الدليل الثالث:
(٣٠١) ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن
عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفِست؟ قالت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري" ورواه مسلم (١).
فحملوا منعها من الطواف من خوف المكث في المسجد فإنها ممنوعة منه عندهم لما قد يترتب على ذلك من تلويث المسجد.
وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن النهي صريح في المنع من الطواف، وهو أخص من المكث، فلو منعها من المكث لدخل في ذلك الطواف وليس العكس، ثم إن حمل النهي على المكث صرف للنهي عن ظاهره وحمل له على أمر لم يذكره الرسول ﷺ في الحديث. وتعطيل لما نص عليه رسول الله ﷺ ولو كانت علة النهي للحائض من الطواف خوف التلوث لأرشدها الرسول ﷺ إلى الاستثفار كما أرشد إلى ذلك أسماء بنت عميس حيث ولدت في الميقات،
стр. 3050
(٣٠٢) فقد روى مسلم من حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ وفيه: خرجنا معه - يعني النبي ﷺ حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي (١).
ولو كانت العلة خوف التلويث لما كان النهي عن الطواف حتى تغتسل الحائض، ولكان النهي يمتد إلى حين انقطاع دم الحيض.
(٣٠٣) فقد رواه مسلم بلفظ: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي" (٢).
ولو كانت العلة خوف التلويث لمنعت المستحاضة من دخول المسجد.
(٣٠٤) فقد روى البخاري، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن عكرمة، عن عائشة:
أن النبي ﷺ اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت الطست تحتها من الدم (٣).
وقد يستدل بحديث عائشة على عكس قولهم، فيستدل به على جواز المكث في المسجد لأن قوله: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت". فيقال: إن الاستثناء معيار العموم، فلم يستثن الرسول ﷺ إلا الطواف، ومعلوم
стр. 3051
أن الحاج يمكث في المسجد، ولو كان لا يحل لها لنهاه النبي ﷺ عنه. وبهذا الاستدلال قال ابن حزم، فقد قال: "لو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لأخبر بذلك ﵇ عائشة إذ حاضت فلم ينهها إلا عن الطواف في البيت، ومن الباطل المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها ﵇ عن ذلك، ويقتصر على منعها من الطواف" (١).
وهذا الاستدلال فيه نظر، لأن استثناء الطواف من العموم السابق: "افعلي ما يفعل الحاج" فكأنه قال: افعلي جميع المناسك ما عدا الطواف، والمكث في المسجد ليس من الأعمال الخاصة بالمناسك، والله أعلم.
الدليل الرابع:
القياس على الجنب. فإذا كان الجنب ممنوعاً من المكث في المسجد كانت الحائض أولى؛ لأن حدث الحيض أغلظ؛ حيث تمنع من الصيام ولا يمنع الجنب من ذلك ولا تقضي الحائض الصلاة، والجنب مأمور بفعلها إذا تطهر.
والدليل على منع الجنب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢).
(٣٠٥) فقد روى عبد الرزاق (٣)، قال: عن معمر، عن عبد الكريم
стр. 3052
الجزري، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن ابن مسعود أنه كان يرخص للجنب أن يمر في المسجد مجتازاً ولا أعلمه إلا قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (١).
[وسنده منقطع أبو عبيدة لم يسمع من أبيه] (٢).
(٣٠٦) وروى ابن المنذر، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا أبو جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيل﴾ قال: إلا وأنت مار فيه" (٣).
[سنده ضعيف] (٤)، وقد ثبت عن ابن عباس في تفسير الآية خلاف هذا
стр. 3053
بسند صحيح عنه.
(٣٠٧) فقد روى ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثني، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن قتادة، عن أبي مجلز عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال: المسافر. وقال ابن المثنى: السفر (١).
فهذا سند في غاية الصحة، ولا تضر عنعنة قتادة وقد جاء حديثه من طريق شعبة (٢).
وله شاهد من قول علي ﵁.
(٣٠٨) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله وزر عن علي ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٣)، قال: المار الذي لا يجد الماء يتيمم ويصلي (٤).
стр. 3054
ورواه ابن جرير الطبري (١)، وابن المنذر (٢)، من طريق ابن أبي ليلى إلا أن ابن المنذر لم يذكر عباد بن عبد الله، وابن جرير رواه عن عباد أو عن زر.
