الفرع الأول: إذا حاضت المرأة وهي معتكفة (*)
أما الذين لا يشترطون الطهارة للاعتكاف، فهذا واضح أنها تمضي في اعتكافها، وأما على قول الجمهور الذين يشترطون الطهارة من الحيض، فقد اختلفوا في الواجب على المرأة في هذه الحالة.
فقيل: ترجع إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت وبنت على ما مضى
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).
وقيل: إن كان للمسجد رحبة استحب لها أن تخرج إليها، وتضرب خباءها فيها، وإن لم يكن فيه رحبة رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت، فأتمت اعتكافها. وهذا مذهب الحنابلة (٤).
وقال إبراهيم النخعي: تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت
стр. 3082
تلك الأيام، وإن دخلت بيتاً أو سقفاً استأنفت (١).
دليل الجمهور على جواز خروجها إلى منزلها إذا حاضت .
قالوا: لما وجب عليها الخروج من المسجد، لم يلزمها الإقامة في رحبته، كالخارجة لعدة، أو خوف الفتنة.
وناقش ذلك ابن قدامة، فقال: "وفارق المعتدة؛ فإن خروجها لتقيم في بيتها، وتعتد فيه، ولا يحصل ذلك مع الكون في الرحبة، وكذلك الخائفة من الفتنة، فلا تقيم في موضع لا تحصل السلامة بالإقامة فيه" (٢).
ويمكن أن يستدل لهم، بأنها حين منعت من المسجد، وعبادة الاعتكاف متعلقة بالمسجد، تساوى ما عداه من الأمكنة، فلا فضل للرحبة على غيرها. ولذلك لو نذرت اعتكافها في مكان له فضل على غيره تعين، كما لو نذرت الاعتكاف في المسجد الحرام، لم يجز اعتكافها في غيره. فإذا كان المكان لا فضل له على غيره لم يتعين.
دليل من استحب أن تمكث في رحبة المسجد .
(٣٢٦) قال ابن قدامة: روى أبو حفص بإسناده، عن المقدام بن شريح، عن عائشة، قالت: كن المعتكفات إذا حضن أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن.
[لم أقف على إسناده] (٣).
стр. 3083
الفصل الخامس: في أحكام الحائض من حيث المناسك
المبحث الأول: في إحرام الحائض والنفساء في الحج والعمرة
يجوز للحائض والنفساء الإحرام بالحج والعمرة، ولا يمنع الحيض والنفاس من صحة الإحرام، والأدلة على ذلك ما يلي:
الدليل الأول:
الإجماع. فقد أجمع العلماء على صحة إحرام الحائض والنفساء، وأن الحيض والنفاس لا يمنع صحة الإحرام.
وقد حكى الإجماع ابن عبد البر (١)، والنووي (٢).
الدليل الثاني: من السنة.
(٣٢٧) روى البخاري ﵀، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي ﷺ ، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، فقدمت مكة، وأنا حائض ولم
стр. 3084
أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: انقضي رأسك وامتشطي. وأهلي بالحج ودعي العمرة. ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني النبي ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك. قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً واحداً بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا (١).
(٣٢٨) ومنه ما رواه مسلم، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، ومحمد بن رمح جميعا، عن الليث بن سعد. قال قتيبة: حدثنا ليث، عن أبي الزبير،
عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد، وأقبلت عائشة رضي الله تعالى عنها بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي. قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج، ففعلت، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت
стр. 3085
بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً، فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة (١).
وجه الاستدلال من الحديثين:
قوله ﷺ : "وأهلي بالحج" مع كونها حائضاً، فهذا دليل على صحة إحرام الحائض، ومثلها النفساء.
الدليل الثالث:
(٣٢٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا هناد بن السري وزهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة كلهم، عن عبدة. قال زهير: حدثنا عبدة ابن سليمان عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر يأمرها أن تغتسل وتهل (٢).
(٣٣٠) ومنها حديث جابر، عند مسلم، قال: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعاً، عن حاتم. قال أبو بكر: حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال:
دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى، ثم نزع زري
стр. 3086
الأسفل، ثم وضع كفه بين ثديي، وأنا يومئذ غلام شاب فقال: مرحبا بك يا ابن أخي، سل عما شئت، فسألته وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفاً بها كلما وضعها علي منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب فصلى بنا. فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ ، فقال بيده فعقد تسعا، فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ -حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي.
