أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عيها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها.
[إسناده حسن لغيره، وكون المرأة لا تنقض شعرها صحيح من غير هذا الحديث] (١).
دليل من فرق بين الجنابة والحيض .
[الدليل الأول] (*)
(١٥٨) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبيد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت:
خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين لهلال ذي الحجة. وفي الحديث "فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إلى النبي ﷺ فقال: دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بحج. الحديث، والحديث رواه مسلم أيضاً (٢).
وترجم له البخارى: "باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض".
وانتقد ابن رجب هذا الاستدلال فقال: "وهذا الحديث لا دلالة فيه، فإن غسل عائشة الذي أمرها النبي ﷺ به لم يكن من الحيض، بل كانت حائضاً، وحيضها حينئذٍ موجود، فإنه لو كان قد انقطع حيضها لطافت للعمرة، ولم تحتج
стр. 2802
إلى هذا السؤال، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها، وتهل بالحج فهو غسل الإحرام في حال الحيض، كما أمر أسماء بنت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهل" (١).
ثم قال: "وقد يحمل مراد البخاري ﵀ على وجه صحيح، وهو أن النبي ﷺ إنما أمر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للإحرام، لأن غسل الإحرام لا يتكرر ولا يشق نقض الشعر فيه، وغسل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى، بخلاف غسل الجنابة فإنه يتكرر فيشق النقض فيه، فكذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر" (٢).
قلت: كونه أمر عائشة بغسل الإحرام بنقضه لا يقال بأن نقضه واجب في غسل الحيض، لأنه لم يثبت إلا في غسل الإحرام، وغسل الإحرام سنة، وكونه في حديث عائشة في قصة أسماء بنت شكل لم يأمرها بنقضه دليل على أنه ليس بواجب في غسل الحيض، وكذلك لا يقال إن الحائض مأمورة بالامتشاط عند غسل المحيض. والله أعلم.
стр. 2803
الدليل الثاني:
(١٥٩) ما رواه الطبراني في الكبير، قال: حدثنا أحمد بن داود المكي، ثنا سلمة بن صبيح اليحمدي، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت،
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا اغتسلت المرأة من حيضها، نقضت شعرها وغسلته بخطمي وأشنان، وإذا اغتسلت من جنابة صبت على رأسها الماء وعصرته (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
الأصل وجوب نقض الشعر ليتحقق وصول الماء إلى ما يجب غسله فعفي عنه في غسل الجنابة، لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، والحيض بخلافه فبقي على
стр. 2804
مقتضى الأصل في الوجوب (١)
ويجاب عنه:
بأن الواجب هو غسل الشعر على خلاف في هذا، فإذا تحققنا من وصول الماء إلى باطن الشعر فقد فعل الواجب، سواء كان الشعر مظفوراً، أو غير مظفور.
الدليل الرابع:
من القياس، وقد سبق الإشارة إليه، وهو أن الرسول ﷺ أمر عائشة عند الاغتسال للإحرام أن تنقض شعر رأسها، فإذا أمرت بنقض شعرها. في غسل الإحرام وهو سنة، فكونها تؤمر بنقضه في غسل الحيض وهو واجب من باب أولى (٢).
وأجيب:
بأن القول باستحبابه لا بأس به، أما القول بوجوبه فليس بظاهر، وقد أمرها أن تمتشط فهل تقولون بوجوبه أيضاً؟.
فالقول الراجح أنها لا تنقض رأسها لا في الحيض ولا في الجنابة.
стр. 2805
الفرع الخامس: المسترسل من الشعر هل يجب غسل ظاهره وباطنه
إذا رجحنا أن المرأة لا يجب عليها نقض شعرها (ضفائرها)، فهل يجب غسل ظاهر الشعر وباطنه؟ أم هل يجب غسل ظاهره فقط؟ أم يجب غسل أصول الشعر (بشرة الشعر) دون المسترسل؟
هذه مسألة اختلف فيها العلماء:
فقيل: يجب غسل ما استرسل من الشعر.
وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣)
وقيل: لا يجب.
وهو مذهب الحنفية (٤)، واختاره ابن قدامة من الحنابلة (٥).
