القول الرابع: رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة.
قال: إذا كان الطهر المتخلل بين الدمين، دون ثلاثة أيام، لا يصير فاصلاً، فكان كله كالدم المتوالي ... وإذا بلغ الطهر ثلاثة أيام بلياليها كان فاصلاً مطلقاً، سواء كان الدم أكثر من الطهر، أو مساوياً له، أو أقل منه.
أمثلة:
لو رأت ساعة دماً، وثلاثة أيام إلا ساعة طهراً، وساعة دماً، فالكل حيض؛ لأن الطهر لم يبلغ ثلاثة أيام فلم يعتبر فاصلاً، واعتبر الجميع حيضاً.
مثال آخر: لو رأت يومين دماً، وثلاثة أيام طهراً ويومين دماً، لم يكن شيء منه حيضاً؛ لأن الطهر حين بلغ ثلاثة أيام كان فاصلاً، فلم يضم الأول للثاني، والأول بنفسه لا يصلح أن يكون حيضاً. وكذا الثاني لا يصلح بنفسه أن يكون حيضاً، فلم يعتبر الجميع حيضاً علماً أن مجموع الدم الأول والثاني أكثر من الطهر.
مثال ثالث: رأت ثلاثة أيام دماً، وثلاثة أيام طهراً، ثم ثلاثة أيام دماً فالطهر فاصل بين الدمين، لأنه بلغ ثلاثة أيام، ولما كان الدم الأول والدم الثاني يصلح كل واحد منهما أن يكون حيضاً بنفسه، اعتبر الأول لأنه أسرعهما إمكاناً، والثاني استحاضة.
هذه هي الروايات في مذهب الحنفية، وقد أكثرت من الأمثلة ليتضح القول للقارئ، وكلها مبنية إما على مجرد الرأي المحض، أو بناء على أن أقل
стр. 2627
الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، وقد بينت أنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره في مسألة مستقلة فارجع إليها إن شئت.
والمتأخرون من الحنفية يرجحون رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة. على رواية محمد بن الحسن، قال ابن نجيم: "الأخذ بقول أبي يوسف أيسر، وكثير من المتأخرين أفتوا به، لأنه أسهل على المفتي، والمستفتي، ولأن في قول محمد وغيره، تفاصيل يحرج الناس في ضبطها، وقد ثبت أن الرسول ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أَيسرهما" (١).
وقال الزيلعي والعيني: نحوه (٢).
المذهب المالكي في الحيضة المتقطعة (٣).
قالوا: المرأة إذا أتاها دم، ثم انقطع، ثم نزل دم آخر، فإن كان بين الدمين طهر صحيح خمسة عشر يوماً فالدم الثاني حيض مستأنف، وإن كان الطهر لا يبلغ نصف شهر كأن يأتيها الدم يوماً ثم تطهر يومين ثم يأتيها يوماً آخر وهكذا، فإنها تلفق أيام الدم بعضها على بعض .. فإن كانت مبتدأة فإنها تلفق أيام الدم فقط خمسة عشر يوماً ولا تلفق الطهر.
وإن كانت معتادة تلفق مقدار عادتها وأيام الاستظهار ثلاثة أيام، فما نزل
стр. 2628
عليها بعد ذلك فاستحاضة لا حيض.
وحكم الملفقة أنها تغتسل وجوباً كما انقطع دمها وتصوم، وتوطأ.
هذا ملخص مذهب المالكية.
المذهب الشافعي إذا رأت يوماً دماً ويوماً نقاء (١).
وقبل التفصيل في المذهب نبين أن القول في المسألة كما قال النووي: فيما إذا كان النقاء زائداً على الفترات المعتادة بين دفعات الحيض، فأما الفترات فحيض بلا خلاف. والفرق بين الفترة والنقاء، هو ما نص عليه الشافعي في الأم والشيخ أبو حامد الاسفرائيني، وصاحبه القاضي أبو الطيب الطبري على أن الفترة: هى الحالة التي ينقطع فيها جريان الدم، ويبقى لوث وأثر بحيث لو أدخلت فى فرجها قطنة يخرج عليها أثر الدم من حمرة أو صفرة أو كدرة، فهي في هذه الحالة حائض قولاً واحداً طال ذلك أم قصر.
وأما النقاء: هو أن يصير فرجها بحيث لو جعلت القطنة فيه لخرجت بيضاء (٢).
وذكر النووي أيضاً: أن الخلاف إنما هو في الصلاة والصوم والطواف والقراءة والغسل، والاعتكاف والوطء ونحوها، وأما في العدة فلا خلاف أن النقاء ليس بطهر في انقضاء العدة، وكون الطلاق سنياً (٣)، وحكاه إجماعاً
стр. 2629
صاحب مغني المحتاج (١). هذا إذا لم يعتبر خلاف ابن حزم، فإن ابن حزم لا يمانع أن تنقضي العدة بثلاثة أو أربعة أيام كما قدمنا في الخلاف في أقل الطهر. إذا تصور هذا، نأتي إلى المسألة في مذهب الشافعية فنقول:
المرأة إذا رأت يوماً دماً ويوماً نقاء فلها حالان:
الأولى: أن ينقطع دمها، ولا يتجاوز خمسة عشر يوماً.
