الدليل الثالث:
(١٣١) ما رواه الدارقطني: حدثنا علي بن الفضل بن طاهر البلخي، نا أحمد بن حمدان العائذي أبو الحسن الأنطاكي، نا الحسين بن الجنيد الدامغاني - وكان رجلاً صالحاً - نا علي بن يونس عن إبراهيم بن طهمان، عن جابر، عن
стр. 2767
عطاء،
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا يتم الوضوء إلا بهما، والأذنان من الرأس" (١).
[الحديث ضعيف جداً] (٢).
стр. 2768
الدليل الرابع:
(١٣٢) ما رواه الدارقطني، من طريق هدبة بن خالد، وداود بن المحبر، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة قال:
أمرنا رسول الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 2769
الدليل الخامس:
أحاديث الأمر بالاستنشاق، هي دليل على وجوب الاستنشاق صراحة والمضمضة ضمناً، لأنهما كالعضو الواحد. فإيجاب أحدهما إيجاب للآخر.
ألا ترى أنه لا يفصل بين المضمضة والاستنشاق، ومن عادة الأعضاء المستقلة في الوضوء ألا ينتقل إلى عضو حتى يفرغ من العضو الذي قبله،
стр. 2770
بخلاف المضمضة والاستنشاق فإنه يمضمض ثم يستنشق ثم يرجع إلى المضمضة فالاستنشاق وهكذا.
فهذا يدل على أنهما في حكم العضو الواحد، فالأمر بأحدهما أمر بالآخر.
ومن الأحاديث الآمرة بالاستنشاق والاستنثار:
(١٣٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريره أن رسول الله ﷺ قال:
إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده.
(١٣٤) وفى رواية لمسلم، قال: حدثني محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق ابن همام، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قل: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ :
"إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر" (١).
وحاول النووي أن يحمل الأمر على الاستحباب، مع أنه خلاف الأصل، فقال: "من لم يوجبه حمل الأمر على الندب، بدليل أن المأمور به حقيقة وهو الانتثار ليس بواجب بالاتفاق، فإن قالوا: ففي الرواية الأخرى: إذا توضأ فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر، فهذا فيه دلالة ظاهرة للوجوب، لأن حمله على الندب محتم ليجمع بينه وبين الأدلة الدالة على الاستحباب".
стр. 2771
وتعقب الشوكاني في النيل (١) "دعوى النووي حكاية الإجماع على أن الانتثار ليس بواجب فقال: "ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد وأبو ثور، وابن المنذر، ومن أهل البيت الهادي، والقاسم، والمؤيد بالله إلى وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار، وبه قال ابن أبي ليلى، وحماد بن سليمان".
ثم قال الشوكاني: "وما نقل من الإجماع على عدم وجوب الاستنثار متعقب بهذا" (٢).
قلت: يسلم بوجوب الاستنشاق للأمر به، لكن لا يسلم قياس المضمضة على الاستنشاق، فإن الأنف يحتاج إلى التنظيف أكثر من الفم، وهو موضع أذى، وهو بمثابة منق للهواء، مما يحمله من أتربة وغبار، فيحتاج إلى تعاهده بالتنظيف، ولذلك أمر المسلم إذا استيقظ من نوم الليل كما في الصحيحين أن يستنثر ثلاثاً، بينما الفم هو نظيف أبداً بما فيه من اللعاب، ولذا لم أقف على حديث صحيح يأمر بالمضمضة بخلاف الاستنشاق.
هذه أدلة الحنابلة على وجوب المضمضة والاستنشاق، ورأينا أن الأدلة على وجوب المضمضة ضعيفة، فإذا كانت كذلك فلا يصح قياس الحدث الأكبر
стр. 2772
على الحدث الأصغر، على أنها لو كانت الأدلة صحيحة وسالمة من القدح لم يسلم لهم قياس الحدث الأكبر على الأصغر، فإن هناك فروضاً في الحدث الأصغر لا تجب في الحدث الأكبر، والعكس، وجميع أحاديث الغسل ليس فيها الأمر في المضمضة والاستنشاق، ولو كانا واجبين لبينه الرسول ﷺ .