[الحديث قطعة من حديث طويل في صفة حجة النبي ﷺ ] (١).
والاستدلال بهذين الحديثين ظاهر على صحة إحرام النفساء.
стр. 3087
المبحث الثاني: خلاف العلماء في اشتراط الطهارة للطواف
اختلف العلماء في اشتراط الطهارة للطواف.
فقيل: الطهارة من الحيض، بل ومن الحدث الأصغر شرط لصحة الطواف. وهو المشهور من مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
وقيل: الطهارة من الحيض ومن الحدث الأصغر واجبة، ويصح الطواف بدونها، وتجبر بدم. وهو الراجح عند الحنفية (٤)، ورواية عن أحمد (٥).
وقيل: الطهارة واجبة من الحيض، سنة من الحدث الأصغر. وهو اختيار ابن تيمية (٦).
الأدلة على اشتراط الطهارة من الحيض والحدث الأصغر .
الدليل الأول:
(٣٣١) حدثنا أصبغ، عن ابن وهب، أخبرني عمرو، عن محمد ابن
стр. 3088
عبد الرحمن، ذكرت لعروة، قال:
فأخبرتني عائشة رضي الله تعالى عنها: أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي ﷺ أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة. الحديث (١).
وجه الاستدلال:
أولاً: أن هذا الفعل امتثال لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢).
ثانياً: قد روى مسلم في صحيحه، قال ﵀:
(٣٣٢) حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم جميعاً، عن عيسى بن يونس. قال ابن خشرم: أخبرنا عيسى، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير
أنه سمع جابراً يقول: رأيت النبي ﷺ يرمى على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (٣).
قال الشنقيطي: وضوء النبي ﷺ لطوافه، قد دل دليلان على أن الوضوء لازم لا بد منه.
أحدهما: أنه ﷺ قال في حجة الوداع: "خذوا عني مناسككم"
وهذا الأمر للوجوب والتحتم، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء للطواف امتثالاً لأمره، في قوله ﷺ "خذوا عني مناسككم"
стр. 3089
الدليل الثاني:
أن فعله في الطواف من الوضوء له، ومن هيئته التي أتي به عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي ﷺ إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم، ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع؛ لأن قطع النبي ﷺ للسارق من الكوع، بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب" (١).
وقال النووي في شرحه لهذا الحديث: "لتأخذوا عني مناسككم" فهذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا عني مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج، وصفته، وهي مناسككم فخذوها عني، واقبلوها واعملوا بها، وعلموها الناس، وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج (٢).
وأجيب عن هذا الدليل:
أما كونه لما طاف توضأ، فهذا وحده لا يدل على الوجوب؛ فإنه كان ﷺ يتوضأ لكل صلاة حتى ولو كان طاهراً، وتيمم لرد السلام، وقال: إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر.
وأما الجواب عن قوله: "لتأخذوا عني مناسككم".
стр. 3090
قال ابن القيم: "أن نفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلاً على وجه الاستحباب، فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه وتأسينا به، مع أنه ﷺ فعل في حجته أشياء كثيرة جداً لم يوجبها أحد من الفقهاء" اهـ (١).
وعلى كل حال لا أرى الاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا أرى أن يستدل على وجوبها بهذا العموم. فقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" يدل على كونه مشروعاً، وأنه من أفعال المناسك، أما دلالته على الوجوب فيحتاج إلى دليل خاص، كما أن دلالته على الشرطية أو الركنية يحتاج إلى دليل خاص كذلك. فإذا كان ورود الأمر الخاص فيه نزاع في دلالته على الوجوب كما هو معلوم في أصول الفقه، فما بالك في حديث: "خذوا عني مناسككم" والذي يشمل جميع أفعال المناسك.
الدليل الثاني:
(٣٣٣) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يقول:
سمعت عائشة تقول: خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي. قال: ما لك أنفست؟ قلت: نعم. قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت.
стр. 3091
قالت: وضحى رسول الله ﷺ -عن نسائه بالبقر. ورواه مسلم (١).
