مالك (٢). وقيل: أقله ثمانية أيام. وهي رواية سحنون عن مالك (٣) وقيل: أقله عشرة أيام، وهى رواية ابن القاسم عن مالك (٤) وقيل: لا حد لأقل الطهر. وهو اختيار ابن تيمية (٥)، وهو الراجح. دليل من قال: أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يوماً . الدليل الأول: [٥٣] ما يروى عن ابن عمر مرفوعاً: "تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي".

стр. 2570

[لا أصل له] (١). فإذا كنت المرأة تمكث شطر (نصف) عمرها لا تصلي، والحيض مرة واحدة في الشهر، معنى ذلك أنها تحيض خمسة عشر يوما من كل شهر، وإذا كان كذلك كان الطهر خمسة عشر يوماً. الدليل الثاني: قالوا: الشهر لا يخلو غالباً من حيض وطهر، وقد أثبتنا أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، وإذا كان كذلك لزم أن يكون أقل الطهر ما تبقى من الشهر، وهو خمسة عشر يوماً. الدليل الثالث: قال النووي: لأنه - يعني كون الطهر خمسة عشر يوماً - أقل ما ثبت وجوده (٢). وهذه الأدلة ضعيفة؛ لأنها مبنية على أمر ضعيف، فليس مسلماً أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، كما أنه غير مسلم أنه أقل ما ثبت وجوده، بل الكلام دعوى لا دليل عليها. دليل من قال: أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً . الدليل الأول: [٥٤] ما رواه الدارمي (٣)، قال: أخبرنا يعلى، ثنا إسماعيل، عن عامر قال: جاءت امرأة إلى علي تخاصم زوجها طلقها، فقالت: قد حضت في شهر

стр. 2571

ثلاث حيض فقال علي لشريح: اقض بينهما. قال يا أمير المؤمنين، وأنت ههنا. قال: اقض بينهما. قال: يا أمير المؤمنين، وأنت ههنا. قال: اقض بينهما، فقال: إن جاءت من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته تزعم انها حاضت ثلاث حيض تطهر عند كل قرء وتصلي جاز لها وإلا فلا، فقال علي: قالون، وقالون بلسان الروم أحسنت. [ضعيف] (١). وجه الاستدلال: أن هذه المرأة حاضت أقل الحيض يوماً وليلة، وطهرت ثلاثة عشر يوماً، ئم حاضت أقل الحيض يوماً وليلة، ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً، فالمجموع ثمانية وعشرون يوماً، ثم حاضت يوماً وليلة، فخرجت من العدة بشهر. وأجيب بما يلي: أولاً: أن هذا الأثر ضعيف، وإسناده منقطع. ثانياً: قدمنا في بحث أقل الحيض أنه على فرض صحة الأثر فإن هذا التفسير لا يتعين، ولذا فسره ابن المبارك كما فى شرح صحيح البخاري لابن رجب أنها حاضت ثلاثاً وطهرت عشراً، وذكر هذا التفسير عن إسحاق أيضاً (٢).

стр. 2572

ثالثاً: من أين لكم من الأثر أنها لو ادعت أقل من شهر أنه لن يسمع دعواها، ولن يطلب منها بينة، فهذا لا سبيل إليه من الأثر. الدليل الثاني: لقد ثبت أن أكثر الحيض سبعة عشر يوماً. قال الإمام أحمد: أكثر ما سمعناه سبعة عشر يوماً. وقد خرجته في بحث أكثر الحيض، وإذا كان أكثر الحيض كذلك، والمرأة تحيض وتطهر في الشهر، فعليه يكون الباقي من الشهر ثلاثة عشر يوماً، وهو أقل الطهر. وقد ضعفت القول بأن أكثر الحيض سبعة عشر يوماً في بحث أكثر الحيض. دليل من قال: أقل الطهر تسعة عشر يوماً . استدل له بما ذكره النووي: "أكثر الحيض عندهم عشرة، والشهر يشتمل على طهر وحيض، وقد يِكون الشهر تسعة وعشرين يوماً، منها عشرة للحيض، فيكون الباقي للطهر (١). وأجيب: بأن هذا القول مبني على أن أكثر الحيض عشرة أيام، وقد استدلوا لذلك بأحاديث باطلة، وآثار موقوفة ضعيفة، وإذا كان لا يثبت في أكثر الحيض شيء كما قدمنا، يكون ما بنى عليه ضعيفاً أيضاً.

