← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

أن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب له طعام، فأكل، ولم يمس ماء. قال ابن جريج: وزادني عمرو بن دينار، عن سعيد ابن الحارث، أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم تتوضأ؟ قال: ما أردت صلاة فأتوضأ. قال عمرو: سمعته من سعيد بن الحارث. اهـ (١). ثم قال: "ما أردت صلاة، فأتوضأ، يدل على أنه لم يجب عليه الوضوء إلا إذا أراد صلاة، وأن وضوءه لما سوى ذلك مستحب، وليس بواجب" اهـ. الدليل الرابع: وإن لم يكن بمنزلة الدليل، ولكنه من باب الاستئناس بأقوال بعض السلف المتقدمين، حيث يكون للإنسان إسوة بمن تقدم ﵏ رحمة واسعة. (٣٤٠) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، قال: سألت حماداً ومنصوراً وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا به بأساً. [وهذا إسناد في غاية الصحة] (٢). (٣٤١) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه قال في المرأة تطوف ثلاثة أشواط، ثم تحيض، قال: يعتد به.

стр. 3117

[وهذا إسناد حسن، إن سلم من تدليس مغيرة] (١). (٣٤٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعداً، ثم حاضت أجزأ عنها (٢). (٣٤٣) وروى ابن أبي شيبة أيضاً، قال: حدثنا أبو خالد، عن حجاج، عن عطاء، قال: تستقبل الطواف أحب إلي، وإن فعلت فلا بأس به. [حسن عن عطاء بمجموع الطريقين] (٣). الراجح من هذه الأقوال أن الطهارة من الحيض شرط في صحة الطواف، وأما الطهارة من الحدث الأصغر فليست شرطاً فيه، لكن لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في هذه السنة خروجاً من الخلاف، خاصة أن الطهارة لا نزاع في مشروعيتها. والطواف ركن الحج والعمرة مقصود لذاته، وغيره من الأعمال تبع له.

стр. 3118

المبحث الثالث: في المرأة إذا اضطرت للطواف وهي حائضة خلصنا من البحث السابق أن الطهارة من الحيض شرط لصحة الطواف كما أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، وبقي أن نبحث فيما لو عجزت المرأة عن تحقيق هذا الشرط، بأن كانت لا تستطيع البقاء في مكة حتى تطهر، فهل يصح طوافها في مثل هذه الحال؟ أم لا يجوز لها الطواف؟ في هذه المسألة وقع خلاف بين العلماء: فقيل: لا يصح طوافها بحال. وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). وقيل: الطهارة من الحيض ليست بشرط، ولكنها واجبة تجبر بدم. وهو مذهب الحنفية (٤)، ورواية عن أحمد (٥)، واختلفوا في الدم هل هو شاة أم بدنة. فقيل بدنة، وهو مذهب الحنفية. وقيل شاة. وقيل: إذا عجزت عن الطهارة صح طوافها ولا يحتاج إلى جبران، وهو

стр. 3119

اختيار ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢)، وهو الصواب. أدلة الجمهور على أنه لا يصح طوافها بحال . سبق أن ذكرنا أدلتهم في مسألة اشتراط الطهارة للطواف، والجواب عليها، فارجع إليها إن شئت. أدلة الحنفية على أن الطهارة واجبة وليست بشرط وتجبر بدم . استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣). قال السرخسي: "قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، فاشتراط الطهارة فيه يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بالنص، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين، والركنية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين، وأصل الطواف ركن ثابت بالنص، والطهارة فيه تثبت بخبر الواحد، فيكون موجبًا للعمل دون العلم، فلم تصر الطهارة ركناً، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في باب الحج" (٤).

стр. 3120

وهذا الكلام مدخول من أكثر من وجه: أولاً: قوله: إن خبر الواحد يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين، فإن كان مقصوده أن خبر الآحاد لا يوجب العلم بل يوجب مجرد الظن فغير مسلم، لأن قوله: "لا يوجب علم اليقين" فاليقين يقابله الشك والظن، والصحيح أن خبر الآحاد يوجب العلم، وإن كان قد يتفاوت فالحديث المشهور ليس كالغريب، والمتفق عليه ليس كالحديث الذي انفرد به أحد الصحيحين، لكن دلالته على العلم ثابتة وكون التصور العقلي لا يمنع خطأ الثقة، لو فتحنا هذا التجويز العقلي لهدمت أدلة الشرع، وأصبح الدليل الشرعي إذا لم يوافق هوى المبتدع أدخل فيه احتمال الخطأ من الثقة، فالأصل عدم الخطأ، ولا يحكم بخطأ الثقة إلا بدليل واضح بين. ثانياً: الأدلة من الشرع على قبول خبر الآحاد في أمور الاعتقاد، وفي الأمور العملية أكثر من أن تحصى وليس هذا موضع بحثها، بل إن الرسول ﷺ اكتفى بتبليغ الشرع وقيام الحجة بخبر الآحاد، فأرسل رسله إلى الملوك ليبلغوا عنه رسالته. وقامت الحجة على هؤلاء بهؤلاء الرسل وهم آحاد. وإن كان مقصوده بأن خبر الآحاد لا يوجب العلم اليقيني، بل يوجب العلم النظري، المتوقف على النظر والاستدلال والبحث عن أحوال الرجال فلا نزاع في هذا، لكنه بعد البحث والاستدلال يفيد العلم القطعي إذا خلص