وفي رواية لهما: فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري.
وفي رواية لمسلم (حتى تغتسلي).
وأجيب عن هذا الدليل:
بأن الحائض إنما منعت من الطواف من أجل المكث في المسجد.
(٣٣٤) لما رواه مسلم، قال ﵀: حدثني أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد، حدثنا أيوب، عن محمد،
عن أم عطية قالت: أمرنا تعني النبي ﷺ أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور وأمر الحيَّض أن يعتزلن مصلى المسلمين. ورواه البخاري (٢).
قلت: التعليل بأن النهي من أجل المكث في المسجد ليس ظاهراً من الحديث، وصرف للفظ عن ظاهره، وكان من الممكن أن يقول ﷺ : غير ألا تمكثي في المسجد، ولأن النهي عن المكث أعم من النهي عن الطواف، فلو نهى عن المكث لدخل فيه الطواف، بخلاف العكس، فحين نهى عن الطواف، وهو أخص من المكث لم يدخل المكث فيه، وهو ظاهر.
ولو كان النهي من أجل صيانة المسجد خوفاً من التلوث لم يجعل النهي ممتداً حتى الاغتسال، كما في رواية مسلم: "حتى تغتسلي". لأن الحائض لا تغتسل إلا وقد انقطع دم الحيض، فلما جعل غاية النهي الاغتسال فلا يكفي
стр. 3092
حتى ولو طهرت من الدم، ما دام أنها لم تتطهر.
ولو كانت العلة صيانة المسجد لما أذن الشارع للمستحاضة في دخول المسجد والاعتكاف فيه مع خروج الدم، فعلم بهذا أن العلة ليست صيانة المسجد من التلويث. نعم الحديث لا يصلح دليلاً على اشتراط رفع الحدث الأصغر؛ لأن الحديث في الطهارة من الحيض، وهو من الحدث الأكبر، وبالتالي الحديث يبقى دليلاً على اشتراط الطهارة من الحيض فقط، وليس كل شيء اشترط له رفع الحدث الأكبر يلزم منه رفع الحدث الأصغر، فقراءة القرآن على مذهب الجمهور تجوز للمحدث حدثاً أصغر، ويمنع الجنب من القراءة عندهم، فليس بينهما تلازم.
الدليل الثالث:
(٣٣٥) ما رواه البخاري، ﵀، قال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، حدثني عروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن،
أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرتهما، أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت في حجة الوداع فقال النبي ﷺ : أحابستنا هي؟ فقلت: إنها قد أفاضت يا رسول الله، وطافت بالبيت، فقال النبي ﷺ : فلتنفر. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال من الحديث:
وجه الاستدلال منه كالاستدلال بالحديث الذي قبله، والجواب عن ذلك هو الجواب عنه.
стр. 3093
الدليل الرابع:
(٣٣٦) ما رواه الترمذي، قال ﵀: حدثنا قتيبة، حدثنا، جرير عن عطاء بن السائب، عن طاوس،
عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير.
قال أبو عيسى وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفاً، ولا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عطاء بن السائب.
[إسناده ضعيف، والراجح وقفه على ابن عباس] (١).
стр. 3094
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3095
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3096
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3097
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3098
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3099
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3100
كما أن متنه شاهد على أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ ، فالحديث يعتبر الطواف كالصلاة إلا في الكلام، وقد قال علماء الأصول: الاستثناء معيار العموم، بمعنى أنها تثبت للطواف جميع أحكام الصلاة إلا ما استثني، وعند التأمل نرى أنه يجوز بالطواف الأكل والشرب، وليس فيه تسليم، ولا دعاء استفتاح، ولا استقبال القبلة، ولا تجب له قراءة الفاتحة، وله أن يقطع طوافه لشهود صلاة الجنازة، أو لحضور الجماعة، ثم يبني على طوافه بخلاف الصلاة، ولا يحتاج فيه إلى تسوية صفوف، ولا تقديم الرجال على النساء، وله أن يطوف وهو عاري الكتفين، وبالتالي فهذه المخالفات تدل على أن الكلام ليس من
стр. 3101
الرسول ﷺ ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١).
وقد قال بعضهم: إن هذا الحديث على فرض صحته يشبه حديث أبي هريرة في الصحيح
(٣٣٧) فقد روى البخاري، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا الأعمش، قال: سمعت أبا صالح يقول:
سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة (٢).
