وما عداه ليس حيضاً، لقوله ﵇: "إن دم الحيض أسود يعرف" فصح أن المتلونة الدم طاهرة تامة الطهارة، لا مدخل لها في حكم الاستحاضة، وأَنه لا فرق بين الدم الأحمر، والقصة البيضاء". اهـ (١). وهذا الكلام منه ﵀ مخالف لأثر عائشة وسيأتي.
دليل من فرق بين كون الكدرة في أول الحيض وبين كونها آخر الحيض .
قال أبو يوسف: إن الكدرة لا تكون حيضاً إلا إذا كانت فى آخر أيام الحيض
وجه ذلك ما ذكره الكاساني، قال: "إن الحيض، هو الدم الخارج من الرحم، لا من العرق، ودم الرحم يجتمع فيه زمان الطهر، ثم يخرج الصافي منه، ثم الكدر، ودم العرق يخرج الكدر منه أولاً ثم الصافي، فينظر: إن خرج الصافي أولاً علم أنه من الرحم فيكون حيضاً، وإن خرج الكدر أولاً علم أنه من العرق فلا يكون حيضاً" اهـ (٢).
وهذا التعليل مبني على الرأي المحض، لا على قَول الأطباء، ولا على نص شرعي، والنصوص لم تفرق إلا بين الكدرة في زمن العادة، وبين الكدرة بعد الطهر، بل إن دم المرأة ينزل أول ما ينزل ضعيفاً فى غزارته ولونه، ثم يشتد، ثم يضعف حتى ينقطع، والضعف كما يكون في سيلانه، يكون في لونه ورائحته. والله أعلم.
стр. 2662
دليل من قال: الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض وفي غيرها فلا .
[٧٨] استدلوا بما رواه مالك، قال: عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين أنها قالت:
"كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدرجة فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء" (١).
[إسناده حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
أنها اعتبرت الصفرة في زمن العادة حيضاً، حتى ترى علامة الطهر.
وأما الدليل على أن الصفرة والكدرة ليست حيضاً بعد الطهر .
[٧٩] ما رواه أبو داود، قل: حدثنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد، عن قتادة عن أم الهذيل (حفصة بنت سيرين) عن أم عطية - وكانت بايعت النبي ﷺ
стр. 2663
- قالت: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً" (١)
[سنده صحيح] (٢).
стр. 2664
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2665
وأما عنعنة قتادة، فقد رواه عنه شعبة، وهو ممن لا يحمل عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث، فقد ذكر ابن رجب في شرحه لصحيح البخاري، قال: رواه حرب في مسائلة (٢٥٩ - أ/ ق) عن الإمام أحمد، عن غندر، عن شعبة، عن قتادة به.
وهذه متابعة من شعبة لحماد (١)
كما تابع حماداً أبان عند البيهقي (٢)، فرواه عن قتادة به.
وتابعه أيضاً سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، كما في رواية الطبراني (٣)، عن
стр. 2666
طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به. ويزيد ممن روى عن ابن أبي عروبة قبل اختلاطه.
فصار مجموع من يرويه عن قتادة: شعبة، وحماد بن سلمة، وأبان، وسعيد ابن أبي عروبة.
هذه هي أهم الأقوال في المسألة، مع بيان أدلتها، وهناك أقوال أخرى مبنية على الرأي المحض، أسوقها في ختام هذا البحث استكمالاً للفائدة، وقد ساقها النووي أوجُهاً في الروضة فقال:
أحدها: إن سبق الصفرة والكدرة دم قوي من سواد أو حمرة فالصفرة والكدرة بعد حيض، وإلا فلا.
وقيل: إن سبقها دم قوي، وتعقبها دم قوي، فهما حيض، وإلا فلا. ويكفي في تقديم القوي وتأخره أي قدر كان ولو لحظة على الأصح.
وقيل: لا بد من يوم وليلة (١).
هذا أهم ما ورد في المسألة من أقوال. الراجح كما أشرت أن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، وأما في غير زمن العادة فليست بحيض. والله أعلم.
стр. 2667
الفرع الأول
إذا رأت المرأة الصفرة والكدرة، وقد تحققت أنها حائض بنزول دم الحيض المعروف فلا إشكال فيه على القول الراجح.
أما لو رأت صفرة وكدرة قبل التحقق من نزول دم الحيض، فهل يحكم له بأنه دم حيض؟ وللجواب على هذا نقول:
أولاً: إن كانت في وقت العادة فلا إشكال، لأن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض كما رجحنا.
وإن كانت في غير وقت العادة، فقد نقول: بأنها ليست حيضاً، اعتباراً بأنها رأتها بعد الطهر، وقد ثبت لنا حديث: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئاً بعد الطهر".