стр. 3121

الباحث إلى صحة الحديث (١)، فإذا دل خبر الآحاد على اشتراط شيء قلنا: إنه شرط ولو كان صادراً من خبر الآحاد. والله أعلم. أدلة من قال: تسقط الطهارة بالعجز ويصح طوافها . الدليل الأول: قالوا: إن جميع الشروط والواجبات في العبادة معلقة بالقدرة، فمن عجز عن تحقيق شرط، أو ركن أو واجب سقط عنه. والدليل على هذه القاعدة نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. (٣٤٤) ومنها ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم بأطول من هذا (٢). وجه الاستدلال: قوله: "وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم".

стр. 3122

(٣٤٥) ومنها ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبدان، عن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵁، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" (١). الدليل الثاني: القياس على سقوط الطهارة في الصلاة بالعجز. ووجهه: معلوم أن غاية ما في الطهارة أنها شرط في الطواف، ومعلوم أن كونها شرطاً في الصلاة أوكد منها في الطواف. وإذا كان كذلك، وشروط الصلاة تسقط بالعجز، فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى. فهذا الكلام مبني على مقدمتين ونتيجة: المقدمة الأولى: أن اشتراط الطهارة في الصلاة آكد منه في الطواف. المقدمة الثانية: أن الطهارة في الصلاة تسقط في العجز. النتيجة: أن الطهارة في الطواف تسقط بالعجز كالصلاة. أما المقدمة الأولى: وهي أن اشتراط الطهارة في الصلاة آكد منه في الطواف فالدليل على صحة هذه المقدمة. أولاً: أن اشتراط الطهارة في الصلاة مع المقدرة عليها مجمع عليه، بخلاف الطهارة في الطواف فإنهم مختلفون في اشتراطها، فقد قال بعض العلماء بأن

стр. 3123

الطهارة سنة في الطواف كما قررته في مسألة مستقلة. وقيل: بل واجب يجبر بدم. وقيل: شرط. قال ابن القيم: "ولا ريب أن وجوب الطهارة، وستر العورة في الصلاة آكد من وجوبها في الطواف، فإن الصلاة بلا طهارة مع القدرة باطلة بالاتفاق، وكذلك صلاة العريان، وأما طواف الجنب والحائض والمحدث والعريان بغير عذر ففي صحته قولان مشهوران، وإن حصل الاتفاق بأنه منهي عنه في هذه الحال" (١). قلت: أما المحدث حدثاً أصغر فلم يثبت لي أن الشارع قد نهى عنه. فتأمل، وكذا الجنب إلا لمن قاسه على الحائض. ثم قال ابن القيم موصولاً بالكلام السابق: "وكذلك أركان الصلاة وواجباتها آكد من أركان الحج وواجباته، فإن واجبات الحج إذا تركها عمداً لم يبطل حجه، وواجبات الصلاة إذا تركها عمداً بطلت صلاته" (٢). فمن هذا الكلام يتبين لنا أن المقدمة الأولى صحيحة، وأن اشتراط الطهارة في الصلاة آكد منه في الطواف. أما المقدمة الثانية: أن الطهارة في الصلاة تسقط بالعجز. والمقصود بالطهارة ما يتطهر به من ماء أو تراب عند فقد الماء. فهل هذه

стр. 3124

المقدمة محل وفاق، وأن من عجز عن الماء والتراب صلى بدونهما؟ فالجواب: أن هذه المقدمة ليست محل وفاق، بل اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال: فقيل: لا يصلي حتى يقدر على الوضوء أو التيمم، فإذا قدر على ذلك قضى ما وجب عليه. وهو مذهب الثوري (١)، والأوزاعي (٢)، وأبي حنيفة (٣). (٣٤٦) وحجتهم ما رواه مسلم، قال: حدثنا سعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، وأبو كامل الجحدري (واللفظ لسعيد) قالوا: حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول (٤). وقيل: لا يصلي ولا قضاء عليه، وهو المشهور من مذهب مالك (٥)، وهذا

стр. 3125

أضعف الأقوال، وقد قاسوه على المغمى عليه والمجنون والحائض (١)، ولا أدري ما هي العلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه. وقيل: يصلي ويعيد. وهو المشهور من مذهب الشافعي (٢)، ورواية في مذهب مالك (٣). وقيل: يصلي وتستحب له الإعادة، وهو منسوب للشافعي في القديم (٤). وقيل: يصلي ولا يعيد، ويسقط عنه فرض الطهارة وهو الصحيح، وهو المشهور من مذهب أحمد (٥)، ورجحه ابن المنذر (٦)، وعليه بوب البخاري (٧). واستدلوا لهذا القول بدليل عام، وخاص. أما العام: فقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٩). وأما الدليل الخاص: فمنها ما رواه البخاري، قال: حدثنا زكريا ابن يحيى، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه،