والذي ينتظر الصلاة لا يلزمه ما يلزم المصلي، فله أن يأكل ويلتفت عن القبلة، وغيرها، فقد يكون الطواف صلاة من أجل أن الصلاة شرعت لإقامة ذكر الله، قال تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣) والطواف إنما شرع لإقامة ذكر الله، وإن كانت الصلاة في اللغة: الدعاء، والطواف يدعو به الطائف ما شاء من أمور الدنيا والآخرة.
стр. 3102
وهذا الكلام ليس دقيقاً، لأن هناك فرقاً بين أن أقول الطواف كالصلاة في الأجر والمثوبة، وبين أن أقول: الطواف صلاة إلا في الكلام، فهذا واضح أن الحديث لم يتعرض للثواب، وإنما تعرض فيما يجب ويلزم ويمنع.
قال الكاساني تعليقاً على حديث "الطواف بالبيت صلاة": يحمل على التشبيه كما في قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي كأمهاتهم، ومعناه أن الطواف كالصلاة إما في الثواب، أو في أصل الفرضية في طواف الزيارة؛ لأن كلام التشبيه لا عموم له فيحمل على المشابهة في بعض الوجوه، عملاً بالكتاب والسنة" اهـ (١).
فإن قيل: أليس بعد الطواف صلاة ركعتين؟ والصلاة تشترط فيها الطهارة، من أجل هذا يلزمه أن يطوف متطهراً.
فالجواب:
قال ابن تيمية: "وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع، وإذا قدر وجوبهما لم تجب فيها الموالاة، وليس اتصالهما بالطواف بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة، ومعلوم أنه لو خطب محدثاً ثم توضأ وصلى الجمعة جاز، فلأن يجوز أن يطوف محدثاً، ثم يتوضأ، ويصلي الركعتين بطريق الأولى.
وهذا كثيراً ما يبتلى به الإنسان إذا نسي الطهارة في الخطبة والطواف، فإنه
стр. 3103
يجوز له أن يتطهر ويصلي. وقد نص على أنه إذا خطب، وهو محدث جاز" (١).
الدليل الخامس على اشتراط الطهارة .
استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢)
وجه الاستدلال من وجهين:
الأول: أن الطواف ذكر مع الصلاة، فإذا كانت الصلاة تشترط لها الطهارة، فكذلك الطواف. بل إن تقديم الطواف على الصلاة يدل على أن الطهارة فيه أولى.
الوجه الثاني:
إذا وجب تطهير مكان الطائف، فبدنه من باب أولى.
وأجيب:
بأن هذه الدلالة دلالة اقتران، وهي من أضعف الدلالات، ولا يلزم من اقترانهما اشتراكهما في الحكم.
قال تعالى ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣).
والأكل مباح، فهل إتيان حقه يوم حصاده تقولون: إنه مباح. ثم إنه قال
стр. 3104
في الآية الأخرى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١).
هل تقولون: إن المعتكف لا يصح اعتكافه إلا على طهارة؛ لأنه قرن بالصلاة، فإذا سقطت الدلالة من هذه الآية، سقطت من تلك.
وكونه قدم الطواف على الصلاة ليس دليلاً على كونه أولى بالطهارة من الصلاة، فقد يكون قدم باعتبار أن الطواف أخص بالبيت من الصلاة، فالصلاة يصليها الإنسان في كل المساجد، بل في الأرض كلها. وأما الطواف فلا يطوف الإنسان إلا في هذا البيت، والله أعلم.
وأما الأمر بتطهير المكان، فالمراد من الشرك، وهو نجاسة معنوية، ومن الخبث وهو نجاسة حسية، وأما المؤمن فإنه ليس بنجس، ولا ينجس بالحدث، ولا يمنع المحدث من دخول البيت، فليس مقصوداً في الآية.
الدليل السادس:
أن الطواف عبادة متعلقة بالبيت، فكانت الطهارة شرطاً فيها كالصلاة.
قال ابن تيمية: وهذا القياس فاسد، فإنه يقال: لا نسلم أن العلة في الأصل كونها متعلقة بالبيت، ولم يذكروا دليلاً على ذلك، والقياس الصحيح ما بين فيه أن المشترك بين الأصل والفرع هو علة الحكم أو دليل العلة.