وقد يقول قائل: بأن العادة قد تتقدم، وقد تتأخر، وقد تزيد، وقد تنقص، فلماذا لا تعتبر حيضاً؟.
وللجواب على هذا أن نقول: إن كانت الصفرة والكدرة مصحوبة بأوجاع العادة المعروفة لدى غالب النساء، وكانت الصفرة والكدرة متصلة بالعادة المعروفة، بحيث رأت الصفرة أو الكدرة في اليوم الأول، والثاني، وفي اليوم الثالث نزل معها دم الحيض، فإنها تعتبرها حيضاً، وإن تقدمت عن زمن العادة المعروف.
أما إذا لم تكن مصحوبة بالآم العادة، أو لم يتصل بها دم الحيض، بحيث رأت صفرة أو كدرة ثم انقطعت فلا تعتبر حيضاً.
стр. 2668
وإن شكت المرأة، فالأصل أنها طاهرة، لأن هذه الصفرة قد جاءت بعد الطهر ومن غير زمن العادة فلا تعتبر حيضاً. والله أعلم.
стр. 2669
الفرع الثاني
قوله الصحابي: "كنا نفعل" أو "كانوا يفعلون". كقول أم عطية ﵂: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً". هل يكون له حكم الرفع؟ أو يكون موقوفاً؟ وهل يكون حكاية للإجماع؟ أو حكاية لأكثرهم؟
هذه مسألة اختلف فيها أهل الأصول وبُحثت في مصطلح الحديث، وسوف أشير إلى مقاصد كلامهم بإيجاز .. والأقوال فيها كالآتي:
قيل: إنه مرفوع مطلقاً - يعني له حكم الرفع - قال الحافظ: "وهو الذى اعتمده الشيخان في صحيحيهما، وأكثر منه البخاري (١).
وقيل: موقوف مطلقاً.
وقيل: التفصيل بين أن يضيفه إلى زمن النبي ﷺ فيكون مرفوعاً، أو لا يضيفه فلا يكون له حكم الرفع، ونسبه الحافظ إلى الجمهور (٢).
وقيل في التفصيل: الفرق بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالباً فيكون مرفوعاً، أو يخفى فيكون موقوفاً.
وعلى تقدير كونه موقوفاً فهل هو من قبيل نقل الإجماع أو لا؟
فجزم بعضهم بأنه إن كان في اللفظ ما يشعر به مثل: كان الناس يفعلون كذا فمن قبيل الإجماع وإلا فلا.
стр. 2670
هذه عمدة الأقوال في المسألة. وأرجحها قول الجمهور بأنه: إن أضيف إلى عهد النبي ﷺ فهو على الصحيح له حكم الرفع، وأقوى دليل في ذلك:
[٨٠] ما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال عمرو: أخبرني عطاء سمع جابراً رضي الله تعالى عنه، قال: كنا نعزل والقرآن ينزل.
ورواه مسلم (١). وزاد: قال سفيان: "لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن".
قال الحافظ في الفتح: "استدلال جابر بالتقرير من الله غريب، ويمكن أن يكون استدل بتقرير الرسول ﷺ ، لكنه مشروط بعلمه بذلك. ويكفي في علمه به قول الصحابي إنه فعله في عهده. والمسألة مشهورة في الأصول، وفي علم الحديث، وهي: أن الصحابي إذا أضافه إلى زمن النبي ﷺ كان له حكم الرفع عند الأكثر، لأن الظاهر أن النبي ﷺ اطلع على ذلك وأقره، لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، وإذا لم يضفه فله حكم الرفع عند قوم. وهذا من الأول، فإن جابراً صرح بوقوعه في عهده ﷺ . وقد وردت عدة طرق تصرح باطلاعه على ذلك، والذي يظهر في أن الذي استنبط ذلك سواء كان هو جابراً أو سفيان أراد بنزول القرآن ما يقرأ، أعم من المتعبد بتلاوته أو غيره، مما يوحى إلى النبي ﷺ ، فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع، ولو كان حراماً لم نقر عليه .. "
стр. 2671
الخ كلامه ﵀ (١).
قلت: الظاهر من حال الصحابة ﵃، وحرصهم على إصابة الحق، والسؤال عنه أنهم لا يقدمون على أمر من أمور الدين والنبي ﷺ بين أظهرهم إلا إذا كان عالماً به، فيكون من السنة التقريرية.
والذين ردوه إنما حجتهم أن يكون النبي ﷺ لم يطلع على ذلت حتى يكون إقراراً. وعلى التسليم أنه لم يطلع، فقد اطلع الله ، والزمن زمن تشريع، فسكوت الوحي عن ذلك إقرار من الله سبحانه لهذا الفعل.
