كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، حتى إذا رأى أن قد استبرأ، حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه (١).
стр. 2837
الشاهد قوله ﷺ : "ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم قال: ثم غسل رجليه" فالحديث ظاهره أنه غسل رجليه مرتين، مرة مع الوضوء، ومرة بعد تمام الغسل. والله أعلم.
الراجح من هذه الأقوال:
القولان: بتقديم الرجلين أو تأخيرهما هما اللذان لهما حظ من النظر، أما بقية الأقوال في المسألة كتعليقه بالحاجة كالطين ونحوه فلا يظهر لي رجحانه.
وحديث عائشة وقوله: "ثم توضأ وضوءه للصلاة" ظاهره الوضوء كاملاً، لكن لا يمنع من اطلاق الوضوء ويراد به أكثره، كما جاء في حديث ميمونة، فإنهم لا يختلفون أنه توضأ إلا رجليه، ومع ذلك جاء في حديث ميمونة أنه توضأ للصلاة.
(١٩١) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان،
стр. 2838
قال: حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة،
أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه.
فهنا في الحديث ذكر أنه توضأ وضوءه للصلاة، ثم ذكر بعد تمام الغسل غسل الرجلين، فالمراد توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، فأطلق الوضوء والمراد غير رجليه، فلا يمنع أن يكون الوضوء في حديث عائشة المراد به غير رجليه.
خاصة إذا قلنا إن رواية أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن عائشة في صحيح مسلم تؤيد ما ذكر، تؤيدها أيضاً رواية حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي سلمة، عن عائشة.
قال الحافظ في الفتح متعقباً النووي في قوله: "أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه، قال: لأن أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك" اهـ كلام النووي، قال ابن حجر معقباً: "كذا قال، وليس في شيء من الروايات عنهما التصريح بذلك، بل هي إما محتملة كرواية: "توضأ وضوءه للصلاة" أو ظاهرة في تأخيرهما كرواية أبي معاوية المتقدمة، وشاهدها من طريق أبي سلمة، ويوافقها أكثر الروايات عن ميمونة، أو صريحة في تأخيرهما كحديث الباب - يعني رواية التصريح في رواية ميمونة: وفيه: "توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه" - وراويها مقدم في الحفظ والفقه على جميع من رواه عن الأعمش، وقول من قال: إنما فعل ذلك مرة لبيان الجواز، متعقب، فإن رواية أحمد، عن أبي
стр. 2839
معاوية، عن الأعمش ما يدل على المواظبة: ولفظه: كان رسول إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، فذكر الحديث، وفي آخره: "ثم يتنحى فيغسل رجليه". اهـ (١)
وأبو معاوية من أثبت الناس في الأعمش، وحديثه عنه في الصحيحين.
وقول الحنفية: إن الحامل على غسل الرجلين لأن المكان كان قد اجتمع فيه ماء مستعمل، فيغسل القدمان من الغسالة (٢) قول ضعيف؛ لأن الماء المستعمل طهور على الصحيح. والله أعلم.
стр. 2840
الفرع الثامن: الفرق بين غسل الحيض وغسل الجنابة
قال ابن رجب:
"غسل الحيض والنفاس يفارق غسل الجنابة من وجوه:
أحدهما: أن الوضوء في غسل الحيض لا فرق بين تقديمه وتأخيره، وغسل الجنابة السنة تقديم الوضوء فيه على الغسل".
وأخذه ابن رجب من سؤال يعقوب بن بختان لأحمد: وسألت أحمد عن الحائض متى توضأ؟
قال: إن شاءت توضأت إذا بدأت واغتسلت، وإن شاءت اغتسلت ثم توضأت".
وعلق على هذا ابن رجب فقال:
وظاهر هذا أنها مخيرة بين تقديم الوضوء وتأخيره، فإنه لم يرد في السنة تقديمه - كما في غسل الجنابة - وإنما ورد في حديث أبي الأحوص، عن إبراهيم بن المهاجر: "توضأ وتغسل رأسها وتدلكه" بالواو، وهي لا تقتضي ترتيباً (١).