دليل من قال بوجوب الاستنشاق دون المضمضة .
(١٣٥) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ثم لينثر. ورواه مسلم (١).
قال ابن المنذر: "والذي به نقول: إيجاب الاستنشاق خاصة دون المضمضة، لثبوت الأخبار عن النبي ﷺ أنه أمر بالاستنشاق، ولا نعلم في شيء من الأخبار أنه أمر بالمضمضة" (٢).
وقال ابن عبد البر: "وحجة من فرق بين المضمضة والاستنشاق أن النبي ﷺ فعل المضمضة ولم يأمر بها، وأفعاله مندوب إليها، ليست بواجبة إلا بدليل، وفعل الاستنثار وأمر به، وأمره على الوجوب أبداً، إلا أن يتبين غير ذلك من مراده". اهـ. (٣)
وهذا القول هو أسعد الأقوال بالوقوف عند النص وعدم تجاوزه إلى غيره،
стр. 2773
إلا أنه يصح في الوضوء دون الغسل، ووجوب الاستنشاق في الوضوء لا يصح دليلاً على وجوبه في الغسل. فتأمل.
دليل من قال: المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء سنة في الغسل .
أدلة هذا القول مركبة من أدلة قولين قد سبقا.
فأدلتهم على وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء هي أدلة الحنابلة، وأدلتهم على كونها سنة في الغسل هي أدلة المالكية والشافعية.
والراجح عندي أن المضمضة سنة في الوضوء والغسل، وأما الاستنشاق فواجب في الوضوء سنة في الغسل، هذا ما تدل عليه النصوص، أما القياس في العبادات والتكلف بإلحاق المضمضة بالاستنشاق فلا يقوم على أصل صحيح. والله أعلم.
стр. 2774
المسألة الخامسة: إذا توضأت المرأة لغسل الحيض فهل تمسح رأسها أم تغسله
وهذه المسألة هي مقيسة على غسل الجنابة.
فإذا توضأ المجنب وبلغ في الوضوء رأسه فهل يمسحه؟ أو لا داعي لمسحه ما دام أنه سوف يغسله ويكتفي بغسله؟
أما الوضوء بدون اغتسال فالمشروع فيه المسح، واختلفوا: هل يجزئ الغسل؟ على ثلاثة أقوال:
الجواز مع الكراهة، والمنع مطلقاً، والجواز إن مر بيده على رأسه وليس هذا موضع بحثها.
أما في الاغتسال للجنابة والحيض.
فالحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، يرون مسح الرأس
стр. 2775
لأنهم يرون إتمام الوضوء قبل غسل الرأس وإفاضة الماء.
وذكر ابن رجب: عن ابن عمر بأنه لا يمسح رأسه، بل يصب عليه الماء صباً ويكتفي بذلك، ونص عليه إسحاق (١)، ونقله أبو داود عن أحمد كما في المسائل (٢).
وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (٣)، ورواية ابن وهب عن مالك (٤).
ولم يأت دليل صريح بمسح الرأس في الوضوء، وإنما الأدلة إما أن تذكر بأنه توضأ وضوءه للصلاة، وهذا مجمل، أو تذكر بأنه توضأ غير رجليه، وهذا الاستثناء قد يكون فيه دلالة على مسح الرأس، وقد يكون الراوي لم يستثن الرأس لأنه قد غسل وهو مسح وزيادة، وأما الأحاديث التي تأتي صريحة بذكر الوضوء مفصلاً فإنها تذكر غسل الرأس بدل مسحه، فهل يقال إن في الرأس صفتين: له أن يمسحه ثم يغسله، وله أن يكتفي بغسله.
أو يقال يجب رد الأحاديث المجملة بذكر الوضوء إلى الأحاديث التي فصلت الوضوء وذكرت غسل الرأس ولم تذكر مسحه، المسألة محتملة، وإن كنت أميل إلى الاقتصار على غسل الرأس، لأنه لا معنى لمسحه وهو سوف
стр. 2776
يغسل فرضاً.
(١٣٦) وهذا نص حديث ميمونة كما رواه البخاري، قال: حدثنا موسى ابن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الواحد، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال: قالت ميمونة ﵂:
وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه (١).
