← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

ومن طريق أبي أسامة (١)، ومن طريق يحيى بن سعيد (٢). ورواه مسلم، من طريق عبدة بن سليمان (٣)، ومن طريق ابن نمير (٤)، ومن طريق وكيع (٥)، كلهم، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، وفيه: فأهل

стр. 3152

بعضهم بعمرة، وبعضهم بحج، وكنت أنا ممن أهل بعمرة. وجاء أيضاً من غير حديث عائشة أنها كانت ممن أحرم بعمرة. (٣٦٢) فقد روى مسلم ﵁، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد ابن رمح جميعا، عن الليث بن سعد، قال قتيبة: حدثنا ليث، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد وأقبلت عائشة رضي الله تعالى عنها بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله علي بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج، ففعلت، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعا. فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة (١).

стр. 3153

وجابر من أكثر الناس عناية بحجة النبي ﷺ ، وقد صرح ﵁ أن عائشة كانت ممن أهل بالعمرة، وأنها حاضت، وأنها قالت للرسول ﷺ : حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن: أي لم تحلل من عمرتها، وأن الرسول ﷺ قال لها: قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً، وأن طوافها للعمرة بعد نسكها لم يكن إلا من باب تطييب خاطرها، حيث قالت للرسول ﷺ : يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. فهذا الحديث يوضح ما أجمل من الروايات الأخرى. بقي الجواب على الروايات التي سقناها، والتي فيها: "خرجنا لا نرى إلا الحج" الجواب على ذلك أن يقال: قول عائشة ﵂: خرجنا لا نرى إلا الحج، أو قالت: لبينا بالحج. فهذا والله أعلم أنه كان منهم نية قبل أن يدخلوا في النسك خاصة أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج، وعليه فيكون معنى خرجنا لا نرى: أي لا نعتقد. كما تقول: أرى كذا: أي أعتقده وأظنه، وحين قال لهم رسول الله ﷺ : من أحب أن يهل بالحج فليهلل، ومن أحب أن يهل بالعمرة فليهلل، فأحرمت عائشة بالعمرة، خاصة أنها روت عن رسول الله ﷺ قوله: "لولا أن أهديت لأهللت بعمرة". والذي يؤيد ذلك ما سقناه من الروايات أن عائشة أحرمت بالعمرة، ولأن قولها خرجنا لا نرى إلا الحج، كونها ربطت ذلك بالخروج دليل على أن ذلك كان نية لها عند خروجها.

стр. 3154

وقال ابن القيم: غاية من زعم أنها كانت مفردة قولها: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا الحج. فيا لله العجب!! أيظن بالمتمتع أنه خرج لغير الحج، بل خرج للحج متمتعاً، كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ لا يمتنع أن يقول: خرجت لغسل الجنابة، وصدقت أم المؤمنين ﵂ إذ كانت لا ترى إلا أنه الحج حتى أحرمت بعمرة بأمره ﷺ ، وكلامها يصدق بعضه بعضاً (١). ووجه آخر ذكره ابن عبد البر، قال: "ليس في رواية من روى عن عائشة: كنا مهلين بالحج، وخرجنا لا نرى إلا الحج، بيان انها كانت مهلة بالحج، وإنما هو استدلال؛ لأنه يحتمل أن تكون أرادت بقولها: خرجنا، تعني خرج رسول الله ﷺ وأصحابه مهلين بالحج، تريد بعض أصحابه، أو أكثر أصحابه، والله أعلم، وليس الاستدلال المحتمل للتأويل كالصريح، وقد صرح جابر بأنها كانت مهلة يومئذ بعمرة، كما قال عروة عنها، قالوا: والوهم الذي دخل على عروة، والله أعلم، وإنما كان في قوله: انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة، وأهلي بالحج" اهـ (٢). والذي ذكرته أرجح، ولا يحتمل الحذف والتقدير. وجه ثالث: أن عائشة أحرمت أولا بالحج، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة. ثم لما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها وأدركت الإحرام بالحج أمرها النبي ﷺ بالإحرام بالحج

стр. 3155

فأحرمت به فصارت مدخلة للحج على العمرة وقارنة. وهذا ضعيف؛ لأن النبي ﷺ إنما أمر الصحابة أن يحلوا بعد طوافهم وسعيهم، ولو كانت عائشة قد طافت لم تحتج إلى إدخال العمرة على الحج. والله أعلم. الجواب عن قوله ﷺ هذه مكان عمرتك. أجابوا بعدة وجوه: أحدها: قال ابن القيم: قوله: "هذه مكان عمرتك" فعائشة أحبت أن تأتي بعمرة مفردة، فأخبرها النبي ﷺ أن طوافها وقع عن حجتها وعمرتها، وأن عمرتها قد دخلت في حجها، فصارت قارنة، فأبت إلا عمرة مفردة كما قصدت أولاً فلما حصل لها ذلك، قال: هذه مكان عمرتك" (١). فهذه عمرة مفردة مكان عمرتك المفردة التي لم تتم لك منفردة، كما تمت لسائر أمهات المؤمنين، وكما تمت للناس الذين فسخوا الحج إلى العمرة وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية فحصلت لهم عمرة منفردة. وقيل: أحرمت أولا بالحج كما صح عنها في رواية الأكثرين، وكما هو الأصح من فعل النبي ﷺ وأكثر أصحابه، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة. ثم لما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها وأدركت الإحرام بالحج أمرها النبي ﷺ بالإحرام بالحج فأحرمت

стр. 3156

به فصارت مدخلة للحج على العمرة وقارنة (١). وهذا ضعيف لأنه مبنى على أن عائشة ﵂ كانت محرمة بالحج أولا وقد بينت بالأحاديث الصحيحة أن عائشة أهلت بالعمرة، ولم تهل بالحج. وقيل: بضعف رواية: "هذه مكان عمرتك" قال مالك: ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديما ولا حديثا (٢). فقيل تفرد عروة، عن عائشة بقوله: "هذه مكان عمرتك"، وهي غير محفوظة، فكما قيل: بشذوذ "دعي عمرتك" يقال: هنا. وقد جاء عن النبي ﷺ قوله: يسعك طوافك لحجك وعمرتك. (٣٦٣) فقد روى مسلم، قال: حدثني محمَّد بن حاتم، حدثنا بهز، حدثنا وهيب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أهلت بعمرة، فقدمت، ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك، فأبت. فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج (٣).