قلت: قد قدمت بأن تقديم الوضوء على غسل الحيض ثابت، وناقشت هذه المسألة في فصل مستقل، وهذا الذي ذكره لا يصح ذكره من الفروق بين الغسلين
والثاني: قال ابن رجب موصولاً بما تقدم: "أن غسل الحيض يستحب أن
стр. 2841
يكون بماء وسدر، ويتأكد استعمال السدر فيه، بخلاف غسل الجنابة".
قلت: الدليل على استعمال السدر مع الماء في غسل الحيض.
(١٩٢) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث عن عائشة،
أن أسماء بنت شكل سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: "تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء" وذكر بقية الحديث. وقد خرجته فيما سبق.
وقد فهم القرطبي ﵀ في المفهم أن السدر يستعمل لإزالة ما عليها من نجاسة الحيض، لا أنها تستعمله في غسل بدنها.
قال ﵀: "قوله: "تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها" السدر: هنا هو الغاسول المعروف، وهو المتخذ من ورق شجر النبق، وهو السدر، وهذا التطهر الذي أمر باستعمال السدر فيه، هو لإزالة ما عليها من نجاسة الحيض، والغسل الثاني للحيض" (١).
فجعل القرطبي أن قوله ﷺ : "فتطهر فتحسن الطهور" هو إزالة ما عليها من نجاسة دم الحيض بالماء والسدر. وقوله: "ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تصب عليها الماء" هذا وهو غسل الحيض
стр. 2842
وهو بالماء وحده.
والذي يظهر لي أن قوله: "تأخذ ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور" المقصود به الوضوء خاصة بدليل الرواية المفصلة عند أبي داود: "تأخذ سدرها وماءها فتوضأ ثم تغسل رأسها" الحديث ... (١).
فالصحيح أن السدر تستعمله في غسل بدنها كما يستعمل في غسل الميت، فتغسل به بدنها.
ففي شرح البخاري لابن رجب "قال الميموني: قرأت على ابن حنبل: أيجزئ الحائض الغسل بالماء؟ فأملى علي:
إذا لم تجد إلا هو وحده اغتسلت به، قال النبي ﷺ : "ماءك وسدرتك"، وهو أكثر من غسل الجنابة. قلت: وإن كانت قد اغتسلت بالماء ثم وجدته؟ قال: أحب إلي أن تعود لما قال" (٢).
فهذا فارق صحيح بين غسل الحيض وغسل الجنابة، وإذا لم تجد السدر يكفي ما ينوب منابه من الصابون ونحوه من المطهرات.
الفارق الثالث:
يستحب للحائض أن تأخذ شيئاً من مسك فتجعله في قطنة أو خرقة أو نحوها وتدخلها في فرجها بعد اغتسالها ومثلها النفساء.
(١٩٣) لما روى البخاري، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا ابن عيينة، عن
стр. 2843
منصور بن صفية، عن أمه، عن عائشة ﵂ أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض فأمرها أن تغتسل، قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها. قالت: كيف؟ قال: سبحان الله تطهري بها، فاجتبذتها، فقلت: تتبعي بها أثر الدم. ورواه مسلم أيضاً (١).
قال ابن رجب: "وعلل أحمد ذلك بأنه يقطع زفورة الدم، وهذا هو المأخذ الصحيح عند أصحاب الشافعي أيضاً.
وشذ الماوردي فحكى في ذلك وجهين:
أحدهما: أن المقصود بالطيب تطييب المحل ليكمل استمتاع الزوج بإثارة الشهوة وكمال اللذة.
والثاني: لكونه أسرع إلى علوق الولد.
قال: فإن فقدت المسك، وقلنا بالأول أتت بما يقوم مقامه في دفع الرائحة.
وإن قلنا بالثاني فما يسرع إلى العلوق كالقسط والأظفار ونحوهما قال: واختلف الأصحاب في وقت استعماله، فمن قال بالأول: قال: بعد الغسل.
