(٢٥٨) ومن السنة ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا سعيد بن أبي سريعة، قال: أخبرنا محمّد بن جعفر، أخبرنا زيد هو ابن أسلم، عن عياض بن عبد الله،
عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى - أو فطر - إلى المصلى فمر على النساء فقال: "يا معشر النساء تصدقن، فإني أريتكم أكثر أهل النار" فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل" قلن: بلى، قال: "فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم" قلن: بلى، قال: "فذلك من نقصان دينها".
وأخرجه مسلم (١).
(٢٥٩) وأخرج مسلم أيضاً، قال ﵀: حدثنا محمّد بن رمح بن المهاجر المصري، أخبرنا الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار،
عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار.
فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن. قلت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان
стр. 2977
العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين (١).
(٢٦٠) وروى البخاري ﵀، قال: حدثنا محمّد، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله، إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا، إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (٢).
وأخرجه مسلم، دون قوله، قال أبي: ثم توضئي لكل صلاة .. إلخ (٣).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : "فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة"، فإنه نص صريح لوجوب ترك الصلاة زمن الحيض.
وأما الأدلة على كون الحائض لا تقضي الصلاة .
(٢٦١) ما أخرجه البخاري:، قال ﵀: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة، قال: حدثتني معاذة،
стр. 2978
أن امرأة قالت لعائشة: أتجزئ إحدانا صلاتها إذا طهرت. فقالت: أحرورية أنت؟ كنا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله (١).
قولها: فلا يأمرنا به.
قال ابن حجر في الفتح: "عدم الأمر بالقضاء هنا قد ينازع في الاستدلال على عدم الوجوب لاحتمال الاكتفاء بالدليل العام على وجوب القضاء، والله أعلم" (٢).
لكن قال ابن رجب: "نساء النبي ﷺ إذا كن يحضن في زمانه فلا يقضين الصلاة إذا طهرن فإنما يكون ذلك بإقرار النبي ﷺ على ذلك، وأمره به. فإن مثل هذا لا يخفى عليه، ولو كان القضاء واجباً عليهن لم يهمل ذلك، وهو لا يغفل عن مثله لشدة اهتمامه بأمر الصلاة" (٣).
(٢٦٢) قلت: ورواه مسلم (٤) من طريق معمر عن عاصم عن معاذة قالت:
سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
стр. 2979
وقال ابن رجب (١): وقد حكى غير واحد من الأئمة إجماع العلماء على أن الحائض لا تقضي الصلاة، وأنهم لم يختلفوا في ذلك، منهم الزهري، والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر وغيرهم. اهـ.
(٢٦٣) وروى عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال: قلت له: أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا، ذلك بدعة.
[إسناده صحيح] (٢).
(٢٦٤) وروى عبد الرزاق، قال: عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة قال: سئل أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا، ذلك بدعة.
[رجاله ثقات] (٣).
وقال الترمذي في السنن: وقد روي عن عائشة من غير وجه، أن الحائض لا تقضي الصلاة، وهو قول عامة الفقهاء، لا اختلاف بينهم، في أن الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة (٤).
وقال ابن حزم: ولا تقضي الحائض إذا طهرت شيئاً من الصلاة التي مرت في أيام حيضها، وتقضي صوم الأيام التي مرت بها في أيام حيضها، وهذا نص
стр. 2980
مجمع لا يختلف فيه أحد (١).
دليل من ذهب إلى وجوب قضاء الصلاة من الخوارج .
وبالرغم من أن هذا الخلاف شاذ، ولا يعتد به، إلا أني ما سقت دليلهم إلا لبيان باطلهم، من ردهم السنة الصحيحة، وتحكيم العقل في أمور الشرع.
قال ابن حجر: من أصولهم المتفق عليها بينهم - يعني الخوارج - الأخذ بها دل عليه القرآن، ورد ما زاد عليه من الحديث مطلقاً (٢).
وخاب وخسر من رد السنة بالقرآن، وقد نزل القرآن باتباع السنة:
قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).
وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٤).
وكيف يصلي الإنسان؟ وكيف يؤدي زكاته؟ لولا أن بيان ذلك جاء في السنة. فليس في كتاب الله إلا الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
(٢٦٥) وأما ما روى أبو داود، قال ﵀: حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا محمّد بن حاتم - يعني حبي - حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن نافع، عن كثير بن زياد، قال: حدثتني الأزدية - يعني: مسة - قالت: حججت فدخلت على أم سلمة، فقلت: يا أم المؤمنين إن سمرة بن جندب يأمر النساء
стр. 2981
يقضين صلاة المحيض.
فقالت: لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ لقضاء صلاة النفاس (١).
[ضعيف] (٢).