[وهذا الإسناد فيه ضعف منجبر] (٣).
وقد فسر قوله تعالى: ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ بالمسافرين جماعة من التابعين، منهم مجاهد (٤)، وعمرو بن دينار (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، وسليمان بن موسى (٧)، والحكم بن عتيبة (٨)،
стр. 3055
والحسن بن مسلم (١).
وذهب عطاء (٢)، والحسن (٣)، وإبراهيم النخعي (٤)، إلى أن معنى قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ الجنب يمر في المسجد.
وقد حكي عن ابن مسعود بسند منقطع، وعن ابن عباس بسند ضعيف، وسبق الكلام عليهما فتحصل في معنى الآية قولان:
الأول: أن معنى قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي لا يقرب الصلاة الجنب إلا أن يكون مسافراً فيتيمم ويصلي وهذا التفسير هو الثابت عن ابن عباس وعلي وجماعة من التابعين.
الثاني: أن معنى قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: لا تقرب موضع الصلاة وأنت جنب إلا أن تكون ماراً في المسجد غير ماكث فيه.
وعليه فيكون معنى قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ أي لا تقربوا مواضع الصلاة (٥). ولكل قول عندي مرجح.
стр. 3056
فأما ترجيح أن المراد به المجتاز، وليس المسافر، فيرجحه أن الله قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ...﴾ الآية. فلو كان يقصد بقوله: إلا عابري سبيل هو المسافر، لم يكن لإعادة ذكره معنى.
وأما ترجيح تفسير ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ بالمسافر، فيكفي أنه تفسير اثنين من الصحابة ﵄، ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، ولأنه لا يحتاج إلى تقدير في الآية، فمعنى ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ على حقيقته وليس مواضع الصلاة كما فسرها أصحاب القول الأول ... وتفسير الصحابة أحب إلى نفسي وإن كان
стр. 3057
قد يبدو لفهمي القاصر خلاف المعنى. والله أعلم.
وعلى القول بأن الجنب منهي عن المكث في المسجد، فقياس الحائض عليه ليس دليلاً مسلماً من كل وجه ...
أولاً: لضعف القياس في مثل هذه الأمور.
وثانياً: الجنب بيده أن يتطهر، ففي الآية حث له على الإسراع على التطهر أما الحائض فلا تملك أمرها.
الدليل الخامس:
(٣٠٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام بن يوسف، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها كانت ترجل النبي ﷺ وهي حائض وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه. ورواه مسلم بنحوه (١).
وجه الاستدلال:
قالوا لو كانت الحائض تدخل المسجد لما أحوجت عائشة النبي ﷺ إلى هذا الفعل، ولبادرت إليه.
وأجيب:
بأن مثل هذا لا يلزم منه تحريم دخول الحائض، وقد يكون هذا الفعل من حسن معاملة الرسول ﷺ لأهله، فلم يرغب في تكليفهم بالخروج من البيت.
стр. 3058
وقد تكون عائشة تعتقد أن المسجد ليس محلاً لغسل الرأس، وكان الترجيل معه غسل.
(٣١٠)، كما روى البخاري ﵀، قال: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي ﷺ يباشرني، وأنا حائض، وكان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض.
ولفظ مسلم: وهو مجاور - فأغسله وأنا حائض (١).
وقد يكون في المسجد رجال أجانب، ولم يحب الرسول ﷺ أن يطلعوا على ذلك، وغايته أنه فعل لا يرقى إلى تحريم دخول الحائض المسجد.
أدلة القائلين بجواز مكث الحائض في المسجد .
في الحقيقة أن أصحاب هذا القول ليسوا بحاجة إلى دليل؛ لأن المطالب بالدليل من منع ذلك. أما هؤلاء فيكفي أن يجيبوا عن أدلة القول الأول إجابة مقنعة، فإن فعلوا كفاهم دليلاً .. ومع ذلك فسوف نسوق بعض الأدلة التي ذكروها، وإن كان بعضها فيه نزاع كما سنرى.
الدليل الأول:
الأصل الحل، وبراءة الذمة، ولم يرد دليل صحيح صريح في منع الحائض من المكث في المسجد، ولا يجوز منع الحائض إلا بدليل صحيح سالم من
стр. 3059
المعارضة ولم يصح في هذا الباب شيء.