الثاني: أن يتجاوز دمها خمسة عشر يوماً.
الحال الأولى: إذا لم يتجاوز ففيه قولان مشهوران.
أحدها: أن أيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر.
التعليل: لأن الدم إذا دل على الحيض، وجب أن يدل النقاء على الطهر. وهذا يسمى قول اللفظ أو التلفيق.
الثاني: أن أيام الدم وأيام النقاء كلها حيض. ويسمى قول السحب واختلف الشافعية في الأصح منهما.
قال النووي: "صحيح الأكثرون قول السحب" (٢).
وقال المرداوي: "الذى صرح به الشافعي في سائر كتبه أن كل ذلك حيض أيام الدم وأيام النقاء" (٣).
ووجهه: أن عادة النساء في الحيض مستمرة بأن يجري الدم زماناً، ويرقأ
стр. 2630
زماناً، وليس من عادته أن يستديم جريانه إلى انقضاء مدته، فلما كان زمان إمساكه حيضاً، لكونه بين دمين، كان زمان النقاء حيضاً لحصوله بين دمين. فعلى هذا تكون الخمسة عشر كلها حيضاً. يحرم عليها فى أيام النقاء ما يحرم عليها في أيام الحيض.
وسواء قلنا بالتلفيق أو بالسحب إذا رأت النقاء في اليوم الثاني عملت عمل الطاهرت بلا خلاف؛ لأنا لا نعلم أنها ذات تلفيق لاحتمال دوام الانقطاع، قالوا: فيجب عليها أن تغتسل وتصوم، وتصلي، ولها قراءة القرآن، ومس المصحف والطواف، والاعتكاف، وللزوج وطؤها. فإذا عاودها الدم في اليوم الثالث تبينا أنها ملفقة فإن كلنا بالتلفيق، تبين لنا صحة الصوم والصلاة، ونحوها، وإن قلنا بالسحب تبين لنا بطلان العبادات التي فعلتها في اليوم الثاني فيجب عليها قضاء الصوم والاعتكاف والطواف، والمفعولات عن واجب.
هذا حكم الشهر الأول، فإذا جاء الشهر الثاني فرأت اليوم الأول وليلته دماً، والثاني وليلته نقاء.
فقيل: تعمل كالشهر الأول، وهكذا لو جاءها في الشهر الثالث والرابع.
وقيل: البناء فيها على القول بثبوت العادة بمرة أو مرتين، فإن أثبتنا العادة بمرة، وقلنا بالسحب، فلا تغتسل ولا تصلي ولا تصوم فى فترة النقاء.
الحال الثاني: أن ترى يوماً دماً ويوماً نقاء ويتجاوز خمسة عشر يوماً، فهذه مستحاضة اختلط حيضها باستحاضتها. قال النووي: "هذا هو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي فى كتاب الحيض، وقطع به جماهير الأصحاب
стр. 2631
المتقدمين والمتأخرين" (١). وسيأتي أحكام المستحاضة في باب مستقل إن شاء الله تعالى.
المذهب الحنبلي فيما إذا رأت المرأة يوماً دماً ويوم نقاء (٢).
المشهور من مذهب الحنابلة أن الدم حيض والنقاء طهر إلا أن يتجاوز مجموعهما أكثر الحيض، وهو خمسة عشر يوماً، فيكون الدم المتجاوز استحاضة، ويكره وطؤها في أيام النقاء.
دليل الحنابلة على كون النقاء طهر نص، ونظر .
أما النص فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ... ﴾ (٣).
فإذا ارتفع الأذى زال حكمه.
[٦٤] ومن الأثر ما رواه الأثرم عن أحمد كما في شرح ابن رجب للبخاري (٤) قال أحمد: حدثنا ابن علية، ثنا خالد الحذاء، عن أنس ابن سيرين، قال: استحيضت امرأة من آل أنس فأمروني فسألت ابن عباس، فقال: أما ما رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل ولتصلي.
[إسناده صحيح].
стр. 2632
وأما النظر؛ فإننا إنما حكمنا على المرأة بكونها حائضاً لوجود الدم، فكذلك نحكم على المرأة بالطهارة لانقطاعه، فإذا كان الدم دليلاً على وجود الحيض، فكذلك انقطاعه دليل على الطهارة.
وقيل: إذا كان انقطاع الدم أقل من يوم فليس بطهر، وإن بلغ يوماً فأكثر فهو معتبر. وهو رواية عن أحمد (١).
دليلهم:
قالوا: لأن الدم يجري مرة، وينقطع أخرى، وفي إيجاب الغسل على من تطهر ساعة حرج، ينتفي بقوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢).
ولأننا لو جعلنا انقطاع الدم ساعة طهراً، ولا تلتفت إلى ما بعده من الدم أفضى إلى أن لا يستقر لها حيض، فعلى هذا لا يكون انقطاع الدم أقل من يوم طهراً إلا أن ترى ما يدل عليه، مثل أن يكون انقطاعه في آخر عادتها، أو ترى القصة البيضاء (٣).