стр. 2573

دليل من قال: أقل الطهر عشرة أو ثمانية أو خمسة . هذا الأقوال ساقها ابن رشد في المقدمات (١)، وضعفها، ورجح عليها ما روى عن مالك موافقاً لقول الجمهور، ثم تلمس دليلاً لهذه الأقوال، فقال: "وأما سائر الأقاويل - يعني بأن أقل الطهر عشرة أو ثمانية، أو خمسة - لا ملحظ عليها فى القياس وإنما أخذت من عادة النساء؛ لأن كل ما وجب تحديده في الشرع، ولم يرد به نص لزم الرجوع فيه إلى العادة كنفقة الزوجات وشبه ذلك، وقد حكى ابن المعدل عن ابن الماجشون أنه وجد من النساء من يكون طهرها خمسة أيام وعرف ذلك بالتجربة من جماعة النساء" اهـ. قلت: كونه يوجد من النساء من يكون طهرها خمسة أيام دليل على أنه لا يوجد حد لأقل الطهر، فهو شاهد على ضعف القائلين بالتحديد، ولا يصح دليلاً على أن أقله خمسة أيام؛ لأنه قد يوجد من يكون طهرها أقل من ذلك. دليل من قال: لا حد لأقل الطهر . الدليل الأول: القول بالتحديد لا يجوز إلا بدليل، ولا دليل على التحديد. الدليل الثاني: الحيض هو إقبال دم الحيض، والطهر هو انقطاعه، إما بالجفاف أو برؤية القصة البيضاء. هذه حقيقة الطهر، سواء طال أم قصر، إلا أن انقطاع دم الحيض الساعة والساعتين لا يسمى طهراً.

стр. 2574

[٥٥] روى البخارى (١) ومسلم (٢) من حديث عائشة ﵂ في قصة فاطمة بنت أبي حبيش. قال ﷺ : "فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي". إلا أن أصحاب هذا القول قد اختلفوا فيما لو ادعت انقضاء عدتها فى شهر فأقل هل تكلف البينة أم لا؟ على قولين: الأول: رأي ابن حزم، بأنه لا فرق في أقل الطهر بين العبادة والعدة. الثاني: رأي ابن تيمية ﵀ أنها إن ادعت خلاف الظاهر كلفت البينة. قال ابن تيمية كما في الاختيارات: "ويتوجه أنها إذا ادعت الانقضاء في أقل من ثلاثة أشهر كلفت البينة". وقد فصلت الخلاف في هذه المسألة في بحث مستقل. ورجحت أن المرأة مصدقة مؤتمنة على ما في رحمها. قال ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٣). والأصل أن ما كان مؤتمناً يقبل قوله مع يمينه، لكن إن كان لها

стр. 2575

عادة مستقرة، وادعت خلافها كلفت البينة؛ لأن الأصل بقاء عادتها على ما هي عليه، فكونها تدعي خلاف عادتها، ويتكرر ذلك ثلاث مرات منها فهذا بعيد جداً لا يؤيده الظاهر.

стр. 2576

الفصل الثامن: القول في أكثر الطهر أجمعوا على أن أكثر الطهر لا حد له، وإليك النقول من كتب الفقهاء. قال في بدائع الصنائع، وهو من الحنفية: "وأما أكثر الطهر فلا غاية له، حتى إن المرأة إذا طهرت سنين كثيرة فإنها تعمل ما يعمل الطاهرات بلا خلاف بين الأئمة؛ لأن الطهارة في بنات آدم أصل، والحيض عارض، فإذا لم يظهر العارض يجب بناء الحكم على الأصل، وإن طال" اهـ (١). وقال ابن رشد، وهو من المالكية، في المقدمات: "وأما أكثر الطهر فلا حد له؛ لأن المرأة ما دامت طاهرة تصلي وتصوم، ويأتيها زوجها، طال زمان ذلك أو قصر" اهـ (٢). وقال النووي من الشافعية في المجموع: "أكثر الطهر لا حد له، ودليلها في الإجماع، ومن الاستقراء أن ذلك موجود ومشاهد، ومن أظرفة ما نقله القاضي أبو الطيب في تعليقه، قال: أخبرتني امرأة عن أختها أنها تحيض في كل سنة يوماً وليلة، وهي صحيحة تحبل وتلد" (٣).