стр. 2844
ومن قال بالثاني: فقبله، ثم قال:
"والصواب أن المقصود به تطييب المحل، وأنها تستعمل بعد الغسل، ثم ذكر حديث عائشة أن أسماء بنت شكل سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال: "تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها" (١).
قال: وقد اتفقوا على استحبابه للزوجة وغيرها، والبكر والثيب. والله أعلم.
قال: واستعمال الطيب سنة متأكدة يكره تركه بلا عذر (٢).
وقول النبي ﷺ : "خذي فرصة ممسكة فتطهري بها"، وفي رواية: "توضئي بها" يدل على أن المراد به التنظيف والتطيب والتطهير.
وذلك سماه تطهيراً وتوضئاً، والمراد الوضوء اللغوي الذى هو النظافة.
وقد ترجم البخاري ﵀ فقال: باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض.
(١٩٤) وساق البخاري ﵀، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حفصة، عن أم عطية عن النبي ﷺ قالت: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب، وقد
стр. 2845
رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيض في نبذة من كست أظفار، وكنا ننهى عن اتباع الجنائز (١).
قل الحافظ ابن حجر ﵀: المراد بالترجمة أن تطيب المرأة عند الغسل من المحيض متأكد بحيث أنه رخص للحادة التي حرم عليها استعمال الطيب في شيء منه مخصوص، ثم نقل عن النووي: "ليس القسط والظفر من مقصود الطيب، وإنما رخص فيه للحادة إذا اغتسلت من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة.
وقال المهلب: رخص لها في التبخر لدفع رائحة الدم عنها لما تستقبله من صلاة" (٢).
وقال ابن رجب: "كذلك قول عائشة: "تتبعي به مجاري الدم" إشارة إلى إدخاله الفرج.
واستحب بعض الشافعية استعمال الطيب في كل ما أصابه دم الحيض من الجسد أيضاً، لأن المقصود قطع رائحة الدم حيث كان.
ونص أحمد على أنه لا يجب غسل باطن الفرج من حيض ولا جنابة ولا استنجاء.
قال جعفر بن محمد: قلت لأحمد: إذا اغتسلت من المحيض تدخل يدها؟
قال: لا إلا ما ظهر ولم ير أن تدخل أصابعها ولا يدها في فرجها في غسل ولا وضوء" (٣).
стр. 2846
الفرع التاسع: صفة الغسل الكامل والمجزي
ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا فرق بين غسل الجنابة وغسل الحيض، فقد روى ابن أبي شيبة، قال رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله - يعني: ابن عمر - عن عطاء والزهري قالا: الغسل من الجنابة والحيض واحد (١).
وسنده صحيح.
ورواه الدارمي من طريق الأوزاعي، عن عطاء، والزهري به (٢).
وقال ابن عبد البر في التمهيد كما في فتح البر: قال مالك: اغتسال المرأة من المحيض كاغتسالها من الجنابة (٣).
وقال الشافعي في الأم: وغسلها من الحيض كغسلها من الجنابة لا يختلفان (٤).
ولعل قولهم: "غسل الجنابة والحيض واحد" يعني فيما يجب لا فيما يستحب، فالسدر، والمسك يستحبان في غسل الحيض والنفاس، ولا يستحبان في غسل الجنابة كما قد أوضحت".
وإذا كان غسل الجنابة والحيض واحداً، فسوف نفصل الاغتسال من
стр. 2847
الجنابة ما لم يرد ذكره مفصلاً في غسل الحيض، وسنعتمد إن شاء الله على مشروعيته والاستدلال عليه من وروده في غسل الجنابة.
فأقول وبالله التوفيق:
الغسل نوعان: كامل - ومجزي
أما صفة الكامل.
أولاً: أن تنوي، وقد ذكرنا موقف العلماء من حكم النية، فالجمهور على أن النية شرط، والأحناف على أن النية مستحبة، والحق مع الجمهور.
ثانياً: لا يشرع لها التسمية.
لكن إن توضأت المرأة قبل اغتسالها قد يستحب لها ذلك، وقد فصلنا الخلاف في هذا.