وأقوي دليل للمانعين من الاحتجاج .
[٨١] ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا زهير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة، عن عبيد بن رفاعة بن رافع، عن رفاعة بن رافع, وكان عقبياً بدرياً قال:
كنت عند عمر، فقيل له: إن زيد بن ثابث يفتي الناس برأيه في المسجد، في الذي يجامع ولا ينزل. فقال: أعجل به، فأتى به، فقال: يا عدو نفسه أوقد بلغت أن تفتي فى مسجد رسول الله ﷺ برأيك؟! قال: ما فعلت، ولكن حدثني عمومتي عن رسول الله ﷺ .
قال: أي عمومتك؟.
قال: أبي بن كعب، وأبو أيوب، ورفاعة بن رافع. فالتفت إلي: ما يقول هذا الغلام؟.
стр. 2672
فقلت: كنا نفعله في عهد رسول الله ﷺ .
قال: فسألتم عنه رسول الله ﷺ ؟.
قال: كنا نفعله في عهده فلم نغتسل.
قال: فجمع الناس، واتفق الناس على أن الماء لا يكون إلا من الماء إلا رجلين، علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، قالا: إذا جاوز الختان الختان، فقد وجب الغسل.
فقال علي: يا أمير المؤمنين، إن أعلم الناس بهذا أزواج رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا علم لي. فأرسل إلى عائشة ففالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. قال: فتحطم عمر - يعني: تغيظ - ثم قال: لا يبلغني أن أحداً فعله ولا يغتسل إلا أنهكته عقوبة (١).
[وهذا الإسناد فيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، إلا أنه تابعه الليث عند الطبراني (٢)، وابن لهيعة عند الطحاوي (٣)، وبقية رجاله ثقات] (٤).
стр. 2673
وجه الشاهد من القصة .
أن الصحابة أو كثير منهم، وهم من أهل بدر، كانوا يرون أن الماء من الماء وكان بعضهم يفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، ومع ذلك لم يأت الوحي بإنكار فعلهم، وما خالفهم من الصحابة إلا رجلان وعائشة، وكان الصواب مع هذا العدد القليل. ثم إن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين حين قال له رفاعة: كنا نفعله في عهد رسول الله ﷺ لم يعتبر ذلك حجة، واكتفى به، بل قال: هل سألتم عنه رسول الله ﷺ ؟ فلم ير عمر فعل الشيء في عهده ﷺ زمن التشريع حجة إلا إذا علم بأن الرسول ﷺ قد اطلع عليه.
والذي أرى أن هذه القصة ليس فيها حجة، لأن قوله: "كنا نفعله على عهد رسول الله، من الجماع وعدم الاغتسال كان من الممكن أن يكون حجة لو أن الرسول ﷺ لم يبلغ أحداً من الأمة بخلافه، أما وقد بلغ فلا يلزم أن يبلغ كل فرد بعينه، فهؤلاء الذين لم يغتسلوا استصحبوا حكماً سابقاً قد ثبت نسخه، وقد قام
стр. 2674
الرسول ﷺ بتبليغ بعض أفراد الأمة نسخه، فكأنه بلغ الأمة كلها.
ومثل هذه القصة ما رواه البخاري:
[٨٢] , قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد عن أيوب، عن نافع أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يكري مزارعه على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من إمارة معاوية، ثم حدث عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن كراء المزارع، فذهب ابن عمر إلى رافع، فذهبت معه، فسأله، فقال: نهى النبي ﷺ عن كراء المزارع، فقال ابن عمر: قد علمت أنا كنا نكري مزارعنا على عهد رسول الله ﷺ بما على الأربعاء وبشيء من التبن (١).
[٨٣] وفي رواية له، قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل عن ابن شهاب، أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:
كنت أعلم في عهد رسول الله ﷺ أن الأرض تكرى، ثم خشي عبد الله أن يكون النبي ﷺ قد أحدث في ذلك شيئا لم يكن يعلمه فترك كراء الأرض (٢).
والحديث في مسلم (٣).
وجه الاستدلال:
أن ابن عمر حكى عن بعض الصحابة بأنهم كانوا يكرون الأرض، ولم
стр. 2675
يكن هناك نهي من النبي ﷺ مع أنه أضاف الفعل إلى زمن التشريع، واستصحب ابن عمر هذا الحكم فكان يفعله في عهد النبي ﷺ ، واستمر على فعله زمن الخلفاء الراشدين من غير نكير، ثم علم فيما بعد من رافع بن خديج أن النبي ﷺ قد نهى عن ذلك، وكون ابن عمر حين بلغه النهي ترك ذلك إنما فعله من باب: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، ولذلك كان ابن عمر إذا سئل عن ذلك قال: زعم ابن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عنها، ولم ينسب ذلك إلى الرسول ﷺ مباشرة، وكما أن هذا يفهم من قوله: "زعم" ولم يقل أخبرنا، أو قال لنا. والله أعلم.