قال ابن رجب في شرحه للبخاري: في سنن أبي داود بإسناد فيه لين أن سمرة بن جندب كان يأمر النساء بقضاء صلاة الحيض (٣).
وإذا كان الإسناد ضعيفاً فلا يثبت هذا إن شاء الله عن سمرة، ولو ثبت فليس لأحد حجة بعد كلام رسول الله ﷺ .
قال ابن حجر تعليقاً على قول البخاري (٤): لا تقضي الحائض الصلاة.
قال الحافظ: "نقل ابن المنذر، وغيره إجماع العلماء على ذلك، وروى عبد الرزاق عن معمر أنه سأل الزهري عنه، فقال: اجتمع الناس عليه، وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبونه، وعن سمرة بن جندب أنه كان يأمر به فأنكرت عليه أم سلمة، لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب،
стр. 2982
كما قاله الزهري، وغيره" (١).
وربما استدل بعض الخوارج بالقياس على وجوب قضاء الصوم، فإذا كانت تؤمر بقضاء الصوم فكذلك الصلاة فإنها من أهل التكليف.
وهذا قياس في مقابلة النص، فيكون قياساً فاسداً.
فقد أخرج البخاري تعليقاً في صيغة الجزم، قال البخاري: "وقال أبو الزناد: إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرأي فما يجد المسلمون بداً من اتباعها، من ذلك أن الحائض تقضي الصيام، ولا تقضي الصلاة". اهـ (٢).
وقوله: على خلاف الرأي، يقصد به بادي الرأي، وإلا فالشرع لا يخالف العقل إذا كان النظر صحيحاً، لكن العقل عاجز عن إدراك الحكمة في كل أوامر الله، وإلا فالله لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متفرقين، ولا يأمر ولا ينهى إلا لحكمة وهو الحكيم العليم.
وقال العلامة أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على سنن الترمذي: "وأمر الحائض بقضاء الصوم وترك أمرها بقضاء الصلاة، إنما هو تعبد صرف لا يتوقف على معرفة حكمته، فإن أدركناها فذاك، وإلا فالأمر على العين والرأس، وكذلك الشأن في جميع أمور الشريعة، لا كما يفعل الخوارج، ولا كما يفعل كثير من أهل هذا العصر، يريدون أن يحكموا عقولهم في كل شأن من شئون الدين فما قبلته قبلوه، وما عجزت عنه فهمه وإدراكه أنكروه وأعرضوا عنه، وشاعت هذه
стр. 2983
الآراء المنكرة بين الناس، وخاصة المتعلمين منهم، حتى ليكاد أكثرهم يعرض عن كثير من العبادات، وينكر أكثر أحكام الشريعة في المعاملات، اتباعاً للهوى، ويزعمون أن هذا هو ما يسمونه روح التشريع، أو حكمة التشريع، وإنه ليخشى على من يذهب هذا المذهب الردي أن يخرج من ساحة الإسلام المنيرة إلى ظلام الكفر والردة، والعياذ بالله من ذلك، ونسأل الله أن يعصمنا باتباع الكتاب والسنة، والاهتداء بهديهما. اهـ (١).
وقد تلمس بعض العلماء الحكمة من التفريق بين الصلاة والصيام،
قال ابن رجب: وقد فرق كثير من الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي بين قضاء الصوم والصلاة بأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات، والحيض لا تخلو منه كل شهر غالباً، فلو أمرت الحائض بقضاء الصلاة مع أمرها بأداء الصلاة في أيام طهرها لشق ذلك عليها، بخلاف الصيام فإنه إنما يجيء مرة واحدة في السنة فلا يشق قضاؤه.
ومنهم من قال: جنس الصلاة يتكرر في كل يوم من أيام الطهر، فيغني ذلك عن قضاء ما تركته منها في الحيض بخلاف صيام رمضان فإنه شهر واحد في السنة لا يتكرر فيها، فإذا طهرت الحائض أمرت بقضاء ما تركته أيام حيضها لتأتي بتمام عدته المفروضة في السنة كما يمر بذلك من أفطر لسفر أو مرض (٢).
هذا فيما يتعلق بالصلاة وحكم قضائها.
стр. 2984
المبحث الثاني: في هل يستحب للحائض أن تتوضأ وقت الصلاة، وتجلس في مصلاها تذكر الله وتسبحه مقدار الصلاة .
قال النووي: مذهبنا ومذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، أنه ليس على الحائض وضوء ولا تسبيح، ولا ذكر في أوقات الصلوات، ولا في غيرها، وممن قال بهذا الأوزاعي ومالك، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور، حكاه عنهم ابن جرير (١).
وقال ابن نجيم من الحنفية: وأما أئمتنا فقالوا: إنه يستحب لها أن تتوضأ لوقت كل صلاة، وتقعد على مصلاها تسبح، وتهلل، وتكبر (٢).