الدليل الثاني:
(٣١١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عياش، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: "لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ فقلت له: فقال: سبحان الله، يا أبا هريرة إن المؤمن لا ينجس. ورواه مسلم (١).
وجه الشاهد منه، قوله: "إن المؤمن لا ينجس".
فإذا كان المؤمن لا ينجس فالحائض والجنب ونحوهما أجسامهم طاهرة؛ لأنهم من جملة المؤمنين، والطاهر لا يمنع من دخول المسجد.
والحقيقة أن قوله: "إن المؤمن لا ينجس" يحتمل أن المؤمن لا ينجس بالجنابة، لأنه معلوم أن المؤمن كغيره تلحقه النجاسة الحسية كما لو وقع عليه بول أو غائط، ودم الحيض مجمع على نجاسته.
ويحتمل: "إن المؤمن لا ينجس" أي أن المؤمن طاهر بإيمانه فهي طهارة معنوية، كما أن المشرك نجس بشركه نجاسة معنوية، وإن كان بدنه طاهراً حساً. وعلى كلا الاحتمالين فلا يصلح هذا دليلاً في مسألتنا.
الدليل الثالث:
(٣١٢) ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد
стр. 3060
الداروردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم
عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤا وضوء الصلاة (١).
[وهشام بن سعد وإن كان فيه كلام، إلا أن أبا داود قال فيه: أثبت الناس في زيد بن أسلم، وباقي رجاله ثقات إلا الداروردي فإنه صدوق فحديثه من قبيل الحسن وهو من رجال مسلم].
وقد اختلف على هشام بن سعد (٢)، وعلى فرض صحته فإنه لا يدل على الوجوب.
أولاً: لأنه حكاية فعل عن بعض أصحاب رسول الله، والفعل المجرد من النبي ﷺ لا يدل على الوجوب فكيف من غيره.
стр. 3061
ثانياً: لو صح وسلم في دلالته على الوجوب، فإن دلالته على منع الحائض من باب القياس، وهل يؤذن للحائض إذا توضأت أن تمكث في المسجد كالجنب، فإن قلت: لا تمكث هدمت القياس، وإن لم تمنع يبقى الفارق بين الجنابة والحيض. فالجنب يملك أن يرفع الجنابة، وبقاؤه جنباً من كسبه بخلاف الحائض.
ثالثاً: على تفسير: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (١) بأن المقصود به المجتاز فإنه يعارض هذا الأثر، فإن الآية تضمنت نهي الجنب عن المكث في المسجد وجعلت غاية النهي هي الاغتسال، بينما الأثر جعل غاية النهي الوضوء.
رابعاً: أن الأثر لم يحك عنهم أن هذا الفعل منهم كان زمن التشريع، بل صريح في أن زيد بن أسلم رآهم، وهذا يدل على أنه كان ذلك بعد وفاة النبي ﷺ ولم يحك عن عموم الصحابة حتى يكون حكاية للإجماع، فلا يصلح للاحتجاج.
الدليل الرابع:
(٣١٣) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وأبو كريب، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن ثابت ابن عبيد، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد،
стр. 3062
قالت: فقلت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك (١).
وهذا الحديث لا دلالة فيه على المكث بكل حال، وإنما النزاع هل يدل على جواز المرور فيه لتناول حاجة في المسجد أم لا؟ فمن منع المكث له أن يقول: ليس فيه إلا جواز المرور، ومع ذلك دلالته على جواز المرور فيها نزاع؛ لأن العلماء قد اختلفوا في معناه على قولين أو ثلاثة ولكل وجهة.
والحديث محتمل، ومع الاحتمال لا يصح الاستدلال.
وإليك الأقوال في معنى الحديث.
فقيل: إن الخمرة هي التي كانت في المسجد وأخذوا الحديث بظاهره.
(٣١٤) واستدلوا لقولهم بما أخرجه أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منبوذ، عن أمه، قالت:
كنت عند ميمونة فأتاها ابن عباس، فقالت: يا بني، مالك شعثاً رأسك؟ قال: أم عمار مرجلتي حائض. قالت: أي بني وأين الحيضة من اليد؟ كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا وهي حائض، فيضع رأسه في حجرها، فيقرأ القرآن وهي حائض، ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد وهي حائض. أي بني وأين الحيضة من اليد؟ (٢).
[وإسناده ضعيف] (٣).