ولكن الجواب عن هذا هو ما ذكرناه عن الحديث الأول، وهو أن الرسول ﷺ لا يلزمه أن يبلغ كل فرد بالأمة، فإذا بلغ من تقوم به الحجة، وتحفظ به الشريعة كفى.
والذي تلخص لي أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل، أو كانوا يفعلون، غير مضاف إلى عهد الرسول ﷺ فإنه لا يكون مرفوعاً، لأن الإقرار منه ﷺ منتف في غير عهده ﷺ ، وهل يكون حجة؟
الجواب: إن خالف مرفوعاً لم يلتفت إليه أبداً. وإن خالف موقوفاً على صحابي آخر نظر في أدلة كل قول. وإن لم يخالف فإنه حجة لا لاعتبار كونه مرفوعاً ولكن باعتبار أنه قول لبعض الصحابة لا يعلم له مخالف، وقول الصحابة مقدم على قول غيرهم، فهم أقرب من غيرهم لفهم الشرع، وقد عاصروا الوحي، وهم أهل اللسان.
وقد اختلف العلماء في عده إجماعاً.
стр. 2676
فحكى الآمدي فى الإحكام أن جمهور العلماء يعدونه إجماعاً، لأن الصحابي إذا قال: "كانوا يفعلون كذا" فإن هذا يفيد إضافة الفعل المحكي إلى جميع أهل الإجماع من ذلك العصر، فيكون الصحابي بتلك الصيغة قد نقل لنا الإجماع، وقد ذهب إلى ذلك أبو الخطاب في التمهيد، وشيخه أبو يعلى في العدة.
واختار بعض الأصوليين بأنه لا يفيد الإجماع ما لم يصرح الصحابي بنقل الإجماع عن أهله، وهم أهل الحل والعقد.
стр. 2677
الباب الرابع: في طهارة الحائض
ويشتمل على ثلاثة فصول، وسبعة مباحث، وتسعة فروع، وستة مسائل.
الفصل الأول: في طهارة عرق الحائض وسؤرها ومخالطتها، وطهارة ثيابها.
الفصل الثاني: في طهارة الحائض من الحدث.
الفصل الثالث: في طهارة الحائض من دم الحيض.
المبحث الأول: في نجاسة دم الحيض.
المبحث الثاني: هل يتعين الماء في إزلة دم الحيض؟
المبحث الثالث: هل يجب عدد معين في غسل دم الحيض؟
المبحث الرابع: علامة الطهر عند الحائض.
стр. 2678
الفصل الأول: في طهارة سؤر الحائض وعرقها ومخالطتها وطهارة ثيابها
لا خلاف بين العلماء في طهارة جسد الحائض، وعرقها، وسؤرها، وجواز النوم معها، وأكل طبخها، وعجنها، وما مسته من المائعات، ومساكنتها من غير كراهة، إلا خلافاً لا يثبت عن ابن عباس (١)، وقولاً شاذاً لعبيدة السلماني (٢).
والأدلة على هذه المسألة كثيرة.
الدليل الأول:
[٨٤] ما رواه مسلم، قال حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال:
إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٣)، فقال ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن
стр. 2679
قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أنه لم يجد عليهما (١).
وفي رواية للنسائي: "وأن يصنعوا بهن كل شيء مما خلا الجماع".
[٨٥] قال النسائي: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال:
كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوهن ولم يشاربوهن ولم يجامعوهن في البيوت فسألوا نبي الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الآية (٢) فأمرهم رسول الله ﷺ أن يؤاكلوهن، ويشاربوهن، ويجامعوهن في البيوت، وأن يصنعوا بهن كل شيء ما خلا الجماع (٣).
[رجاله ثقات].
الدليل الثاني:
[٨٦] ما رواه البخاري، قال: حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة أن زينب بنت أم سلمة حدثته أن أم سلمة حدثتها قالت:
بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة في خميصة إذ حضت فانسللت فأخذت
стр. 2680
ثياب حيضتي. قال: أنفست؟ قلت: نعم فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة.
والحديث رواه مسلم (١).
قال النووي: "فيه جواز النوم مع الحائض، والاضطجاع معها في لحاف واحد، إذا كان هناك حائل يمنع من ملاقاة البشرة فيما بين السرة والركبة، أو يمنع الفرج وحده عند من لا يحرم إلا الفرج.