стр. 2806
أدلة الجمهور على وجوب غسل المسترسل .
[الدليل الأول] (*)
(١٦٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا نصر بن علي، أخبرنا الحارث بن وجيه، حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :
تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة (١).
[سنده ضعيف، وسبق تخريجه] (٢).
الدليل الثاني:
(١٦١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي بن أبي طالب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
من ترك موضع شعره من جنابة لم يصبها ماء، فعل الله به كذا وكذا من النار.
قال علي: ومن ثم عاديت شعري (٣).
[المرفوع ضعيف، وصحح وقفه، وسبق بحثه] (٤).
قلت: ولا دلالة فيه، لأن التوعد على ترك موضع الشعرة، لا ترك الشعر
стр. 2807
نفسه، وموضع الشعر هو بشرة الرأس، وهذا يجب غسلها اتفاقاً.
الدليل الثالث:
(١٦٢) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هشام بن عمار، ثنا يحيى بن حمزة، حدثني عتبة بن أبي حكيم، حدثني طلحة بن نافع، حدثني أبو أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ قال:
الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة، كفارة لما بينها قلت: وما أداء الأمانة؟ قال: غسل الجنابة، فإن تحت كل شعرة جنابة (١).
[سنده ضعيف] (٢).
стр. 2808
ولا دلالة فيه، فإن قوله: "تحت كل شعرة" دليل على وجوب غسل البشرة من الرأس وليس هذا محل نزاع.
الدليل الرابع:
ثبت أن الرسول ﷺ كان يخلل شعره في غسل الجنابة، وتخليل الشعر إيصال الماء إلى باطنه، وفعله ﷺ بيان للمجمل في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١).
(١٦٣) فقد روى البخاري، قال: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليها الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم (٢).
وأجيب:
أن التخليل ليس للشعر حتى يقال: إنه من أجل إيصال الماء إلى باطنه، بل التخليل كان لغسل بشرة الرأس، وقول عائشة صريح في هذا: "حتى إذا ظن أنه
стр. 2809
قد أروى بشرته أفاض عليه الماء". ولو سلم فإنه فعل لا يدل على الوجوب، وليس له حكم المجمل حتى يكون بياناً للمجمل، لأنكم لا تقولون بوجوب التخليل. وليس النزاع في الاستحباب.
الدليل الخامس:
(١٦٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، - يعني الثقفي -، حدثنا جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من جنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء. فقال له الحسن بن محمد: إن شعري كثير، قال جابر: فقلت له: يا ابن أخي كان شعر رسول الله ﷺ أكثر من شعرك وأطيب. وهو في البخاري، بنحوه (١).
وجه الاستدلال:
أن جابراً ﵁، حين اعترض عليه بأن الشعر كثير فلا تكفي ثلاث حفنات لم يقل لا يجب غسل الشعر، بل قال: إن شعر الرسول ﷺ أكثر، مما يدل على أنه مستقر غسل الشعر.
وأجيب:
بأن المرفوع من حديث جابر: "صب على رأسه ثلاث حفنات" ولم يقل: "صب على شعره" فالواجب غسل الرأس، وحين اعترض الحسن بن محمد بأن شعره كثير، كان يحتمل أمرين:
стр. 2810
الأول: بأن شعري كثير فيمنع وصول الماء إلى بشرة الرأس.
والثاني: يحتمل قوله: "إن شعري كثير" فيتطلب ماءً أكثر من أجل غسله، وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، فرجعنا إلى القدر المرفوع من الحديث وهو: "كون الصب على الرأس فقط" ثم إننا نقول بوجوب غسل الشعر، ولكن نشترط أن يكون على بشرة تجب غسلها
الدليل السادس:
قالوا: شعر الرأس شعر نابت في محل الغسل، فوجب غسله كشعر الحاجبين وأهداب العينين.
ورده ابن قدامة: "وأما الحاجبان فيجب غسلهما، لأن من ضرورة غسل بشرتهما غسلهما، وكذا كل شعر، من ضرورة غسل بشرته غسله، فيجب غسله ضرورة لأن الواجب لا يتم إلا به" (١).