وإذا قلنا بانقطاع الدم لا نعني مجرد وقوف جريان الدم فقط، بل المقصود أنها لو احتشت بقطنة في فرجها رجعت القطنة بيضاء، لا أثر فيها من صفرة أو كدرة، أما إذا عادت القطنة وفيها أثر صفرة أو كدرة أو نحوهما فلا يعتبر
стр. 2633
الحيض منقطعاً كما أسلفنا في الكلام على مذهب الشافعية، وكما سوف نبين أن الصفرة والكدرة حيض. وهذا القول أقربها للصواب. والله أعلم.
стр. 2634
الفصل الرابع: إذا تقدمت عادة المرأة أو تأخرت .
إذا تقدمت عادة المرأة أو تأخرت، وهو ما يسمى بانتقال العادة عن موضعها، وقد سبق لنا بحث بما تثبت عادة المبتدأة؟
هل تثبت بمرة؟ أو بمرتين؟ أو بثلاث؟
وهذه المسألة مفرعة عليها، لأن من يرى أن العادة تثبت بمرة يقول: إذا تقدمت العادة أو تأخرت وصلح الدم أن يكون حيضاً لها فهو عادتها، وكذا إذا تأخرت، وأما من يرى التكرار فلا يراه عادة حتى تتكرر. والحنفية يفرقون بين تقدم العادة بالموضع، وبين تقدمها بالعدد ... فإذا رأت قبل عادتها دماً أو بعد عادتها متصلة بها، فهذا عندهم يبحث في زيادة العادة ونقصها، وقد بحثناه في مسألة مستقلة، لكن الكلام على الانتقال في الموضع لا على زيادة العادة والأقوال في المسألة كالتالي:
قيل: إذا تقدمت العادة أو تأخرت فهي عادتها بشرط أن يتقدمها طهر صحيح. وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، وأبي يوسف من الحنفية (٣)
وقيل: لا يكون عادة حتى يتكرر مرتين.
стр. 2635
وهو مذهب أبي حنيفة، وصاحبه محمد (١)، ورواية عن أحمد (٢).
وقيل: لا يكون حيضاً حتى يتكرر ثلاث مرات.
وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
دليل القائلين بأن العادة إذا تقدمت أو تأخرت فهي حيض .
الدليل الأول:
من القرآن، قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٤). فإذا وجد الأذى وجد الحيض، سواء تقدم أو تأخر.
الدليل الثاني:
[٦٥] ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل علي النبي ﷺ ، وأنا أبكي، فقال ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نفست؟ قلت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري.
стр. 2636
والحديث رواه أيضاً مسلم (١)
وجه الاستدلال:
قال ابن قدامة: "والظاهر أنه لم يأت في العادة، لأن عائشة استكرهته، واشتد عليها، وبكت حين رأته، وقالت: وددت أني لم أكن حججت العام، ولو كانت لها عادة تعلم مجيئه فيها، وقد جاء فيها ما أنكرته، ولا صعب عليها (٢).
الدليل الثالث:
لو كانت العادة إذا تقدمت أَو تأخرت لا تعتبر عادة ولا حيضاً حتى يتكرر مرتين أو ثلاثاً، لبينه الرسول ﷺ لأمته، ولو بينه لنقل إلينا، وما دام أنه لم يبينه فليس التكرار بشرط، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط.
دليل من قال يشترط التكرار مرتين .
الدليل الأول:
قال السرخسي: "العادة مشتقة من العود، ولن يحصل العود بدون تكرار" (٣).
قلت: تسميتها عادة تسمية عرفية، ولم أقف على هذه التسمية من الشارع
стр. 2637
وقد راجعت في الحاسب الآلي الموسوعة الحديثية لأربعمائة كتاب، كما راجعت المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوى فلم أجد فيه تسمية الحيض عادة مرفوعاً، أو موقوفاً، ولم أجد إلا قولاً لعطاء في سنن الدارمي: قال: إن كان للنفساء عادة، وإلا جلست أربعين ليلة (١).
ومثل هذا التعليل المشتق من تسمية عرفيه لا يصلح أن يلغي الدم الذي تراه المرأة مطابقاً لدم الحيض في اللون والصفة والرائحة ثم لا تعتبره حيضاً لمجرد تقدمه أو تأخره.
الدليل الثاني:
قال السرخسي: "الشيء لا ينسخه إلا ما هو مثله أو فوقه.
قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢).
والأول متأكد بالتكرار فلا ينسخه إلا ما هو مثله في التأكد.
والاستدلال هذا عجيب، والقياس ما على الآية أعجب، لأن المذكور في النسخ هو في الآيات، لا في الدماء، وعلى التنزل فإن عادة تكررت سنوات. يلغيها عندهم عادة جديدة تكررت مرتين، فلا هي مثلها ولا هي خير منها".
دليل الحنابلة على اشتراط التكرار .
انظر أدلة الحنابلة على اشتراط التكرار ثلاث مرات فى مبحث، متى تكون المبتدأة معتادة.
стр. 2638
والعجيب أن الحنابلة لا يعتبرون التكرار فى نقص العادة ويشترطونه في زيادتها وتقدمها وتأخرها. مع أن النقص نوع من تغير العادة فإذا نقصت عادة المرأة ولو مرة واحدة انتقلت إليها وأصبحت هي عادتها. وألغت عادتها السابقة فلو استحيضت بعده جلست عادتها الناقصة، ولم تجلس عادتها المتكررة.