قال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض، ولا قبلتها، ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات، ولا يكره غسلها رأس زوجها، أو غيره من محارمها، وترجيله، ولا يكره طبخها وعجنها، غير ذلك من الصنائع، وسؤرها وعرقها طاهران. وكل هذا متفق عليه، وقد نقل الإمام أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري في كتابه، في مذاهب العلماء إجماع المسلمين على هذا كله ودلائله من السنة ظاهرة مشهورة.
وأما قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٢).
فالمراد: اعتزال وطئهن، ولا تقربوا وطأهن". والله أعلم. اهـ (٣).
وقال ابن قدامة في المغني: كره النخعي الوضوء بسؤر الحائض، وقال جابر بن زيد: لا يتوضأ به للصلاة (٤).
قلت: السؤر هو البقية من الشيء، فلعلهما قالا ذلك: لحديث: "نهى
стр. 2681
رسول الله ﷺ عن الوضوء بفضل المرأة" وفضل المرأة وسؤرها بمعنى واحد، لكن لا ينبغي أن يخص هذا بالحائض، بل هو حكم معلق بالمرأة سواء كانت طاهرةً أو جنباً أو حائضاً وليس هذا موضع بحث هذه المسألة، والراجح أن النهي ليس للتحريم، وعليه فيكون تخصيص هذا بالحائض ليس سديداً.
الدليل الثالث:
[٨٧] ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالا: حدثنا وكيع، عن مسعر وسفيان، عن المقدام بن شريح عن أبيه، عن عائشة، قالت:
كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيِّ فيشرب، وأتعرق العرق، وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ. ولم يذكر زهير فيشرب (١).
قال القرطبي: قولها: "أتعرق العرْق": أي العظم الذي عليه اللحم، وجمعه عراق، وأتعرقه: آكل ما عليه من اللحم، وهذه الأحاديث متفقة الدلالة على أن الحائض لا ينجس منها شيء، ولا يجتنب إلا موضع الأذى فحسب (٢).
الدليل الرابع:
[٨٨] ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على
стр. 2682
مالك، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة، قالت:
كان رسول الله ﷺ يخرج إلي رأسه من المسجد، وهو مجاور، فأغسله وأنا حائض. ورواه البخاري (١).
قال الحافظ: وهو دال على أن ذات الحائض طاهرة، وعلى أن حيضها لا يمنع ملامستها (٢)
الدليل الخامس:
[٨٩] ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب - قال: يحيى أخبرنا وقال الآخران حدثنا - حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ :
ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك (٣)
ففي هذا الحديث دلالة على أنه لا ينجس من الحائض إلا موضع الأذى، فكما أن حيضتها ليست في يدها، فهي ليست في شيء من جسمها إلا موضع خروج الأذى. والله أعلم.
стр. 2683
الدليل السادس:
[٩٠] ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قال زهير حدثنا وكيع، حدثنا طلحة بن يحيى، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: سمعته عن عائشة قالت:
كان النبي ﷺ يصلي من الليل، وأنا إلى جنبه، وأنا حائض وعلي مرط وعليه بعضه إلى جنبه (١)
قال النووي في شرحه لمسلم:
"وفيه جواز الصلاة بحضرة الحائض، وجواز الصلاة في ثوب بعضه على المصلي وبعضه على حائض أو غيرها".
الدليل السابع:
[٩١] ما رواه أحمد (٢) قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن جابر بن الصبح، قال: سمعت خلاساً الهجري يقول: سمعت عائشة قالت:
كنت أبيت أنا ورسول الله ﷺ في الشعار الواحد، وانا طامث حائض، فإن أصابه مني شيء غسله، لم يعدُ مكانه وصلى فيه.
[إسناده صحيح] (٣)
стр. 2684
قال ابن منظور في اللسان: "الشعار: ما ولي شعر جسد الإنسان، والجمع: أشعره، وشعر" (١).
وفي المثل: هم الشعار دون الدثار، يصفهم بالمودة والقرب.
وفي حديث الأنصار: أنتم الشعار، والناس الدثار (٢) أي أنتم الخاصة والبطانة كما سماهم عيبته، وكرشه، والدثار: الثوب الذي فوق الشعار" اهـ.
قلت: جاء في البخاري ومسلم، في قصة غسل ابنته زينب، وفي آخره:
стр. 2685
فألقى إلينا حقوه، فقال: "أشعرنها إياه" (١).
