دليل الحنابلة على أن المرأة الحائض إذا أدركت من الصلاة قدر تكبيرة الإحرام وجب عليها القضاء
الدليل الأول:
(٢٨١) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته (١).
الدليل الثاني:
(٢٨٢) ما رواه مسلم، قال ﵀: حدثنا حسن بن الربيع، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: حدثنا عروة عن عائشة قالت: قال: رسول الله ﷺ : من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، ومن الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها. والسجدة إنما هي الركعة (٢).
стр. 3013
وجه الاستدلال:
قول الرسول ﷺ : "إذا أدرك أحدكم سجدة" أي مقدار سجدة، وذكر السجدة أشار إلى إدراك مثلها أي إدراك جزء من الوقت ولو بمقدار تكبيرة الإحرام.
والصحيح أن المراد بالسجدة هي الركعة لما يلي:
أولاً: لأن الزهري قد رواه عن أبي سلمة به بلفظ، "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة" وسبق تخريجه.
ورواه جماعة عن أبي هريرة بلفظ: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ... الحديث في الصحيحين وسبق تخريجه قبل قليل.
وثانياً: قال القرطبي: "أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة" اهـ (١).
قلت: وقد ورد في السنة الصريحة إطلاق السجدة على الركعة.
(٢٨٣) فقد روى البخاري، قال ﵀: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى ابن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع،
عن ابن عمر قال: صليت مع النبي ﷺ سجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته (٢). وأخرجه مسلم (٣).
стр. 3014
(٢٨٤) وروى مسلم أيضاً، قال ﵀: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير عن سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة مولى عقيل، حدثه أن أم هانئ حدثته عن رسول الله ﷺ في قصة اغتسال النبي ﷺ عام الفتح وفيه: "ثم قام فصلى ثمان سجدات وذلك ضحى" (١).
والمراد: ثمان ركعات ... والأمثلة في هذا كثيرة.
دليل من قال: يجب القضاء إذا كان الباقي من الوقت حين حاضت لا يتسع لفعل الصلاة وإلا فلا يجب .
الدليل الأول:
قالوا: بأن الصلاة: لا يجب فعلها في أول الوقت وإذا حاضت المرأة ولم يجب عليها بعد فعل الصلاة، لم يجب عليها القضاء؛ لأنه إذا كان قد أذن لها في التأخير، فما ترتب على المأذون غير مضمون، ولكن إذا بقي من الوقت ما يتسع لفعل الصلاة فقط فقد أوجب عليها فعل الصلاة. فإذا كان الباقي من الوقت لا يتسع لفعل الصلاة فقد استقرت في ذمتها فوجب عليها القضاء إذا حاضت.
الدليل الثاني:
أن هذا يقع كثيراً في نساء الصحابة، ولو كان يجب على المرأة القضاء، لأمرها الرسول ﷺ ولو أمرها لنقل، فلما لم ينقل علم أن القضاء ليس بواجب.
(٢٨٥) وقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا إسماعيل، حدثني
стр. 3015
مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (١).
ورواه مسلم بأطول منه (٢).
استدل به البيهقي ﵀ (٣) على مسألتنا هذه وهذا ذهاب منه إلى أنه لا يرى وجوب القضاء على الحائض إذا حاضت في وقت الصلاة وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.
стр. 3016
المبحث السادس: في طهر المرأة من الحيض قبل خروج وقت الصلاة
يطلق الفقهاء على هذه المسألة (زوال المانع) بينما يسمون التي قبلها (حدوث المانع) وزوال المانع يشمل الحائض والنفساء إذا طهرتا، ويشمل المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا، والصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم وأمثالهم.
وقد اختلف الفقهاء في الحائض والنفساء إذا طهرتا.
فقيل: إذا طهرت المرأة من الحيض وأدركت من الصلاة قدراً يع الغسل وتكبيرة الإحرام وجبت عليها تلك الصلاة وحدها ولا تقضي معها ما يجمع إليها. فإن أدركت من الصلاة مقداراً لا تستطيع فيه الغسل فليس عليها قضاء تلك الصلاة إلا إذا كانت عادتها انقطعت لعشر أيام (أكثر الحيض عندهم) فإنها إذا أدركت من الوقت شيئاً قليلاً أو كثيراً، وجبت عليها تلك الصلاة سواء تمكنت فيه من الاغتسال أو لم تتمكن وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: إذا طهرت قبل الغروب بمقدار يسع خمس ركعات في الحضر، أو ثلاث في السفر، وجبت عليها الظهر والعصر.