وقال أيضاً: وصحح في الظهيرية أنها تجلس مقدار أداء فرض الصلاة كيلا تنسى العبادة.
دليل من استحب لها الذكر وقت الصلاة .
(٢٦٦) واستدل من استحب ذلك بما رواه الطبراني، قال: حدثنا جعفر بن محمّد الفريابي، ثنا محمّد بن سماعة الرملي. (ح) وحدثنا محمّد بن جابر، ثنا محمّد بن أبان البلخي، قالا: ثنا أيوب بن سويد الرملي، عن عتبة بن أبي حكيم، عن أبي سفيان طلحة بن نافع،
حدثني عبد الله بن عباس، قال: كان النبي ﷺ وعد العباس ذوداً من إبل،
стр. 2985
فبعثني إليه، فبت عنده، وكانت ليلة ميمونة بنت الحارث، فنام النبي ﷺ غير كثير، فتوسدت التي توسدها رسول الله ﷺ ، ثم قام ﵇ فتوضأ، فأسبغ الوضوء، وأقل هراقة الماء، ثم قام فافتتح الصلاة، وكانت ميمونة حائضاً فقامت فتوضأت، ثم قعدت خلفه تذكر الله أنه بات عند النبي ﷺ في ليلة ميمونة بنت الحارث، فقام النبي ﷺ فاسبغ الوضوء، وقل هراقه لماء، وقام فافتتح الصلاة، فقمت فتوضأت، وقمت عن يساره، فأخذ بأذني فأقامني عن يمينه، وكانت ميمونة حائضاً فقامت فتوضأت ثم قعدت خلفه تذكر الله (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 2986
وقال ابن رجب: وقد استحب طائفة من السلف أن تتوضأ في وقت كل، صلاة مفروضة، وتستقبل القبلة، وتذكر الله بمقدار تلك الصلاة، منهم الحسن، وعطاء، وأبو جعفر محمّد بن علي، وهو قول إسحاق، وروي عن عقبة بن عامر أنه كان يأمر الحائض بذلك وأن تجلس بفناء مسجدها. خرجه الجوزجاني. وقال مكحول: كان ذلك من هدي نساء المسلمين في أيام حيضهن (١).
(٢٦٧) أما قول عطاء: فأخرجه ابن أبي شيبة، قال ﵀: حدثنا حفص بن غياث، عن عبد الملك، عن عطاء أنه كان يقول في الحائض: تتنظف وتتخذ مكاناً في مواقيت الصلاة تذكر الله فيه (٢).
وعبد الملك لم ينسبه الراوي، ويحتمل أن يكون ابن جريح، ويحتمل أن يكون عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، فإن كان الأول فإنه، وإن كان ثقة إلا
стр. 2987
أنه مدلس وقد عنعن. إلا أني أرى أنه مكثر عن عطاء، فلا تؤثر عنعنته.
وإن كان الثاني وهو الراجح، فإن الإسناد صحيح، لأن عبد الملك ابن عبد العزيز بن جريح قد غلبت عليه كنيته، فأكثر المصنفين يذكرونه بكنيته، وإذا ذكروا اسمه ذكروا معه كنيته بخلاف الثاني.
وأما قول الحسن فقد ثبت عنه بسند صحيح
(٢٦٨) فقد روى ابن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، عن يزيد ابن إبراهيم، عن الحسن قال: سمعته يقول في الحائض:
توضأ عند كل صلاة وتذكر الله.
[إسناده صحيح] (١).
وأما قول أبي جعفر:
(٢٦٩) فرواه ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر قال:
إنا لنأمر نساءنا في الحيض أن يتوضأن في وقت كل صلاة، ثم يجلسن ويسبحن ويذكرن الله (٢).
[إسناده ضعيف جداً] (٣).
стр. 2988
وأما قول عقبة بن عامر
(٢٧٠) فرواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، عن سعيد ابن أبي أيوب، قال: حدثني خالد بن يزيد الصدفي، عن أبيه عن عقبة بن عامر
أنه كان يأمر المرأة الحائض وقت الصلاة أن تتوضأ وتجلس بفناء المسجد، وتذكر الله وتهلل وتسبح (١).
ولم أقف على ترجمة خالد بن يزيد الصدفي، ولا ترجمة أبيه، وباقي رجاله ثقات (٢). والله أعلم.
والحق أن استحباب ذلك بدعة.
قال ابن رجب: "وأنكر ذلك أكثر العلماء، وقال أبو قلابة: قد سألنا عن هذا فما وجدنا له أصلاً.
وقال سعيد بن عبد العزيز: ما نعرف هذا ولكننا نكرهه.
وقال ابن عبد البر: على هذا القول جماعة الفقهاء، وعامة العلماء في الأمصار" (٣).