ثالثاً: غسل اليدين ثلاثاً قبل إدخالها في الإناء.
(١٩٥) لما رواه البخاري ومسلم: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ... الحديث (١). وهذا مستحب، إلا إن كانت قائمة من نوم الليل فالحنابلة يوجبونه (٢).
والجمهور على استحبابه (٣).
стр. 2848
(١٩٦) وفي حديث ميمونة في البخاري، ومسلم:
فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً (١).
(١٩٧) وفي حديث عائشة عند مسلم: أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فبدأ فغسل كفيه ثلاثاً (٢).
رابعاً: غسل الأذى الذي على البدن.
(١٩٨) لما رواه مسلم، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل بدأ بيمينه فصب عليها من الماء فغسلها ثم صب الماء على الأذى الذي به بيمينه، وغسل عنه بشماله حتى إذا فرغ من ذلك صب على رأسه (٣).
قلت: وهذا الأذى إن كان يمنع وصول الماء كانت إزالته واجبة وإلا فمستحبة.
خامساً: تنظيف اليد بعد غسل الأذى.
(١٩٩) لما روى البخاري، ومسلم، واللفظ له:
عن ميمونة ﵂ قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه،
стр. 2849
وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً ... الحديث (١).
فيستحب بعد غسل الأذى على البدن، أن تدلك يدها لتطهرها، إما بالأرض، أو بالحائط، أو ما يقوم مقامهما من الصابون ونحوه.
سادساً: البداءة بالغسل بأعضاء الوضوء.
وهو سنة، ومحله قبل الاغتسال، وتتوضأ إلا في رأسها فإنها تغسله بدل مسحه، ولا يشرع في هذا الوضوء غسل الأعضاء ثلاثاً بل تكتفي بغسلها مرة واحدة بنية رفع الحدث الأكبر، ثم تغسل بقية بدنها ولا تعيد غسل أعضاء الوضوء مرة ثانية، ولا تنقض شعرها لغسل الجنابة والحيض ولا لغيرهما، ويستحب لها غسل ما استرسل من الشعر، وسواء دخل الماء إلى باطن الضفائر أم لا.
والسنة في غسل الرأس أن تخلل شرها بالماء حتى إذا ظنت أنها قد أروت بشرة رأسها أفاضت عليه الماء ثلاثاً، مبتدأة بجانب رأسها الأيمن، ثم الأيسر ثم الأوسط، تعم رأسها فى كل حفنة، ولها أن تغسل رجليها مع الوضوء، ولها أن تؤخر غسل رجليها إلا بعد الفراغ من الغسل.
سابعاً: ثم تفيض الماء على ما تبقى من بدنها مرة واحدة.
ثامناً: يستحب لها أن يكون مع الماء سدر أو ما يقوم مقامه من صابون وغيره، وهذه للحائض والنفساء خاصة.
стр. 2850
تاسعاً: فإذا فرغت من غسلها أخذت قطعة من القطن، ووضعت فيها شيئاً من المسك ونحوه وتتبعت بها أثر الدم.
والغسل المجزي: أن تنوي وتعم بدنها بالغسل مرة
стр. 2851
الفصل الثالث في طهارة الحائض من دم الحيض
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في نجاسة دم الحيض.
المبحث الثاني: هل يتعين الماء في إزالة دم الحيض، أو يزال بأي مطهر.
المبحث الثالث: هل يجب عدد معين في غسل دم الحيض.
المبحث الرابع: علامة الطهر عند الحائض.
стр. 2852
المبحث الأول في نجاسة دم الحيض
نقل الإجماع على نجاسة دم الحيض كثير من الفقهاء، وإليك النقول عن بعضهم.
قال النووي: "والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافاً عن أحد من المسلمين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهر، ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف على المذهب الصحيح الذي عليه جمهور أهل الأصول من أصحابنا وغيرهم، لا سيما في المسائل الفقهيات" (١).
وقال ابن عبد البر: الدم المسفوح رجس نجس، وهذا إجماع من المسلمين (٢).