والراجح القول الأول بأن العادة إذا تقدمت أو تأخرت فهي حيض وأن الحكم يدور مع علته، فإذا انقطع الدم فهى طاهرة، وإذا جاءها الدم فهي حائض هذا هو الأصل. ولا نجعله دم استحاضة إلا إذا تبين أنه دم علة ومرض كما لو استمر عليها الشهر كاملاً. والله أعلم.
стр. 2639
الفصل الخامس: في حكم تعاطي المرأة دواء يقطع حيضها، أو يعجل نزوله
أولاً: تعاطي المرأة ما يقطع حيضها.
أما تعاطي المرأة ما يقطع حيضها، فإن الحكم يختلف تبعاً للحامل على ذلك.
فقد يكون الحامل على ذلك المحافظة على صحة الأم، أو على مصلحة الولد.
وقد يكون الحامل على ذلك تنظيم الحمل.
وقد يكون الحامل عليه الحرص على إتمام المناسك.
وقد تتعاطاه من أجل قطع النسل إما لعدم رغبة في الولد مطلقاً او اكتفاء بعدد معين، أو لغير ذلك من الدوافع، وسوف أناقش هذه الأمور حالة حالة.
الأول: إذا تعاطت المرأة ما يقطع الحيض عنها خوفاً على صحتها بأن أخبرها طبيب ثقة أن الحمل فيه خطورة على حياتها سواء كان ذلك أثناء الحمل أو عند الولادة، فإنه يجوز للمرأة بل قد يتعين منع الحمل؛ لأن تعاطي ما يضر بحياتها لا يجوز، وكذلك لو أخبرها طبيب ثقة أنها إذا حملت فسوف يولد الولد متشوهاً تشوهاً غير محتمل يصعب معه الحياة. ولكن يجب التأكد من خبر الطبيب؛ فإنه كثيراً ما يقرر الطبيب شيئاً ولا يتحقق، وكم من امرأة أخبرها طبيب بأنه سوف يكون لها كذا وكذا وكتب الله لها الحمل ولم يعرض لها شيء
стр. 2640
مما قالوا، فمن المهم أن يكون الطبيب قوياً أميناً غير متهم، ولا يشترط أن يكون مسلماً
جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، جاء فيه: "أما تعاطي أسباب منع الحمل أو تأخيره في حالات فردية لضرر محقق، ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية لإخراج الجنين، فإنه لا مانع من ذلك شرعاً، وهكذا إذا كان تأخيره لأسباب أخر شرعية أو صحية يقررها طبيب مسلم ثقة، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرر المحقق على أمه إذا كان يخشى على حياتها منه بتقرير من يوثق به من الأطباء المسلمين (١).
الحالة الثانية: إذا كان الحامل على ذلك تنظيم الحمل.
إذا كان الحامل على ذلك كون المرأة يتتابع حملها، وتريد أن تباعد بين فترات الحمل لتتمكن من القيام بحق الحضانة والرعاية لطفلها، وكان ذلك برضى الزوج، وكان الدواء المتعاطى لا ضرر فيه على صحة المرأة، ولا يتسبب فى منع الحمل مستقبلاً، وكان ذلك مبنياً على خبر طبيب ثقة، والمقصود بالثقة أن يكون قوياً بعمله أميناً فيه غير متهم. ولا يكون في هذا الدواء عدوان على حمل قائم فلا بأس.
والخلاف في هذه المسألة مبني على حكم جواز العزل عن المرأة. وهي مسألة اختلف فيها أهل العلم.
стр. 2641
فقيل: لا يجوز العزل مطلقاً. اختارها ابن حزم! (١).
وقيل: بالجواز مطلقاً، إلا أن تركه أفضل. وهو أصح القولين في مذهب الشافعي (٢).
وقيل: يجوز إن أذنت الزوجة الحرة. وهو قول الجمهور (٣).
دليل من منع العزل .
[٦٦] ما رواه مسلم (٤)، قال: حدثنا عبيد الله بن سعيد ومحمد ابن أبي عمر، قالا: حدثنا المقرئ، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة، عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة، قالت: حضرت رسول الله ﷺ في أناس، وهو يقول لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا، ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ ذلك الوأد الخفي. زاد عبيد الله في
стр. 2642
حديثه عن المقرئ وهي ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (١)
دليل جواز العزل .
[٦٧] ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال عمرو: أخبرني عطاء سمع جابراً رضي الله تعالى عنه، قال: كنا نعزل والقرآن ينزل.
ورواه مسلم (٢) وزاد: قال سفيان: "لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن".
وقد بينت فيما سبق: أن قول سفيان: قاله من عند نفسه استنباطاً (٣).
[٦٨] وفي رواية لمسلم، قال: حدثني أبو غسان المسمعي، حدثنا معاذ يعني بن هشام، حدثني أبي، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا (٤).
دليل من علقه بإذن الزوجة
الدليل الأول:
قال ابن عبد البر: "لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة
стр. 2643
إلا بإذنها، لأن الجماع من حقها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل ووافقه في نقل الإجماع ابن هبيرة" (١).
وسبق لك أن الشافعية يرون جواز العزل مطلقاً في أصح القولين في مذهبهم، فلا يصح الإجماع.