стр. 2989
وقول أبي قلابة الذي أشار إليه الحافظ ابن رجب. قد رواه ابن أبي شيبة، قال ﵀:
(٢٧١) حدثنا معتمر، عن أبيه، قال: قيل لأبي قلابة: الحائض تسمع الأذان فتوضأ، وتكبر، وتسبح، قال: قد سألنا عن ذلك فما وجدنا له أصلاً.
[سنده صحيح] (١).
(٢٧٢) وروى ابن أبي شيبة، قال ﵀: حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، قال: سألت الحكم وحماداً فكرهاه (٢).
ولسنا نمنع الحائض من ذكر الله تعالى، فإن ذكر الله مستحب في كل حين، لكن استحبابه على هذه الصفة بدعة.
فأولاً: أين الدليل على مشروعية الوضوء للحائض؟
قال النووي: إذا قصدت الطهارة تعبداً مع علمها بأنها لا تصح فتأثم بهذا، لأنها متلاعبة بالعبادة، فأما إمرار الماء عليها بغير قصد العبادة فلا تأثم به بلا خلاف. وهذا كما أن الحائض إذا أمسكت عن الطعام بقصد الصوم أثمت، وإن أمسكت بلا قصد لم تأثم. اهـ (٣).
ثانياً: لا يكفي أن يكون أصل العبادة مشروعاً، حتى يكون فعلها مشروعاً في وقت مخصوص. فكل من تحرى وقتاً معيناً في أداء عبادة معينة، فإن كان هناك
стр. 2990
دليل على تحريه هذا الوقت وإلا كان تحريه لها بدعة، ولا يشفع له أن أصلها مشروع. فنقول في مسألتنا هذه:
أين الدليل على تحريها للذكر أوقات الصلاة؟
بل تذكر الله في غير أوقات الصلوات من الذكر المطلق والمقيد، ولا يكون ذلك بسبب الحيض، بل لأن ذكر الله مشروع في كل وقت.
(٢٧٣) قال رسول الله ﷺ لعائشة حين حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري" (١).
وقوله: "افعلي ما يفعل الحاج" دخل فيه جميع ما يفعله الحجاج من ذكر الله فإنها تقف بعرفة وتدعو هناك وتذكر الله، وتقف في المشعر الحرام وتذكر الله هناك، وترمي الجمارات، وتذكر الله بعد رمي الجمرة الأولى والوسطى، فهي ليست ممنوعة من ذكر الله، لكن استحبابه على صفة مخصوصة يحتاج إلى دليل.
نعم جاء لها ذكر معين من الممكن أن يكون من الذكر المقيد.
(٢٧٤) فقد روى البخاري، قال ﵀: حدثنا محمّد، حدثنا عمر ابن حفص، قال: حدثنا أبي، عن عاصم، عن حفصة، عن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها، حتى تخرج الحيض، فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته. وهو في مسلم، دون قوله: ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته (٢).
стр. 2991
المبحث الثالث: هل تثاب الحائض على ترك الصلاة
قال الحافظ في الفتح: الحائض لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيض، لكنها ناقصة عن المصلى، وهل تثاب على هذا الترك لكونها مكلفة به كما يثاب المريض على النوافل التي كان يعملها في صحته وشغل بالمرض عنها؟
قال النووي: الظاهر أنها لا تثاب. والفرق بينها وبين المريض أنه كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهلية، والحائض ليست كذلك وعندي (أي عند الحافظ ابن حجر) في كون هذا الفرق مستلزماً لكونها لا تثاب - وقفة. اهـ (١).
وقيل: تثاب الحائض على ترك ما حرم عليها من العبادات إذا نوت الامتثال بالترك لا على العزم على الفعل لولا الحيض (٢).
والذي يظهر - والله أعلم - أنها لا تعطى ثواب المصلي؛ وفرق بينها وبين المريض؛ لأن المريض مكلف بالأداء لولا العجز، ولذلك لو تحامل على نفسه وصلى، قبلت صلاته، ولم يفعل محرماً، بينما الحائض ليست مكلفة في أداء الصلاة، أرأيت الإنسان حين لا يصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها، لا يقال: يعطى ثواب المصلي؛ لأنه إنما منع من قبل الشرع. نعم تثاب على كونها التزمت ذلك النهي من الشارع ثواب امتثال، لا ثواب أداء للصلاة، والله أعلم.
стр. 2992
المبحث الرابع: هل يستحب للحائض قضاء الصلاة ؟
سبق أن ذكرنا أن العلماء مجمعون على أن القضاء لا يجب على الحائض، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الخوارج، وكون القضاء لا يجب عليها فهل تمنع من القضاء، لأن نفي الوجوب قد لا يستلزم نفي الاستحباب.
