← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

. . . . . . . . . . .

стр. 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 323

. . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 324

. . . . . . . . . . . . . . .

стр. 325

. . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 326

وجه الاستدلال: من الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن قوله ﷺ : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، مفهومه أنه إذا كان دون القتين فإنه يحمل الخبث. الوجه الثاني: لو كان الماء لا ينجس إلا بالتغير لم يكن للتحديد بالقلتين فائدة؛ لأن الماء إذا تغير بالنجاسة نجس، ولو كان مائة قلة. الدليل الثاني: (٨٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، قال: أخبرنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه، أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه. ولمسلم: ثم يغتسل منه. وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ : نهى عن البول في الماء الدائم، وقد يتغير، وقد لا

стр. 327

يتغير، ونهيه عن الاغتسال فيه دليل على أنه يؤثر فيه البول، ولم يشترط الرسول ﷺ التغير. الدليل الثالث: (٩٠) ما رواه مسلم، قال: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب. (٩١) ورواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب، وجعله طهارة لهذا الإناء، كما أمر بإراقة سؤره، ولم يفرق بين ما تغير وما لم يتغير، وهذا دليل على أن النجاسة تؤثر في الماء ولو لم يتغير الماء. الدليل الرابع: (٩٢) ما رواه مسلم، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وحامد بن عمر البكراوي، قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد بن عبد الله بن شقيق،

стр. 328

عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. وأخرجه البخاري دون قوله: ثلاثاً (١). وجه الاستدلال: قال النووي ﵀: نهاه النبي ﷺ عن غمس يده، وعلله بخشية النجاسة، ويعلم بالضرورة أن النجاسة التي قد تكون على يده وتخفى عليه لا تغير الماء، فلولا تنجسه بحلول نجاسة لم تغيره لم ينهه. دليل من قال: لا ينجس الماء إلا بالتغير . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ الآية (٢)، وهذا الماء الذى وقعت فيه نجاسة ولم تغيره باق على صفته التى خلقها الله عليها، لا فى لونه، ولا فى طعمه، ولا في رائحته فكيف يحرم الوضوء منه، ونعدل الى التيمم مع وجوده. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ (٣)، فقد سمى الله الماء طهوراً، وهو إنما يكون طهوراً بصفته، فلا ينزع عنه اسم الطهورية حتى تنتفي عنه هذه الصفة بالتغير، فأخبر الله أن الماء طاهر في نفسه

стр. 329

مطهر لغيره، فوجب ثبوت هذا الوصف له على كل حال، حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، فإذا أطلق الله ذلك ولم يقيده بحال دون حال، فكل شيء خالطه من شيء نجس أو طاهر، ولم يغير ذلك المخالط له أحد أوصافه، بقي على أصله من الطهارة والتطهير، كان الماء قليلاً أو كثيراً، إلا أنا نكره استعمال القليل منه الذي لا مادة له، ولا أصل، مع كونه في الحكم طاهراً. الدليل الثالث: (٩٣) ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا عبد العزيز بن مسلم، قال: ثنا مطرف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط بن أيوب (١)، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: انتهيت إلى النبي ﷺ ، وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: يا رسول الله توضأ منها وهى يلقى فيها ما يلقى من النتن؟ فقال: إن الماء لا ينجسه شيء (٢). [صحيح بشواهده وسبق تخريجه]. وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ حكم أن الماء طهور لا ينجسه شئ، وهذا يشمل القليل والكثير، بقى ما تغير بالنجاسة فإنه نجس بالإجماع، وما عداه فهو طهور.