وأيضاً فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة، سواء تعلقت بالبيت أو لم تتعلق، ألا ترى أنهم لما كانوا يصلون إلى الصخرة كانت الطهارة أيضاً شرطاً
стр. 3105
فيها، ولم تكن متعلقة بالبيت. وكذلك أيضاً إذا صلى إلى غير القبلة كما يصلي المتطوع في السفر، وكصلاة الخوف راكباً؛ فإن الطهارة شرط، وليست متعلقة بالبيت، حتى قال: ثم هناك عبادة من شرطها المسجد، ولم تكن الطهارة شرطاً فيها كالاعتكاف (١).
دليل من قال الطهارة واجبة ويصح الطواف بدونها وتجبر بدم .
استدلوا: على أن الطهارة واجبة بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢).
وجه الاستدلال:
أن الله أمر بالآية بالطواف، وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، فاشتراط الطهارة في الطواف يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بدليل قاطع، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين، والركنية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين. وأصل الطواف ركن ثابت بالنص، والطهارة فيه تثبت بخبر الواحد، فيكون موجباً للعمل دون العلم، فلم تصر الطهارة ركناً، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في الحج (٣).
стр. 3106
وهذا القول منهم ضعيف؛ لأن التفريق بين ما هو قطعي الدلالة، وما هو ظني الدلالة، والأول يصلح أن يكون دليلاً على الفرض، والثاني يكون دليلاً على الواجبات دون الشروط والأركان، والتفريق بين الواجب والفرض كل هذه الأمور مرجوحة لا تقوم على دليل صحيح، ولا يوافقهم فيها الجمهور. ثم الراجح من خبر الآحاد أنه يفيد العلم ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وتجويز الخطأ في خبر الآحاد تجويز عقلي، والأصل عدمه، ولو فتح الباب للتجويز العقلي لهدم الشرع، وهي لا تخرج عن أوهام ووساوس، لا تبنى على أسس، إنما بنيت على شفا جرف هار، وقد كان البلاغ في الرسالة يقوم على خبر الواحد، وهو أصل الشرع، فقد كان الرسول ﷺ يرسل الآحاد من الصحابة لتبليغ رسالته، وتقوم الحجة به، فغيره من باب أولى. وليس هذا مقام بسط الكلام بالاحتجاج بخبر الواحد.
أدلة القائلين بأن الطهارة من الحيض شرط ومن الحدث الأصغر سنة .
أما الدليل على كون الطهارة من الحيض شرطاً.
فالإجماع. قال ابن عبد البر: الحائض لا تطوف بالبيت، وهو أمر مجتمع عليه، لا أعلم فيه خلافاً (١).
وقال ابن رشد: "اتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء، وذكر الثالث منها، قال: والثالث: فيما أحسب الطواف" (٢).
стр. 3107
قال النووي: وقد أجمع العلماء على تحريم الطواف على الحائض والنفساء. وأجمعوا على أنه لا يصح منهما طواف مفروض ولا تطوع، وأجمعوا على أن الحائض والنفساء لا تمنع من شيء من مناسك الحج إلا الطواف وركعتيه، نقل الإجماع في هذا كله ابن جرير وغيره (١).
وقال ابن تيمية: "وأما الذي لا أعلم فيه نزاعاً أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض، إذا كانت قادرة على الطواف مع الطهر، فما أعلم منازعاً أن ذلك يحرم عليها، وتأثم به (٢).
وقال ابن حزم: أما امتناع الصلاة والصوم والطواف والوطء في الفرج حال الحيض فإجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام فيه (٣).
وأما الدليل على كون الطهارة من الحدث الأصغر سنة .
الدليل الأول:
عدم الموجب للطهارة، والأصل براءة الذمة حتى يثبت الدليل الصحيح الصريح.
قال ابن تيمية: "لم ينقل أحد عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف مع العلم أنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر
стр. 3108
عمراً متعددة، والناس معتمرون معه، فلو كان الوضوء فرضاً في الطواف لبينه النبي ﷺ بياناً عاماً، ولو بينه لنقل ذلك المسلمون عنه، ولم يهملوه" (١).