فإذا كان الشعار هو الثوب الذي يلي الجسد، وكانت تبيت هي ورسول الله ﷺ في شعار واحد، وهي حائض، فإما أن يقال: هذا بالنسبة لغالب الجسم، لأن عائشة لا بد أن تكون قد لبست الإزار، لأنه ثبت عن الرسول ﷺ أنه كان لا يباشر الحائض حتى تلبس الإزار. وقد يقال: إن هذا لمن أراد أن يباشر، وهو أخص من حالة النوم. والظاهر من حال النساء إذا حضن أن يلبسن على فروجهن ما يمنع انتشار النجاسة على سائر ثيابهن.
فإن قيل: هذه الأدلة يعارضها حديث عائشة، وهو:
(٩٢) ما رواه أبو داود (٢)، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا الأشعث، عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت:
"كان رسول الله ﷺ لا يصلي في شعرنا أو لحفنا".
قال عبيد الله: شك أبي.
[إسناده صحيح، والمحفوظ فيه ذكر اللحاف فقط] (٣).
стр. 2686
والجواب عنه أحد أمرين:
أولا: بأن ترك لحاف النساء مستحب، وليس بواجب، لأننا قد نقلنا قبل قليل حديث عائشة: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل، وأنا إلى جنبه، وأنا حائض وعلي مرط، وعليه بعضه.
وقد اختار هذا الشوكاني، ونقله عنه أحمد شاكر في تحقيقه لسنن الترمذي فقال: "كل ذلك يدل على عدم وجوب تجنب ثياب النساء، وإنما هو مندوب فقط، عملاً بالاحتياط. وبهذا يجمع بين الأحاديث" (١).
الثاني: أن ذلك مباح، وهو ما اختاره أحمد شاكر، فقال متعقباً لكلام الشوكاني: "لا دليل على الندب، لأنه لم يطلب ذلك في حديث نعلمه، وإنما كان تارة يفعل، وتارة يترك، وهو الجمع الصحيح بين الروايات، فهو أمر مباح". اهـ (٢).
قلت: يفيد الفعل الناقص (كان لا يصلي في لحف نسائه) أن ذلك كان
стр. 2687
على سبيل الدوام والاستمرار، وعلى الأقل: أن هذا هو الغالب من فعله ﷺ ، بينما حديث عائشة: "وعليّ مرط، وعليه بعضه" يدل على أن ذلك وقع منه، فلعله لحاجة من برد ونحوه، حيث تقاسما المرط، فالاستحباب أظهر من الإباحة وقد يقوي الاستحباب إذا كان يغلب على ظنه وقوع مذي ونحوه.
وحديث: "كان لا يصلي في لحف نسائه" يدل على جواز النوم مع الحائض تحت لحاف واحد لأن توقي النبي ﷺ الصلاة في لحاف نسائه كان من قبيل الاحتياط مخافة أن يكون أصابه شيء من مذي، أو دم حيض، وطهارة الثوب واجبة أو شرط في صحة الصلاة، بخلاف النوم مع الحائض. والله أعلم. وبهذا نكون قد انتهينا من أدلة القول الأول في المسألة.
القول الثاني:
قول ابن عباس وعبيدة السلماني بوجوب اعتزال الحائض.
روي هذا عن ابن عباس، ولا يثبت عنه، وروي عن عبيدة السلماني وهو شاذ، واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١).
واعتزال النساء: اعتزال لجميع بدنها. ومن باشرها لا يصدق عليه أنه اعتزلها.
стр. 2688
وأجيب:
بأن الذي يوضح القرآن هو الرسول ﷺ ، وقد بعثه الله ليبين للناس ما نزل إليهم، وقد قال ﷺ في حديث أنس عند مسلم (١)، وقد ذكرته بطوله: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح". وسيأتي في بحث ما يحل للرجل من امرأته استقصاء الأدلة على ذلك.
الدليل الثاني:
[٩٣] أخرج عبد الرزاق (٢)، وأحمد (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي (٥)، وابن جرير الطبري (٦)، والبيهقي (٧)، واللفظ للبيهقي، رووه كلهم من طريق الزهري، عن حبيب مولى عروة بن الزبير، أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي ﷺ أخبرته
أنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله بن عباس في رسالة، فدخلت عليه فإذا فراشه معزول عن فراش امرأته فرجعت إلى ميمونة فبلغتها رسالتها، ثم ذكرت ذلك. فقالت لها ميمونة: ارجعي إلى امرأته فسليها عن ذلك، فرجعت إليها
стр. 2689
فسألتها عن ذلك، فأخبرتها أنها إذا طمثت عزل فراشه عبد الله عنها، فأرسلت ميمونة إلى عبد الله بن عباس فتغيظت عليه. وقالت: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ، فوالله إن كانت المرأة من أزواجه لتأتزر بالثوب ما يبلغ أنصاف فخذيها، ثم يباشرها بسائر جسده.
[إسناده ضعيف] (١).