стр. 3063
وعلى هذا القول يكون معنى: "إن حيضتك ليست في يدك" تحتمل معنين:
الأول: أن حيضتك في تقدير الله ، كقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم".
المعنى الثاني: أن يدك هي التي سوف تباشر الخمرة، ويدك طاهرة، فليست الحيضة في اليد.
القول الثاني في معنى الحديث: أن الرسول ﷺ طلب أن تناوله الخمرة وهو في المسجد وعائشة حائض، فيكون معنى ناوليني الخمرة من المسجد أي من قبل المسجد كما تقول: اعطني الثوب من النافذة أي من جهة النافذة.
فقد نقل النووي عن عياض، قال: "معناه أن النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد: أي وهو في المسجد، لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد؛ لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفاً، وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض، لقوله ﷺ : "إن حيضتك ليست في يدك" فإنها خافت من إدخال يدها في المسجد، ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى" (١).
стр. 3064
فعلى هذا يكون الحديث فيه إشارة لمنع الحائض من دخول المسجد إذا حملناه على هذا المعنى، بل يدل على منع المرور فيه فضلاً عن المكث.
ويشهد لهذا التأويل، ما رواه مسلم في صحيحه.
(٣١٥) قال مسلم: حدثني زهير بن حرب، وأبو كامل، ومحمد بن حاتم كلهم عن يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم. عن أبي هريرة قال:
بينما رسول الله ﷺ في المسجد، فقال: يا عائشة ناوليني الثوب "فقالت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك، فناولته.
القول الثالث في معنى الحديث: قالوا: يحتمل الحديث "ناوليني الخمرة من المسجد" أي من المصلى، ولا يلزم أن يكون المصلى في المسجد، حتى الموضع الذي يصلي فيه من البيت يسمى مصلى، وهو مسجد، لأنه موضع للسجود.
(٣١٦) ويشهد لهذا ما رواه أحمد، قال: ثنا عبد الرزاق وابن بكر، قالا: أنا ابن جريج، قال: أخبرني منبوذ أن أمه أخبرته أنها
بينا هي جالسة عند ميمونة زوج النبي ﷺ إذ دخل عليها ابن عباس، فقالت: مالك شعثاً؟ قال: أم عمار مرجلتي حائض. فقالت: أي بني، وأين الحيضة من اليد؟ لقد كان النبي ﷺ يدخل على إحدانا وهي متكئة حائض، قد علم أنها حائض، فيتكئ عليها، فيتلوا القرآن وهو متكئ عليها، أو يدخل عليها قاعدة وهي حائض فيتكئ في حجرها، ويتلو القرآن في حجرها وتقوم وهي حائض فتبسط له الخمرة في مصلاه. وقال ابن بكر: خمرته فيصلي عليها في بيتي،
стр. 3065
أي بني وأين الحيضة من اليد؟ (١).
[وإسناده ضعيف، أم منبوذ مجهولة].
وإذا احتمل الحديث هذه الاحتمالات لم يصلح دليلاً، لا للمانعين، ولا للمجيزين.
الدليل الخامس:
(٣١٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبيد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها وكانت معهم، وفيه قصة، وفي آخر الحديث:
فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت. قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حفش ... الحديث (٢).
وجه الدلالة:
أن الرسول ﷺ لم يأمرها وقت حيضتها أن تعتزل المسجد وليس في الحديث أنها كانت عجوزاً، حتى يمكن أن تكون يائسة من المحيض.
قال ابن رجب: "استدل بحديث عائشة طائفة من أهل الظاهر، على جواز مكث الحائض في المسجد؛ لأن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر غالباً. وفي ذلك نظر؛ لأنها قضية عين لا عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزاً
стр. 3066
قد يئست من الحيض" (١).
وقول ابن رجب: "قضية عين لا عموم لها"، يصح لو أنه كان هناك دليل صريح في منع الحائض من المكث في المسجد فيقال: إن هذه قضية عين لا يمكن أن تعارض ما صح في منع الحائض، أما ما لم يرد دليل صريح فالدليل هذا متوجه على جواز مكث الحائض في المسجد. والله أعلم.
الدليل السادس:
إذا كان المشرك يدخل المسجد، ويمكث فيه، ولا يبعد أن يكون جنباً، فالحائض أولى من المشرك.
(٣١٨) فقد روى البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة، قال:
بعث رسول الله ﷺ خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: "اطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
وقد اختصره البخاري (٢).