الدليل السابع:
(١٦٥) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا زائدة، عن صدقة (رجل من أهل الكوفه)، ثنا جميع بن عمير، حدثني عبد الله بن ثعلبة، قال:
دخلت مع أمي وخالتي على عائشة، فسألت احداهما: كيف كنت تصنعين عند الغسل؟ فقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض علي رأسه ثلاث مرات، ونحن نفيض على رؤسنا خمساً من أجل
стр. 2811
الضفر (١).
وجه الاستدلال:
أنها زادت في غسل رأسها من أجل الضفر، وهذا يدل على وجوب غسله.
وأجيب:
بأن الحديث ضعيف، وقد سبق تخريجه (٢). وفي الصحيحين عن عائشة وصف الغسل للرأس، ولم تذكر الضفر،
(١٦٦) فقد روى البخاري، قال: حدثنا خلاد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة ﵂، قالت:
كنا إذا أصاب إحدانا جنابة أخذت بيديها ثلاثاً فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقها الأيسر (٣).
وفي هذا الحديث ذكرت عائشة أن ثلاثاً فوق رأسها، وواحدة لشق رأسها الأيمن، وأخرى لشقه الأيسر.
(١٦٧) وروى البخاري ﵀، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا أبو عاصم، عن حنظلة، عن القاسم، عن عائشة: قالت:
كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه،
стр. 2812
فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقال بها على وسط رأسه. ورواه مسلم أيضاً (١).
فصار الغسل لفوق الرأس، ولشقه الأيمن، لشقه الأيسر، وليس به تعرض للضفائر.
الدليل الثامن:
(١٦٨) ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام،
عن حذيفة، قال، قال لامرأته: خللي رأسك بالماء، لا تخلله النار، قليل بقاياه عليه (٢).
[سنده صحيح] (٣).
стр. 2813
والجواب عن الأثر:
أولاً: أنه موقوف على صحابي.
ثانياً: أنه طلب تخليل الرأس، لا تخليل الشعر، وبينهما فرق، فتخليل الرأس من أجل إيصال الماء إلى بشرة الرأس، وهو مشروع كما كان الرسول ﷺ يخلل شعره بيده حتى إذا ظن أنه أروى بشرته، أفاض الماء ثلاث مرات، ثم أفاض الماء على سائر جسده.
فتبين من هذه الأدلة أن الصحيح منها ليس بصريح، وأن الصريح منها ليس بصحيح.
أدلة من قال: لا يجب غسل باطن الضفائر ولا المسترسل من الشعر .
الدليل الأول:
أن الأحاديث كلها في غسل الجنابة تنص على غسل الرأس، وفرق بين غسل الرأس وغسل الشعر، فلو كان الواجب غسل الشعر لذكر. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (١).
وهي أحاديث كثيرة أسوق بعضها:
(١٦٩) حديث جبير بن مطعم في البخاري، ومسلم:
ولفظ البخاري قال رسول الله ﷺ : أما أنا فأفيض. وقال مسلم: فأفرغ على رأسي ثلاثاً، وأشار بيديه كلتيهما.
стр. 2814
وفي رواية لمسلم: فيه أما أنا فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف (١).
(١٧٠) ومنها حديث جابر في البخاري، ومسلم، وفيه:
كان النبي ﷺ يأخذ ثلاث أكف فيفيضها على رأسه .. وذكر بقية الحديث. هذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء (٢).
(١٧١) وحديث جابر في مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وإسماعيل بن سالم، قالا: أخبرنا هشيم، عن أبي بشر، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله، أن وفد ثقيف سألوا النبي ﷺ فقالوا: إن أرضنا أرض باردة فكيف بالغسل؟ فقال ﷺ : أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثا (٣).
(١٧٢) وفي حديث عائشة فى صفة غسل الرسول ﷺ من الجنابة كما في البخاري: "ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات" (٤).
ولفظ مسلم: "حفن على رأسه ثلاث حفنات" (٥).
стр. 2815
(١٧٣) وفي حديث ميمونة في البخاري: "ثم أفاض على رأسه الماء" (١).
ولفظ مسلم: "ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات" (٢).