وقد وجدت قولين لأهل العلم ممن يقولون بأن القضاء لا يجب:
القول الأول: أنه يحرم القضاء، ولا يجوز لها أن تفعله.
جاء في الفروع لابن مفلح (١):
قيل لأحمد في رواية الأثرم: فإن أحبت أن تقضيها؟ قال: لا. هذا خلاف - يعني السنة - فظاهر النهي التحريم. اهـ.
ثم إن السنة التركية كالسنة الفعلية، ولذلك حكم عطاء، وعكرمة بأن ذلك بدعة.
(٢٧٥) فقد روى عبد الرزاق في المصنف: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت له: أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا ذلك بدعة.
[وإسناده صحيح] (٢).
(٢٧٦) وروى عبد الرزاق أيضاً، قال: عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة قال: سئل أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا ذلك بدعة.
стр. 2993
[ورجاله ثقات] (١).
(٢٧٧) وقول عائشة كما في البخاري، قال ﵀: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة، قال حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة: أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت فقالت أحرورية أنت كنا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به. أو قالت فلا نفعله (٢).
فكون أمهات المؤمنين لا يفعلن القضاء، دليل على أنه غير مطلوب، والعبادة إذا كانت غير مطلوبة فهي محرمة.
وفي رواية لمسلم: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (٣).
فقوله: "ولا نؤمر": نفي للأمر مطلقاً، سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب. والله أعلم.
القول الثاني: إن القضاء ليس بحرام ولكنه مكروه فقط. وهو وجه في مذهب الشافعي (٤).
وقال ابن مفلح في الفروع: "ويتوجه احتمال يكره" (٥).
стр. 2994
قال في مغني المحتاج: "وهل يحرم قضاؤها أو يكره؟ - يعني قضاء الصلاة للحائض -: فيه خلاف ذكره في المهمات، فنقل فيها عن ابن الصلاح، والمصنف عن البيضاوي أنه يحرم، لأن عائشة ﵂ نهت السائل عن ذلك، ولأن القضاء محله فيما أمر بفعله، وعن ابن الصلاح، والروياني، والعجلي، أنه مكروه، بخلاف المجنون والمغمى عليه. فيسن لهما القضاء". اهـ (١).
قال البيضاوي: والأوجه كما قال شيخنا عدم التحريم (٢).
وسبب الخلاف والله أعلم الخلاف في تعليل الأمر بسقوط القضاء
فمن نظر إلى أن سقوط القضاء عنها كان السبب فيه التخفيف عنها، نظراً لكثرة الصلوات ودورانها، لم يمنعها من قضاء الصلوات، لأن سقوط الصلاة كان رخصة وليس عزيمة والأخذ بالرخص ليس بواجب، وأقوى دليل لهم على أنه رخصة كون الصيام يجب قضاؤه على الحائض.
وقال بعضهم: بل سقوط القضاء عزيمة، وليس برخصة، ووجوب الصيام خارج عن القياس، وهؤلاء يحرمون قضاء الصلاة عليها.
وقد نقل النووي في المجموع (٣) عن الغزالي في التفريق بين وجوب قضاء الصوم دون الصلاة على الحائض، قال: ونحن نقرر الفرق فنقول: العزيمة الحكم الثابت على وفق الدليل، والرخصة الحكم الثابت على خلاف الدليل
стр. 2995
لمعارض راجح، وإنما كان سقوط قضاء الصلاة عن الحائض عزيمة، لأنها مكلفة بترك الصلاة، فإذا تركتها فقد امتثلت ما أمرت به من الترك، فلم تكلف مع ذلك بالقضاء، ولا نقول الفرق بين الصوم والصلاة كثرتها، وندوره، فيكون إسقاط قضائها تخفيفاً ورخصة، بل سبب إسقاط قضائها ما ذكرناه، وهذا يقتضي إسقاط قضاء الصوم أيضاً، لكن للشرع زيادة اعتناء بصوم رمضان، فأوجب قضاءه بأمر محدود في وقت ثان، وتسميته قضاء مجاز. وهو في الحقيقة فرض مبتدأ، فمخالفة الدليل إن حصلت فهي وجوب قضاء الصوم لا في عدم قضاء الصلاة، فثبت أن عدم قضاء الصلاة ليس رخصة (١).
قلت: الشافعية يرون أن وجوب قضاء الصوم لم يكن بالأمر السابق وإنما بأمر جديد. قال في مغني المحتاج: "وهل تنعقد صلاتها أو لا؟ فيه نظر والأوجه عدم الانعقاد، لأن الأصل في الصلاة إذا لم تكن مطلوبة عدم الانعقاد، ووجوب القضاء عليها في الصوم بأمر جديد من النبي ﷺ فلم يكن واجباً حال الحيض والنفاس لأنها ممنوعة منه، والمنع والوجوب لا يجتمعان. اهـ (٢).