стр. 330

الدليل الرابع: الأصل في الماء أنه طهور، ولا ننتقل عن هذا الأصل إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قول صاحب لا مخالف له، والفرق بين الماء النجس والماء الطهور هو أنه يوجد في الماء النجس صفات يحكم من خلالها بنجاسته، فإذا لم يظهر في الماء أثر النجاسة لافي لونه، ولافي طعمه، ولافي رائحته، فكيف نحكم عليه بأنه نجس (١). الدليل الخامس: معلوم أنه إذا استحال الشيء بالشيء حتى لا يرى له ظهور يحكم له بالعدم، وعلى هذا فلو وقعت قطرة من لبن امرأة في ماء، فاستهلكت، وشربه الرضيع خمس رضعات فأكثر لم تنتشر الحرمة، ولو كانت قطرة خمر فاستهلكت في الماء البتة لم يجلد بشربه، فكذلك لو كانت قطرة بول لم تغير الماء يبقى الماء على أصله (٢). الدليل السادس: (٩٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن أبا هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : دعوه، وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين (٣).

стр. 331

وجه الاستدلال: قالوا: نعلم قطعاً أن بول الأعرابي باق في موضعه، وإن صب عليه ذلك الماء، وإنما قضى النبي ﷺ بطهارة ذلك الموضع لغلبة الماء له، واستغراقه عليه، واستهلاك أجزائه لأجزاء البول لغلبته عليه. وقال الباجي: وهو حجة على أبي حنيفة والشافعي وغيرهما، في قولهم: إن قليل الماء ينجسه قليل النجاسة، وإن لم تغيره، وهذا مسجد النبي ﷺ ، وهو أرفع المواضع التي يجب تطهيرها، وقد حكم النبي فيه ﷺ بصب دلو من ماء على مانجس بالبول، ولا معنى له إلا تطهيره للمصلين فيه (١). قلت: ولا ينفكون منه بالتفريق بين ورود النجاسة على الماء، وورود الماء على النجاسة؛ لأن هذا التفريق لم يقم عليه دليل، وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى. الجواب عن الأدلة السابقة: أما الجواب عن حديث القلتين فمن وجهين: الوجه الأول: أن يقال عندنا منطوق ومفهوم، والمنطوق مقدم على المفهوم. فحديث: "الماء طهور لا ينجسه شىء" منطوقه يشمل القليل والكثير. وحديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" منطوقه موافق لحديث:"إن الماء طهور لا ينجسه شىء" لأن منطوقه أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجسه شيء. ومفهومه: أن الماء إذا كان دون القلتين فإنه ينجس، وهذا المفهوم

стр. 332

معارض لمنطوق حديث أبي سعيد، فيقدم المنطوق على المفهوم، فنأخذ من حديث القلتين منطوقه فقط، ولا نأخذ مفهومه؛ لأنه يعارض منطوق حديث أبي سعيد. قال ابن المنذر في الأوسط للتدليل على هذه القاعدة: ونظير ذلك قوله تعالى ﴿حافظوا على الصلوات﴾ الآية (١)، فأمر بالمحافظة على الصلوات، والصلوات داخلة في جملة قوله: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ (٢)، ثم خص الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها، فقال: ﴿والصلاة الوسطى﴾ (٣)، فلم تكن خصوصية الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها مخرجاً سائر الصلوات من الأمر العام الذي أمر بالمحافظة على الصلوات " اهـ (٤). فكأن ابن المنذر يقول مفهوم ﴿والصلاة الوسطى﴾ (٥) الآية، لم يؤخذ ويعارض به منطوق حافظوا على الصلوات. أو نقول بتعبير آخر: إذا ذكر عموم، ثم ذكر فرد من أفراد العموم يوافق العموم في الحكم، فإن هذا الفرد لا يعتبر مخصصاً ولا مقيداً للعموم. مثال ذلك: إذا قلنا: أكرم طلبة العلم، فهذا لفظ يفيد عموم الطلبة، ثم قلنا: أكرم زيداً، وكان زيد من طلبة العلم، فإنه لا يفهم منه تخصيص الإكرام لزيد وحده.