(١٧٤) وحديث أم سلمة في مسلم: إنما يكفي أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات .. الحديث (٣). وسوف أسوقه بتمامه في الدليل الثاني.
(١٧٥) وحديث عائشة في مسلم: لقد كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (٤).
وإذا كان لا يجب مسح المسترسل من الشعر في الطهارة الصغرى، لأن الله قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٥). ولم يقل: بشعوركم.
فكذلك لا يجب غسل المسترسل منه في الطهارة الكبرى، لأن الأحاديث لا تذكر إلا غسل الرأس، ولا تذكر غسل الشعر، وليس الاحتياط فى إيجاب غسل المسترسل منه، بل الاحتياط عدم الجزم بالوجوب، وتأثيم الناس حتى يثبت دليل صحيح صريح خال من النزاع.
فإن قيل: أليس قوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ يشمل جميع البدن؟
قيل: بلى، ولكن المسترسل من الشعر ليس من البدن، فنحن نوجب غسل ما كان ساتراً للبدن متصلاً به من أصول الشعر وليس المسترسل منه
стр. 2816
الدليل الثاني:
(١٧٦) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر كلهم عن ابن عيينة - قال إسحاق أخبرنا سفيان - عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت:
يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، افأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفي أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (١).
وجه الاستدلال:
أن أم سلمة ﵂ أخبرت رسول الله ﷺ أنها تشد ضفر رأسها، فلم يأمرها بنقض ضفرها، ولو وجب غسل باطن الشعر، لوجب نقضه ليعلم أن الماء قد وصل إليه، ولما كفاه ثلاث حثيات.
قال ابن قدامة: ومثل هذا لا يبل الشعر المشدود ضفره في العادة" (٢). ولو كان واجباً لقال: "أن تحثي على شعرك" بدلاً من قوله: "على رأسك".
الدليل الثالث:
(١٧٧) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة
стр. 2817
وعلي بن حجر جميعا، عن ابن علية قال يحيى: أخبرنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت:
يا عجباً لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (١).
وجه الاستدلال منه كوجه الاستدلال من حديث أم سلمة.
الدليل الرابع:
قال ابن قدامة: "ولأن الشعر ليس من أجزاء الحيوان - يعني المتصل بل هو في حكم المنفصل - بدليل أنه لا ينجس بموته، ولا حياة فيه - يعني حياة حيوانية بل حياته كحياة الزرع - ولا ينقض الوضوء مسه من المرأة، ولا تطلق بطلاقة، فلم يجب غسله للجنابة كثيابها" (٢).
الدليل الخامس:
(١٧٨) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر, قال: سمعت صفية بنت شيبة، تحدث عن عائشة
أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: "تأخذ إحداكن
стр. 2818
ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم نصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرضة ممسكة فتطهر بها" فقلت أسماء: وكيف أتطهر بها؟ فقلى: "سبحان الله تطهرين بها" فقالت عائشة - كأنها تخفي ذلك -: تتبعين أثر الدم، وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: "تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور، أو تبلغ الطهر، ثم تصب على رأسها فتدلكه، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها من الماء" فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (١).
وجه الاستدلال:
قوله: "ثم تصب على رأسها فتدلكه" أي تدلك رأسها، فلم يأمرها إلا بدلك الشعر الذي على رأسها، بدليل قوله: "حتى تبلغ شؤون رأسها" والشؤون كما قال ابن الأثير: هي عظامه، وطرائقه ومواصل قبائله (٢) , وكذا هو في اللسان (٣).
والمقصود من ذلك أصول شعر رأسها حتى يبلغ بشرة الرأس، ولم يذكر غسل ضفائرها.
وهذا القول هو الراجح. والله أعلم. والقول الأول أحوط.
стр. 2819
مسألة استحباب التيامن في الاغتسال
أما التيامن في غسل الرأس ففيه دليل خاص:
(١٧٩) فقد روى مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى العنزي، حدثني أبو عاصم، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن القاسم، عن عائشة ﵂ قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه. رواه البخاري، ومسلم واللفظ لمسلم (١).