стр. 3067
وأجاب النووي على هذا الدليل بقوله: "القياس على المشرك جوابه من وجهين:
الأول: أن الشرع فرق بينهما!! فقام دليل تحريم مكث الجنب، وثبت أن النبي ﷺ حبس بعض المشركين في المسجد، فإذا فرق الشرع لم يجز التسوية.
الثاني: أن الكافر لا يعتقد حرمة المسجد، فلا يكلف بها، بخلاف المسلم، وهذا كما أن الحربي لو أتلف على المسلم شيئاً لم يلزمه ضمانه، لأنه لم يلتزم الضمان بخلاف المسلم والذمي إذا أتلفا" (١).
هذه أدلة كل فريق، والقائلون بجواز مكث الحائض في المسجد يكفيهم دليلاً أن معهم الأصل، وهو الحل، وبراءة الذمة، والقول بالتحريم فيه احتياط إلا أن أدلته محتملة، ولا يستطيع الباحث أن يجزم بتحريم المكث، فمن أراد الاحتياط فالاحتياط بابه واسع، والاحتياط في الاختيار للنفس غير الاحتياط في تحرير الأقوال، وبيان الأرجح والأقوى. فسلوك الاحتياط عند التحريم والتحليل للغير أن لا يتجرأ طالب العلم على تحريم شيء حتى يتبين له وجهه بما يستطيع به الجزم أو غلبة الظن بأن هذا حرام. قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (٢)، ولا يكفي أن يكون هذا القول قد ذهب إليه الجمهور، فإن الحق لا يعرف بالكثرة.
стр. 3068
المبحث الثاني: في مرور الحائض في المسجد بلا مكث
اختلف العلماء فيما لو احتاجت المرأة إلى العبور في المسجد من دون أن تمكث فيه.
فقيل: لا يجوز لها المرور مطلقاً سواء أمنت التلويث أم لا.
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ووجه في مذهب الشافعية اختاره إمام الحرمين (٣).
وقيل: يكره العبور، فإن كان لعذر لم يكره.
وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره منهم ابن إسحاق المروزي والبندنيجي (٤).
وقيل: يجوز العبور إذا أمنت التلويث، فإن خافت التلويث منعت.
وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
وهذه الأقوال قبل أن ينقطع دم الحيض، أما إذا انقطع دم الحيض وقبل
стр. 3069
الاغتسال. فالشافعية (١) والحنابلة (٢) يجيزون عبورها.
وأجاز الحنابلة لبثها في المسجد إذا توضأت كالجنب عندهم، لأن الوضوء يخفف الحدث فيزول بعض ما يمنعه، ومسألة اللبث في المسجد سبق مناقشتها، فحصل من هذه الأقوال أن المسألة كالتالي:
المنع مطلقاً، والجواز مطلقاً، والجواز بشرط انقطاع الدم، والكراهة من العبور لغير حاجة، وجواز لبثها في المسجد إذا انقطع دم الحيض بشرط الوضوء.
أدلة القائلين بتحريم مرور الحائض في المسجد .
استدلوا بالأدلة التي ذكرناها لهم في تحريم مكث الحائض في المسجد، فإذا حرم المكث عندهم حرم المرور فيه، لأن المرور نوع من المكث، ولأنهم لحظوا في تحريم المكث تحريم دخول الحائض المسجد، فإذا كان دخول المسجد محرماً على الحائض كان المكث والمرور ممنوعين على الحائض. وقد سقت أدلتهم في المسألة السابقة فلا داعي لإعادتها.
أدلة القائلين بجواز مرور الحائض في المسجد .
الدليل الأول:
(٣١٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وأبو كريب، ثلاثتهم عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عن
стр. 3070
القاسم بن محمد، عن عائشة قالت:
قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد. قالت، فقلت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك" (١).
وقد ناقشت اختلاف العلماء في دلالة الحديث، وأن الحديث يحتمل المرور في المسجد، ويحتمل أن المراد بالمسجد المصلى الذي في المنزل، ويحتمل أن الرسول ﷺ هو الذي في المسجد، وأن عائشة كانت في البيت ومع الاحتمال لا يمكن الجزم بدلالة الحديث على المراد. انظر أدلة كل احتمال في أدلة المسألة السابقة.
الدليل الثاني:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. فإذا صح للجنب أن يعبر المسجد جاز ذلك للحائض، وقد ناقشت دلالة الآية على المراد، واختلاف العلماء في تفسيرها.