стр. 3126

عن عائشة، أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجلاً فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى آية التيمم، فقال أسيد بن حضير لعائشة: جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا. ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: أن هؤلاء كان فرضهم قبل نزول آية التيمم الوضوء بالماء فقط فحين عدموا الماء صلوا في تلك الحال بغير طهور ولم ينتظر حتى يجدوا الماء، ولم يؤمروا بالإعادة، فكان الحكم واحداً فيمن فقد الماء والتراب يصلي ولا إعادة عليه، ولا ينتظر حتى يجد ماء أو تراباً، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: باب إذا لم يجد ماء ولا تراباً. وهذا القول هو الصواب، وبترجيح هذ القول، أصبحت المقدمة الثانية صحيحة على الراجح من أقوال أهل العلم. فإذا سلمت المقدمتان، صحت النتيجة. ونعيد ذكر المقدمتين لطول الفصل: الأولى: أن اشتراط الطهارة في الصلاة آكد من اشتراط الطهارة في الطواف. المقدمة الثانية: أن الطهارة في الصلاة إذا عجز عن تحقيقها سقطت.

стр. 3127

النتيجة أن الطهارة في الطواف إذا عجزت المرأة عن تحقيقها سقطت عنها قياساً على الطهارة في الصلاة. وقد نافح ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم عن هذا القول، ونصراه في كلام طويل لهما أورده مختصراً قدر الإمكان. ساق ابن القيم في أعلام الموقعين الأقوال في المسألة: فقال: "ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري". فظن من ظن أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان، ولم يفرق بين حال القدرة والعجز، ولا بين زمن إمكان الاحتباس لها حتى تطهر وتطوف، وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك وتمسك بظاهر النص". ونازعهم في ذلك فريقان: أحدهما: صحح الطواف مع الحيض، ولم يجعلوا الحيض مانعاً من صحته بل جعلوا الطهارة واجبة تجبر بدم، كما يقول أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وهي أنصهما عنه. وهؤلاء لم يجعلوا ارتباط الطهارة بالطواف كارتباطها بالصلاة ارتباط الشرط بالمشروط، بل جعلوها واجبة من واجباته، وارتباطها به كارتباط واجبات الحج به، يصح فعله مع الإخلال بها ويجبرها الدم. الفريق الثاني: جعل وجوب الطهارة للطواف واشتراطها بمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتشترط مع القدرة وتسقط مع العجز.

стр. 3128

شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتشترط مع القدرة وتسقط مع العجز. قالوا: وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها له بأعظم من اشتراطها للصلاة، فإذا سقطت بالعجز عنها، فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحرى. قالوا: وقد كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين تحتبس أمراء الحج للحيض، حتى يطهرن ويطفن، ولهذا قال النبي ﷺ في شأن صفية وقد حاضت: "أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلتنفر إذاً" وحينئذ كانت الطهارة مقدورة لها يمكنها الطواف بها، فأما في هذه الأزمان التي يتعذر إقامة الركب لأجل الحيض فلا تخلو من أقسام: أحدها: أن يقال لها: أقيمي بمكة، وإن رحل الركب حتى تطهري وتطوفي، وقد يكون لا نفقة لها، ولا مكان تأوي إليه بمكة، وقد يعرض لها من يستكرهها على الفاحشة. الثاني: أن يقال: يسقط طواف الإفاضة للعجز عن شرطه، وهذا مع أنه لا قائل به، فلا يمكن القول به، فإنه ركن الحج الأعظم، وهو الركن المقصود لذاته والوقوف بعرفة وتوابعه مقدمات له. الثالث: أن يقال: إذا علمت أو خشيت مجيء الحيض في وقته جاز لها تقديمه على وقته. وهذا كالذي قبله، لا يعلم به قائل. الرابع: أن يقال: إذا كانت تعلم بالعادة أن حيضها يأتي في أيام الحج، وأنها

стр. 3129

حيضها بالكلية. وهذا القول وإن كان أفقه من الذي قبله، فإن الحج يسقط لما هو دون هذا من الضرر، ومع هذا ممتنع لأكثر من وجه. الوجه الأول: لازمه سقوط الحج عن كثير من النساء، أو أكثرهن. الوجه الثاني: القول بسقوط الحج بالعجز عن بعض الشروط قول باطل، فإن العبادات لا تسقط بالعجز عن شرائطها وواجباتها، ولا عن بعض أركانها لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ولهذا وجبت الصلاة بحسب الإمكان. الوجه الثالث: القول بعدم وجوب الحج على من تخاف الحيض لا يعلم به قائل. الخامس: أن يقال: إذا لم يمكنها الطواف، ولا المقام بمكة أن ترجع وتبقى محرمة تمتنع من النكاح ووطء الزوج إلى أن يمكنها الرجوع، فإن لم يمكنها بقيت محرمة إلى أن تموت. وهذا ممتنع من وجوه: أولاً: أن الله لم يأمر أحداً أن يبقى محرماً إلى أن يموت، حتى المحصر بعدو له أن يتحلل باتفاق العلماء، والمحصر بمرض أو فقر له أن يتحلل على الأرجح من أقوال أهل العلم. ثانياً: أن في هذا إيجاب سفرين كاملين على الإنسان للحج من غير تفريط منه ولا عدوان، وهذا خلاف الأصول. فإن الله لم يوجب الحج على الناس إلا مرة واحدة، وإذا أوجب القضاء على المفسد فذلك بسبب جنايته على إحرامه،