وهو في مسلم (٢) بغير هذا اللفظ.
وأما حديث عائشة ففيه: "توضأ وضوءه للصلاة" فحملها بعضهم على أن المراد الوضوء الكامل بما في ذلك مسح الرأس.
(١٣٧) لما رواه البخاري، قال: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليها الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده رواه البخارى واللفظ له ومسلم (٣).
стр. 2777
فقولها: "توضأ وضوءه للصلاة". قد يراد به الوضوء الكامل، وقد يقال باعتبار الأغلب، فهذه ميمونة ﵂ تقول: "توضأ وضوءه للصلاة". والمراد غير رجليه. فإذا صح إطلاق الوضوء على غسل جميع أعضاء الوضوء غير الرجلين، صح إطلاق الوضوء على الوضوء الكامل غير الرجلين والرأس، خاصة أن الرأس لم يترك بل غسل غسلاً وهو مسح وزيادة، وكوننا نحمل حديث عائشة على حديث ميمونة في صفة غسل الرأس أولى من حمله على صفتين، خاصة أننا لم نقف على حديث واحد عن رسول الله ﷺ يصرح بالمسح للرأس. والله أعلم.
وحديث ميمونة الذي فيه بأن النبي ﷺ توضأ وضوءه للصلاة وتبين أنه لم يغسل رجليه إلا في آخر غسله رواه البخارى،
(١٣٨) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة،
أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري اللفظ له ومسلم (١).
فإذا صح أن تقول ميمونة: توضأ وضوءه للصلاة والمراد غير رجليه صح أن قول عائشة: "توضأ وضوءه للصلاة" أي وغسل رأسه بدل مسحه، وحمل ما
стр. 2778
أجمل من حديث عائشة على ما فسر من حديث ميمونة. بل جاء الوضوء مفصلاً عند أحمد (١) بسند حسن من حديث عائشة وصرحت بغسل الرأس بدل مسحه.
стр. 2779
المسألة السادسة: هل يسن في وضوء الغسل غسل الأعضاء ثلاثاً (١).
فقيل: يسن في وضوء الغسل أن يكون ثلاثاً ثلاثاً.
وهو مذهب الحنفية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤)، وبه قال سفيان الثوري (٥)، وإسحاق بن راهويه (٦)، ووجه في مذهب المالكية (٧).
وقيل: يتوضأ مرة مرة، وهو وجه في مذهب المالكية (٨).
وقل ابن رجب: لم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثاً وعلى تثليث
стр. 2780
صب الماء على الرأس (١). وهذه المسألة غير التثليث في غسل البدن.
دليل الجمهور على استحباب التثليث في وضوء الغسل من الحدث الأكبر .
(١٣٩) ما رواه أحمد (٢) , قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء ابن السائب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من جنابة يغسل يديه ثلاثاً، ثم يأخذ بيمينه ليصب على شماله، فيغسل فرجه حتى ينقيه، ثم يغسل يده غسلاً حسناً، ثم يمضمض ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، ويغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ثم يصب الماء على رأسه ثلاثاً، ثم يغتسل، فإذا خرج غسل قدميه (٣).
стр. 2781
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2782
دليل من قال: الوضوء في الغسل مرة مرة إلا الكفين والرأس .
أما دليل من استحب تثليث الكفين والرأس فقط دون أعضاء الوضوء.
فقد استدلوا بحديث ميمونة في البخاري.
(١٤٠): قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الواحد، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال: قالت ميمونة ﵂:
وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه. رواه
стр. 2783
البخاري ومسلم واللفظ للبخاري (١).
فصار عندنا الآن:
أولاً: غسل الكفين قبل البداءة بالوضوء.
وثانيا: أعضاء الوضوء ما عدا الرأس.
ثالثا: الرأس.
أولاً: السنة في غسل الكفين.
أما الكفان فالمشروع في حقهما غسلهما ثلاثاً كما في حديث عائشة عند مسلم، من طريق وكيع حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فبدأ فغسل كفيه ثلاثاً .. الحديث (٢).
وفي حديث ميمونة السابق: "فغسلهما مرتين أو ثلاثاً".
ثانياً: السنة في أعضاء الوضوء ما عدا الرأس.