стр. 333

فالرسول ﷺ قال: "إن الماء طهور لا ينجسه شىء" هذا عام يشمل القليل والكثير، ثم أخبر الرسول ﷺ بحديث القلتين، أن الماء الكثير لا ينجس، فهو فرد من أفراد قوله ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شىء" فلا يقتضي تخصيصه ولا تقييده. الوجه الثاني: أن يقال إن الرسول الله ﷺ أراد أن يعطي حكماً أغلبياً وليس حكماً مطرداً. فالرسول ﷺ قال في حديث ابن عمر: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " هل معنى ذلك أنه لا ينجس أبداً؟ الجواب: لا. إذ لو تغير بالنجاسة لنجس إجماعاً، ولكن معنى لم يحمل الخبث: أي غالباً لا يتغير بالنجاسة. ومفهومه: إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث أي في الغالب أيضاً، وليس مطلقاً، وكيف نعرف أنه حمل الخبث أو لم يحمل؟ الجواب: نعرف ذلك بالتغير، فالغالب أن الماء إذا كان دون القلتين أنه يتغير بالنجاسة فإن لم يتغير عرفنا أنه لم يحمل الخبث. فإذا كان منطوق الحديث يحمل على الغالب بالإجماع، فكذلك مفهوم الحديث ينبغي أن يحمل على الغالب من باب أولى، لأن المفهوم أضعف من المنطوق (١). أما الجواب عن حديث لا يبولن أحدكم في الماء الدائم واستدلالهم بأن النبي ﷺ ما نهى عن الاغتسال في الماء الدائم بعد البول فيه إلا لأنه يتنجس بذلك.

стр. 334

فالجواب عن ذلك: أولاً: أن النهي عن الاغتسال فيه لا يدل على أنه تنجس، ألا ترى أن الجنب قد نهي عن الاغتسال في الماء الدائم مع أن بدنه طاهر كما في قوله ﷺ : " إن المؤمن لا ينجس " متفق عليه، ومع ذلك لو انغمس في الماء الدائم فإنكم لا تقولون بنجاسته كما هو مذهب الحنابلة والشافعية، ورواية في مذهب الحنفية. ثانياً: لم يتعرض الرسول ﷺ لحكم الماء، ولم يقل إنه أصبح نجساً بمجرد البول فيه، فالحديث ليس فيه إلا النهي عن البول في الماء الدائم وعن الاغتسال فيه. ثالثاً: أن الماء الدائم يشمل ما فوق القلتين، وما دون القلتين وما يشق نزحه وما لا يشق، وما يتحرك آخره بتحرك طرف منه وما لا يتحرك. قال ابن القيم: " إن النبي ﷺ نهى عن البول في الماء الدائم، ثم يغتسل البائل فيه، هكذا لفظ الصحيحين: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه " وأنتم تجوزون أن يغتسل في ماء دائم قدر القلتين بعد ما بال فيه، وهذا خلاف صريح للحديث. فيقال لصاحب القلتين: أتجوز بوله في الماء فيما فوق القلتين؟ إن جوزته فقد خالفت ظاهر النص، وإن منعته فقد نقضت دليلك. وكذلك يقال لمن حده بمشقة النزح أو التحريك. أما تفريق الظاهرية ﵏ فإنه غريب جداً، فإذا كان النبي ﷺ نهى عن البول في الماء الدائم، مع أنه قد يحتاج إليه، فلأن ينهى عن البول في إناء ثم يصبه فيه بطريق الأولى. ولا يستريب في هذا من علم حكمة الشريعة

стр. 335

وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم، والظاهرية البحتة تقسي القلوب، وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة وبهجتها، وما أودعته من الحكم والنصائح والعدل والرحمة (١). وعلق النووي على هذا المذهب، فقال: "وهذا مذهب عجيب وفي غاية الفساد، فهو أشنع ما نقل عنه إن صح عنه ﵀، وفساده مغن عن الاحتجاج عليه، ولهذا أعرض جماعة من أصحابنا المعتنين بذكر الخلاف عن الرد عليه بعد حكايتهم مذهبه، وقالوا: فساده مغن عن إفساده، وقد خرق الإجماع في قوله "في الغائط" إذ لم يفرق أحد بينه وبين البول، ثم تفريقه بين البول في نفس الماء، والبول في إناء ثم يصب في الماء من أعجب الأشياء". حتى قال ﵀: وفي الصحيح: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله " فلو أمر غيره فغسله، إن قال داود: لا يطهر لكونه ما غسله هو: خرق الاجماع، وإن قال: يطهر فقد نظر إلى المعنى وناقض، والله أعلم (٢). فإن قيل ما الحكمة إذاً من النهي عن البول في الماء الدائم؟ فالجواب: أولاً: سداً للذريعة، لأنه قد يفضي الأذن بالبول فيه إلى تنجسه، وليس مجرد البول فيه ينجسه، ولكن إذا تكاثر البول في الماء الدائم قد يتنجس، فمنع سداً للذريعة. ثانياً: لأن الطباع مجبولة على كراهية استعمال الماء الدائم الذي يبال فيه، ولذلك نهى رسول الله ﷺ الجنب عن الاغتسال فيه، وإن كان بدن