стр. 3130

وإذا أوجبه على من فاته الوقوف بعرفة فذلك بسبب تفريطه. ثالثاً: أن هذه المرأة إذا أمكنها العودة فلا يؤمن أن يصيبها الحيض كما أصابها في المرة الأولى، وهو أمر ممكن جداً، ولا يستحيل حدوثه، فيقال لها: إذا لم يمكنك البقاء اذهبي إلى بلدك وارجعي مرة أخرى، والله لم يجعل على الأمة مثل هذا الحرج، ولا ما هو قريب منه. السادس: أن يقال لها: تحللي كما يتحلل المحصر، مع بقاء الحج في ذمتها، فمتى قدرت على الحج لزمها، ثم إذا أصابها ذلك تحللت، وهكذا أبداً حتى يمكنها الطواف طاهراً. فهذا التقدير وإن كان أفقه من التقدير الذي قبله؛ فإن هذه منعها خوف المقام من إتمام النسك، فهي كمن منعها عدو من الطواف في البيت، ومع هذا فالتقدير ضعيف، فإن الإحصار حقيقته أمر عارض للحاج يمنعه من الوصول إلى البيت في وقت الحج، وهذه متمكنة من البيت، ومن الحج من غير عدو ولا مرض ولا ذهاب نفقة، وإذا جعلنا هذه كالمحصر أوجبنا عليها الحج مرة ثانية مع خوف وقوع الحيض منها، والعذر للتحلل بالإحصار، وإذا كان الحيض لا يسقط فرض الحج عليها ابتداء،، فلا يكون موجباً للتحلل والإحصار. السابع: أن تستنيب من يحج عنها، وتكون كالمعضوب العاجز عن الحج بنفسه. وهذا القول أولاً: لا يوجد أحد قال به. وثانياً: أن المعضوب الذي يجب عليه الاستنابة هو الذي لا يرجو زوال

стр. 3131

عذره، أما من كان يرجو زوال عذره فليس له أن يستنيب، والحائض لا تيأس من زوال عذرها لجواز أن تبقى إلى زمن اليأس وانقطاع الدم، وقد ينقطع دمها قبل سن اليأس لعارض من فعلها أو من غير فعلها، فليست كالمعضوب لا حقيقه ولا حكماً. فإذا لم يمكن فعل جميع هذه الحالات لم يبق لها إلا أن يقال: تطوف الحائض بالبيت والحالة هذه، وتكون هذه ضرورة مقتضية لدخول المسجد مع الحيض والطواف معه، وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة، بل يوافقها كما تقدم إذ غايته سقوط الواجب أو الشرط بالعجز عنه، ولا واجب في الشريعة مع عجز ولا حرام مع ضرورة. فإن قيل: في ذلك محذوران: أحدهما: دخول الحائض المسجد. والثاني: طوافها في حال الحيض. أما الجواب عن الأول فمن وجوه: أحدها: أن الراجح من أقوال أهل العلم أن الحائض لا تمنع من دخول المسجد، فلم يأت دليل صحيح صريح في منعها وقد بينت هذه المسألة في مسألة مستقلة. الثاني: على فرض أنها ممنوعة، فالضرورة تبيح دخول المسجد للحائض والجنب، فإنها لو خافت من عدو، أو من يستكرهها على الفاحشة، أو أخذ مالها، ولم تجد ملجأ إلا دخول المسجد جاز لها دخوله مع الحيض. وهذه الحائض تخاف

стр. 3132

من بقائها في مكة أن يتعرض لها أحد باعتداء على عرض أو مال. الثالث: أن طوافها بمنزلة المرور في المسجد، ويجوز للحائض المرور فيه إذا أمنت التلويث، وقد ناقشت هذه المسألة في مسألة مستقلة. الرابع: أن دم الحيض في تلويثه المسجد كدم الاستحاضة، والمستحاضة يجوز لها دخول المسجد للطواف إذا تلجمت اتفاقاً وذلك لأجل الحاجة، وحاجة هذه أولى. أما الجواب عن المحذور الثاني: وهو كونها تطوف مع الحيض، فقد ذكرت الأدلة الإيجابية لجوازه وهو مبني على دليلين: الأول: أن جميع الشروط في العبادة تسقط مع العجز. الثاني: القياس على سقوط الطهارة في الصلاة عند العجز عنها فكذلك الطواف (١). فالراجح من هذا الخلاف أن الطهارة من الحيض شرط في صحة الطواف، وأن الحائض إذا كانت لا تتمكن من البقاء لحين طهارتها إما خوفاً على نفسها أو على مالها أو تعذر بقاء الرفقه، أو لم يرض محرمها في الانحباس من أجلها، ولم تكن من أهل هذه البلاد بأن كانت من مصر آخر لا تتمكن من العودة إلى البيت مرة أخرى فالقول بصحة طوافها متوجه، أما إن كانت من أهل هذه البلاد، والطريق آمنة، والمحرم يتطوع في الرجوع معها متى شاءت، وتستطيع تحمل النفقة فإنها ترجع إن شاءت إلى بلدها وإذا طهرت رجعت وطافت. والله أعلم.