أما أعضاء الوضوء ما عدا الرأس فيغسلان مرة واحدة كما قدمنا من حديث ميمونة .. حيث لم تذكر التثليث إلا في الكفين والرأس. ومعنى ذلك أن ما عداهما كان الغسل مرة واحدة.
والذي يجعلنا نرجح أنه لا يثلث في وضوء الغسل، لأننا نقول لا يشرع في غسل البدن من الجنابة التثليث إلا في الرأس على الراجح من أقوال أهل العلم.
стр. 2784
وإذا سلم هذا، فإن الوضوء كذلك لا يشرع فيه التثليث، لأن الوضوء يكون بنية رفع الحدث الأكبر، لا بنية رفع الحدث الأصغر؛ لأن الحدث الأصغر لا يرتفع مع بقاء الأكبر، وإذا كان كذلك فإن أعضاء الوضوء سوف يكتفى بغسلها في الوضوء، ولن تغسل مرة ثانية في غسل الجنابة بل يغسل بقية البدن، والوضوء في الحقيقة غسل للبدن من الجنابة، إلا أنه قدم أعضاء الوضوء في الغسل لشرفها كما قال ﷺ في تغسيل ابنته في حديث أم عطية:
(١٤١): اغسلنها وابدأن بمواضع الوضوء منها. متفق عليه (١).
وإذا كان لا يشرع التثليث في البدن على الصحيح، فلا يشرع التثليث في الوضوء.
والبخاري ﵀ لا يرى غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، بل يتوضأ ثم يغسل بقية بدنه، قال ﵀ في صحيحه: "باب: من توضأ فى الجنابة ثم غسل سائر جسده، ولم يعد غسل مواضع الوضوء فيه مرة أخرى" (٢).
وقال الحافظ: "واستدل به البخارى على أن الواجب في غسل الجنابة مرة واحدة، وعلى أن من توضأ بنية الغسل، ثم أكمل باقي أعضاء بدنه لا يشرع له تجديد الوضوء من غير حدث". اهـ (٣).
(١٤٢) وقد روى البخاري، قال: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
стр. 2785
كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم (١).
فقولها: "ثم غسل سائر جسده" أي بقية جسده.
فتبين من هذا الكلام: أن الوضوء قبل الغسل نيته رفع الحدث الأكبر، وإن غسل أعضاء الوضوء لا يعاد غسلها مرة أخرى عند غسل البدن، وأن البدن كما أنه لا يشرع فيه التثليث، لا يشرع أيضاً في وضوء الغسل كما هو ظاهر حديث ميمونة، وأن التثليث في الوضوء لم يُرو في شيء من الأحاديث المرفوعة إلا ما كان من رواية عطاء بن السائب، عن أبي سلمة عن عائشة، وقد خالف بكير الأشج عطاء بن السائب فلم يذكر التثليث، وأن أصحاب عطاء قد اختلفوا عليه، فأحفظهم شعبة لم يرو عنه التثليث. والله أعلم.
ثالثاً: السنة في غسل الرأس.
أما السنة في الرأس: فالذي تدل عليه الأحاديث أنه يخلل أولاً شعره بالماء حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته صب الماء على شعر رأسه ثلاثاً، فكان التخليل أولاً لغسل بشرة الرأس، وصب الماء بعده ثلاثاً لغسل الشعر (٢). وهذه الصفة مستحبة أحياناً وليست واجبة.
стр. 2786
وهي مما ذكر في حديث عائشة دون ميمونة.
(١٤٣) فقد رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة،
أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله (١).
ورواه مسلم، من طريق أبي معاوية عن هشام به، وفيه: "ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه فى أصول الشعر حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه" (٢).
قال ابن رجب في شرحه للبخاري: "وهذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة ثابتة عن النبي ﷺ لم يتنبه لها أكثر الفقهاء، مع توسعهم للقول في سنن الغسل وآدابه، ولم أر من صرح به منهم إلا صاحب المغني من أصحابنا، وأخذه من عموم قول أحمد: الغسل على حديث عائشة وكذلك ذكره صاحب المهذب من الشافعية". اهـ (٣).