стр. 2577

وقال ابن تيمية الحنبلي ﵀: "وأما أكثر الطهر فلا حد له؛ لأن من النساء من تطهر الشهر والسنة، كما أن منهن من لا تحيض أبداً" (١). فصارت مسألة لا حد لا كثر الطهر محل إجماع لا خلاف فيه.

стр. 2578

الفصل التاسع: في القول في غالب الطهر نص الشافعية (١) والحنابلة (٢) على أن غالب الطهر ثلاثة وعشرون، أو أربعة وعشرون يوماً؛ لأنه سبق أن دللنا أن في كل شهر حيضاً وطهراً، وإذا كان غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام، فالباقي من الشهر يكون طهراً. [٥٦] لما رواه أبو داود (٣) قال: حدثنا زهير بن حرب وغيره، قالا ثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل، عن إبراهيم ابن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت استحاض حيضة كثيرة شديدة فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله إني امرأة استحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصوم، فقال:

стр. 2579

أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم. قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فاتخذي ثوبا. فقالت: هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجا. قال رسول الله ﷺ سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم، فقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثا وعشرين ليلة أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي وصومي إن قدرت على ذلك، قال رسول الله ﷺ وهذا أعجب الأمرين إلي. [والحديث فيه ضعف وقد اختلف العلماء في صحته]، وسيأتي تحريره في باب ذكر المستحاضة إن شاء الله تعالى.

стр. 2580

الباب الثاني: في المبتدأة ويشمل على فصلين: الفصل الأول: في حكم المبتدأة. وفيه مبحثان: المبحث الأول: حكم المبتدأة التي انقطع دمها لأكثر الحيض فما دون. المبحث الثاني: حكم المبتدأة الذي عبر دمها أكثر الحيض. الفصل الثاني: متى تثبت للمبتدأة عادة.

стр. 2581

حكم المبتدأة، ومتى تكون معتادة تعريف المبتدأة: هي من كانت في أول حيض، ولم يتقدم لها حيض قبل ذلك. أقسام المبتدأة: تنقسم المبتدأة إلى ثلاثة أقسام: الأولى: أن يأتيها الدم ويتجاوز أقل الحيض، ولا يتجاوز أكثره. الثاني: أن يأتيها الدم ويتجاوز أكثر الحيض. الثالث: أن يأتيها الدم، وينقطع قبل أن يبلغ أقل الحيض (١).

стр. 2582

الفصل الأول: خلاف العلماء في المبتدأة إذا انقطع دمها لأكثر الحيض فما دون فقيل: إن الدم الذي تراه حيض، فتترك له الصلاة والصيام، ما دام أنه لم يتجاوز أكثر الحيض، على خلاف بينهم في أكثر الحيض. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤). وقيل: تترك الصلاة والصيام يوماً وليلة، ثم تغتسل وتصلي، وتتوضأ لوقت كل صلاة، ولا توطأ، فإذا انقطع دمها لأكثر الحيض فما دونه اغتسلت مرة ثانية عند انقطاعه، ثم تفعل ذلك في الشهر الثاني والثالث، فما تكرر ثلاثاً فهو عادتها،

стр. 2583

ووجب عليها إعادة ما صامته فيه من صيام واجب؛ لأنه تبين أنها صامته في زمن الحيض. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١). وقيل: لا تترك الصلاة ولا الصيام حتى يستمر بها الدم أقل مدة الحيض. وهذا القول هو رواية عن محمد بن الحنفية، ووجه لابن سريج من الشافعية (٢). وقيل: تترك الصلاة والصوم ستة أيام أو سبعة أيام، ثم تغتسل وتصلي وتصوم وإن استمر بها الدم. وهو رواية عن أحمد (٣). وقيل: تجلس عادة نسائها كأمها، وعمتها، وخالتها. وهذا القول رواية عن أحمد (٤). والراجح أن دم المبتدأة حيض، سواء كان أقل من يوم وليلة، أو أكثر من خمسة عشر يوماً، حتى يطبق عليها الشهر كاملاً فيكون استحاضة، وهو اختيار ابن تيمية (٥).