стр. 3133

المبحث الرابع: هل للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة لا يوجد دليل يمنع الحائض من السعي بين الصفا والمروة، بل هناك دليل إيجابي على أن للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة. (٣٤٧) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخلت علي النبي ﷺ وأنا أبكي. فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفست؟ قلت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري". ورواه مسلم (١). فالحديث لم يستثن من أفعال المناسك شيئاً إلا الطواف، ولا يقال: إن السعي بين الصفا والمروة طوافا بينهما، لأن الطواف إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى الطواف بالبيت، وكما يقال: الاستثناء معيار العموم، فلما استثنى الطواف بقى ما عداه جائزاً. قال ابن حزم: "ولها - يعني الحائض - أن تطوف بين الصفا والمروة، لأنها لم تنه إلا عن الطواف بالبيت فقط" اهـ (٢).

стр. 3134

(٣٤٨) ويشكل على هذا ما رواه مالك: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: قدمت مكة وأنا حائض، فلم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري" (١). [الحديث ظاهره منع الحائض من السعي بين الصفا والمروة، لكن زيادة: (ولا بين الصفا والمروة) زيادة شاذة]. قال ابن عبد البر: "هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث غير ألا تطوفي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري، وقال غيره من رواة الموطأ: غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري لم يذكروا "ولا بين الصفا والمروة" ولا ذكر أحد من رواة الموطأ في هذا الحديث "ولا بين الصفا والمروة" غير يحيى فيما علمت، وهو عندي وهم منه. والله أعلم" (٢).

стр. 3135

(٣٤٩) وأما ما جاء عن ابن عمر عند ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة (١). [وسنده صحيح] وصحح إسناده الحافظ ابن حجر (٢). فهذا مع كونه موقوفاً على ابن عمر إلا أنه محمول على الرأي الذي يقول: إن السعي لا بد أن يتقدمه طواف، فلا يصح السعي من الحائض إذا لم تكن قد طافت بالبيت، والذي يجعلني أحمله على هذا المحمل (٣٥٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع،

стр. 3136

عن ابن عمر، قال: إذا طافت بالبيت ثم حاضت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة فلتسع بين الصفا والمروة. [وسنده صحيح] (١). وتقدم السعي على الطواف فيه تفصيل، أما في العمرة فهو إجماع لا يصح أن يتقدم السعي على الطواف. قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن المعتمر لا يسعى بين الصفا والمروة حتى يطوف بالبيت، وعليه يحمل فعل عائشة ﵂ لما حاضت، فإنها لم تسع بين الصفا والمروة، لأنها كانت قد أحرمت بالعمرة" (٢). وأما تقديم سعي الحج على طواف الحج ففيه خلاف بين العلماء، ليس هذا موضع بحثه لأنه من مباحث الحج الخاصة، لا تعلق له بالحيض، والراجح، والله أعلم جواز تقديم السعي على طواف الحج (٣٥١) لما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طليحة، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع وجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر حلقت قبل أن أذبح قال: اذبح ولا حرج، وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج فما سئل النبي ﷺ

стр. 3137

يوماً إذْ عن شيء قدم ولا أخر، إلا قال: افعل ولا حرج. ورواه مسلم (١) وجه الاستدلال: قوله: فما سئل النبي ﷺ يومئذ - يعني يوم النحر - عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج"، ويدخل في ذلك الطواف والسعي، لأنهما من الأعمال التي تعمل يوم النحر، والله أعلم. وقد رأى جماعة من التابعين جواز السعي بدون طهارة. (٣٥٢) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، قال: سألت عطاء عن امرأة طافت بالبيت ثم حاضت. قال: تسعى بين الصفا والمروة (٢). [والإسناد حسن لغيره، فيه حجاج بن أرطأة، فيه ضعف، ولكن له متابع]. (٣٥٣) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن وعطاء، قالا: تسعى بين الصفا والمروة (٣). [وهذا الإسناد وإن كان رجاله كللهم ثقات إلا أن هشام بن حسان في روايته عن الحسن وعطاء مقال. فالإسناد بمجموع الطريقين يصبح حسناً لغيره] وهو مذهب إبراهيم النخعي، والحكم، وحماد (٤)، بأن للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة.