وإن بقي أقل من ذلك إلى ركعة وجبت العصر وحدها، وإن بقي أقل من ركعة سقطت الظهر والعصر.
وإن طهرت قبل الفجر بمقدار أربع ركعات، وجب عليها المغرب
стр. 3017
والعشاء، وإن بقي أقل من ذلك إلى ركعة وجبت العشاء وحدها، وإن بقي أقل من ركعة سقطت المغرب والعشاء.
وإن طهرت قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة وجبت عليها الصبح وإلا سقطت.
وهذا مذهب المالكية (١)، ومذهب الشافعي في القديم (٢).
وقيل يجب عليها فعل الصلاة إذا أدركت من وقت الصلاة مقدار ركعة كاملة .. وهو قول للشافعية (٣) ورواية عن أحمد (٤).
وقيل: إذا أدركت من الوقت قدر تكبيرة الإحرام وجبت عليها تلك الصلاة، فإن كانت الصلاة هي العصر أو العشاء وجبت مع العصر الظهر، ومع المغرب العشاء وهذا القول هو الصحيح من مذهب الشافعية (٥). قال النووي: باتفاق الأصحاب (٦)،
стр. 3018
والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
دليل من قال: تجب الصلاة على الحائض إذا طهرت وقد أدركت من الوقت مقدار تكبيرة الإحرام .
(٢٨٦) استدلوا بما رواه البخاري، قال ﵀ حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شيبان، عن يحي، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته (٢).
ورواه مسلم من حديث عائشة ﵂ (٣).
وقد أجبت في المسألة السابقة بأن المراد بالسجدة الركعة، ودللت على ذلك من السنة فارجع إليه إن شئت.
دليل من قال: تجب الصلاة على الحائض إذا طهرت وقد أدركت من الوقت مقدار ركعة .
(٢٨٧) استدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن سلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج يحدثونه،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن
стр. 3019
تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر (١).
وأخرجه مسلم (٢): حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك به.
دليل من قال: إذا طهرت في وقت العصر وجب أن تصلي معه الظهر أو في وقت العشاء صلت معه المغرب .
الدليل الأول:
(٢٨٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن محمد ابن عثمان المخزومي، قال: أخبرتني جدتي، عن مولى لعبد الرحمن بن عوف، قال: سمعته يقول: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (٣).
[إسناده ضعيف] (٤).
стр. 3020
الدليل الثاني:
(٢٨٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن يزيد، عن مقسم، عن ابن عباس قال: إذا طهرت قبل المغرب صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء (١).
ورواه ابن المنذر (٢) من طريق أبي عوانة عن يزيد بن أبي زياد به، واللفظ لابن المنذر.
[إسناده ضعيف] (٣).
الدليل الثالث:
قالوا: بأن الصلاتين المجموعتين وقت إحداهما وقت للأخرى في حق المعذور كالمسافر ونحوه فهؤلاء مثلهم من أهل الأعذار فإذا أدرك العصر فقد أدرك الظهر، وإذا أدرك العشاء فقد أدرك المغرب.
стр. 3021
وقد قال بهذا القول جماعة من التابعين منهم عطاء (١)، وطاووس (٢)، ومجاهد (٣)، وإبراهيم النخعي (٤)، والحكم (٥).
وهذا القول ضعيف.
أولاً: لعدم الدليل الموجب لقضاء الصلاتين، فلو كانت تدرك الظهر بطهارة الحائض في وقت العصر لبينه النبي ﷺ ولو بينه لنقل إلينا. فلما لم ينقل علم أن ذلك لا يجب. وما ورد عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس لا يثبت عنهما كما قرأت.
ثانياً: أن هذا القول مخالف للسنة الصريحة من حديث أبي هريرة: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" وهو متفق عليه وسبق تخريجه ولو كانت تدرك الظهر لقال: فقد أدرك العصر والظهر.
وثالثاً: أنه مخالف للقياس. فلو أنه أدرك ركعة من صلاة الظهر. ثم وجد مانع لم يلزمه إلا قضاء الظهر فقط، مع أن وقت الظهر وقت لها، وللعصر عند العذر والجمع فما الفرق بين المسألتين؟؟!