قلت: قد يقال: عدم القضاء هو الذي على خلاف الأصل، فالأصل أن
стр. 2996
من أمر بشيء ثم تركه لعذر قضاه بزوال ذلك العذر كالنائم والناسي عن الصلاة، وكذلك قضاء الصيام على وفق القياس لكن الصلاة هي التي جاء نص بأنها لا تقضى ولولا هذا النص لقضيت، فلا يحتاج الصوم إلى أمر جديد بالقضاء لأن القضاء على وفق الأصل.
قال النووي في المجموع: "قال الرافعي: فالحاصل أن من لم يؤمر بالترك لا يستحيل أن يؤمر بالقضاء، فإذا لم يؤمر كان تخفيفاً، ومن أمر بالترك فامتثل الأمر لا يؤمر بالقضاء إلا الحائض والنفساء في الصوم فإنهما يؤمران بتركه وبقضائه، وهو خارج عن القضاء للنص، والله أعلم". اهـ (١).
стр. 2997
الفرع الأول: هل تستثنى ركعتي الطواف، فيشرع لهما القضاء (*)
استثنى بعض العلماء ركعتي الطواف، فقال النووي في المجموع: "قال أبو العباس ابن القاص في التلخيص، والجرجاني في المعاياة: كل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضى إلا صلاة واحدة وهي ركعتا الطواف فإنها لا تتكرر" (١).
وقال المرداوي: "ولا تقضي الصلاة، ولعل المراد إلا ركعتي الطواف، لأنها نسك لا آخر لوقتها، فيعايابها. رد شيخنا وابن نصر الله على المصنف كونها تقضى، والذي يظهر لي أن محل ذلك إذا قلنا تطوف الحائض، فإذا طافت فإنها لا تصلي حتى تطهر. وقد أومى إليه شيخنا أيضاً". اهـ (٢).
وقال النووي في المجموع: "أنكر الشيخ أبو علي السنجي هذا، وقال: هذا لا يسمى قضاء، لأن الوجوب لم يكن في زمن الحيض، ولو جاز أن يسمى هذا قضاء لجاز أن يسمى قضاء فائتة كانت قبل الحيض، وهذا الذي قاله أبو علي هو الصواب، لأن ركعتي الطواف لا يدخل وقتها إلا بالفراغ من الطواف، فإن
стр. 2998
قدر أنها طافت ثم حاضت عقيب الفراغ من الطواف صح ما قاله أبو العباس - يعني من قضاء ركعتي الطواف - إن سلم لهما ثبوت ركعتي الطواف في هذه الصورة. والله أعلم. اهـ (١).
стр. 2999
المبحث الخامس: إذا حاضت المرأة في وقت الصلاة وقبل أن تصلي فهل يجب عليها القضاء إِذا طهرت ؟
هذه المسألة يسميها بعض الفقهاء إذا طرأ المانع بعد دخول وقت الصلاة وقبل أن يصلي .. كما لو طرأ جنون، أو إغماء، أو حيض أو نفاس بعد دخول وقت الصلاة، فهل يجب قضاء تلك الصلاة بعد ارتفاع المانع أي بعد أن يفيق المجنون والمغمى عليه، وتطهر الحائض والنفساء ... والذي يعنينا في هذا الباب إذا طرأ الحيض أو النفاس بعد دخول وقت الصلاة، هل يجب على المرأة القضاء أم لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة إلى ستة أقوال:
فقيل: لا يجب عليها مطلقاً. سواء حاضت في أول الوقت أو آخره، وهو مذهب الحنفية (١)، ورواية في مذهب المالكية (٢)، وهو مذهب ابن حزم (٣)، وخرجه ابن سريج قولاً في مذهب الشافعية (٤).
وقيل: إن كان الباقي من الوقت يسع ركعة وجب قضاء تلك الصلاة
стр. 3000
وهو مذهب المالكية (١).
وقيل: أن أدركت من الوقت قدراً يسع تلك الصلاة، وجب القضاء وإن كان الذي أدركته من الوقت لا يسع تلك الصلاة فلا يجب عليها القضاء (٢) , وهو مذهب الشافعية (٣).
وقيل: إن أدركت من الوقت مقدار ركعة كاملة، وجب القضاء وإلا فلا.
стр. 3001
اختاره بعض الشافعية، ومنهم أبو يحيى البلخي (١).
وقيل: إن أدركت من الوقت قدر تكبيرة الإحرام ثم حاضت، وجب عليها القضاء. وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: إن كان الباقي من الوقت حين حاضت مقدار ما يمكنها أن تصلي فيه، فليس عليها قضاء تلك الصلاة، وإن كان دون ذلك فعليها القضاء وهو اختيار زفر من الحنفية (٣) ورجحه ابن تيمية من الحنابلة (٤)، وهو الراجح، والله أعلم.