وقال الشوكاني: "واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين" (٣).
الأدلة على نجاسة دم الحيض.
الدليل الأول:
(٢٠٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، قال: حدثتني فاطمة عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ،
стр. 2853
فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (١).
قال الحافظ ﵀: (تحته): أي تحكه. كذا رواه ابن خزيمة، والمراد بذلك إزالة عينه.
(ثم تقرصه): أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها، ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه.
(وتنضحه) قال الخطابي: أي تغسله. وقال القرطبي: المراد به الرش؛ لأن غسل الدم استفيد من قوله: "تقرصه بالماء". وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب. قال الحافظ: فعلى هذا فالضمير في قوله: تنضحه يعود على الثوب، بخلاف تحته. فإنه يعود على الدم، فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو على خلاف الأصل. ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئاً؛ لأنه إن كان طاهراً فلا حاجة إليه، وإن كان متنجساً لم يطهر بذلك. فالأحسن ما قاله الخطابي (٢).
قلت: النضح يأتي في اللغة بمعنى الغسل، كما يأتي بمعنى الرش، قال ابن الأثير: قد يرد النضح بمعنى الغسل والإزالة، ومنه الحديث: نضح الدم عن جبينه (٣).
(٢٠١) قلت: الحديث قد رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع ومحمد بن بشر، عن الأعمش، عن شقيق،
стр. 2854
عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه، فهو ينضح الدم عن جبينه (١).
قال السيوطي في شرحه للحديث ينضح الدم بكسر الضاد أي يغسله ويزيله (٢). وقال الطحاوي: فقد يجوز أن يكون أراد بالنضح الغسل لأن النضح قد يسمى غسلا قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبها يعني يضرب البحر بجانبها. (٣) اهـ.
وهذا الحديث الذي ذكره الطحاوي.
(٢٠٢) قد رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أخبرنا جرير، أنبأنا الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد قال:
خرج رجل من طاحية مهاجراً يقال له بيرح بن أسد، فقدم المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ بأيام فرآه عمر رضي الله تعالى عنه فعلم أنه غريب، فقال له: من أنت؟. قال من أهل عمان. قال: نعم قال فأخذ بيده فأدخله على أبي بكر رضي الله تعالى عنه. فقال: هذا من أهل الأرض التي سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني لأعلم أرضاً يقال لها عمان، ينضح بناحيتها البحر، بها حي من العرب لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر (٤).
стр. 2855
[وإسناده ضعيف] (١).
الدليل الثاني:
(٢٠٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك
стр. 2856
الدم ثم صلي.
قال وقال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (١)
وجه الاستدلال من الحديث:
قوله: "فاغسلي عنك الدم" أمر، والأصل فيه الوجوب.
الدليل الثالث:
(٢٠٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أصبغ، قال: أخبرني ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم، حدثه عن أبيه، عن عائشة قالت:
كانت إحدانا تحيض، ثم تقترص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله، وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه (٢).
الدليل الرابع:
(٢٠٥) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدى بن دينار، قال: سمعت أم قيس بنت محصن قالت:
سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع (٣)
قال السندي: حكيه بضلع بكسر معجمة وفتح لام: أي بعود وفي الأصل واحد أضلاع الحيوان أريد به العود لشبهه به، وقد تسكن اللام تخفيفا. قال الخطابي: وإنما أمر بحكه لينقلع المتجسد منه اللاصق بالثوب، ثم يتبعه الماء ليزيل الأثر وزيادة السدر للمبالغة وإلا فالماء يكفي، وذكر الماء لأنه المعتاد ولا يلزم منه أن غيره من المائعات لا تجزى كيف ولو كان لبيان اللازم لوجب السدر أيضاً ولا قائل به (١).