رابعاً: قد بينا الإجماع على أن الحائض لا تقضي الصلاة التي مرت عليها
стр. 3022
وهي حائض لحديث عائشة في مسلم (١). "وكنا نؤمر بقضاء الصيام ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، ولو أنها صلت صلاة الظهر وقد خرج وقتها وهي حائض لكانت مأمورة بقضاء بعض الصلاة وهي حائض.
دليل المالكية على أن المرأة إذا طهرت وقد أدركت من الوقت ما يسع خمس ركعات للحاضر أو ثلاث للمسافر وجبت عليها صلاة الظهر والعصر .
قالوا: لا بد أن يدرك من الوقت ما يسع عدد ركعات الصلاة الأولى كلها، وهي أربع ركعات في الحضر، وركعتان في السفر، ويدرك ركعة من الصلاة: الثانية التي هي العصر، فيصير مجموع عدد الركعات خمس في الحضر، وثلاث في السفر.
وعللوا ذلك بأن الوقت اعتبر لإدراك الصلاتين، فاعتبر وقت يمكن الفراغ من إحداهما، وإدراك ركعة من الأخرى (٢).
وإذا طهرت قبل الفجر فلا بد من إدراك أربع ركعات، ثلاث للمغرب وركعة للعشاء ولا فرق في المسألة هذه بين المقيم والمسافر، لأن المغرب لا تقصر.
وهذا القول مبني على أن وقت العصر وقت لها وللظهر في حال العذر، وكذا وقت العشاء والمغرب، وقد بينت ضعف هذا القول في القول الذي قبل هذا.
والراجح من هذه الأقوال أن الحائض إذا أدركت من الوقت مقدار ركعة،
стр. 3023
فقد أدركت الصلاة، والسنة صريحة في هذا، والمقصود بالركعة ليس مجرد ركوع، بل ركعة كاملة بقيامها وسجودها. والله أعلم.
стр. 3024
المبحث السابع: هل تحصيل الطهارة شرط في إدراك الوقت
إذا طهرت الحائض في وقت صلاة، وأخذت في غسلها، فلم تفرغ حتى خرج وقت تلك الصلاة، هل يجب عليها قضاء تلك الصلاة. أو لا تجب عليها تلك الصلاة باعتبار أن تحصيل الطهارة شرط في إدراك الوقت.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة.
فقيل: إن الفراغ من الطهارة شرط. فإذا لم تتمكن من الغسل والوضوء حتى خرج الوقت، فلا يلزمها قضاء تلك الصلاة.
وهذا مذهب المالكية (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢)، واختاره ابن حزم (٣).
وقيل: تجب عليها الصلاة، سواء كان الوقت يتسع للطهارة أم لا.
وهو مذهب الحنابلة (٤)، وقول في مذهب الشافعية (٥). وهو الراجح.
стр. 3025
دليل من اشترط مع أدراك الركعة زمنا يمكن فيه فعل الطهارة من الاغتسال ونحوه .
قال ابن حزم: "فإن طهرت في آخر وقت للصلاة بمقدار ما لا يمكن الغسل والوضوء حتى يخرج الوقت فلا تلزمها تلك الصلاة بل ولا قضاؤها، وهو قول الأوزاعي وأصحابنا".
ثم قال: "برهان صحة قولنا أن الله لم يبح الصلاة إلا بطهور، وقد حد الله للصلاة أوقاتها، فإذا لم يمكنها الطهور، وفي الوقت بقية، فنحن على يقين من أنها لم تكلف تلك الصلاة التي لم يحل لها أن تؤديها في وقتها" (١).
دليل من لم يشترط زمن الطهارة ويكتفي بإدراك زمن يتسع لركعة كاملة .
الدليل الأول:
أن الأحاديث لم تتعرض لاشتراط الطهارة، وما ورد مطلقاً يجب العمل به على اطلاقه، وتخصيص العام، وتقييد المطلق لا يجوز إلا بدليل.
(٢٩٠) فقد روى البخاري، قال ﵀: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.
الدليل الثاني:
قالوا: إذا طهرت الحائض في وقت صلاة، وأخذت في غسلها، فلم تفرغ حتى خرج وقت تلك الصلاة، وجب عليها قضاء تلك الصلاة، لأنها في وقتها غير حائض وليس فوت الوقت عن الرجل بمسقط عنه الصلاة إن اشتغل
стр. 3026
بوضوئه أو غسله حتى فاته الوقت. وكذلك الحائض إذا طهرت لا تسقط عنها الصلاة من أجل غسلها، لأن شغلها بالاغتسال لا يضيع عنها ما لزمها من فرض الصلاة، وإنما تسقط الصلاة عن الحائض ما دامت حائضاً، فإذا طهرت كالجنب، لزمها صلاة وقتها التي طهرت فيه (١).