стр. 336

الجنب طاهراً، فيكون النهي من أجل استقذار النفس له. ثالثاً: أن البول في الماء الدائم، ثم استعماله بعد ذلك قد يصيب الانسان بنوع من الوساوس، هل استعمل البول باستعمال الماء أم لا؟ فأحب الرسول ﷺ أن يقطع وساوس الشيطان، فنهى عن البول في الماء الدائم، لا أن مجرد البول القليل يكفي لتنجيسه، والله أعلم (١). أما الجواب عن حديث الولوغ: فيمكن أن يجاب بأحد جوابين. أولاً: زيادة " فليرقه " زيادة شاذة (٢).

стр. 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 338

ومع الحكم بشذوذ " فليرقه "، إلا أن المعنى يقتضي تنجس الماء ولو لم يتغير، لأن الرسول ﷺ أمر بغسل الإناء، وجعل ذلك طهارة للإناء. (٩٥) فقد روى مسلم من طريق ابن سيرين وهمام بن منبه، كلاهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن

стр. 339

يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (١). ومعلوم أن نجاسة الإناء إنما جاءت من نجاسة الماء؛ لأن الولوغ إنما وقع على الماء، فتنجس الإناء لنجاسة الماء؛ ولأن النجاسة لو كانت للإناء وحده لأمر الرسول ﷺ أن يغسل من الإناء جهة الولوغ فقط، فلما أمر بغسل الإناء كله، علم أن النجاسة إنما سرت عن طريق الماء المتنجس. فإن قال قائل: إذاً كيف حكمتم على الأمر بالإراقة بالشذوذ؟ فالجواب: لا يلزم من الحكم بنجاسة الماء الحكم بوجوب إراقته؛ لأن الماء إذا تنجس لا يكون نجس العين، إذ يمكن تطهيره، وإذا أمكن تطهيره أمكن الانتفاع به بخلاف ما إذا أوجبنا إراقته. ولا يعني ذلك إذا حكمنا بنجاسة الماء أن نقول بنجاسة كل ماء قليل حلت فيه نجاسة ولو لم يتغير؛ لأن الكلاب خصت ببعض الأحكام من دون سائر النجاسات، فمنها التسبيع، ومنها التتريب، فلا يقاس الأخف على الأغلظ. على أنه قد يقال: لا نسلم عدم التغير؛ لأن لعاب الكلب له لزوجة قد لا تتحلل في الماء فتظهر على شىء منه، فيكون هذا نوعاً من تغير الماء عن طبيعته بالنجاسة، فينجس والله أعلم. وسوف تأتي أقوال العلماء في نجاسة الكلب وكيفية التطهر منه إن شاء الله تعالى. أما الجواب عن حديث النهي عن غمس اليد في الماء: فقد استدل به من الحنابلة ابن قدامة (٢)، واستدل به من الشافعية