الدليل الثاني:
[٦٩] ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن محرر بن أبي هريرة، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب:
"أن النبي ﷺ نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها" (٢).
الدليل الثالث: من الآثار:
[٧٠] أخرج ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن مهدي، ويزيد ابن هارون، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير عن سوار الكوفي، عن عبد
стр. 2644
الله قال: يستأمر الحرة، ويعزل عن الأمة.
[ضعيف] (١).
الدليل الرابع:
[٧١] ما رواه عبد الرزاق، قال: عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: "تستأمر الحرة في العزل، ولا تستأمر الأمة".
[رجاله ثقات، وتكلم ابن معين في حديث عبد الكريم عن عطاء] (٢).
стр. 2645
ولا تعارض بين حديث جابر، وبين حديث جدامة بنت وهب، لأن الرجل إنما يعزل هرباً من الحمل، فأجرى قصده ذلك مجرى الوأد، لا أنه وأد شرعاً. وأن حقيقة الوأد أن يجتمع فيه القصد والفعل، والعزل ليس فيه إلا مجرد القصد، ولهذا وصفه بكونه خفياً، فجعله وأداً من جهة اشتراكهما في قطع الولادة. وإذا لم يكن وأداً ظاهراً لم يكن له حكم الوأد. نعم يدل على كراهية العزل؛ لأن تكثير النسل مقصود من جهة الشرع، مرغب فيه، وإذا كان هناك حاجة للعزل لم يكن هناك كراهية لأن من القواعد أن لا كراهة مع الحاجة ولا تحريم مع الضرورة.
الحالة الثالثة: إذا كان الحامل على منع الحيض منع الولد خوف الفقر.
إذا كان الحامل على منع الدورة خوف الفقر. سواء كان الفقر متحققاً أو مخوفاً، فإن هذا لا يجوز؛ وهو من سوء الظن بالله فإن الله سبحانه
стр. 2646
وتعالى هو الرزاق ذو القوة المتين.
قال سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (١).
وأنكر الله على أهل الجاهلية قتل أولادهم دفعاً للفقر أو خوفاً منه. فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (٢). وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٣).
الحالة الرابعة: إذا كان منع الحيض من أجل إتمام النسك.
إذا كان الحامل على المرأة في تعاطيها ما يمنع عادتها من أجل حرصها على إتمامها مناسكها وتخشى أن تعيق رفقة. أو تخشى عدم تمكنها من إتمام مناسكها فلا حرج عليها إن شاء الله تعالى.
[٧٢] روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: سئل عطاء عن امرأة تحيض يجعل لها دواء فترتفع حيضتها، وهي في قرئها كما هيَّ. تطوف؟ قال: نعم، إذا رأت الطهر فإذا هي رأت خفوقاً ولم تر الطهر الأبيض فلا.
[سنده صحيح إلى عطاء، وابن جريج مكثر عن عطاء فلا يشترط تصريحه بالسماع] (٤).
стр. 2647
[٧٣] وروى عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرنا واصل، مولى ابن عيينة، عن رجل سأل ابن عمر،
عن امرأة تطاول بها دم الحيضة فأرادت أن تشرب دواء يقطع الدم عنها فلم ير ابن عمر بأساً، ونعت ابن عمر ماء الأراك.
قال معمر: وسمعت ابن أبي نجيح يسأل عن ذلك فلم ير به بأساً (١).
[ضعيف عن ابن عمر للرجل المبهم، صحيح إلى ابن أبي نجيح].
مع أن الدم إذا تطاول بالمرأة حتى صارت مستحاضة، فإنها تكون مريضة، وتعاطي ما يقطع الدم عنها يكون من قبيل التداوي المباح.
الحالة الخامسة: إذ كان منع الحيض من أجل الصيام في شهر رمضان إذا كان تعاطيها المانع من أجل الصيام مع المسلمين، فإني أكره لها هذه لأن الحيض أمر كتبه الله عليها.
[٧٤] روى البخاري ﵀، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يقول: سمعت عائشة تقول:
خرجنا لا نرى إلا الحج فلما كنا بسرف حضت فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قال: ما لك أنفست؟ قلت: نعم، قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت. قالت: وضحى رسول الله
стр. 2648
- ﷺ عن نسائه بالبقر. والحديث رواه مسلم (١)
وجه الشاهد من الحديث:
قوله ﷺ : "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم". وقلنا فيما سبق: أن الكتابة هذه قدرية، فلترضَ المرأة بما قدر الله لها. وقد تضطرب عادة المرأة بعد تركها لهذه الأدوية، ولا تنتظم لها عادة، وقد تقلق في عباداتها من صلاة وغيره بحيث لا يستقيم لها طهر فالأولى اجتنابها في مثل هذه الحالة.
الحالة السادسة: إذا كان منع الحيض لقطع النسل مطلقاً.
إذا كان الحامل على تعاطيها ما يمنع حيضها منع الحمل منعاً مستمراً فإن هذا لا يجوز، حتى ولو رضي الزوج.
وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي (٢)، وفيه: أن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد فى دورة مؤتمره الخامس في الكويت من: ١ إلى ٦ جمادي الأولى ١٤٠٩ هـ بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع تنظيم النسل واستماعه للمناقشات التي دارت حوله وبناء على أن من مقاصد الزواج في الشريعة الإسلامية الإنجاب والحفاظ على النوع الإنساني، وأنه لا يجوز إهدار هذا المقصد، لأن إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل، والحافظ عليه، والعناية به باعتبار حفظ
стр. 2649
النسل أحد الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها.
قرر ما يلي:
أولاً: لا يجوز إصدار قانون عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب.
ثانياً: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة، وهو ما يعرف بـ "الإعقام" أو "التعقيم" ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعية.
ثالثاً: يجوز التحكم الموقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعاً، بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة. ولا يكون فيها عدوان على حمل قائم. والله أعلم (١).
الحالة السابعة: إذا كان منع الحيض بنية الإضرار بالآخرين.
إذا كان الحامل لمنع الحيض يتضمن إضراراً بالآخرين فلا يجوز كما لو تناولت المانع وكانت معتدة لرجل يجب عليه نفقتها فأرادت إطالة المدة لتزداد النفقة فهذا الفعل محرم. هذا فيما يتعلق بصنع نزول الحيض.
ثانياً: الكلام فيما إذا تناولت المرأة دواء يعجل بنزول دم الحيض.
إذا تناولت المرأة دواء يعجل بنزول دم الحيض، جاز لها إذا كان لها غرض صحيح، والغرض الصحيح لا يكون إلا بشرطين:
стр. 2650
الأول: ألا يكون ذلك حيلة لإسقاط حق عليها، سواء كان هذا الحق لله أو لآدمي.
فمثال حق الله: أن تتناول ما يعجل بعادتها. أو يطيلها هرباً من صيام رمضان في أيام الحر، وتريد أن يكون قضاؤها في أيام البرد. فهذا لا يجوز لأن التحايل على إسقاط الواجبات لا يسقطها، والتحايل على فعل المحرمات لا يبيحها
ومثال حق الآدمي: أن تكون مطلقة طلاقاً رجعياً. وتحاول أن تعجل بحيضها لتسقط حق الزوج في الرجعة فهذا أيضاً لا يجوز.
وقد ذهب الحطاب في مواهب الجليل: أن الدم يكون ملغياً في باب العدة، وإن كان مانعاً من أداء الصلاة والصيام (١).
الشرط الثاني: أن يكون ذلك بموافقة الزوج، لأن الحيض يمنعه من كمال الاستمتاع، والله أعلم.
стр. 2651
الفصل السادس: خلاف العلماء في الصفرة والكدرة
قبل أن نبحث عن حكم الصفرة والكدرة ينبغي أن نعرف ألوان الدم في كل مذهب
الأول: مذهب الحنفية: قسموا الدم إلى ستة أقسام:
الأول: الأسود، الثاني: الحمرة، الثالث: الصفرة، الرابع: الكدرة، الخامس: التربية، السادس: الخضرة.
والدم الأسود، والأحمر معروفان، وهما الأصل في لون الدم، بل الأصل في الدم أن يكون لونه أحمر، إلا أنه قد يغلب عليه السواد فيصير دم الحيض أسود.
وأما الصفرة والكدرة، فقال النووي: نقلاً عن الشيخ أبي حامد، هما ماء أصفر وماء كدر، وليسا بدم.
وقال إمام الحرمين: هما شيء كالصديد يعلوه صفرة وكدرة، وليس على لون شيء من الدماء القوية ولا الضعيفة.
وأما التربية: وهو ما يكون لونه كلون التراب، وهو نوع من الكدرة (١).
وأما الخضرة فلم يثبت هذا اللون إلا الحنفية، وهم مختلفون فيه، فأنكره بعضهم، وقال مستبعداً وجوده: كأنها أكلت فصيلاً، لأن الدم في الأصل لا يكون أخضر، وقيل: هو نوع من الكدرة (٢).
стр. 2652
هذه ألوان الدماء عند الحنفية.
القول الثاني: ألوان الدماء عند المالكية أربعة أنواع (١).
الأول: الأسود، الثاني: الصفرة، الثالث: الكدرة، الرابع: الترية.
وقد تم تفسير الثلاثة الأول، أما الترية فقيل: دم فيه غبرة يشبه لون التراب، فيكون على هذا مساويا للتربية عند الحنفية.
وقيل: الماء المتغير دون الصفرة.
وقل أحمد بن المعدل: الترية، هي الدفعة من دم الحيض لا يتصل بها من دم الحيض ما يكون حيضة كاملة (٢).
وقال ابن عبد البر: (٣) أول الحيض دم، ثم صفرة، ثم ترية، ثم كدرة، ثم يكون ريقاً كالفضة، ثم ينقطع (٤).
والذي يظهر أن الترية ترجع إلى الصفرة والكدرة، فقد روى الدارقطني، قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، نا يحيى بن أبي طالب، ثنا عبد الوهاب، أنا هشام بن حسان عن حفصة،
عن أم عطية أنها قالت: كنا لا نرى الترية بعد الطهر شيئاً، وهي الصفرة
стр. 2653
والكدرة (١).
[والإسناد فيه ضعف]، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
القول الثالث: مذهب الشافعية في ألوان الدم.