الدليل الخامس:
(٢٠٦) ما رواه أحمد، قال: ثنا حسن، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا حيي بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمن الحبلي حدثه، عن عائشة زوج النبي ﷺ
أنها طرقتها الحيضة من الليل ورسول الله ﷺ يصلي فأشارت إلى رسول الله ﷺ بثوب وفيه دم فأشار إليها رسول الله ﷺ وهو في الصلاة اغسليه فغسلت موضع الدم ثم أخذ رسول الله ﷺ ذلك الثوب فصلى
المبحث الثاني: هل يتعين الماء في إزالة دم الحيض، أو يكفي أي مطهر
اختلف العلماء في هذه المسألة.
فقيل: لا تزال النجاسة إلا بالماء، ومنها دم الحيض.
وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، ومحمد وزفر من الحنفية (٤).
وقيل: النجاسة تزال بأي مزيل طاهر، ولا يتعين الماء.
وهو المشهور من مذهب الحنفية (٥)، واختيار ابن تيمية (٦).
وقيل: إن نص الشارع على تطهيره بالماء كنجاسة دم الحيض لم يجز العدول إلى غيره.
стр. 2861
وإن نص الشارع على غير الماء كطهارة النعلين، فيجوز الاقتصار عليه.
ويجوز العدول إلى الماء؛ لأن الماء أقوى من غيره بالتطهير.
وإن كان الشارع لم ينص على مادة التطهير، وجب الاقتصار على الماء فقط. وهذا القول اختيار الشوكاني ﵀ (١).
أدلة الجمهور على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ... ﴾ الآية (٢).
وجه الاستدلال:
قال النووي: ذكره سبحانه امتناناً، فلو حصل بغيره لم يحصل الامتنان (٣).
الجواب عليه:
لا يظهر لي أن الله سبحانه عندما ذكره امتناناً أنه إذا حصل بغيره لم يحصل الامتنان، فقد يكون حصول الماء أيسر من غيره، وقد يكون ذكر الماء باعتبار أن العبد ليس له سبب في وجوده، فالله هو الذي ينزل الغيث، وقد يكون لغير ذلك. والله أعلم.
الدليل الثاني:
(٢٠٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمَّد بن المثنى، نقال: حدثنا يحيى،
стр. 2862
عن هشام، قال: حدثتني فاطمة، عن أسماء، قالت:
جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أرشد في تطهير الثوب من دم الحيض إلى الماء، ولم يرشد إلى غيره، فتعين الماء لإزالة نجاسة الثوب من دم الحيض، لكونه هو المنصوص عليه، وباقي النجاسات مقيسة عليه.
الدليل الثالث:
(٢٠٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا خالد، قال: وحدثنا سليمان، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت أنس بن مالك، قال:
جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه. وراه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ حين أراد تطهير المسجد من بول الأعرابي أمر بالماء، لقوله في الحديث: "أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء" فهذا الأمر دال على الوجوب. قالوا: وهذا دال على اختصاص الماء بالتطهير.
стр. 2863
الدليل الثالث:
(٢٠٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :
"طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب". (١)
فهذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث التي نص الرسول ﷺ في تطهيرها بالماء كحديث أبي ثعلبة الخشني في الصحيحين في غسل آنية الكفار إذا لم نجد غيرها - كلها دليل على أن الماء هو آلة التطهير، ولا يطهر غيره.
وأجيب عن هذه الأدلة:
هذه الأدلة دليل على أن الماء يزيل النجاسة، وهذا لا إشكال فيه، وهو محل إجماع (٢)، لكن ليس فيها دلالة على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء. وفرق بين المسألتين.
الدليل الرابع من النظر:
قالوا: إذا كانت طهارة الحدث لا تكون إلا بالماء مع وجوده، فكذلك إزالة النجاسة لا تكون إلا بالماء.
وأجيب: بأن القياس على طهارة الحدث قياس مع الفارق لما يلي:
стр. 2864
أولاً: طهارة الحدث تشترط لها النية على الصحيح خلافاً للحنفية، بخلاف طهارة الخبث.
ثانياً: طهارة الحدث لا تسقط بالجهل والنسيان على الصحيح، بخلاف طهارة الخبث.
ثالثاً: طهارة الحدث طهارة تعبدية محضة، غير معقولة المعنى، وأما طهارة الخبث فإنها طهارة معللة بوجود النجاسة الحسية.