стр. 340

النووي على نجاسة الماء اليسير إذا لا قى النجاسة ولو لم يتغير، قال النووي: " فنهاه ﷺ عن غمس يده، وعلله بخشية النجاسة، ويعلم بالضرورة أن النجاسة التي تكون على يده، وتخفى عليه لا تغير الماء، فلولا تنجسه بحلول نجاسة لم تغيره لم ينهه (١). اهـ وكيف يستدل به الحنابلة ﵏، وهم يرون أن العلة في النهي تعبدية، وأن الماء يكون طاهراً عندهم غير مطهر: لا طهور ولا نجس، وكيف يستدل به الشافعية، وهم يرون أن غمس القائم من نوم الليل يده في الماء غاية ما فيه أنه مكروه، ويصح التطهر منه، فكيف صح دليلاً لهم في هذه المسألة، وهم لا يرون أبداً نجاسة الماء إذا غمس النائم فيه يده، فهذا نوع من التاقض والله أعلم، وكما بينت سابقاً أن الرسول ﷺ لم يتعرض لحكم الماء، إنما نهى النائم عن غمس يده، ولو غمسها كان آثماً إذا كان عالماً بالنهي، والماء طهور، والله أعلم. فالراجح من الخلاف: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وهذه المسألة أطلت فيها البسط؛ لأنها من المسائل الشائكة، قال ابن القيم عن هذه المسألة: هنا معترك النزال وتلاطم الأمواج، وهي مسألة الماء والمائع إذا خالطته النجاسة فاستهلكت، ولم يظهر لها فيه أثر البتة (٢). وقال الشوكاني: وهذا المقام من المضايق التي لا يهتدي إلى ما هو صواب فيها إلا الأفراد (٣). اهـ

стр. 341

فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 342

الفصل الثاني في الماء الكثير إذا لاقته نجاسة

стр. 343

المبحث الأول في الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره قد علمنا في المسألة السابقة خلاف العلماء في تحديد القليل والكثير، فإذا كان الماء كثيراً، فوقعت فيه نجاسة، فلم تغيره، فما حكمه؟ والجواب إن كان هذا الكثير مما يشق نزحه، وإذا حرك طرفه لم يتحرك الطرف الأخر فإنه طهور إجماعاً، ساق الإجماع على ذلك طوائف من أهل العلم، من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وغيرهم من المجتهدين. قال ابن الهمام من الحنفية: للإجماع على أن الكثير لا ينجس إلا به. يعني: بالتغير (١). وقال أبو الوليد بن رشد، من المالكية: لا خلاف أن الماء الكثير لاينجسه ما حل فيه من النجاسة إلا أن يغير أحد أوصافه (٢). وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء الكثير من النيل والبحر، ونحو ذلك إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً أنه بحاله يتطهر منه (٣). وقال عبد الرحمن بن قدامة من الحنابلة: لا نعلم خلافاً أن الماء الذي لا

стр. 344

يمكن نزحه إلا بمشقة عظيمة، مثل المصانع التي جعلت مورداً للحجاج بطريق مكة يصدرون عنها، ولا ينفذ ما فيها أنها لا تنجس إلا بالتغير (١). وقد نقل الإجماع طوائف من العلماء، منهم: الطبري (٢)، وابن حزم (٣)، وابن تيمية (٤)، وابن قدامة (٥)، وابن دقيق العيد (٦)، والزركشي (٧)، وابن رجب (٨)، والعراقي في طرح التثريب (٩)، وابن عبد الهادي (١٠)، والشوكاني (١١)، وغيرهم.

стр. 345

المبحث الثاني في الماء الكثير إذا غيرته النجاسة إذا وقعت في الماء نجاسة فغيرته، فإنه نجس لا فرق بين قليله وكثيره، وقد نقل الإجماع على ذلك طوائف من أهل العلم. قال الطحاوي من الحنفية: أجمعوا أن النجاسة إذا وقعت في البير، فغلبت على طعم مائها، أو ريحه، أو لونه، أن ماءها قد فسد (١). وقال ابن نجيم أيضاً: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة منه قليلاً أو كثيراً، جارياً كان أو غير جار، هكذا نقل الإجماع في كتبنا (٢). وقال القاضي أبو الوليد ابن رشد من المالكية: لا خلاف أن الماء الكثير لا ينجسه ما حل فيه من النجاسة إلا أن يغير أحد أوصافه (٣). وقال الشافعي ﵀: وما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه، أو لونه، كان نجساً، يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة لا أعلم بينهم فيه اختلافاً (٤). وقال النووي: واعلم أن حديث بئر بضاعة عام مخصوص، خص منه