стр. 3138

المبحث الخامس: في المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة وخشيت فوات الحج اختلف العلماء في ذلك. فقيل: ترفض العمرة، وتهل بالحج. وهذا مذهب الحنفية (١). وقيل: تدخل الحج على العمرة، فتصير قارنة. وهذا مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واختاره ابن حزم (٥). دليل الحنفية على رفض العمرة . الدليل الأول: (٣٥٤) روى البخاري ﵀، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي ﷺ ، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي: من كان معه هدي فليهل

стр. 3139

بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، فقدمت مكة، وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني النبي ﷺ مع عبد الرحمن ابن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك. قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً واحداً بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا (١). وفي رواية للبخاري، قال: ارفضي عمرتك، قال البخاري ﵀: [الدليل الثاني] (*) (٣٥٥) حدثنا محمد بن سلام، أخبرنا أبو معاوية، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين لهلال ذي الحجة، فقال لنا: من أحب منكم أن يهل بالحج فليهل، ومن أحب أن يهل بعمرة فليهل بعمرة، فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة، قالت: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، وكنت ممن أهل بعمرة، فأظلني يوم عرفة وأنا حائض فشكوت إلى النبي ﷺ ، فقال: أرفضي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج، فلما كان ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم فأهللت بعمرة مكان عمرتي (٢). وجه الاستدلال من الحديثين: أولاً: قوله ﷺ : "أرفضي عمرتك" وقوله: "دعي عمرتك" صريح بأن

стр. 3140

الحائض إذا خشيت فوات الحج بأنها ترفض عمرتها. ثانياً: قوله ﷺ "هذه مكان عمرتك" ولو كانت العمرة الأولى باقية لم تكن هذه مكانها، فلا تحل الثانية مكان الأولى إلا إذا كانت الأولى قد بطلت. ثالثاً: قالت عائشة ﵂ كما في رواية لمسلم: أيرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة. [الدليل الثالث] (*) (٣٥٦) فقد روى مسلم، قال: حدثني سليمان بن عبيد الله أبو أيوب الغيلاني، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد العزيز ابن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سرف، فطمثت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي. فقال: ما يبكيك؟ فقلت: والله لوددت أني لم أكن خرجت العام. قال: مالك لعلك نفست؟ قلت: نعم. قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. قالت: فلما قدمت مكة قال رسول الله ﷺ لأصحابه: اجعلوها عمرة، فأحل الناس إلا من كان معه الهدي. قالت: فكان الهدي مع النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر وذوي اليسارة، ثم أهلوا حين راحوا. قالت: فلما كان يوم النحر طهرت فأمرني رسول الله ﷺ ، فأفضت. قالت: فأتينا بلحم بقر. فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر، فلما كانت ليلة الحصبة، قلت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة. قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني على جمله. قالت: فإني

стр. 3141

لأذكر، وأنا جارية حديثة السن، أنعس فيصيب وجهي مؤخرة الرحل حتى جئنا إلى التنعيم، فأهللت منها بعمرة جزاء بعمرة الناس التي اعتمروا (١). فقولها ﵂: "يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة" صريح أنها لم تكن قارنة، وإلا لما قالت ذلك, لأن القارن قد رجع بحج وعمرة. رابعاً: قوله: "انقضي رأسك وامتشطي" دليل على أنها لم تكن محرمة؛ لأن الامتشاط لا يجوز للمحرم. هذه أوجه الاستدلال من الحديث. وقد ناقش الجمهور هذه الاستدلالات، وأجابوا عنها، وإليك بيانها: الجواب عن قوله ﷺ دعي عمرتك أو أرفضي عمرتك. فأجابوا عنها بعدة إجابات. منها إعلال هذه اللفظة، فقد ذهب بعضهم إلى شذوذها، وأنها غير محفوظة. قال ابن قدامة: فأما حديث عروة، فإن قوله: "انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة" انفرد به عروة، وخالف به سائر من روى عن عائشة حين حاضت، وقد روى ذلك طاووس (٢)،

стр. 3142

والقاسم (١)، والأسود (٢) وعمرة (٣) عن عائشة، فلم يذكروا ذلك، وحديث جابر وطاووس مخالفان لهذه

стр. 3143

الزيادة، وقد روى حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة حديث حيضها، فقال فيه: حدثني غير واحد أن رسول الله ﷺ قال لها: دعي العمرة، وانقضي رأسك، وامتشطي، وذكر تمام الحديث. وهذا يدل أن عروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة (١)، وهو مع ما ذكرنا من مخالفته بقية الرواة، يدل على

стр. 3144

الوهم مع مخالفتها الكتاب والأصول؛ إذ ليس لنا موضع آخر يجوز فيه رفض العمرة مع إمكان إتمامها" (١). وقال ابن القيم: "تعليل هذه اللفظة وردها - يعني دعي عمرتك - بأن عروة انفرد بها، وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاووس، والقاسم،

стр. 3145

والأسود، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظ" (١). قلت: لم ينفرد بها عروة، فقد تابعه القاسم في الموطأ، [الدليل الرابع] (*) (٣٥٧) قال مالك: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ : من كان معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً، قالت: فقدمت مكة، وأنا حائض، فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة. قالت: ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذا مكان عمرتك، فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا منها، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين كانوا أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً. وحدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة بمثل ذلك (٢).