وأما التيامن في البدن فليس فيه حديث صريح في غسل الجنابة والحيض، ولكن فيه حديث أم عطية ﵂:
(١٨٠) قال البخاري: حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا خالد، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، قالت: قال النبي ﷺ لهن في غسل ابنته:
"ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها". رواه البخاري ومسلم (٢).
(١٨١) وفيه حديث عائشة ﵂ عند البخاري، ومسلم (٣) من طريق شعبة، عن الأشعث بن سليم، سمعت أبي يحدث عن مسروق
عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله،
الفرع السادس: في غسل البدن, وهل يغسل ثلاثاً
فقيل: يستحب، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: لا يستحب، وهو المشهور من مذهب المالكية (٤). واختاره ابن تيمية من الحنابلة (٥)، وهو الراجح.
стр. 2823
وقيل: يستحب التكرار في غسل الحيض دون الجنابة.
وهو رواية عن أحمد (١)
أدلة الجمهور في استحباب غسل البدن ثلاثاً .
الدليل الأول:
(١٨٢) روى مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا هشام، عن أبيه عن عائشة،
أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فبدأ فغسل كفيه ثلاثاً (٢).
والوضوء جزء من غسل الجنابة، فإذا ثلث فيه غسل الكفين كان التثليث في سائره مشروعاً.
الدليل الثاني:
(١٨٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من جنابة يغسل يديه ثلاثاً، ثم يأخذ بيمينه ليصب على شماله، فيغسل فرجه حتى ينقيه، ثم يغسل يده غسلاً حسناً، ثم يمضمض ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، ويغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ثم يصب الماء على رأسه ثلاثاً، ثم يغسل، فإذا خرج غسل قدميه (٣).
стр. 2824
وجه الاستدلال:
إذا ثبت التثليث في الوضوء، وهو جزء من غسل الجنابة، كان التثليث في سائر البدن مقيساً عليه.
وأجيب:
أما التثليث في الوضوء من الحدث الأصغر فهذا ثابت في السنة الصحيحة، ولكن لا يسلم القياس لاختلاف الموجب. وما يجب في هذا قد لا يجب في ذاك، كالترتيب والموالاة، وإذا اختلفا فيما يجب اختلفا فيما يستحب.
وأما التثليث في وضوء الغسل من الجنابة فالصحيح أنه لا يشرع، وقد بينا في مسألة مستقلة شذوذ حديث عطاء بن السائب عن أبي سلمة فقد رواه بكير الأشج عن أبي سلمة به وليس فيه ذكر التثليث كما في مسلم، كما اختلف أصحاب عطاء في ذكر التثليث، فرواه شعبة عن عطاء، وهو من أثبت من روى عنه ولم يذكر التثليث، وحديث ميمونة فى غسل الجنابة فيه تفصيل الوضوء ولم تذكر تثليثاً.
انظر مسألة الخلاف بين العلماء: هل يسن تثليث أعضاء الوضوء؟ وما هو الراجح منها؟
الدليل الثالث:
(١٨٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا سليمان بن حرب الواشحي، ومسدد قالا: حدثنا حماد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة - قال سليمان - يبدأ فيفرغ
стр. 2825
بيمينه على شماله، وقال مسدد: غسل يديه يصب الإناء على يده اليمنى، ثم اتفقا: فيغسل فرجه. وقل مسدد: يفرغ الإناء على شماله - وربما كنت عن الفرج - ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل يديه في الإناء، فيخلل شعره، حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة أو أنقى البشرة افرغ على رأسه ثلاثاً، فإذا فضل فضلة صبها عليه (١).
[الحديث صحيح، إلا زيادة: "فإذا فضل فضلة صبها عليه فليست محفوظة] (٢).
стр. 2826
وجه الاستدلال:
قوله: "فإذا فضل فضلة صبها عليه". لا تسمى فضلة إلا بعد الفراغ من الاغتسال، وكونه صبها على بدنه بعد الفراغ من الاغتسال فيه تكرار الغسل للموضع الذي أصابه الماء، وإذا جاز تكراره أكثر من مرة جاز ثلاثاً.