قسم بعض الشافعية الدماء إلى خمسة: الأول الأسود، الثاني الأحمر، الثالث الأشقر، الرابع الأصفر، الخامس الأكدر (٢).
القول الرابع:
قسم الحنابلة الدماء إلى أربعة أقسام:
الأول: الأسود. الثاني: الحمرة. الثالث الصفرة. الرابع: الكدرة (٣).
خلاف العلماء في الصفرة الكدرة .
اختلف العلماء في الصفرة والكدرة:
فقيل: الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وفي غيرها ليست بحيض.
وهو مذهب الحنفية (٤)،
стр. 2654
والحنابلة (١)، واختاره ابن الماجشون من المالكية (٢). وجعله المازي والباجي هو المذهب عند المالكية (٣).
واختار أبو يوسف أن الكدرة في أول الأيام ليست بحيض، وفي آخر أيام الحيض حيض (٤).
وقيل: الصفرة والكدرة حيض مطلقاً، وهو مذهب المدونة (٥)، وهو أصح الأوجه عند الشافعية بشرط أن يكون في زمان الإمكان (٦).
وقيل: الصفرة والكدرة ليست بحيض مطلقا، وهو اختيار ابن حزم (٧).
стр. 2655
دليل من قال: الصفرة والكدرة حيض مطلقاً .
[الدليل الأول] (*)
[٧٥] استدلوا بما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمة بنت المنذر،
عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنا في حجرها مع بنات ابنتها، فكانت إحدانا تطهر، ثم تصلي، ثم تنكس بالصفرة اليسيرة، فتسألها، فتقول: اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذلك، حتى لا ترين إلا البياض خالصاً.
[إسناده حسن] (١).
стр. 2656
وجه الاستدلال:
أن أسماء ﵂ أمرتهن باعتزال الصلاة من الصفرة، ولو كانت بعد الطهر والاغتسال حتى ولو كانت الصفرة يسيرة.
وأجيب:
بأن هذا مخالف لما روي عن عائشة، وعلي بن أبي طالب، وأم عطية، بل ظاهر كلام أم عطية أن له حكم الرفع كما سيأتي تقريره. وقد يفسر قولها: "كانت إحدانا تطهر" أى تطهر بالجفاف لا برؤية البياض، فكانت الواحدة منهن إذا طهرت بالجفاف اغتسلت وصلت ثم يرين بعد ذلك الصفرة اليسيرة فتنهاهن عن الاستعجال، وأن يعتزلن الصلاة حتى يرين البياض خالصاً، والمقصود بها القصة البيضة، ليكون مطابقاً لما روى عن عائشة. والله أعلم.
الدليل الثاني:
إذا كانت الصفرة والكدرة فى زمن الحيض حيضا، فكذلك إذا كانت بعد
стр. 2657
الطهر، لأنكم إما أن تقولوا: بأنها حيض مطلقاً، في العادة وبعدها. أو تقولوا: ليست بحيض مطلقاً، فأما أن تعتبروها في زمن مانعة من الصلاة والصيام، وفي زمن ليست مانعة، فهذا خطأ يخالف القواعد.
وأجيب:
بأن التفريق بين زمن العادة وغيرها إنما قلناه تبعاً للنصوص، لا أن ذلك وفقاً للقياس، والنص مقدم على القياس، وقد يقال: إن الصفرة والكدرة على وفق القياس، وذلك أنهما إذا كانا في زمن العادة والحيض، كان هذا وقت سلطان الدم، فهما أثر من آثاره، لأن العادة تبدأ ضعيفة، ثم تشتد ثم تتدرج بالضعف حتى تطهر المرأة، وما دامت في وقت الدم فقد أعطيت حكمه، لأن الكدرة أثر من آثاره، بخلاف ما إذا كان بعد الطهر فإنها ليست من أثر الحيض. والله أعلم.
دليل من قال: بأن الصفرة والكدرة ليست حيضاً مطلقاً .
[الدليل الأول] (*)
[٧٦] استدلوا بما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد ابن أبي عدي، عن محمد - يعني: ابن عمرو - قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة ابن الزبير،
عن فاطمة بنت أبي حبيش، قال: إنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (١).
стр. 2658
[ضعيف] (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ لم يأمرها بالإمساك عن الصلاة إلا إذا رأت الدم الأسود، وأما إذا رأت غيره فإنها تصلي، والصفرة والكدرة ليست دماً أسوداً، وبالتالي فهي مأمورة بالصلاة إذا رأته.
وأجيب:
أولاً: الحديث ضعيف.
ثانياً: أن هذا الحكم خاص بالمستحاضة، وهي التي اختلط دم حيضها بدم استحاضتها وكان التمييز بين الدمين لا يمكن إلا باللون، لا أن هذا حكم مطلق لكل امرأة ولو لم تكن مستحاضة.
ثالثاً: أنه مقيد بحديث أم عطية: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً". وسيأتي تخريجه، وبأثر عائشة: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء" وسيأتى، وعليه فيكون ما عدا الدم الأسود ليس حيضاً، إلا في زمن العادة فإنه
стр. 2659
حيض حتى ولو كان صفرة وكدرة جمعاً بين هذا الحديث وما روى عن أم عطية وعائشة. والله أعلم.