وعلى فرض صحته فإنه لا يتوقع من ابن عباس ﵄ أن تبلغه سنة المصطفى ثم يبقى على رأيه المخالف لفعل الرسول ﷺ ، بل والمخالف لقوله. فكونه لم يعترض على ميمونة دليل منه على التسليم والقبول لما أخبرته، وإذا رجحنا رجوعه عنه لم يبق قولاً له. والله أعلم.
وممن رأى هذا الرأي عبيدة السلماني:
[٩٤] فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره: من طريقين، عن محمد ابن سيرين، قال: قلت لعبيدة السلماني:
ما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضاً، قال: الفراش واحد،
стр. 2690
واللحاف شتى (١).
[إسناده صحيح].
وهذا موقوف عليه، ولا حجة في قول أحد مع قول الرسول ﷺ وفعله، وقول عبيدة لا يخرق الإجماع المؤيد بالسنة الصحيحة الصريحة ما دام أن الأمر لم يثبت عن ابن عباس.
بل الثابت عن ابن عباس خلافه.
[٩٥] فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره: من طريق محمد بن عمرو، عن محمد بن ابراهيم بن الحارث قال: قال ابن عباس:
إذا جعلت الحائضُ ثوباً، أو ما يكف الأذى، فلا بأس أن يباشر جلدها زوجها (٢)
[إسناده حسن لغيره] (٣)
стр. 2691
قال النووي: "وأما ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره، من أنه لا يباشر شيئاً منها بشيء منه فشاذ منكر غير معروف، ولا مقبول، ولو صح عنه لكان مردوداً بالأحاديث الصحيحة المشهورة، المذكورة فى الصحيحين وغيرها من مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار، وإذنه في ذلك بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده" اهـ (١).
وقال الشوكاني: "وأما ما يروى عن ابن عباس، وعبيدة السلماني، أنه يجب على الرجل أن يعتزل فراش امرأته إذا حاضت فليس بشيء" (٢)
стр. 2692
الفصل الثاني: في طهارة الحائض من الحدث
المبحث الأول: في حكم غسل المرأة من الحيض
اتفق العلماء على أن الغسل يجب من الحيض. الدلالة عليه من القرآن، والسنة، والإجماع.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١)
وجه الاستدلال:
أن المرأة يلزمها تمكين زوجها من الوطء، ولا يجوز ذلك إلا بالغسل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فإن قيل: أين الدلالة من الآية على أنه لا يجوز الوطء إلا بعد الاغتسال؟
فالجواب:
أن الله علق الحكم بجواز إتيان الزوجة بشرطين:
الأول: انقطاع الدم. ويؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
стр. 2693
يَطْهُرْنَ﴾ (١).
فقوله: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف. كلمة "طهر" تستعمل فيما لا كسب فيه للإنسان وهو انقطاع دم الحيض.
الشرط الثاني: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ وكلمة (تطهرن) بالتشديد: أي اغتسلن. لأن كلمة (تطهرّ) تستعمل فيما يكتسبه الإنسان بفعله، وهو الاغتسال من الماء.
وسيأتي تحرير الخلاف في هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
الدليل من السنة على وجوب الاغتسال:
(٩٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: سمعت هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي،
عن عائشة ﵂، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا، إن ذلك عرق ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي (٢).
فقوله ﷺ : "ثم اغتسلي وصلي" أمر بالاغتسال، والأصل في الأمر الوجوب.
(٩٧) ودليل آخر رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا
стр. 2694
عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بن شهاب، عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن،
عن عائشة زوج النبي ﷺ أن أم حبيبة بنت جحش ختنه رسول الله ﷺ وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين فاستفتت رسول الله ﷺ في ذلك فقال رسول الله ﷺ : إن هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي. قالت عائشة فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء. قال بن شهاب فحدثت بذلك أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال: يرحم الله هنداً لو سمعت بهذه الفتيا، والله إن كانت لتبكي؛ لأنها كانت لا تصلي (١).
وجه الشاهد قوله ﷺ : "فاغتسلي وصلي".
(٩٨) وفي رواية: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي.
وأما الدليل من الإجماع:
فقد نقل الإجماع جماعة، منهم الكاساني الحنفي (٢).
وقال النووي: "أجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض، وبسبب النفاس، وممن نقل الإجماع فيهما ابن المنذر، وابن جرير الطبري وآخرون" (٣).
ونقل الإجماع ابن مفلح الحنبلي (٤).
стр. 2695
المبحث الثاني: خلاف العلماء في الموجب للغسل
اختلف العلماء في الموجب للغسل:
هل الموجب خروج الدم؟ أم انقطاعه؟ أم إرادة الصلاة؟ أم الموجب الجميع (خروج الدم وانقطاعه وإرادة الصلاة)؟ إلى أقوال:
فقيل: الموجب للغسل خروج الدم.