стр. 2584

دليل الجمهور على أن المبتدأة لا تصلي ولا تصوم حتى يتجاوز أكثر الحيض . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (١). فالأصل في الدم الذي تراه المرأة أنه أذى، وأنه حيض حتى نتيقن أنه استحاضة. قال ابن رشد (٢): "ما تراه المرأة من الدم محمول على أنه دم حيض، ومحكوم له بحكمه حتى يعلم أنه ليس دم حيض". الدليل الثاني: قالوا: لأننا حكمنا بأن ابتداء الدم حيض، مع جواز أن يكون استحاضة، فكذلك اثناؤه ما دام لم يتجاوز أكثر الحيض، فكل دم في أيام الحيض يمكن أن يجعل حيضاً فإنه حيض (٣). الدليل الثالث: دم الحيض دم جبلة وطبيعة، ودم الاستحاضة دم عارض لمرض عارض، والأصل الصحة والسلامة من المرض (٤).

стр. 2585

الدليل الرابع: احتمال كونه دم استحاضة، وأنه قد يستمر معها، هذا احتمال وشك، والاحتمال والشك لا يقضي على الأصل، وهو أن الأصل في الدم أنه دم جبلة وطبيعة وصحة، لا دم مرض وعلة وفساد. دليل الحنابلة على التكرار ثلاثاً . الحنابلة يقولون: تجلس أقل الحيض يوماً وليلة، ثم تغتسل وتصلي ولو كان الدم جارياً، ودليلهم على جلوسها أقل الحيض؛ لأن الصلاة واجبة في ذمتها بيقين، وقد شكت في الزائد، فقد يكون حيضاً، وقد يكون استحاضة، فلا تترك اليقين بالشك. وأما كونها تغتسل بعد مضي يوم وليلة؛ فلأنه آخر حيضها حكماً، أشبه آخر حيضها حساً. وأما كون زوجها لا يطأها؛ لاحتمال أن تكون حائضاً، وإنما أوجبنا العبادات احتياطاً. وأما كونها تغتسل وتصلي عند انقطاع دمها إذا انقطع لأكثر الحيض فما دون؛ فإنه يحتمل أن ذلك آخر حيضها، فلا تكون طاهراً بيقين إلا بالغسل حينئذ. وأما كونها تفعل ذلك ثلاثاً، فالتعليل فيه أن التكرار اعتبر فيه الثلاث كالمعتدة لا يحكم ببراءة ذمتها من العدة بأول حيضة، وكالمعتدة في الشهور، وخيار المصراة، ونحوها.

стр. 2586

فعلى هذا إن تكرر في الثلاث على قدر واحد، صار ذلك عادة لتكراره ثلاثاً، وإلا فلا لما ذكرنا. وإن تكرر مختلفاً، مثل أن يكون في الشهر عشرة، وفي الثاني اثني عشرة، وفي الثالث ثلاثة عشر، فالعشرة متكررة ثلاثاً، فهي عادة، وما عدا ذلك ليس بعادة إلا أن يتكرر بعد ذلك. ولو فرضنا أن عادتها أصبحت عشرة أيام، وكانت تصلي وتصوم فيما بين اليوم والليلة وبين العشرة، وتبين لنا بالتكرار أنها أيام حيض، فيجب عليها أن تقضي كل صوم واجب صامت فيه؛ لأنها تبين أنها صامت وهى حائض، فلا يصح الصوم منها، وعلى هذا يلزمها إعادة الصيام مرة أخرى، أما الصلاة فلكونها لا تقضى، لا يجب عليها إعادتها. هذا ملخص مذهب الحنابلة، وهو من أضعف الأقوال، وفيه حرج ومشقة، وأظن أن هذا المذهب مهجور عملياً، وإن كان هو المشهور من المذهب، ولولا أن هذا الكتاب يعنى بذكر مذهب الأئمة ما عرجت عليه. قال ابن تيمية: "وهذا القول باطل لوجوه: أحدها: أن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (١). فالله تعالى بين للمسلمين في المستحاضة وغيرها ما تتقيه من الصلاة والصيام، في زمن الحيض، فكيف يقال: إن في الشريعة شكاً مستمراً يحكم به