الدليل الرابع:
(١٨٥) ما رواه أحمد، قال: ثنا وكيع، حدثني فضيل بن مرزوق، عن عطية،
عن أبي سعيد الخدري قال: سأله رجل عن الغسل من الجنابة، فقال: ثلاثاً،
стр. 2827
فقال: إني كثير الشعر، قال أبو سعيد: كان رسول الله ﷺ أكثر شعراً منك وأطيب (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 2828
وقال ابن رجب في شرح البخاري: "عطية هو العوفي، فيه ضعف مشهور، ولعله أراد الثلاث في غسل الرأس ولهذا قال له السائل: إن شعري كثير".
وقد خرجه أبو نعيم: الفضل بن دكين في كتاب الصلاة له، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية قال: سأل رجل أبا سعيد الخدري، كم يكفي لغسل رأسه؟ قال: ثلاث حفنات، وجمع يديه، وذكر بقية الحديث". اهـ (١).
الدليل الخامس:
(١٨٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا الحسين بن عيسى الخراساني، حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن شعبة - يعني مولى لابن عباس - قال:
إن ابن عباس كان إذا اغتسل من الجنابة يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرار، ثم يغسل فرجه، فنسي مرة كم أفرغ، فسألني كم أفرغت؟ فقلت: لا أدري، فقال: لا أم لك وما يمنعك أن تدري؟ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على جلده الماء، ثم يقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يتطهر (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
стр. 2829
وكأن الإمام أحمد ﵀ فهم من الحديث التسبيع فى غسل البدن.
قل ابن رجب: "وحكى الإمام أحمد أن ابن عباس كان يغتسل من الجنابة بسبع مرار وقال: هو من حديث شعبة يعني: مولى ابن عباس مشهور عنه (١).
وهكذا فهم أبو الطيب محمد شمس الحق أبادي، قال: "الظاهر من هذا الحديث أن النبي ﷺ كان يغسل أعضاءه في الغسل سبع مرار" (٢).
والظاهر أن التسبيع كان في غسل الفرج، لأنه لم يذكر التسبيع إلا في غسل اليد اليسرى، واليد اليسرى هي التي يغسل بها المرء فرجه قبل الاغتسال.
قال ابن رجب: "وليس في هذه الرواية التسبيع سوى في غسل يده اليسرى قبل الاستنجاء، ويحتمل أن المراد به التسبيع في غسل الفرج خاصة، وهو الأظهر" (٣).
стр. 2830
وذكر ابن عبد البر في التمهيد، قال: عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه سبعاً وفرجه سبعاً" فنص على غسل الفرج، وإن كان هذا الاحتمال يضعفه أن شعبة كان يفرغ على ابن عباس، ولا يمكن أن يكشف ابن عباس عورته لشعبة وعلى كل فالحديث ضعيف فلا حجة فيه (١)
دليل من قال: لا يستحب التثليث في غسل البدن من الحدث الأكبر .
قالوا: الأحاديث الصحيحة في صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة لم يرد فيها أنه غسل بدنه ثلاثاً، وإذا لم يرد، لم يكن مشروعاً، فحديث عائشة، وحديث ميمونة في الصحيحين وحديث أم سلمة في مسلم وغيرها من الأحاديث لا تذكر التثليث.
قال ابن رجب: "حكت ميمونة غسل النبي ﷺ ، ولم تذكر في غسل شيء من أعضائه عدداً إلا في غسل يديه في ابتداء الغسل، مع شك الراوى هل كان غسلهما مرتين أو ثلاثاً؟ وهذا الشك هو من الأعمش، ثم قال: "وأطلقت الغسل في الباقي، فظاهره أنه لم يكرر غسل شيء من جسده بعد ذلك، لا في الوضوء ولا في الغسل بعد" (٢).
стр. 2831
وقال البخاري: باب الغسل مرة، ثم ذكر حديث ميمونة وفيه: "ثم أفاض على جسده" (١). قال الحافظ: "قال ابن بطال، لم يقيده بعدد، فيحمل على أقل ما يسمى وهو المرة الواحدة، لأن الأصل عدم الزيادة عليها".
وهو اختيار ابن تيمية ﵀ (٢).