وقال ابن القيم: "لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه أمر المسلمين بالطهارة، لا في عمرته، ولا في حجته، مع كثرة من حج معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجباً ولا يبينه للأمة، وتأخير البيان عن وقته ممتنع" (٢).
قلت: وقد طاف مع الرسول ﷺ في حجته خلق كثير، وكثير منهم حديث عهد بالإسلام، ومع ذلك لم يأمرهم بالطهارة، وقد ينتقض وضوء كثير منهم أثناء الطواف، ومع هذا الاحتمال القوي، لم يبين الرسول ﷺ أنه يلزمهم الطهارة في الطواف، مع أن الرسول ﷺ قد أخبر أنه يعلن أفعاله ليأخذ الناس مناسكهم فقد كان الرسول ﷺ يشعر بأنه قد لا يحج العام القابل، وكان كما تنبأ النبي ﷺ .
الدليل الثاني:
(٣٣٨) ما رواه أحمد، قال ﵀: ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ :
مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (٣).
[وهذا الحديث حسن، وابن عقيل مختلف فيه، والأكثر على ضعفه، وهذا الحديث من أحاديثه المقبولة، حيث يشهد له عمومات أخر، كحديث لا تقبل
стр. 3109
صلاة بغير طهور ونحوها، ويتقى من حديثه ما ينفرد به مما لا يوجد ما يعضده] (١).
стр. 3110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3114
وجه الدلالة:
قال ابن تيمية: "في هذا الحديث دلالتان:
إحداهما: أن الصلاة تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فما لم يكن تحريمه
стр. 3115
التكبير وتحليله التسليم لم يكن من الصلاة.
الثانية: أن هذه هي الصلاة التي مفتاحها الطهور، وكل صلاة مفتاحها الطهور، فتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فما لم يكن تحريمه التكبير وتحليله التسليم، فليس مفتاحه الطهور".
وقال: "الطواف ليس له تحريم ولا تحليل، وإن كبر في أوله فكما يكبر على الصفا والمروة وعند رمي الجمار من غير أن يكون ذلك تحريماً، ولهذا يكبر كلما حاذى الركن. والصلاة لها تحريم؛ لأنه بتكبيرها يحرم على المصلي ما كان حلالاً له من الكلام، أو الأكل أو الضحك أو الشرب أو غير ذلك، فالطواف لا يحرم شيئاً، بل كل ما كان مباحاً قبل الطواف في المسجد، فهو مباح في الطواف، وإن كان قد يكره ذلك؛ لأنه يشغل عن مقصود الطواف".
حتى قال: "ولا يعرف نزاع بين العلماء أن الطواف لا يبطل بالأكل والشرب والقهقهة، كما لا يبطل غيره من مناسك الحج بذلك، وكما لا يبطل الاعتكاف بذلك" (١).
الدليل الثالث:
قال ابن تيمية: "يثبت أيضاً أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة،
(٣٣٩) لما ثبت في صحيح مسلم، من حديث ابن جريج، حدثنا سعيد بن الحارث، عن ابن عباس،
стр. 3116
أن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب له طعام، فأكل، ولم يمس ماء. قال ابن جريج: وزادني عمرو بن دينار، عن سعيد ابن الحارث، أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم تتوضأ؟ قال: ما أردت صلاة فأتوضأ.
قال عمرو: سمعته من سعيد بن الحارث. اهـ (١).
ثم قال: "ما أردت صلاة، فأتوضأ، يدل على أنه لم يجب عليه الوضوء إلا إذا أراد صلاة، وأن وضوءه لما سوى ذلك مستحب، وليس بواجب" اهـ.
الدليل الرابع:
وإن لم يكن بمنزلة الدليل، ولكنه من باب الاستئناس بأقوال بعض السلف المتقدمين، حيث يكون للإنسان إسوة بمن تقدم ﵏ رحمة واسعة.
(٣٤٠) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، قال: سألت حماداً ومنصوراً وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا به بأساً.
[وهذا إسناد في غاية الصحة] (٢).
(٣٤١) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه قال في المرأة تطوف ثلاثة أشواط، ثم تحيض، قال: يعتد به.
стр. 3117
[وهذا إسناد حسن، إن سلم من تدليس مغيرة] (١).