وصفة غسل الرأس في الثلاث غرفات، هل يعم رأسه فى كل غرفة؟ أو
стр. 2787
يفرغ واحدة على شقه الأيمن وأخرى على شقه الأيسر؟ وثالثة على وسطه؟. من غير تعميم للرأس بكل واحدة.
(١٤٤) فقد رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا أبو عاصم، عن حنظلة، عن القاسم،
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه. ولفظ البخاري: "فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر فقال بهما على وسط رأسه". ورواه مسلم (١).
قال القرطبي كما في المفهم: "ولا يفهم من هذه الثلاث حفنات أنه غسل رأسه ثلاث مرات، لأن التكرار في الغسل غير مشروع، لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد، لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم على وسط رأسه كما في حديث عائشة" (٢).
وتعقب ابن رجب كلام القرطبي في شرحه للبخاري: فقال عن كلامه "وهو خلاف الظاهر" قال: "والظاهر والله أعلم أنه يعم رأسه بكل مرة، ولكن يبدأ في الأولى بجهة اليمين، وفي الثانية بجهة اليسار، ثم يصب الثالثة على الوسطى" (٣).
стр. 2788
والثلاث غرفات قد جاءت من حديث عائشة بدون تفصيل.
(١٤٥) فرواه البخاري: "ثم صب على رأسه ثلاث غرف بيديه" (١).
ولفظ مسلم: "حفن على رأسه ثلاث حفنات" (٢).
(١٤٦) وروى مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد وأبو بكر ابن أبي شيبة - قال يحيى أخبرنا وقال الآخران حدثنا أبو الأحوص -، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن جبير بن مطعم قال:
"تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ ، فقال بعض القوم أما أنا فإني أغسل رأسي كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف" رواه مسلم.
ولفظ البخاري: "فأفيض على رأسي ثلاثاً" وأشار بيديه كلتيهما (٣).
وهل هناك فرق بين المرأة والرجل؟
الجواب:
(١٤٧) روى البخاري، قال: حدثنا خلاد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم ابن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة،
عن عائشة ﵂ قال: كنا إذا أصاب إحدانا جنابة أخذت بيديها
стр. 2789
ثلاثاً فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن وبيدها الأخرى على شقها الأيسر (١).
قال ابن رجب: "وظاهر هذا أن المرأة يستحب لها بعد أن تصب على رأسها ثلاثاً، أن تأخذ حفنة بيدها فتصب على شق رأسها الأيمن، ثم تأخذ حفنة أخرى، فتصبها على شقه الأيسر، فيصير على رأسها خمس حفنات" (٢).
وهذا الاستدلال لا يسلم إلا بعد التسليم أن قول الصحابي: "كنا نفعل" ولم يضفه إلى زمن النبي ﷺ أن له حكم الرفع.
قال في الفتح: "وللحديث حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاع النبي ﷺ على ذلك، وهو مصير من البخاري إلى القول بأن لقول الصحابي: "كنا نفعل كذا" حكم الرفع سواء صرح بإضافته إلى زمنه ﷺ أم لا. وبه جزم الحاكم" (٣).
وقد عرضت أقوال الأصوليين في قول الصحابي: "كنا نفعل" عند الكلام على الصفرة والكدرة، فارجع إليه.
فإن سلمت دعوى أن لها حكم الرفع كان في غسل رأس المرأة صفتان: تارة بثلاث غرفات، وتارة بخمس حفنات، وإن كان قول الصحابي: "كنا نفعل" موقوفاً عليه فإن الثلاث مقدمة على الخمس لأن الثلاث صريحة بالرفع.
(١٤٨) فقد روى مسلم، قال: حدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق،
стр. 2790
عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: قلت:
يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (١).
(١٤٩) وروى مسلم أيضاً، قال: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر ابن أبي شيبة وعلي بن حجر جميعا، عن بن علية قال يحيى: أخبرنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي الزبير عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت:
يا عجباً لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (٢).
فهذان الحديثان صريحان بالرفع، وأن المقدار للرأس ثلاث غرفات كالرجل.