وسبب الخلاف في هذه المسألة، خلافهم في مسألة أصولية. هل الصلاة تجب في أول الوقت أو في آخره؟
وهل إذا دخل الوقت ومضى معه مقدار ما يسع الأداء أصبحت الصلاة ديناً في ذمته، فلو سافر من بلده لم يقصر تلك الصلاة، لأنها وجبت عليه في وقت
стр. 3002
الحضر، أو أن الصلاة لا تجب في أول الوقت على التعيين، وإنما تجب في جزء من الوقت غير معين، فإذا شرع في أول الوقت يجب في ذلك الوقت، وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره، ومتى لم يعين بالفعل حتى بقي من الوقت مقدار ما يسع الصلاة وجب عليه تعيين ذلك الوقت ويأثم بترك التعيين.
أو أن الصلاة في أول الوقت سنة وفي آخره واجب، ويلزم منه أن يكون فعل المندوب أفضل من فعل الفرض.
هذا سبب الخلاف، وأدلته تبحث في أصول الفقه ... وفي أقسام الواجب في كونه ينقسم إلى قسمين: واجب موسع، وواجب مضيق.
وإليك أدلة كل قول من الأقوال التي ذكرناها.
دليل الحنفية على أن المرأة إذا حاضت في وقت الصلاة لا يجب عليها القضاء .
قالوا: إذا بقي شيء من وقت الصلاة لم تصبح الصلاة ديناً في ذمة المرأة بل هي في الوقت، فإذا حاضت فقد تعذر عليها الأداء بسبب الحيض، وذلك غير موجب للقضاء، فأما إذا حاضت بعد خروج الوقت فإن الصلاة تصبح ديناً في ذمتها والحيض لا يمنع كون الصلاة ديناً في ذمتها.
قال ابن حزم في المحلى: "برهان قولنا هو أن الله تعالى جعل للصلاة وقتاً محدوداً، أوله وآخره، وصح أن الرسول ﷺ صلى الصلاة في أول وقتها، وفي أخر وقتها، فصح أن المؤخر لها إلى آخر وقتها ليس عاصياً، لأنه ﵇ لا يفعل المعصية، فإذ هي ليست عاصية فلم تتعين الصلاة عليها بعد، ولها تأخيرها، فإذا لم تتعين عليها حتى حاضت فقد سقطت عنها، ولو كانت الصلاة تجب بأول
стр. 3003
الوقت لكان من صلاها بعد مضي مقدار تأديتها من أول وقتها قاضياً لها لا مصلياً، وفاسقاً بتأخيرها عن وقتها، ومؤخراً لها عن وقتها وهذا باطل لا اختلاف فيه من أحد" (١).
دليل المالكية على أن المرأة إذا حاضت وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة سقطت عنها الصلاة .
(٢٧٨) استدلوا بما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا عبد الله بن سلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن يسار وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج يحدثوا به.
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر (٢).
وأخرجه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك به (٣).
وجه الاستدلال:
قالوا: إن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك وقتها، فإذا حصل الحيض وقد بقي من الوقت مقدار ركعة كاملة، فقد حصل العذر في وقتها، فسقطت. أما إذا حصل الحيض وقد بقي أقل من ركعة، فقد خرج وقت الصلاة،
стр. 3004
واستقرت في ذمته، فإذا طرأ الحيض بعد ذلك فقد حصل العذر خارج وقتها فيجب عليه القضاء (١).
دليل الشافعية على أنه يشترط أن تدرك من الوقت قدراً يسع تلك الصلاة .
استدل الشافعية بأن الصلاة تجب بأول الوقت، وكونها لها تأخيرها إلى آخر وقتها لا يسقط عنها ما وجب عليها من الصلاة بأوله، قالوا: والدليل على أن الصلاة تجب بأول الوقت أن المسافر لو صلى في أول الوقت قبل أن يدخل العصر، ثم دخل العصر في وقته أجزأه (٢).
فإذا أدركت من الوقت ما يسع تلك الصلاة فقد وجبت عليها لتمكنها من الفعل في الوقت فلا يسقط بما يطرأ بعده قياساً على الزكاة إذا وجبت وتمكن من أدائها فلم يخرج حتى هلك المال (٣).
واستدلوا بأن الصلاة تجب في أول الوقت بأدلة منها:
قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٤).
فإذا قيل: إن دلوك الشمس أول وقتها، دل على أن الوجوب يتعلق بأوله.
وأجيب:
بأن الوجوب يتعلق بأوله ووسطه وآخره لقوله تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ
стр. 3005
اللَّيْلِ﴾ (١). فهذا يقضي كل الوقت.
(٢٧٩) واستدل بعضهم بما رواه الترمذي، قال: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يعقوب بن الوليد المدني، عن عبد الله بن عمر، عن نافع
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله (٢).