(٣٤٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعداً، ثم حاضت أجزأ عنها (٢).
(٣٤٣) وروى ابن أبي شيبة أيضاً، قال: حدثنا أبو خالد، عن حجاج، عن عطاء، قال: تستقبل الطواف أحب إلي، وإن فعلت فلا بأس به.
[حسن عن عطاء بمجموع الطريقين] (٣).
الراجح من هذه الأقوال أن الطهارة من الحيض شرط في صحة الطواف، وأما الطهارة من الحدث الأصغر فليست شرطاً فيه، لكن لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في هذه السنة خروجاً من الخلاف، خاصة أن الطهارة لا نزاع في مشروعيتها. والطواف ركن الحج والعمرة مقصود لذاته، وغيره من الأعمال تبع له.
стр. 3118
المبحث الثالث: في المرأة إذا اضطرت للطواف وهي حائضة
خلصنا من البحث السابق أن الطهارة من الحيض شرط لصحة الطواف كما أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، وبقي أن نبحث فيما لو عجزت المرأة عن تحقيق هذا الشرط، بأن كانت لا تستطيع البقاء في مكة حتى تطهر، فهل يصح طوافها في مثل هذه الحال؟ أم لا يجوز لها الطواف؟ في هذه المسألة وقع خلاف بين العلماء:
فقيل: لا يصح طوافها بحال.
وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: الطهارة من الحيض ليست بشرط، ولكنها واجبة تجبر بدم.
وهو مذهب الحنفية (٤)، ورواية عن أحمد (٥)، واختلفوا في الدم هل هو شاة أم بدنة. فقيل بدنة، وهو مذهب الحنفية. وقيل شاة.
وقيل: إذا عجزت عن الطهارة صح طوافها ولا يحتاج إلى جبران، وهو
стр. 3119
اختيار ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢)، وهو الصواب.
أدلة الجمهور على أنه لا يصح طوافها بحال .
سبق أن ذكرنا أدلتهم في مسألة اشتراط الطهارة للطواف، والجواب عليها، فارجع إليها إن شئت.
أدلة الحنفية على أن الطهارة واجبة وليست بشرط وتجبر بدم .
استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣).
قال السرخسي: "قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، فاشتراط الطهارة فيه يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بالنص، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين، والركنية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين، وأصل الطواف ركن ثابت بالنص، والطهارة فيه تثبت بخبر الواحد، فيكون موجبًا للعمل دون العلم، فلم تصر الطهارة ركناً، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في باب الحج" (٤).
стр. 3120
وهذا الكلام مدخول من أكثر من وجه:
أولاً: قوله: إن خبر الواحد يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين، فإن كان مقصوده أن خبر الآحاد لا يوجب العلم بل يوجب مجرد الظن فغير مسلم، لأن قوله: "لا يوجب علم اليقين" فاليقين يقابله الشك والظن، والصحيح أن خبر الآحاد يوجب العلم، وإن كان قد يتفاوت فالحديث المشهور ليس كالغريب، والمتفق عليه ليس كالحديث الذي انفرد به أحد الصحيحين، لكن دلالته على العلم ثابتة وكون التصور العقلي لا يمنع خطأ الثقة، لو فتحنا هذا التجويز العقلي لهدمت أدلة الشرع، وأصبح الدليل الشرعي إذا لم يوافق هوى المبتدع أدخل فيه احتمال الخطأ من الثقة، فالأصل عدم الخطأ، ولا يحكم بخطأ الثقة إلا بدليل واضح بين.
ثانياً: الأدلة من الشرع على قبول خبر الآحاد في أمور الاعتقاد، وفي الأمور العملية أكثر من أن تحصى وليس هذا موضع بحثها، بل إن الرسول ﷺ اكتفى بتبليغ الشرع وقيام الحجة بخبر الآحاد، فأرسل رسله إلى الملوك ليبلغوا عنه رسالته. وقامت الحجة على هؤلاء بهؤلاء الرسل وهم آحاد.
وإن كان مقصوده بأن خبر الآحاد لا يوجب العلم اليقيني، بل يوجب العلم النظري، المتوقف على النظر والاستدلال والبحث عن أحوال الرجال فلا نزاع في هذا، لكنه بعد البحث والاستدلال يفيد العلم القطعي إذا خلص