стр. 3146

ففي هذه الرواية تابع فيها القاسم بن محمَّد عروة بن الزبير بقوله: "دعي عمرتك". [لكن هذه المتابعة خطأ قطعاً، التبس على يحيى الراوي عن مالك حديث مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، بحديث عبد الرحمن ابن القاسم، عن القاسم، عن عائشة، وكل من رواه عن عبد الرحمن بن القاسم على كثرتهم لم يذكروا هذا عنه] (١).

стр. 3147

الجواب الثاني: قال ابن عبد البر: "جماعة من أصحابنا تأولوا قوله: "ودعي العمرة" دعي عمل العمرة، يعني الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وكذلك تأولوا من روى: "واسكتي عن العمرة" ورواية من روى: "وأمسكي عن العمرة": أي أمسكي عن عمل العمرة، لا أنه أمر برفضها، وابتداء الحج وإنشائه كما زعم العراقيون" (١). وقال ابن القيم: قوله "دعي العمرة" أي دعيها بحالها، لا تخرجي منها، وليس المراد تركها، قالوا: ويدل عليه وجهان: أحدهما: قوله: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" الثاني: قوله: "كوني في عمرتك" قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض" (٢). الجواب الثالث: قالوا: كانت عائشة يومئذ مهلة بالحج، ولم تكن مهلة بعمرة، وإذا كانت

стр. 3148

مهلة بالحج سقط القول عنا في رفض العمرة؛ لأنها لم تكن مهلة بعمرة (١). (٣٥٨) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان، قال: حدثني يحيى، قال: حدثتني عمرة، قالت: سمعت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة، ولا نرى إلا الحج، حتى إذا دنونا من مكة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت أن يحل. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح النبي ﷺ عن أزواجه. قال يحيى: فذكرت هذا الحديث للقاسم، فقال: أتتك بالحديث على وجهه. ورواه مسلم (٢). وتابع الأسود بن يزيد النخعي عمرة على قولها: "لا نرى إلا الحج". (٣٥٩) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرجنا مع النبي ﷺ ولا نرى إلا الحج، فقدم النبي ﷺ ، فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يحل، وكان معه الهدي فطاف من كان معه من نسائه وأصحابه، وحل منهم من لم يكن معه الهدي، فحاضت هي فنسكنا مناسكنا من حجنا، فلما كان ليلة الحصبة ليلة النفر، قالت: يا رسول الله كل أصحابك يرجع بحج وعمرة غيري. قال: ما كنت تطوفين بالبيت ليالي قدمنا؟

стр. 3149

قلت: لا. قال: فاخرجي مع أخيك إلى التنعيم، فأهلي بعمرة، وموعدك مكان كذا وكذا، فخرجت مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فأهللت بعمرة وحاضت صفية بنت حيي فقال النبي ﷺ : عقرى حلقى إنك لحابستنا أما كنت طفت يوم النحر. قالت: بلى. قال: فلا بأس انفري، فلقيته مصعداً على أهل مكة، وأنا منهبطة، أو أنا مصعدة وهو منهبط (١). كما تابعهما القاسم بن محمَّد، عن عائشة. (٣٦٠) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، قال: سمعت القاسم يقول: سمعت عائشة تقول: خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قال: مالك أنفست؟ قلت: نعم. قال: إن هذا أمر كتبه الله علي بنات آدم، فاقضي ما يقضيى الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت. قالت: وضحى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر. ورواه مسلم (٢). بل قالت عائشة في رواية مسلم: "لبينا بالحج". (٣٦١) قال مسلم: وحدثني أبو أيوب الغيلاني، حدثنا بهز، حدثنا حماد، عن عبد الرحمن، عن، أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: لبينا بالحج، حتى إذا كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي وساق الحديث بنحو حديث الماجشون ... (٣).

стр. 3150

فهذه عمرة، والأسود، والقاسم يتابع بعضهم بعضاً أن عائشة قالت: خرجنا لا نرى إلا الحج، وقالت: لبينا بالحج. وإذا كانت عائشة حاجة سقط القول برفض العمرة كما يقول الحنفية. وهذا القول مع أنه قد قيل به (١) إلا أنه ضعيف عندي، ومن تأمل الأحاديث تبين أن عائشة أحرمت بالعمرة، وأنها لم ترفض العمرة بل أدخلت الحج على العمرة. فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة ... الحديث من حديث طويل لهما (٢). وقولها: "فأهللنا بعمرة" تقصد نفسها ﵂. ولهما من طريق عقيل، عن ابن شهاب به، وفيه: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج" حتى قالت: "ولم أهلل إلا بعمرة" (٣). وتابع هشام بن عروة ابن شهاب. فرواه البخاري من طريق أبي معاوية (٤)

стр. 3151

ومن طريق أبي أسامة (١)، ومن طريق يحيى بن سعيد (٢). ورواه مسلم، من طريق عبدة بن سليمان (٣)، ومن طريق ابن نمير (٤)، ومن طريق وكيع (٥)، كلهم، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، وفيه: فأهل

стр. 3152

بعضهم بعمرة، وبعضهم بحج، وكنت أنا ممن أهل بعمرة. وجاء أيضاً من غير حديث عائشة أنها كانت ممن أحرم بعمرة. (٣٦٢) فقد روى مسلم ﵁، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد ابن رمح جميعا، عن الليث بن سعد، قال قتيبة: حدثنا ليث، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد وأقبلت عائشة رضي الله تعالى عنها بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله علي بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج، ففعلت، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعا. فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة (١).