اختاره بعض الحنفية (١)، وقول العراقيين من الشافعية (٢).
وقيل: الموجب انقطاع دم الحيض.
اختاره بعض الحنفية (٣)، وأبو حامد من الشافعية (٤)، وهو مفهوم كلام الخرقي (٥).
وقيل: الموجب للغسل خروج الدم، لكن الانقطاع شرط لصحته. وهو مذهب المالكية (٦)، والحنابلة (٧)
стр. 2696
وقيل: الموجب للغسل إرادة القيام إلى الصلاة.
اختاره بعض الحنفية (١)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: الغسل يجب بمجموع خروج الدم وانقطاعه والقيام إلى الصلاة. وهو وجه في مذهب الشافعية (٣).
دليل من قال: الموجب للغسل خروج الدم .
التعليل الأول:
قالوا: إذا خرج الدم فقد نقض الطهارة الكبرى، وإن لم يجب الغسل مع سيلان الدم، لأنه ينافيه، فإذا انقطع أمكن الغسل. فوجوبه من أجل الحدث السابق.
التعليل الثاني: أن الحيض الذي أوجب الغسل من وجهين:
الأول: من حيث كونه سبباً في منع الصلاة والصيام ونحوهما.
الثاني: أننا لا يمكن أن نعتبر انقطاع الدم، وهو نوع من الطهارة موجباً للطهارة، فمحال أن الطهارة توجب الطهارة، وإنما الموجب للطهارة هو النجاسة، إنما أجل الاغتسال إلى حين انقطاع الحيض، لأنه لا فائدة من الاغتسال حينئذ.
стр. 2697
دليل من قال: الموجب للغسل انقطاع الدم .
قالوا: لأن الدم ما دام باقياً لا يمكن الغسل، وما لا يمكن لا يجب.
ورد عليهم: بأن الحائض يحرم عليها الصلاة والصيام بخروج الدم، ولو كان الموجب هو الانقطاع لما حرم عليها حتى ينقطع.
ولأن النجاسة حصلت بخروج الدم، فوجب التطهير عنده، إذ التنجس ووجوب التطهير متلازمان.
دليل من قال: يجب بإرادة القيام إلى الصلاة .
ولعل ملحظ هذا القول رأى بأن الإنسان لا تجب عليه الطهارة الصغرى والكبرى إلا إذا وجب عليه فعل عبادة تشترط لها الطهارة، فإذا طهرت المرأة بعد طلوع الشمس لم يجب عليها الاغتسال إلا عند إرادة فعل صلاة الظهر في وقتها، ولعلهم ذكروا الصلاة وأرادوا بها المثال. أي ومثل الصلاة سائر العبادات التي تشترط لها الطهارة، ولأن الحدث الأصغر والأكبر إنما أمرنا بالطهارة منهما عند القيام إلى الصلاة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .. ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١).
دليل من قال: لا يجب الغسل إلا بخروج الدم وانقطاعه والقيام إلى الصلاة .
أدلته: مجموع أدلة الأقوال السابقة، وهي أن خروج الدم موجب للحدث الأكبر وانقطاعه وإرادة الصلاة موجبان للغسل كذلك.
والراجح من هذه الأقوال: أن خروج الدم موجب للغسل، لكن انقطاعه
стр. 2698
شرط للصحة، وهذا الوجوب على التراخي، وليس على الفور، فإذا وجبت عبادة تشترط لها الصلاة وضاق بوقتها ولم يبق من وقتها إلا ما يكفي للغسل والصلاة وجب الغسل حينئذ. والله أعلم.
стр. 2699
المبحث الثالث: في صفة الغسل من المحيض
صفة الغسل من الحيض، كصفة الغسل من الجنابة إلا في أشياء يسيرة اختلف الفقهاء فيها وسوف نأتي على أحكام الغسل من الجنابة حكماً حكماً مبيناً هل هو فرض، أو سنة؟ وخلاف العلماء في ذلك.
стр. 2700
الفرع الأول: خلاف العلماء في حكم النية
اختلف العلماء هل النية شرط في الطهارة من الحيض أم لا؟
فقيل: النية شرط لطهارة الحدث الأصغر والأكبر، بالماء والتيمم.
وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو الراجح.
وقيل: سنة في طهارة الوضوء والغسل، شرط في التيمم، وهو مذهب الحنفية (٤).
وقيل: يجزئ الوضوء، والغسل، والتيمم بلا نية. وهو قول الأوزاعي (٥).
أدلة الجمهور على أن النية شرط .
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