وقد ثبت عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب بأن المراد بعابري السبيل المسافرون إذا لم يجدوا الماء يتيممون، وهو قول جماعة من التابعين انظر المسألة التي قبل هذه.
وعلى تسليم إباحة العبور للجنب يبقى هل يسلم لهم قياس الحائض عليه فإن حدث الحيض أغلظ من حدث الجنابة، فإن الحائض متلبسة بالحدث
стр. 3071
وبالنجاسة، أما الجنب فهو محدث فقط، ولذا يصح صيام الجنب ولا يصح صيام الحائض.
ومع ضعف الدليلين إلا أن هذا القول هو الصحيح، لأنه لم يرد دليل صحيح صريح في منع الحائض من المكث فضلاً عن العبور.
أدلة القائلين بالجواز إذا انقطع الدم وقبل الاغتسال .
لعل هؤلاء فهموا أن العلة في المنع هو خوف تلويث المسجد، فإذا انقطع الدم أصبحت الحائض عندهم بمنزلة الجنب فطهرت من النجاسة الحسية، وبقي الطهارة من الحدث، وإذا كان الجنب له أن يعبر المسجد، فالمرأة بعد انقطاع الدم لها ذلك قياساً عليه.
أدلة القائلين بكراهة العبور .
لعل سبب الكراهة عندهم.
أولاً: اتخاذ المسجد طريقاً، والمساجد لم تبن لهذا.
(٣٢٠) ولذا روى مسلم، قال ﵀: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق ابن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك، وهو عم إسحاق، قال:
بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه. قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزرموه دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: إن هذه
стр. 3072
المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ . قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنه عليه (١).
فقوله ﷺ : "إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن"، إشارة إلى أنها لم تبن لاتخاذها طرقاً.
ثانياً: الاحتياط والخروج من خلاف العلماء، وإذا كان هناك حاجة للعبور ارتفعت الكراهة؛ لأنه معلوم أن الضرورة ترفع التحريم، والحاجة ترفع الكراهة.
أدلة القائلين بجواز لبث الحائض في المسجد إذا انقطع دمها بشرط الوضوء .
(٣٢١) استدلوا بما رواه سعيد بن منصور في سننه، قال:
حدثنا عبد العزيز بن محمد الداروردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم،
عن عطاء بن يسار: رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤا للصلاة (٢).
وسبق تخريجه (٣)، وقد ناقشت الاستدلال بهذا الحديث في أدلة المسألة التي قبل هذه فارجع إليها.
стр. 3073
والراجح كما قلت سابقاً: جواز مكث الحائض وعبورها المسجد بشرط أن تأمن التلويث، لأن المساجد يجب صيانتها حتى من البصاق الطاهر فضلاً عن الدم النجس. والله أعلم.
стр. 3074
المبحث الثالث: هل يصح الاعتكاف مع الحيض
اختلف العلماء في هذه المسألة:
فقيل: لا يصح. وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
وقيل: يصح الاعتكاف مع الحيض. وهو اختيار ابن حزم (٢).
دليل من قال: لا يصح اعتكاف الحائض .
الدليل الأول:
الإجماع. قال ابن قدامة: "وإذا حاضت المرأة خرجت من المسجد، ثم قال: وأما خروجها من المسجد فلا خلاف فيه؛ لأن الحيض حدث يمنع اللبث في المسجد، فهو كالجنابة، وآكد منه" (٣).
стр. 3075
وقال ابن رشد: "ولا خلاف فيما أحسب عندهم أن الحائض تبني" (١).
والإجماع لا يثبت مع خلاف ابن حزم، ومن قبله داود الظاهري.
الدليل الثاني:
أن الاعتكاف عبادة من شرطها أن تكون في مسجد، والحائض ممنوعة من اللبث في المسجد. وقد بينت في مسألة مستقلة الخلاف في هذه المسألة، وبينت أن الراجح أن الحائض يجوز لها المكث فيه. والله أعلم.
ثم إن مسألة أن يكون الاعتكاف من المرأة في مسجد ليست محل إجماع (٢).
стр. 3076
الدليل الثالث:
قالوا: إن من شرط الاعتكاف أن تكون المرأة صائمة، والحائض ليس عليها صيام (١).