стр. 2587

الرسول ﷺ وأمته، نعم قد يكون شك خاص ببعض الناس، فأما أن يكون شك في نفس الشريعة فهذا باطل. الثاني: أن الشريعة ليس فيها إيجاب الصلاة مرتين، ولا الصيام مرتين إلا بتفريط من العبد، فالصواب الذي عليه جمهور المسلمين أن من فعل العبادة كما أمر بحسب وسعه، فلا إعادة عليه (١) دليل من قال لا تصلي ولا تصوم حتى يستمر بها الدم أقل مدة الحيض . قالوا: لأن رؤية الدم قد يجوز أن تكون حيضاً تدع فيه الصلاة، ويجوز أن يكون دم فساد، تلزم فيه الصلاة، فلم يجز إسقاط فرض الصلاة بالشك والتجويز (٢). ورده الماوردي، فقال: هذا التعليل فاسد من وجهين: أحدهما: غير المبتدأة إذا بدأت برؤية الدم تدع الصلاة، وإن كان هذا التجويز موجوداً. والثاني: المعتادة إذا تجاوز دمها قدر العادة تدع الصلاة، وإن كان هذا التجويز موجوداً. وإذا بطل بهذين ما علل به من هذا التجويز، وجب أن يعتبر الغالب من حالها، وهو أن ما ابتدأت برؤيته حيض (٣).

стр. 2588

دليل من قال: تترك الصلاة والصيام ستة أيام أو سبعة أيام فقط . هذا القول رواية عن أحمد كما تقدم، وظاهره أنها تجلس ستة أيام أو سبعة أيام، ثم تغتسل وتصلي، ولو كان الدم جارياً، ثم تغتسل عند انقطاعه حتى يتكرر ذلك ثلاثاً، ويتبين لها عادة ووقت، على قاعدة الحنابلة في معرفة العادة. قال ابن قدامة: "روى حرب، قال: سألت أبا عبد الله، قلت: امرأة أول ما حاضت استمر بها الدم. كم يوماً تجلس؟ قال: إن كان مثلها من النساء من يحضن فإن شاءت جلست ستاً أو سبعاً حتى يتبين لها حيض ووقت، وإن أرادت الاحتياط جلست يوماً واحداً أول مرة حتى يتبين وقتها" (١). ودليلهم على اعتبار ستة أيام أو سبعة أيام: [٥٧] حديث حمنة بنت جحش عند أحمد، وفيه: "فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي" (٢). والحديث ضعيف. وسيأتي تخريجه في باب الاستحاضة، وقد ضعفه أبو حاتم الرازي وغيره (٣) (٤).

стр. 2589

ولا يلزم من كون الإمام أحمد قال به فقهاً أن يكون عنده صحيحاً، أو حسناً. لأن المجتهد قد يضعف الحديث من حيث السند، ويعمل به من حيث النظر، أو من حيث عمومات أخرى. والله أعلم. وفي التمهيد (١) لابن عبد البر: "قال أبو داود: سمعت أحمد ابن حنبل يقول في الحيض: حديثان، والآخر في نفسي منه شيء". قال أبو داود: يعني أن في الحيض ثلاثة أحاديث، هي أصول هذا الباب. أحدها: مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار. والآخر: حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. والثالث: الذي في قلبه منه شيء، هو حديث حمنة بنت جحش، الذي يرويه ابن عقيل. دليل من قال: تجلس المبتدأة عادة أمها، وأختها وعمتها وخالتها . قالوا في تعليل ذلك: إن شبه المرأة بقريباتها أقرب من شبهها بغالب النساء. قال ابن قدامة: "روى الخلال بإسناده عن عطاء: في البكر تستحاض، ولا

стр. 2590

تعلم لها قرءاً، قال: لتنظر قرء أمها، أو أختها، أو عمتها، أو خالتها، فلتترك الصلاة عدة تلك الأيام، ولتغتسل وتصلي. قال حنبل: قال أبو عبد الله: هذا حسن. واستحسنه جداً" (١). والراجح قول الجمهور، أنها تترك الصلاة إذا رأت الدم؛ لأن الأصل في الدم الذي تراه المرأة قد خرج من رحمها أنه دم حيض، ولا تترك هذا الأصل حتى نتيقن أنه استحاضة؛ ولأن ما خرج من فرج المرأة الأصل فيه أنه أذى، وقد قال سبحانه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٢). والأصل السلامة، وأنه دم طبيعة لا دم علة ومرض، إلا أن قول الجمهور إذا تجاوز أكثر الحيض، وهو عند الأحناف عشرة أيام، وعند المالكية والشافعية إذا تجاوز خمسة عشر يوماً، حكم له بأنه استحاضة، هذا القول ضعيف كما رجحت، أنه لا حد لأكثر الحيض، لكن إن أطبق الدم على المرأة جميع الشهر، فقد علم أنه استحاضة. وحكم الاستحاضة سوف يأتى إن شاء الله في كتاب مستقل.