وإذا ثبت الفرق لم يصح القياس.
أدلة القائلين: لا يشترط الماء لإزالة النجاسة .
الدليل الأول:
(٢١٠) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش ح وحدثنا يحيى بن يحيى واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال: قيل له:
قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال فقال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم (١).
وجه الاستدلال:
أن الاستنجاء بالأحجار إزالة للنجاسة بغير الماء، وفي هذا دليل على أنه لا يتعين الماء في إزالة النجاسة.
стр. 2865
الدليل الثاني:
(٢١١) ما رواه أحمد، قال: يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله ﷺ صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثاً فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثاً فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (١).
[الحديث إسناده صحيح] (٢).
стр. 2866
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ قد أرشد إلى تطهير النعلين بالتراب، وهو غير الماء.
الدليل الثالث:
(٢١٢) ما رواه أحمد، قال: ثنا أبو كامل، ثنا زهير - يعني ابن معاوية - ثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله، قال وكان رجل صدق،
стр. 2867
عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت: يا رسول الله إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة فكيف نصنع إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى قال: فهذه بهذه (١).
[إسناده صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
أن هذا تطهير لذيل المرأة بالتراب، وهو غير الماء.
стр. 2868
الدليل الرابع:
من النظر: أن النجاسة عين خبيثة لها طعم، أو لون، أو رائحة. والمطلوب هو إزالة كل ذلك، فإذا ذهب طعمها, ولونها ورائحتها بأي مزيل زال حكمها، وأصبح المحل طاهراً، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
دليل الشوكاني على تقسيمه النجاسة إلى ثلاثة أقسام .
احتج الشوكاني: أن ما نص الشارع على تطهيره بالماء، كنجاسة دم الحيض، وبول الأعرابي إذا كان على الأرض، وبول الجارية، ونحوها. لا يجوز العدول إلى غير الماء. والتعليل: لأن الشارع لما نص على الماء تعين، ولأن الماء لا يساويه غيره في قوة التطهير.
أما النوع الذي نص على تطهيره بغير الماء كطهارة النعلين، وذيل المرأة بالتراب، وكالاستنجاء بالحجارة، فهذا النوع يجوز الاقتصار على التراب والأحجار لورود النص به. ويجوز العدول إلى الماء؛ لأن الماء أقوى من غيره في التطهير.
وأما النجاسة التي لم ينص الشارع على مادة تطهيرها، فيجب الاقتصار على الماء؛ لأن تطهيره بالماء متيقن، وطهارته بغير الماء مشكوك فيها، فلا نترك اليقين إلى الشك (١).
وظاهر هذا القول القوة، ولكن عند التأمل تراه ظاهرية واضحة، إذ لا فرق بين أن تكون النجاسة على ذيل المرأة فتزال بالأحجار، أو تكون على وسط الثوب فيتعين الماء كطهارة بول الجارية، فإن بول الجارية أرشد الرسول ﷺ إلى تطهيره بالماء.
стр. 2869
المبحث الثالث: هل يجب تكرار الغسل في نجاسة دم الحيض
اختلف العلماء في وجوب تكرار الغسل في نجاسة دم الحيض،
فقيل: إن كانت النجاسة مرئية، كالدم يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها، وإن كانت غير مرئية، وجب غسلها ثلاثاً، وذلك مثل نجاسة ولوغ الكلب، ونحوها. وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: لا يجب العدد في غسل النجاسات مطلقاً ما عدا الكلب، وهو مذهب مالك، (٢) والشافعية إلا أنهم الحقوا الخنزير بالكلب (٣).
وقيل: يجب غسل جميع النجاسات سبعاً، إلا نجاسة بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، والنجاسة التي على الأرض. وهو مذهب الحنابلة (٤)
والراجح أنه يكفي في غسل النجاسات غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، فإن لم تذهب كرر ذلك حتى تذهب. والله أعلم.