(٣٢٢) فقد روى أبو داود ﵀، قال: حدثنا وهب بن بقية، أخبرنا خالد، عن عبد الرحمن يعني - ابن إسحاق - عن الزهري، عن عروة،
عن عائشة أنها قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع.
قال أبو داود غير عبد الرحمن لا يقول فيه: قالت: السنة. قال أبو داود جعله قول عائشة.
[ضعيف مرفوعاً، ورجح البيهقي أن يكون من كلام الزهري أو عروة] (٢).
стр. 3077
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3078
الشاهد من الحديث: قوله "ولا اعتكاف إلا بصوم"، والحديث لا حجة فيه مع ضعفه، وقد جاء في الصحيح ما يشهد لصحة الاعتكاف بدون صوم.
(٣٢٣) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى ابن سعيد، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:
أن عمر سأل النبي ﷺ ، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال: فأوف بنذرك. ورواه مسلم (١).
قال ابن قدامة: "لو كان الصوم شرطاً لما صح اعتكاف الليل؛ لأنه لا صيام فيه" (٢).
والراجح أن الليلة تطلق، ويراد بها اليوم، ويطلق اليوم وتدخل الليلة، ولذلك رواه مسلم، بلفظ اليوم.
(٣٢٤)، قال مسلم، حدثني أبو الطاهر أخبرنا، عبد الله بن وهب حدثنا جرير بن حازم، أن أيوب حدثه، أن نافعا حدثه، أن عبد الله بن عمر حدثه،
أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من
ــ
وعطاء فسألتهما عن ذلك فقال طاوس: كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صياماً إلا أن يجعله على نفسه وقال عطاء ذلك رأي. هذا هو الصحيح موقوف، ورفعه وهم، وكذلك رواه عمرو بن زرارة، عن عبد العزيز موقوفاً، وهو فيما أنبأني أبو عبد الله إجازة، أن أبا الوليد أخبرهم، ثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه، ثنا عمرو بن زرارة، ثنا عبد العزيز، فذكره موقوفاً مختصراً، قال: فقال: كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صوماً. وقال عطاء: ذلك رأي اهـ.
قد ساقه البيهقي بإسناده مرفوعاً، وحكم بوهمه. وصحح الموقوف عن ابن عباس.
(١) صحيح البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦).
(٢) المغني (٤/ ٤٦٠، ٤٥٩).
стр. 3079
الطائف، فقال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام، فكيف ترى. قال: اذهب فاعتكف يوما .... الحديث (١). وقال تعالى في سورة آل عمران:
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ (٢).
وقال سبحانه في مريم ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (٣). لكن الدلالة من الحديث على عدم اشتراط الصوم، ليس في ذكر الليلة، ولكن كونه ﷺ لم يذكره لعمر، ولو كان الصوم شرطاً لبينه النبي ﷺ له، وتأخير البيان عن وقته لا يجوز. والله أعلم.
دليل القائلين بصحة الاعتكاف مع الحيض .
الدليل الأول:
لم يأت نهي من الشرع ينهى الحائض من الاعتكاف، أو ينهاها عن الدخول في المسجد، وإذا لم يأت نهي، وكان الاعتكاف مطلوباً شرعاً، كان الاعتكاف مشروعاً للحائض كغيرها، ومن منع الحائض فعليه الدليل. ولا دليل.
قال ابن حزم: "وجائز للحائض والنفساء أن يتزوجا، وأن يدخلا المسجد، وكذلك الجنب؛ لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك، وقد قال الرسول
стр. 3080
- ﷺ : "المؤمن لا ينجس" اهـ (١).
الدليل الثاني:
(٣٢٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا قتيبة: قال: حدثنا يزيد ابن زريع، عن خالد، عن عكرمة،
عن عائشة، قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي (٢).
وجه الاستدلال:
أن الدم إذا كان لا يمنع المرأة المستحاضة من الاعتكاف، لم يمنع الحائض.
الدليل الثالث:
كل الأدلة التي ذكرتها في جواز دخول الحائض المسجد، هي دليل على صحة اعتكاف الحائض؛ لأن من منع عمدته إما المنع من دخول المسجد، وهو مرجوح، أو اشتراط الصيام لصحة الاعتكاف، وهو ضعيف.