وقال السعدي ﵀: "والصحيح أن التثليث لا يشرع في الغسل إلا في غسل الرأس، لأن ذلك هو الوارد في صفة غسله، فلم يثبت عنه سوى هذا، وقياس الوضوء على الغسل غير مسلم لوجود الفارق من وجوه كثيرة" انتهى كلامه ﵀ (٣).
قلت: يضاف إلى الرأس غسل الكفين ثلاثاً في ابتداء الغسل، فإنه قد ثبت فيه التثليث.
دليل التفريق بين غسل الحيض وبين غسل الجنابة .
وفرق بعضهم بين غسل الحيض وبين غسل الجنابة، فقال في التكرار فى غسل الحيض ولم يستحبه في غسل الجنابة.
فقد نقل ابن رجب عن يعقوب بن بهتان: سألت أحمد عن النفساء والحائض كم مرة يغتسلان؟ قال: كما تغسل الميتة (٤).
стр. 2832
وقال ابن رجب أيضاً: "غسل الحيض يستحب تكراره كغسل الميتة، بخلاف غسل الجنابة. هذا ظاهر كلام أحمد" (١).
والدليل على استحبابه التثليث في غسل الميتة.
(١٨٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني مالك، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين،
عن أم عطية: ﵂ قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه. ورواه مسلم (٢).
ولعل من الحق الحيض بغسل الميت رأى أنهما غسلان يستحب فيهما استعمال السدر ولا يستحب في غسل الجنابة، والراجح مذهب المالكية، وأنه لا يشرع التثليث في غسل الحيض ولا في غسل الجنابة، ولا حاجة إلى استعمال القياس مع ورود صفة الغسل من الجنابة والحيض من الشارع. والله أعلم.
стр. 2833
الفرع السابع في غسل الرجلين
إذا اغتسلت المرأة للحيض، وبدأت بالوضوء، فهل تغسل رجليها مع الوضوء، أم تؤخر غسلهما إلى تمام الغسل، اختلف الفقهاء في ذلك.
فقيل: لا تغسلهما مع الوضوء بل تؤخر غسلهما إلى تمام الغسل.
وهو مذهب الحنفية، (١) وقول في مذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
وقيل: يغسلهما مع الوضوء.
وهو مذهب المالكية (٥)، والمشهور عند الشافعية (٦).
стр. 2834
وقيل: يغسلهما مع الوضوء، ويعيد غسلهما بعد تمام الغسل.
وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم (٢).
وقيل: التقديم في غسل الرجلين والتأخير سواء. وهو رواية عن أحمد (٣).
دليل من قال يؤخر غسل رجليه .
(١٨٨) استدلوا بما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب, عن ابن عباس، عن ميمونة قالت:
سترت النبي ﷺ وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى فغسل قدميه. ورواه مسلم أيضاً بنحوه (٤).
دليل من قال: لا يؤخر غسل القدمين .
(١٨٩) استدلوا بحديث عائشة، فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة
стр. 2835
زوج النبي ﷺ
أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. ورواه مسلم بنحوه (١).
دليل من قال: التقديم والتأخير سواء .
لعل من خير بينهما رأى أن حديث عائشة وحديث ميمونة صفتان في الغسل، فأيهما فعل فقد فعل السنة.
دليل من قال: إن التقديم والتأخير يتعلق بالمكان .
قال: الظاهر أنه غسل قدميه في حديث ميمونة عند الحاجة كما لو كانت الأرض طيناً، ولو لم يغسلهما لتلوثت رجلاه بالطين، ويدل لهذا أن النبي ﷺ لم يغسل قدميه في حديث عائشة بعد الغسل.
قال النووي: كان النبي ﷺ يعيد غسل القدمين بعد الفراغ لإزالة الطين، لا لأجل الجنابة (٢).
دليل من قال يغسل القدمين مرتين مع الوضوء وفي نهاية الغسل .
(١٩٠) استدلوا بحديث عائشة عند مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قال:
стр. 2836
كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، حتى إذا رأى أن قد استبرأ، حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه (١).
стр. 2837
الشاهد قوله ﷺ : "ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم قال: ثم غسل رجليه" فالحديث ظاهره أنه غسل رجليه مرتين، مرة مع الوضوء، ومرة بعد تمام الغسل. والله أعلم.