وهذا هو الراجح، كما قالوا إذا طهرت قبل الصبح، ثم صامت واغتسلت بعد طلوع الصبح صح صومها، وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة إن شاء الله في فصل مستقل.
стр. 3027
الفصل الثالث: أحكام الحائض من حيث الصوم
المبحث الأول: يحرم على الحائض فعل الصوم ويجب عليها القضاء إذا طهرت
(٢٩١) روى عبد الرزاق، قال: عن معمر عن الزهري قال: الحائض تقضي الصوم. قلت: عمن؟ قال: هذا ما اجتمع الناس عليه، وليس في كل شيء نجد الإسناد.
أما تحريم فعل الصوم:
(٢٩٢) ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد - هو ابن أسلم - عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري قال:
خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: يا معشر النساء تصدقن؛ فإني أريتكن أكثر أهل النار. فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله. قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان
стр. 3028
دينها. ورواه مسلم (١).
(٢٩٣) وحديث ابن عمر في مسلم، وفيه: "وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين" (٢).
وانظر الحديث كاملاً في الفصل الذي قبل هذا.
وأما وجوب القضاء:
(٢٩٤) فقد روى مسلم، قال: حدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عاصم، عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت:
ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٣).
ورواه البخاري من طريق قتادة عن معاذة به بنحوه (٤).
ونقل ابن المنذر الإجماع على وجوب قضاء الصوم (٥) وقد نقل الإجماع أيضاً طائفة من العلماء. انظر النقول عنهم في المسألة التي قبلها.
стр. 3029
المبحث الثاني: إذا طهرت الحائض في نهار رمضان فهل يجب عليها الإمساك بقية النهار
قيل: يجب عليها الإمساك بقية الصوم، ويجب عليها القضاء.
وهو مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: لا يجب عليها الإمساك بقية يومها وعليها القضاء.
وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية في مذهب الحنابلة (٥).
وقال بعض الشافعية: يستحب لها إخفاء الإفطار، لئلا تتعرض إلى التهمة والعقوبة (٦).
أدلة القائلين بوجوب الإمساك .
الدليل الأول:
قالوا: إنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ بعد الفجر
стр. 3030
أوجب الإمساك، كقيام البينة بالرؤية. فمن صار في بعض النهار على صفة لو كان عليها في أول النهار يلزمه الصوم فعليه الإمساك في بقية النهار والقضاء (١).
الدليل الثاني:
أنها أبيح لها الفطر، عندما كان السبب موجوداً، فإذا زال السبب المبيح وجب عليها الإمساك.
الدليل الثالث:
أن الإمساك حق للوقت؛ لأنه وقت معظم.
الدليل الرابع:
أن كل من أدرك جزءاً من وقت العبادة لزمته تلك العبادة، فمن أدرك جزءاً من وقت الصلاة لزمته تلك الصلاة، وكذلك من أدرك جزءاً من وقت الصيام لزمه الإمساك (٢).
الدليل الخامس:
قالوا: لو أكلت ولا عذر لها اتهمها الناس، والتحرز من مواضع التهم واجب.
دليل من قال: لا يجب عليها الإمساك .
الدليل الأول:
(٢٩٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال ﵀: حدثنا وكيع، عن بن عون،
стр. 3031
عن ابن سيرين، قال:
قال عبد الله: من أكل أول النهار فليأكل في آخره.
[إسناده صحيح إن كان ابن سيرين سمعه من عبد الله] (١)
الدليل الثاني:
قال ابن حزم: لا يختلف المخالفون لنا في أن التي طهرت من المحيض والنفاس والقادم من السفر، والمفيق من المرض لا يجزئهم صيام ذلك اليوم، وعليهم قضاؤه، فصح أنهم في هذا اليوم غير صائمين أصلاً، وإذا كانوا غير صائمين فلا معنى لصيامهم، ولا أن يؤمروا بصوم ليس صوماً، ولا هم مؤدون به فرضاً لله تعالى، ولا هم عاصون له بتركه (٢).
الدليل الثالث:
إذا كان يجوز لها الأكل في أول النهار ظاهراً وباطناً بغير شبهة، جاز لها الأكل في آخره كسائر الأيام.