(١٥٠) وأما ما رواه أحمد (٣) , قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا زائدة، عن صدقة (رجل من أهل الكوفة)، ثنا جميع بن عمير (٤)، حدثني عبد الله بن
стр. 2791
ثعلبة، قال: دخلت مع أمي وخالتي على عائشة فسألت إحداهما: كيف كنتن تصنعن عند الغسل؟ فقالت عائشة:
كان رسول الله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على رأسه ثلاث مرات، ونحن نفيض على رؤوسنا خمساً من أجل الضفر.
[ضعيف] (١).
стр. 2792
فهذا الحديث على ضعفه يشهد له ما رواه البخاري (١) عن عائشة، إلا أنه ليس صريحاً في الرفع، وصيغته مختلف فيها: هل تكون مرفوعة أم موقوفة؟
стр. 2793
الفرع الرابع: هل تنقض المرأة رأسها في غسل الحيض
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فقيل: لا تنقض رأسها فى غسل الجنابة والحيض.
وهو مذهب المالكية (١) , والشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣).
وقيل: يجب على الرجل نقض شعره بخلاف المرأة، وهو مذهب الحنفية (٤).
وقيل: لا يجب نقضه في الجنابة ويجب في غسل الحيض، وهو المشهور
стр. 2794
من مذهب الحنابلة (١). واختاره الباجي من المالكية (٢)، وابن حزم من الظاهرية (٣).
دليل من قال: لا تنقض رأسها مطلقاً في الحيض والجنابة .
الدليل الأول:
(١٥١) ما رواه مسلم: حدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، عن أيوب ابن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: قلت:
يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (٤).
[زيادة: والحيضة شاذة] (٥).
стр. 2795
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2796
الدليل الثاني:
(١٥٢) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن حجر جميعا، عن ابن علية. قال يحيى: أخبرنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، قال:
بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء - إذا اغتسلن - أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجباً لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن
стр. 2797
رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (١).
والحديث لم يتعرض لغسل الجنابة، بل للغسل، فهو مطلق يشمل كل غسل، فهي أنكرت عليه كونه يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، لو كان هناك فرق بين غسل وغسل لبينته ﵂.
الدليل الثالث:
(١٥٣) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث عن عائشة،
أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها، فقالت أسماء: وكيف تطهر بها، فقال: سبحان الله تطهرين بها، فقالت عائشة - كأنها تخفي ذلك -: تتبعين أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة، فقال: تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (٢).
стр. 2798
وجه الإستدلال:
في الحديث أمر الرسول ﷺ أسماء أن تدلك رأسها دلكاً شديداً، ولو كان النقض واجباً لبينه النبي ﷺ لها. والله أعلم.
الدليل الرابع:
(١٥٤) ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله - يعني العمري - عن نافع:
أن نساء ابن عمر وأمهات أولاده كن يغتسلن من الجنابة والحيض، فلا ينقضن رؤوسهن، ولكن يبالغن في بلها.
[وإسناد صحيح] (١).
الدليل الخامس:
(١٥٥) ما رواه أبو داود: حدثنا نصر بن علي، حدثنا عبد الله ابن داود، عن عمر بن سويد، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ قالت:
كنا نغتسل وعلينا الضماد، ونحن مع رسول الله ﷺ محلات ومحرمات.
[صحيح] (٢).
стр. 2799
الدليل السادس:
(١٥٦) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن بكر ابن السراج العسكري، ثنا إسماعيل بن إبراهيم الترجماني، ثنا عمر بن هارون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه،
عن سالم خادم رسول الله ﷺ قال: كن أزواج رسول الله ﷺ يجعلن رؤوسهن أربع قرون، فإذا اغتسلن جمعنه في وسط رؤوسهن ولم ينقضنه (١).
[ضعيف جدًا] (٢).
стр. 2800
دليل من قال: يجب على الرجل نقض شعره بخلاف المرأة .
(١٥٧) استدلوا بما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن عوف، قال: قرأت في أصل إسماعيل (ابن عياش)، قال ابن عوف: وحدثنا محمد ابن إسماعيل، عن أبيه، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، قال: أفتاني جبير بن نفير عن الغسل من الجنابة أن ثوبان حدثهم أنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك فقال:
стр. 2801
أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عيها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها.