الراجح من هذه الأقوال:
القولان: بتقديم الرجلين أو تأخيرهما هما اللذان لهما حظ من النظر، أما بقية الأقوال في المسألة كتعليقه بالحاجة كالطين ونحوه فلا يظهر لي رجحانه.
وحديث عائشة وقوله: "ثم توضأ وضوءه للصلاة" ظاهره الوضوء كاملاً، لكن لا يمنع من اطلاق الوضوء ويراد به أكثره، كما جاء في حديث ميمونة، فإنهم لا يختلفون أنه توضأ إلا رجليه، ومع ذلك جاء في حديث ميمونة أنه توضأ للصلاة.
(١٩١) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان،
стр. 2838
قال: حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة،
أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه.
فهنا في الحديث ذكر أنه توضأ وضوءه للصلاة، ثم ذكر بعد تمام الغسل غسل الرجلين، فالمراد توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، فأطلق الوضوء والمراد غير رجليه، فلا يمنع أن يكون الوضوء في حديث عائشة المراد به غير رجليه.
خاصة إذا قلنا إن رواية أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن عائشة في صحيح مسلم تؤيد ما ذكر، تؤيدها أيضاً رواية حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة، عن عائشة.
قال الحافظ في الفتح متعقباً النووي في قوله: "أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه، قال: لأن أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك" اهـ كلام النووي، قال ابن حجر معقباً: "كذا قال، وليس في شيء من الروايات عنهما التصريح بذلك، بل هي إما محتملة كرواية: "توضأ وضوءه للصلاة" أو ظاهرة في تأخيرهما كرواية أبي معاوية المتقدمة، وشاهدها من طريق أبي سلمة، ويوافقها أكثر الروايات عن ميمونة، أو صريحة في تأخيرهما كحديث الباب - يعني رواية التصريح في رواية ميمونة: وفيه: "توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه" - وراويها مقدم في الحفظ والفقه على جميع من رواه عن الأعمش، وقول من قال: إنما فعل ذلك مرة لبيان الجواز، متعقب، فإن رواية أحمد، عن أبي
стр. 2839
معاوية، عن الأعمش ما يدل على المواظبة: ولفظه: كان رسول إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، فذكر الحديث، وفي آخره: "ثم يتنحى فيغسل رجليه". اهـ (١)
وأبو معاوية من أثبت الناس في الأعمش، وحديثه عنه في الصحيحين.
وقول الحنفية: إن الحامل على غسل الرجلين لأن المكان كان قد اجتمع فيه ماء مستعمل، فيغسل القدمان من الغسالة (٢) قول ضعيف؛ لأن الماء المستعمل طهور على الصحيح. والله أعلم.
стр. 2840
الفرع الثامن: الفرق بين غسل الحيض وغسل الجنابة
قال ابن رجب:
"غسل الحيض والنفاس يفارق غسل الجنابة من وجوه:
أحدهما: أن الوضوء في غسل الحيض لا فرق بين تقديمه وتأخيره، وغسل الجنابة السنة تقديم الوضوء فيه على الغسل".
وأخذه ابن رجب من سؤال يعقوب بن بختان لأحمد: وسألت أحمد عن الحائض متى توضأ؟
قال: إن شاءت توضأت إذا بدأت واغتسلت، وإن شاءت اغتسلت ثم توضأت".
وعلق على هذا ابن رجب فقال:
وظاهر هذا أنها مخيرة بين تقديم الوضوء وتأخيره، فإنه لم يرد في السنة تقديمه - كما في غسل الجنابة - وإنما ورد في حديث أبي الأحوص، عن إبراهيم بن المهاجر: "توضأ وتغسل رأسها وتدلكه" بالواو، وهي لا تقتضي ترتيباً (١).
قلت: قد قدمت بأن تقديم الوضوء على غسل الحيض ثابت، وناقشت هذه المسألة في فصل مستقل، وهذا الذي ذكره لا يصح ذكره من الفروق بين الغسلين
والثاني: قال ابن رجب موصولاً بما تقدم: "أن غسل الحيض يستحب أن