الدليل الرابع:
الصوم: هو الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية العبادة، فإذا كان كذلك لم ينطبق على الحائض التي طهرت في أثناء اليوم، ولم يعتبر فعلها صوماً شرعاً، فلا معنى لإمساكها.
стр. 3032
الدليل الخامس:
قالوا: إن صوم اليوم الواحد عبادة واحدة، بدليل أن أوله يفسد بفساد آخره، فلا يجوز أن يكون آخر العبادة واجباً، وأولها غير واجب، كالصلاة الواحدة (١).
والراجح من هذه الأقوال القائل بأنه لا يجب عليها الإمساك.
стр. 3033
المبحث الثالث: في المرأة تطهر قبل الفجر، ولا تغتسل إلا بعد طلوع الصبح
إذا طهرت المرأة من الحيض ليلاً، ونوت الصيام، وأخرت الغسل إلى طلوع الصبح، فهل يصح صومها ذلك اليوم.
اختلف العلماء في ذلك.
فقيل: إن طهرت قبل الفجر بوقت يتسع فيه للغسل فلم تغتسل حتى طلع الفجر أجزأها، وإن كان الوقت ضيقاً لا يتسع للغسل لم يصح صومها (١).
وهذا مذهب الحنفية، واختاره من المالكية عبد الملك، ومحمد بن مسلمة (٢).
стр. 3034
وقيل: صيامها صحيح. وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: لا يباح الصيام مطلقاً حتى تغتسل. وهو قول في مذهب الحنابلة (٢)، وحكي قولاً للأوزاعي (٣).
دليل الجمهور على صحة صومها
الدليل الأول:
من القرآن الكريم، قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
стр. 3035
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١).
وجه الاستدلال:
أن الله لما أباح المباشرة إلى تبين الفجر، علم أن الغسل إنما يكون بعده (٢).
الدليل الثاني:
(٢٩٥) ما رواه مسلم، قال ﵀: حدثني هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو - وهو بن الحارث - عن عبد ربه، عن عبد الله بن كعب الحميري، أن أبا بكر حدثه، أن مروان أرسله إلى أم سلمة رضي الله تعالى عنها يسأل عن الرجل يصبح جنباً، أيصوم؟ فقالت:
كان رسول الله ﷺ يصبح جنبا من جماع، لا من حلم، ثم لا يفطر، ولا يقضي.
وفي رواية: يصبح جنباً من غير احتلام، ثم يصوم (٣).
الدليل الثالث:
(٢٩٦) ما رواه مسلم، قال ﵀: حدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى ابن سعيد، عن ابن جريج (ح).
وحدثني محمد بن رافع - واللفظ له - حدثنا عبد الرزاق بن همام، أخبرنا
стр. 3036
ابن جريج، أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر قال: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقص، يقول في قصصه:
من أدركه الفجر جنباً فلا يصم، فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث لأبيه، فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان النبي ﷺ يصبح جنبا من غير حلم، ثم يصوم. قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول. قال: فجئنا أبا هريرة - وأبو بكر حاضر ذلك كله - قال: فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك. قال: نعم قال: هما أعلم، ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي ﷺ . قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك. قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان. قال: كذلك كان يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم. رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم (١).
وجه الاستدلال من الحديثين:
يؤخذ منهما أنه إذا كان وجوب الغسل من الحدث الأكبر لا يفسد الصوم، لم يفسد من الحائض إذا طهرت من الدم. لأن كلاً منهما يملك أن يرفع حدثه متى شاء. فالحائض عندما انقطع دمها قد طهرت من الخبث، وبقيت طهارتها من الحدث، فأصبح حدثها بعد انقطاع دمها لا يوجب إلا الغسل كالجنب تماماً،
стр. 3037
وصفة الغسل فيهما واحدة كما بينا في صفة الغسل. فيكون حكمهما واحداً. والله أعلم.
دليل القائلين لا يصح صومها مطلقاً حتى تغتسل قبل الفجر .
قالوا: حدث الحيض يمنع الصوم، وإذا أصبحت وهي لم تغتسل فيومها يوم فطر؛ لأنها في بعضه غير طاهرة، وليست كالجنب؛ لأن الاحتلام لا ينقض الصوم، والحيضة تنقضه.