стр. 2591

الفصل الثاني: الحالة الثانية للمبتدأة أن يتجاوز الدم أكثر الحيض إذا تجاوز الدم مع المبتدأة أكثر الحيض، على القول بأن لأكثره حداً، فكم تجلس المرأة وهي ليست لها عادة معلومة. فقيل: تجلس عشرة أيام. والباقي من الشهر طهر. وهو مذهب الحنفية (١)؛ لأنه أكثر الحيض عندهم. وقيل: تجلس خمسة عشر يوماً، وهو مذهب المالكية (٢)؛ لأنه أكثر الحيض عندهم. وتعليلهم: أن الدم إذا زاد على أكثر الحيض، لا يمكن جعله حيضاً، فجعلناه استحاضة. وقيل: لا تخلو المبتدأة إما أن تكون مميزة. أو لا. فإن كانت غير مميزة، وهى التي بدأ بها الدم على صفة واحدة، ففيها قولان: الأول: قيل تجلس أقل الحيض؛ لأنه متيقن، وما زاد مشكوك فيه، فلا يحكم بكونه حيضاً.

стр. 2592

وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، وصححه جمهورهم (١). وقيل: ترد إلى غالب عادة النساء، وهو ست أو سبع، أو غالب عادة نسائها. وهذا مذهب الحنابلة (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣) [٥٨] لحديث حمنة بنت جحش، وفيه: "تحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي" وسبق الكلام عليه في الحالة الأولى للمبتدأة. وإن كانت المبتدأة مميزة، بحيث يكون بعض دمها أسود، وبعضه أحمر، ولم يعبر الأسود أكثر الحيض، ولم ينقص عن أقله، فالأسود حيضها، والأحمر استحاضة. هذا هو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥). واستدلوا بأحاديث سوف يأتي بسطها ومناقشتها في باب الاستحاضة، إن شاء الله تعالى. والراجح أن المبتدأة لا تكون مستحاضة بمجرد أن الدم جاوز خمسة عشر

стр. 2593

يوماً، بل لا بد أن يستغرق الدم الشهر كاملاً، أو الشهر إلا يوماً أو يومين، فحينئذ تكون مستحاضة. وإذا حكمنا باستحاضتها، فماذا تعمل؟ وهي ليس لها عادة. سوف يأتي بسط ذلك في كتاب الاستحاضة.

стр. 2594

الفصل الثالث: الحالة الثالثة للمبتدأة أن يأتيها الدم وينقطع قبل أن يبلغ أقل الحيض إذا انقطع دم المبتدأة قبل أن يبلغ أقل الحيض فليس بحيض عند الحنفية (١) , والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: يعتبر حيضاً، وهو مذهب المالكية (٤). وسبب الخلاف خلافهم في أقل الحيض. فمن حد أقل الحيض بزمن معين، وهم الجمهور، قالوا: إذا نقص عن أقله فلا يعتبر حيضاً. أما الذين قالوا: لا حد لأقله، بل تعتبر الدفعة من الدم حيضاً، فلا تأتي هذه المسألة على قواعدهم. وقد فصلنا هذه المسألة، وأدلة كل فريق في الباب الأول: في الخلاف في مقدار الحيض ووقته، فارجع إليها إن شئت غير مأمور.

стр. 2595

الفصل الرابع: متى تثبت للمبتدأة عادة اختلف العلماء في ثبوت العادة: فقيل: تثبت العادة بمرة للمبتدأة. وهو مذهب المالكية (١)، وقول أبي يوسف من الحنفية (٢)، وقيل الفتوى عليه عندهم (٣). والمشهور من مذهب الشافعية (٤) وقيل: تثبت العادة بمرتين. وهو قول أبي حنيفة ومحمد (٥)، ووجه للشافعية (٦)، ورواية في مذهب الحنابلة (٧). وقيل: لا تثبت العادة حتى تتكرر ثلاث مرات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٨).
следующие страницы →