الدليل الثاني:
[٧٧] ما رواه البخاري، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا إسماعيل، عن أيوب، عن محمد - يعني ابن سيرين -
عن أم عطية قالت: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئا" (١).
فكلمة "شيء" نكرة في سياق النفي فتعم، فلا تعد الصفرة شيئاً لا قبل الطهر ولا بعد الطهر.
قلت: قد روته حفصة بنت سيرين عن أم عطية بزيادة: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً". وهي زيادة وإن لم يخرجها البخاري، إلا أنه اعتمدها في فقه ترجمته، فقال: باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض.
وعلى التسليم بأن الزيادة غير محفوظة فإننا نجمع بين هذا وبين حديث عائشة في قولها: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء".
فيحمل حديث أم عطية على غير أيام الحيض، ويحمل أثر عائشة على ما تراه الحائض من صفرة وكدرة في أيام الحيض.
الدليل الثالث: قال تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ
стр. 2660
أَذًى﴾ (١).
فالأذى: هو النجس، ولا نجس إلا الدم.
وأجيب:
على التسليم بأن الصفرة والكدرة ليست بنجسة، فإن الأذى يطلق على غير النجاسة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٢). س فالأذى يطلق على ما يتأذى منه، سواء كان طاهراً أو نجساً على أننا لا نسلم بطهارة الصفرة والكدرة، وهي من بقايا دم الحيض، فإذا كنا عرفنا كيف يحدث الحيض للمرأة، وأن الحيض عبارة عن انهدام الغشاء المبطن للرحم، وهو متكون من أوعية دموية وغدد، ونحوها لم يكن الحيض هو الدم الخالص بل كل ما نزل من جدار الرحم يعتبر حيضاً، وهو يتفاوت في أول الحيض وفورته، وآخره.
هذا دليل من رأى أن الصفرة والكدرة ليست حيضاً. وممن رأى ذلك ابن حزم، فقال: "إذا رأت المرأة الدم الأسود من فرجها أمسكت عن الصلاة والصوم، وحرم وطؤها على بعلها وسيدها، فإن رأت أثر الدم الأحمر، أو كغسالة اللحم، أو الصفرة، أو الكدرة أو البياض، أو الجفوف التام فقد طهرت" (٣).
وقال أيضا: "وجدنا النص قد ثبت وصح أنه لا حيض إلا الدم الأسود،
стр. 2661
وما عداه ليس حيضاً، لقوله ﵇: "إن دم الحيض أسود يعرف" فصح أن المتلونة الدم طاهرة تامة الطهارة، لا مدخل لها في حكم الاستحاضة، وأَنه لا فرق بين الدم الأحمر، والقصة البيضاء". اهـ (١). وهذا الكلام منه ﵀ مخالف لأثر عائشة وسيأتي.
دليل من فرق بين كون الكدرة في أول الحيض وبين كونها آخر الحيض .
قال أبو يوسف: إن الكدرة لا تكون حيضاً إلا إذا كانت فى آخر أيام الحيض
وجه ذلك ما ذكره الكاساني، قال: "إن الحيض، هو الدم الخارج من الرحم، لا من العرق، ودم الرحم يجتمع فيه زمان الطهر، ثم يخرج الصافي منه، ثم الكدر، ودم العرق يخرج الكدر منه أولاً ثم الصافي، فينظر: إن خرج الصافي أولاً علم أنه من الرحم فيكون حيضاً، وإن خرج الكدر أولاً علم أنه من العرق فلا يكون حيضاً" اهـ (٢).
وهذا التعليل مبني على الرأي المحض، لا على قَول الأطباء، ولا على نص شرعي، والنصوص لم تفرق إلا بين الكدرة في زمن العادة، وبين الكدرة بعد الطهر، بل إن دم المرأة ينزل أول ما ينزل ضعيفاً فى غزارته ولونه، ثم يشتد، ثم يضعف حتى ينقطع، والضعف كما يكون في سيلانه، يكون في لونه ورائحته. والله أعلم.
стр. 2662
دليل من قال: الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض وفي غيرها فلا .
[٧٨] استدلوا بما رواه مالك، قال: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين أنها قالت:
"كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدرجة فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء" (١).
[إسناده حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
أنها اعتبرت الصفرة في زمن العادة حيضاً، حتى ترى علامة الطهر.
وأما الدليل على أن الصفرة والكدرة ليست حيضاً بعد الطهر .
[٧٩] ما رواه أبو داود، قل: حدثنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد، عن قتادة عن أم الهذيل (حفصة بنت سيرين) عن أم عطية - وكانت بايعت النبي ﷺ
стр. 2663
- قالت: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً" (١)
[سنده صحيح] (٢).
стр. 2664
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2665
وأما عنعنة قتادة، فقد رواه عنه شعبة، وهو ممن لا يحمل عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث، فقد ذكر ابن رجب في شرحه لصحيح البخاري، قال: رواه حرب في مسائلة (٢٥٩ - أ/ ق) عن الإمام أحمد، عن غندر، عن شعبة، عن قتادة به.
وهذه متابعة من شعبة لحماد (١)
كما تابع حماداً أبان عند البيهقي (٢)، فرواه عن قتادة به.
وتابعه أيضاً سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، كما في رواية الطبراني (٣)، عن