والراجح أن المرأة لا تمنع من الاعتكاف، وهي حائض، فإن حقيقة الاعتكاف مكث في مقام مخصوص، فلا يشترط فيه الطهارة من الحيض، كما لا يشترط فيه الصيام كما لو وقفت بعرفة، فإنه يصح وقوفها مع كونها حائضاً مفطرة غير صائمة. والله أعلم.
стр. 3081
الفرع الأول: إذا حاضت المرأة وهي معتكفة (*)
أما الذين لا يشترطون الطهارة للاعتكاف، فهذا واضح أنها تمضي في اعتكافها، وأما على قول الجمهور الذين يشترطون الطهارة من الحيض، فقد اختلفوا في الواجب على المرأة في هذه الحالة.
فقيل: ترجع إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت وبنت على ما مضى
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).
وقيل: إن كان للمسجد رحبة استحب لها أن تخرج إليها، وتضرب خباءها فيها، وإن لم يكن فيه رحبة رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت، فأتمت اعتكافها. وهذا مذهب الحنابلة (٤).
وقال إبراهيم النخعي: تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت
стр. 3082
تلك الأيام، وإن دخلت بيتاً أو سقفاً استأنفت (١).
دليل الجمهور على جواز خروجها إلى منزلها إذا حاضت .
قالوا: لما وجب عليها الخروج من المسجد، لم يلزمها الإقامة في رحبته، كالخارجة لعدة، أو خوف الفتنة.
وناقش ذلك ابن قدامة، فقال: "وفارق المعتدة؛ فإن خروجها لتقيم في بيتها، وتعتد فيه، ولا يحصل ذلك مع الكون في الرحبة، وكذلك الخائفة من الفتنة، فلا تقيم في موضع لا تحصل السلامة بالإقامة فيه" (٢).
ويمكن أن يستدل لهم، بأنها حين منعت من المسجد، وعبادة الاعتكاف متعلقة بالمسجد، تساوى ما عداه من الأمكنة، فلا فضل للرحبة على غيرها. ولذلك لو نذرت اعتكافها في مكان له فضل على غيره تعين، كما لو نذرت الاعتكاف في المسجد الحرام، لم يجز اعتكافها في غيره. فإذا كان المكان لا فضل له على غيره لم يتعين.
دليل من استحب أن تمكث في رحبة المسجد .
(٣٢٦) قال ابن قدامة: روى أبو حفص بإسناده، عن المقدام بن شريح، عن عائشة، قالت: كن المعتكفات إذا حضن أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن.
[لم أقف على إسناده] (٣).
стр. 3083
الفصل الخامس: في أحكام الحائض من حيث المناسك
المبحث الأول: في إحرام الحائض والنفساء في الحج والعمرة
يجوز للحائض والنفساء الإحرام بالحج والعمرة، ولا يمنع الحيض والنفاس من صحة الإحرام، والأدلة على ذلك ما يلي:
الدليل الأول:
الإجماع. فقد أجمع العلماء على صحة إحرام الحائض والنفساء، وأن الحيض والنفاس لا يمنع صحة الإحرام.
وقد حكى الإجماع ابن عبد البر (١)، والنووي (٢).
الدليل الثاني: من السنة.
(٣٢٧) روى البخاري ﵀، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي ﷺ ، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، فقدمت مكة، وأنا حائض ولم
стр. 3084
أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: انقضي رأسك وامتشطي. وأهلي بالحج ودعي العمرة. ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني النبي ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك. قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً واحداً بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا (١).
(٣٢٨) ومنه ما رواه مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، ومحمد بن رمح جميعا، عن الليث بن سعد. قال قتيبة: حدثنا ليث، عن أبي الزبير،
عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد، وأقبلت عائشة رضي الله تعالى عنها بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي. قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج، ففعلت، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت
стр. 3085
بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً، فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة (١).
وجه الاستدلال من الحديثين:
قوله ﷺ : "وأهلي بالحج" مع كونها حائضاً، فهذا دليل على صحة إحرام الحائض، ومثلها النفساء.
الدليل الثالث:
(٣٢٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا هناد بن السري وزهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة كلهم، عن عبدة. قال زهير: حدثنا عبدة ابن سليمان عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر يأمرها أن تغتسل وتهل (٢).
(٣٣٠) ومنها حديث جابر، عند مسلم، قال: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعاً، عن حاتم. قال أبو بكر: حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال:
دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى، ثم نزع زري