[إسناده ضعيف جداً أو موضوع] (٣).
стр. 3006
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3007
وجه الاستدلال:
قالوا: إن الرضوان من الله إنما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين، فدل على أن الوجوب متعلق في أول الوقت.
ويشكل عليه أنهم مع كونهم يرون وجوب الصلاة في أول الوقت، إلا أنهم
стр. 3008
يرون أن المصلي لا يأثم بتأخيرها إلى آخر الوقت لأنها تجب في أول الوقت وجوباً موقتاً.
ولذلك قال النووي في المجموع: قوله العفو إنما يكون للمقصرين "قوله للمقصرين" قد يستشكل من حيث إن التأخير لا إثم فيه، فكيف يكون فاعله مقصراً؟؟
وأجابوا بوجهين:
أحدهما: أنه مقصر بالنسبة إلى أول الوقت، وإن كان لا إثم عليه.
والثاني: أنه مقصر بتفويت الأفضل، كما يقال: من ترك صلاة الضحى فهو مقصر، وإن لم يأثم (١).
لكن يغني عن هذا الجواب أن الحديث لا تقوم به حجة، فلا يلزم الإجابة عليه.
دليل من قال: يجب القضاء إذا أدركت الحائض من الوقت مقدار ركعة .
(٢٨٠) استدلوا بما رواه البخاري، قال حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة. وأخرجه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
أن من أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة فقد أدرك وقت الصلاة،
دليل الحنابلة على أن المرأة الحائض إذا أدركت من الصلاة قدر تكبيرة الإحرام وجب عليها القضاء
الدليل الأول:
(٢٨١) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته (١).
الدليل الثاني:
(٢٨٢) ما رواه مسلم، قال ﵀: حدثنا حسن بن الربيع، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: حدثنا عروة عن عائشة قالت: قال: رسول الله ﷺ : من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، ومن الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها. والسجدة إنما هي الركعة (٢).
стр. 3013
وجه الاستدلال:
قول الرسول ﷺ : "إذا أدرك أحدكم سجدة" أي مقدار سجدة، وذكر السجدة أشار إلى إدراك مثلها أي إدراك جزء من الوقت ولو بمقدار تكبيرة الإحرام.
والصحيح أن المراد بالسجدة هي الركعة لما يلي:
أولاً: لأن الزهري قد رواه عن أبي سلمة به بلفظ، "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة" وسبق تخريجه.
ورواه جماعة عن أبي هريرة بلفظ: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ... الحديث في الصحيحين وسبق تخريجه قبل قليل.
وثانياً: قال القرطبي: "أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة" اهـ (١).
قلت: وقد ورد في السنة الصريحة إطلاق السجدة على الركعة.
(٢٨٣) فقد روى البخاري، قال ﵀: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى ابن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع،
عن ابن عمر قال: صليت مع النبي ﷺ سجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته (٢). وأخرجه مسلم (٣).
стр. 3014
(٢٨٤) وروى مسلم أيضاً، قال ﵀: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير عن سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة مولى عقيل، حدثه أن أم هانئ حدثته عن رسول الله ﷺ في قصة اغتسال النبي ﷺ عام الفتح وفيه: "ثم قام فصلى ثمان سجدات وذلك ضحى" (١).
والمراد: ثمان ركعات ... والأمثلة في هذا كثيرة.
دليل من قال: يجب القضاء إذا كان الباقي من الوقت حين حاضت لا يتسع لفعل الصلاة وإلا فلا يجب .
الدليل الأول:
قالوا: بأن الصلاة: لا يجب فعلها في أول الوقت وإذا حاضت المرأة ولم يجب عليها بعد فعل الصلاة، لم يجب عليها القضاء؛ لأنه إذا كان قد أذن لها في التأخير، فما ترتب على المأذون غير مضمون، ولكن إذا بقي من الوقت ما يتسع لفعل الصلاة فقط فقد أوجب عليها فعل الصلاة. فإذا كان الباقي من الوقت لا يتسع لفعل الصلاة فقد استقرت في ذمتها فوجب عليها القضاء إذا حاضت.
الدليل الثاني:
أن هذا يقع كثيراً في نساء الصحابة، ولو كان يجب على المرأة القضاء، لأمرها الرسول ﷺ ولو أمرها لنقل، فلما لم ينقل علم أن القضاء ليس بواجب.
(٢٨٥) وقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا إسماعيل، حدثني
стр. 3015
مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (١).
ورواه مسلم بأطول منه (٢).
استدل به البيهقي ﵀ (٣) على مسألتنا هذه وهذا ذهاب منه إلى أنه لا يرى وجوب القضاء على الحائض إذا حاضت في وقت الصلاة وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.