стр. 2870
دليل من قال لا يشترط التكرار في غسل النجاسات
الدليل الأول:
(٢١٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمَّد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، قال: حدثتني فاطمة عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت:
أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع. قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
فهنا الرسول ﷺ لم يذكر عدداً في غسل نجاسة دم الحيض، والمقام مقام بيان، وجواب عن سؤال كيف يطهر الثوب، وقد أرشد الرسول ﷺ إلى حته، وقرصه، وغسله، مع أن الحت ليس بواجب مع الغسل، فدل على أن التكرار ليس بواجب.
الدليل الثاني:
(٢١٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمَّد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق
стр. 2871
وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي
قال وقال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمرها بغسل الدم، بقوله ﷺ : "واغسلي عنك الدم، ثم صلي". ولو كان العدد معتبراً لبينه النبي ﷺ .
الدليل الثالث:
(٢١٥) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني ثابت أبو المقدام، قال: حدثني عدى بن دينار، قال:
سمعت أم قيس بنت محصن قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض. قال: حكيه بضلع، واغسليه بالماء والند والسدر.
[إسناده صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
الاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالذي قبله، وقد ذكر السدر مع كونه ليس واجباً، فكيف يترك ذكر العدد مع وجوبه.
стр. 2872
الدليل الرابع:
من النظر، قالوا: النجاسة عين محسوسة، ووجوب غسلها معلل ببقائها، فإذا زالت من الغسلة الأولى ارتفع حكمها. والله أعلم.
دليل الحنابلة على وجوب غسل النجاسات سبعاً .
الدليل الأول:
(٢١٦) قال ابن قدامة: روي عن ابن عمر أنه قال: أمرنا بغسل الأنجاس سبعا (١).
والجواب على هذا من وجهين.
الأول: أن هذا الأثر لا يعرف مسنداً في كتب الحديث، إنما ذكره الحنابلة في كتبهم الفقهية، فلا حجة فيه.
الثاني: على فرض صحته قد روي ما يدل على أنه منسوخ.
(٢١٧) فقد روى أحمد، قال:، ثنا حسين بن محمَّد، ثنا أيوب بن جابر، عن عبد الله - يعني بن عصمة -، عن ابن عمر قال:
كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار، والغسل من البول سبع مرار، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا، والغسل من الجنابة مرة، والغسل من البول مرة (٢).
стр. 2873
[إسناده ضعيف] (١).
الدليل الثاني:
قالوا: ثبت الأمر بغسل نجاسة الكلب سبعاً، وغيرها من النجاسات
стр. 2874
قياساً عليه.
والدليل على وجوب غسل نجاسة الكلب سبعاً .
(٢١٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: إن رسول الله ﷺ ، قال:
إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا. ورواه مسلم (١).
وأجيب:
بأن نجاسة الكلب مغلظة لا يمكن قياس النجاسة العادية على النجاسة المغلظة. أرأيت نجاسة دم الحيض مع أنه مجمع على نجاسته كما قدمنا إلا أنه لم يرد فيه تكرار الغسل، ولم يرد ذكر التراب في تطهير شيء من النجاسات إلا نجاسة الكلب، والرواية التي فيها ذكر التراب رواها مسلم في صحيحة،
(٢١٩) قال مسلم: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (٢).
دليل الحنفية على التفريق بين النجاسة المرئية وبين النجاسة غير المرئية .
قالوا: بأن النجاسة إذا كانت مرئية كالدم ونحوه فطهارتها زوال عينها، ولا عبرة فيه بالعدد؛ لأن النجاسة في العين، فإن زالت العين زالت النجاسة،
стр. 2875
وإن بقيت بقيت.
وأما إن كانت النجاسة غير مرئية فإنه يجب غسلها ثلاث مرات، والدليل على ذلك.
[الدليل الأول] (*)
(٢٢٠) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال ثنا أبو نعيم: قال ثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة
في الإناء يلغ فيه الكلب أو الهر قال يغسل ثلاث مرار (١).
[الحديث المحفوظ من حديث أبي هريرة الأمر بغسله سبعاً] (٢).