وأجاب ابن قدامة بقوله: "ما ذكروه لا يصح، فإن من طهرت من الحيض ليست حائضاً، وإنما عليها حدث موجب للغسل، فهي كالجنب فإن الجماع الموجب للغسل لو وجد في الصوم أفسده كالحيض" (١).
دليل القائلين بأنه يشترط أن تطهر من الحيض في وقت يمكنها فيه الغسل .
دليل القائلين: بأنها إن طهرت قبل الفجر في وقت يمكنها فيه الاغتسال، ففرطت ولم تغتسل حتى أصبحت لم يضرها كالجنب، وإن كان الوقت ضيقاً لا تدرك فيه الغسل لم يصح صومها، ويومها يوم فطر، الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في من طهرت قبل خروج وقت الصلاة هل يشترط أن تدرك من الوقت زمناً يتسع للغسل حتى تكون الصلاة واجبة في ذمتها، أو يكفي أن تدرك من الوقت مقدار تكبيرة الإحرام، أو مقدار ركعة، على الخلاف المعروف، ولا مدخل فيه لوقت الغسل، وقد سقت دليل كل قول في مسألة مستقلة، فارجع إليه إن شئت غير مأمور. والله أعلم.
стр. 3038
المبحث الرابع: إذا أفطرت المرأة بالجماع ثم نزل الحيض في ذلك اليوم هل تسقط الكفارة
إذا جامع الرجل امرأته في رمضان، وهي طاهرة، وكان ذلك برضاها، ثم نزل عليها دم الحيض في نفس اليوم، فهل تجب عليها الكفارة أو تسقط.
في ذلك خلاف بين العلماء
فقيل: لا كفارة عليها. وهو مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: تجب عليها الكفارة. وهو مذهب المالكية (٣)،
стр. 3039
والحنابلة (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢)، واختاره زفر من الحنفية (٣)
دليل الحنفية على سقوط الكفارة .
قالوا: الحيض ينافي الصوم، وصوم واحد لا يتجزأ، فتقرر المنافي في آخره يمكن شبهة المنافاة في أوله (٤).
فلما خرج هذا اليوم عن كونه مستحقاً، فلم يجب بالوطء فيه كفارة، كصوم المسافر، أو كما لو قامت البينة على أنه من شوال (٥).
دليل الجمهور على وجوب الكفارة .
قال ابن قدامة: أنه معنى - يعني الحيض - طرأ بعد وجوب الكفارة فلم يسقطها كالسفر، ولأنه أفسد صوماً واجباً في رمضان بجماع تام، فاستقرت الكفارة عليه، كما لو لم يطرأ عذر (٦).
стр. 3040
وأجاب ابن قدامة عن القياس على المسافر ومن تبين أنه في شوال بقوله:
"والوطء في صوم المسافر ممنوع، وإن سلم فالوطء لم يوجب أصلاً، لأنه وطء مباح في سفر أبيح الفطر فيه، بخلاف مسألتنا، وكذا إذا تبين أنه من شوال، فإن الوطء غير موجب؛ لأنا تبينا أن الوطء لم يصادف رمضان، والموجب إنما هو الوطء المفسد لصوم رمضان" (١).
стр. 3041
الفصل الرابع: في أحكام الحائض من حيث المسجد
المبحث الأول: في خلاف العلماء في المكث في المسجد
فقيل: لا يجوز للحائض المكث فيه.
وهو مذهب أبي حنيفة (١)، ومالك (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤).
وقيل: يجوز للحائض المكث فيه.
وهو مذهب داود وابن حزم (٥) واختيار المزني (٦).
أدلة الجمهور القائلين بالمنع .
الدليل الأول:
(٢٩٧) ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا موسى ابن إسماعيل، قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم، عن محمد،
стр. 3042
عن أم عطية، قالت: أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين، وذوات الخدور فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحيض عن مصلاهن. قالت امرأة: يا رسول الله إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمر الحيض، أن يعتزلن المصلى والمراد به مكان الصلاة، فهذا نص في منع الحائض من الدخول في المسجد.
ورد عليهم بأقوال منها:
قيل: إن الأمر باعتزال الحيض المصلى ليس للوجوب، بل هو للندب، لأن المصلى ليس بمسجد فيمتنع الحيَّض من دخوله، ونسب ابن حجر هذا القول للجمهور (٢).