стр. 346

المتغير بنجاسة، فإنه نجس للإجماع (١). وقال الزركشي من الحنابلة: إن الماء ينجس بتغير وصف من أوصافه، وإن كثر ولا نزاع في ذلك، وحكاه ابن المنذر إجماعاً (٢). وقال ابن تيمية: إذا وقع في الماء نجاسة، فغيرته، تنجس اتفاقاً (٣). وقد نقل الإجماع طوائف من العلماء منهم: ابن عبد البر (٤)، وأبو العباس بن سريج (٥)، وابن جرير الطبري (٦)، وابن المنذر (٧)، وابن حبان (٨)، والقاضي عياض (٩)، وابن القطان الفاسي (١٠)،

стр. 347

وابن دقيق العيد (١)، وابن الفاكهاني (٢)، وابن الملقن (٣)، وابن مفلح (٤)، وغيرهم (٥). ومن النظر: أن الله حرم استعمال النجاسة، والماء المتغير بالنجاسة إذا استعمل فقد استعملت النجاسة، لظهور أثرها في الماء من لون أو طعم أو رائحة، والله أعلم.

стр. 348

الفصل الثالث في المائع غير الماء تخالطه نجاسة عرفنا في الفصل السابق حكم الماء تخالطه النجاسة، قليلاً كان أم كثيراً، تغير أم لم يتغير، وفي هذا الفصل نناقش المائع من غير الماء تخالطه النجاسة، وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة. فقيل: إذا خالطت النجاسة مائعاً غير الماء فإنه يتنجس بملاقاة النجاسة، من غير فرق بين القليل والكثير، وبين المتغير، وغير المتغير، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)،

стр. 349

والحنابلة (١). وقيل: حكمه حكم الماء، لا تنجس منه القلتان فما فوق إلا بالتغير، وهو قول في مذهب الحنابلة. وقيل: التفرقة بين المائع المائي كالخل ونحوه، وغيره، فالمائع الذي يشبه الماء حكمه حكم الماء، وغير الماء كالزيوت والأدهان فتنجس بملاقاة النجاسة، قل أو كثر، تغير أم لم يتغير، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: المائعات إذا وقعت فيها نجاسة لا تنجس إلا إذا تغير طعمها أو لونها أو ريحها بسبب النجاسة، إلا السمن الذائب تقع فيه الفأرة، فإنه يتنجس مطلقاً، سواء ماتت فيه، أو خرجت وهي حية، وهذا اختيار ابن حزم (٣). دليل من قال بنجاسة المائع مطلقاً إذا وقعت فيه نجاسة . الدليل الأول: (٩٦) ما رواه أحمد، قال: ثنا محمد بن جعفر، ثنا معمر، أنا ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن فأرة وقعت في سمن، فماتت قال: إن كان جامداً فخذوها وما حولها ثم كلوا ما بقي،

стр. 350

وإن كان مائعاً فلا تأكلوه (١). [أخطأ فيه معمر سنداً ومتناً] (٢).

стр. 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 355

وجه الاستدلال عندهم: أن الحديث أمر بإراقة المائع الذي وقعت فيه الفأرة، وماتت فيه، ولم يفرق بين القليل والكثير، ولم يستفصل هل تغير أم لم يتغير، فدل على أنه لا فرق. الدليل الثاني: من النظر، قالوا: إن المائعات سوى الماء لا تدفع النجاسة عن غيرها، فلا تدفعها عن نفسها، بخلاف الماء الذي يدفع النجاسة عن غيره، فيدفعها أيضاً عن نفسه. الدليل الثالث: أن النجاسة إذا وقعت في الجامد، فإنها تجاور موضعاً واحداً، وهو الجزء الذي وقعت في النجاسة، بخلاف المائع فإنها تجاوره كله، إذا تنتقل من مكان إلى آخر، فيتنجس بها.
следующие страницы →