[إسناده حسن لغيره، وكون المرأة لا تنقض شعرها صحيح من غير هذا الحديث] (١).
دليل من فرق بين الجنابة والحيض .
[الدليل الأول] (*)
(١٥٨) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبيد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت:
خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين لهلال ذي الحجة. وفي الحديث "فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إلى النبي ﷺ فقال: دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بحج. الحديث، والحديث رواه مسلم أيضاً (٢).
وترجم له البخارى: "باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض".
وانتقد ابن رجب هذا الاستدلال فقال: "وهذا الحديث لا دلالة فيه، فإن غسل عائشة الذي أمرها النبي ﷺ به لم يكن من الحيض، بل كانت حائضاً، وحيضها حينئذٍ موجود، فإنه لو كان قد انقطع حيضها لطافت للعمرة، ولم تحتج
стр. 2802
إلى هذا السؤال، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها، وتهل بالحج فهو غسل الإحرام في حال الحيض، كما أمر أسماء بنت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهل" (١).
ثم قال: "وقد يحمل مراد البخاري ﵀ على وجه صحيح، وهو أن النبي ﷺ إنما أمر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للإحرام، لأن غسل الإحرام لا يتكرر ولا يشق نقض الشعر فيه، وغسل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى، بخلاف غسل الجنابة فإنه يتكرر فيشق النقض فيه، فكذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر" (٢).
قلت: كونه أمر عائشة بغسل الإحرام بنقضه لا يقال بأن نقضه واجب في غسل الحيض، لأنه لم يثبت إلا في غسل الإحرام، وغسل الإحرام سنة، وكونه في حديث عائشة في قصة أسماء بنت شكل لم يأمرها بنقضه دليل على أنه ليس بواجب في غسل الحيض، وكذلك لا يقال إن الحائض مأمورة بالامتشاط عند غسل المحيض. والله أعلم.
стр. 2803
الدليل الثاني:
(١٥٩) ما رواه الطبراني في الكبير، قال: حدثنا أحمد بن داود المكي، ثنا سلمة بن صبيح اليحمدي، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت،
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا اغتسلت المرأة من حيضها، نقضت شعرها وغسلته بخطمي وأشنان، وإذا اغتسلت من جنابة صبت على رأسها الماء وعصرته (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
الأصل وجوب نقض الشعر ليتحقق وصول الماء إلى ما يجب غسله فعفي عنه في غسل الجنابة، لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، والحيض بخلافه فبقي على
стр. 2804
مقتضى الأصل في الوجوب (١)
ويجاب عنه:
بأن الواجب هو غسل الشعر على خلاف في هذا، فإذا تحققنا من وصول الماء إلى باطن الشعر فقد فعل الواجب، سواء كان الشعر مظفوراً، أو غير مظفور.
الدليل الرابع:
من القياس، وقد سبق الإشارة إليه، وهو أن الرسول ﷺ أمر عائشة عند الاغتسال للإحرام أن تنقض شعر رأسها، فإذا أمرت بنقض شعرها. في غسل الإحرام وهو سنة، فكونها تؤمر بنقضه في غسل الحيض وهو واجب من باب أولى (٢).
وأجيب:
بأن القول باستحبابه لا بأس به، أما القول بوجوبه فليس بظاهر، وقد أمرها أن تمتشط فهل تقولون بوجوبه أيضاً؟.
فالقول الراجح أنها لا تنقض رأسها لا في الحيض ولا في الجنابة.
стр. 2805
الفرع الخامس: المسترسل من الشعر هل يجب غسل ظاهره وباطنه
إذا رجحنا أن المرأة لا يجب عليها نقض شعرها (ضفائرها)، فهل يجب غسل ظاهر الشعر وباطنه؟ أم هل يجب غسل ظاهره فقط؟ أم يجب غسل أصول الشعر (بشرة الشعر) دون المسترسل؟
هذه مسألة اختلف فيها العلماء:
فقيل: يجب غسل ما استرسل من الشعر.
وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣)
وقيل: لا يجب.
وهو مذهب الحنفية (٤)، واختاره ابن قدامة من الحنابلة (٥).