стр. 3153

وجابر من أكثر الناس عناية بحجة النبي ﷺ ، وقد صرح ﵁ أن عائشة كانت ممن أهل بالعمرة، وأنها حاضت، وأنها قالت للرسول ﷺ : حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن: أي لم تحلل من عمرتها، وأن الرسول ﷺ قال لها: قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً، وأن طوافها للعمرة بعد نسكها لم يكن إلا من باب تطييب خاطرها، حيث قالت للرسول ﷺ : يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. فهذا الحديث يوضح ما أجمل من الروايات الأخرى. بقي الجواب على الروايات التي سقناها، والتي فيها: "خرجنا لا نرى إلا الحج" الجواب على ذلك أن يقال: قول عائشة ﵂: خرجنا لا نرى إلا الحج، أو قالت: لبينا بالحج. فهذا والله أعلم أنه كان منهم نية قبل أن يدخلوا في النسك خاصة أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج، وعليه فيكون معنى خرجنا لا نرى: أي لا نعتقد. كما تقول: أرى كذا: أي أعتقده وأظنه، وحين قال لهم رسول الله ﷺ : من أحب أن يهل بالحج فليهلل، ومن أحب أن يهل بالعمرة فليهلل، فأحرمت عائشة بالعمرة، خاصة أنها روت عن رسول الله ﷺ قوله: "لولا أن أهديت لأهللت بعمرة". والذي يؤيد ذلك ما سقناه من الروايات أن عائشة أحرمت بالعمرة، ولأن قولها خرجنا لا نرى إلا الحج، كونها ربطت ذلك بالخروج دليل على أن ذلك كان نية لها عند خروجها.

стр. 3154

وقال ابن القيم: غاية من زعم أنها كانت مفردة قولها: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا الحج. فيا لله العجب!! أيظن بالمتمتع أنه خرج لغير الحج، بل خرج للحج متمتعاً، كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ لا يمتنع أن يقول: خرجت لغسل الجنابة، وصدقت أم المؤمنين ﵂ إذ كانت لا ترى إلا أنه الحج حتى أحرمت بعمرة بأمره ﷺ ، وكلامها يصدق بعضه بعضاً (١). ووجه آخر ذكره ابن عبد البر، قال: "ليس في رواية من روى عن عائشة: كنا مهلين بالحج، وخرجنا لا نرى إلا الحج، بيان انها كانت مهلة بالحج، وإنما هو استدلال؛ لأنه يحتمل أن تكون أرادت بقولها: خرجنا، تعني خرج رسول الله ﷺ وأصحابه مهلين بالحج، تريد بعض أصحابه، أو أكثر أصحابه، والله أعلم، وليس الاستدلال المحتمل للتأويل كالصريح، وقد صرح جابر بأنها كانت مهلة يومئذ بعمرة، كما قال عروة عنها، قالوا: والوهم الذي دخل على عروة، والله أعلم، وإنما كان في قوله: انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة، وأهلي بالحج" اهـ (٢). والذي ذكرته أرجح، ولا يحتمل الحذف والتقدير. وجه ثالث: أن عائشة أحرمت أولا بالحج، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة. ثم لما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها وأدركت الإحرام بالحج أمرها النبي ﷺ بالإحرام بالحج

стр. 3155

فأحرمت به فصارت مدخلة للحج على العمرة وقارنة. وهذا ضعيف؛ لأن النبي ﷺ إنما أمر الصحابة أن يحلوا بعد طوافهم وسعيهم، ولو كانت عائشة قد طافت لم تحتج إلى إدخال العمرة على الحج. والله أعلم. الجواب عن قوله ﷺ هذه مكان عمرتك. أجابوا بعدة وجوه: أحدها: قال ابن القيم: قوله: "هذه مكان عمرتك" فعائشة أحبت أن تأتي بعمرة مفردة، فأخبرها النبي ﷺ أن طوافها وقع عن حجتها وعمرتها، وأن عمرتها قد دخلت في حجها، فصارت قارنة، فأبت إلا عمرة مفردة كما قصدت أولاً فلما حصل لها ذلك، قال: هذه مكان عمرتك" (١). فهذه عمرة مفردة مكان عمرتك المفردة التي لم تتم لك منفردة، كما تمت لسائر أمهات المؤمنين، وكما تمت للناس الذين فسخوا الحج إلى العمرة وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية فحصلت لهم عمرة منفردة. وقيل: أحرمت أولا بالحج كما صح عنها في رواية الأكثرين، وكما هو الأصح من فعل النبي ﷺ وأكثر أصحابه، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة. ثم لما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها وأدركت الإحرام بالحج أمرها النبي ﷺ بالإحرام بالحج فأحرمت
следующие страницы →