والأصل أن أمر الرسول ﷺ باعتزال الحائض المصلى للوجوب، ولا يصرف للندب إلا لقرينة، وأما قولهم إن مصلى العيد ليس بمسجد فهذه مسألة محل نزاع (٣) ولا يكفي هذا صارفاً للأمر من الوجوب إلى الندب.
стр. 3043
وقيل: إن اعتزال الحيَّض المصلى إنما هو حال الصلاة ليتسع على النساء الطاهرات مكان صلاتهن ثم يختلطن بهن، ورجحه ابن رجب (١).
وهذا الافتراض لا دليل عليه من اللفظ، فإن الأمر باعتزال المصلى مطلق وليس مقيداً بحال الصلاة، وتقييد ما أطلقه الرسول ﷺ لا يجوز إلا بدليل.
وقيل: المراد بالمصلى هنا الصلاة نفسها لدليلين:
(٢٩٨) الأول: أن مسلماً أخرجه (٢) حدثنا عمرو الناقد، حدثنا عيسى ابن يونس، حدثنا هشام، عن حفصة بنت سيرين:
عن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق، والحيَّض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين. قالت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب. قال: لتلبسها أختها من جلبابها (٣).
стр. 3044
فقال: "يعتزلن الصلاة"، فعلم أن المراد باعتزال المصلى، الصلاة نفسها.
الثاني: أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بالفضاء، وليس بالمسجد، فإذا طلب منهن اعتزال المصلى علم أن المراد الصلاة.
وحتى لا يقطع الحيَّض صفوف الطاهرات، طلب منهن أن يكن خلف الصفوف.
(٢٩٩) فقد رواه البخاري، من طريق عاصم الأحول عن حفصه،
عن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحيض فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته.
هذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم عدا قوله: "يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته" فقد انفرد بها البخاري (١).
وكون الحيض خلف الناس لا يلزم منه أن يكن خارج المصلى.
والحقيقة أن هذا الحديث محتمل، فيحتمل أن الأمر باعتزال المصلى المقصود به الصلاة ... كما ورد عند مسلم.
стр. 3045
ويحتمل أن النهي عن الصلاة المراد به المصلى، ومع الاحتمال لا يكون الدليل نصاً صريحاً في المطلوب، والدليل إذا ورد عليه الاحتمال بطل به الاستدلال فيطلب المنع من دليل آخر.
الدليل الثاني:
(٣٠٠) ما رواه أبو داود (١) , قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الواحد ابن زياد قال: حدثنا أفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت:
سمعت عائشة تقول: جاء رسول الله ﷺ ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل النبي ﷺ ولم يضع القوم شيئاً رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجهوا البيوت عن المسجد فإني لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب.
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 3046
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3047
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3048
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3049
الدليل الثالث:
(٣٠١) ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن
عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفِست؟ قالت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري" ورواه مسلم (١).
فحملوا منعها من الطواف من خوف المكث في المسجد فإنها ممنوعة منه عندهم لما قد يترتب على ذلك من تلويث المسجد.
وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن النهي صريح في المنع من الطواف، وهو أخص من المكث، فلو منعها من المكث لدخل في ذلك الطواف وليس العكس، ثم إن حمل النهي على المكث صرف للنهي عن ظاهره وحمل له على أمر لم يذكره الرسول ﷺ في الحديث. وتعطيل لما نص عليه رسول الله ﷺ ولو كانت علة النهي للحائض من الطواف خوف التلوث لأرشدها الرسول ﷺ إلى الاستثفار كما أرشد إلى ذلك أسماء بنت عميس حيث ولدت في الميقات،
стр. 3050
(٣٠٢) فقد روى مسلم من حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ وفيه: خرجنا معه - يعني النبي ﷺ حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي (١).
ولو كانت العلة خوف التلويث لما كان النهي عن الطواف حتى تغتسل الحائض، ولكان النهي يمتد إلى حين انقطاع دم الحيض.
(٣٠٣) فقد رواه مسلم بلفظ: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي" (٢).
ولو كانت العلة خوف التلويث لمنعت المستحاضة من دخول المسجد.
(٣٠٤) فقد روى البخاري، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن عكرمة، عن عائشة:
أن النبي ﷺ اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت الطست تحتها من الدم (٣).
وقد يستدل بحديث عائشة على عكس قولهم، فيستدل به على جواز المكث في المسجد لأن قوله: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت". فيقال: إن الاستثناء معيار العموم، فلم يستثن الرسول ﷺ إلا الطواف، ومعلوم