стр. 3157

وفي رواية جابر عند مسلم، وفيه: "حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال رسول الله: قد حللت من حجك وعمرتك جميعا. فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم" (١). الجواب عن قوله ﷺ انقضي رأسك وامتشطي. أجابوا عدة إجابات، منها. أولاً: شذوذ هذه اللفظة، كما قدمنا النقل عن ابن قدامة، وابن عبد البر، وابن القيم، وغيرهم. ثانياً: على فرض أن اللفظ محفوظ، فهو دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على منع المحرم من تمشيط رأسه، وهذا قول ابن حزم (٢). ثالثاً: أنها كانت مضطرة إلى ذلك، فرخص لها كما رخص لكعب بن عجرة (٣). وهذا ضعيف؛ لأنها لو كانت مضطرة لجاء ذكر ذلك في الحديث، وقوله ﷺ لها: "انقضي رأسك" لم يكن بناء على طلب منها في نقض رأسها أو بسبب ألم برأسها. ولو كان محرماً تمشيط شعرها، وكانت مضطرة لنقضه لوجب

стр. 3158

عليها فدية كما وجب على كعب بن عجرة. والله أعلم ورابعها: أن ذلك خاص بها. ولذلك قال مالك: حديث عروة، عن عائشة ليس عليه العمل عندنا قديماً ولا حديثاً (١). ودعوى الخصوصية تحتاج إلى توقيف، ودعوى ترك العمل ليس دليلاً عليها الخصوصية، ولم يترك العمل به كلية بدليل أن ابن حزم يرى أنه لا حرج عليها كما قدمنا. سادساً: أن المراد بالنقض والامتشاط: تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبدت رأسها، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفرة، وتسريح الشعر، ويتأيد بما في حديث جابر، أنه ﷺ قال لها: "فاغتسلي، ثم أهلي بالحج" (٢). ودعوى أنها كانت ملبدة رأسها مجرد توهم، وأين الإشارة إليه من الحديث. فاقوى الإجابات عندي أنه يجوز للمحرم أن يمشط شعره، وأن يسرحه خاصة المرأة إذا اغتسلت كانت حاجتها إلى تسريحه قوية. والله أعلم. دليل الجمهور على أن الحائض تحرم بالحج وتصير قارنة . الدليل الأول: الإجماع، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء في أن للمحرم بالعمرة إدخال الحج على العمرة، ما لم يبتدئ الطواف بالبيت لعمرته، هذا إذا كان في

стр. 3159

أشهر الحج (١). قال ابن قدامة: "إدخال العمرة على الحج جائز بالإجماع من غير خشية الفوات، فمع خشيته أولى. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أن لمن أهل بعمرة أن يدخل عليها الحج، ما لم يفتتح الطواف بالبيت" (٢). ونقل الإجماع أيضاً ابن رشد (٣). الدليل الثاني: أن النبي ﷺ أمر من كان معه هدي في حجة الوداع أن يهل بالحج مع العمرة (٤). الدليل الثالث: قال الله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ (٥). فالحج والعمرة لا يتأتى الخروج منهما إلا بإتمامهما (٦). الدليل الرابع: الأحاديث الصحيحة التي تصرح أنها كانت قارنة. منها

стр. 3160

(٣٦٤) ما رواه مسلم، قال: حدثني محمَّد بن حاتم، حدثنا بهز، حدثنا وهيب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك، فأبت. فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج (١). (٣٦٥) ومنها أيضاً حديث جابر رواه مسلم ﵁، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح جميعا، عن الليث بن سعد، قال قتيبة: حدثنا ليث، عن أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد وأقبلت عائشة رضي الله تعالى عنها بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فامرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله علي بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج، ففعلت، ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت

стр. 3161

بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعا. فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة (١).

стр. 3162

المبحث السادس: طواف الوداع يسقط عن الحائض إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت فإن طواف الوداع يسقط عنها. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو قول عامة الصحابة والفقهاء (٥). وذهب عمر وابن عمر وزيد بن ثابت بأنه يلزمها طواف الوداع، ويجب عليه المقام حتى تطوف. وقد رجع ابن عمر وزيد بن ثابت عن هذا القول وقالا: بسقوط طواف الوداع، وبقي هذا القول مذهباً لعمر (٦). أدلة الجمهور على سقوط طواف الوداع . أدلة الجمهور كثيرة ونذكر بعضها، فمنها: [الدليل الأول] (*) (٣٦٦) روى الإِمام البخاري، قال: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي،

стр. 3163

حدثنا الأعمش، حدثني إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، قالت: حاضت صفية ليلة النفر، فقالت: ما أراني إلا حابستكم، قال النبي ﷺ : عقرى حلقى: أطافت يوم النحر؟ قالت: نعم. قال: فانفري. ورواه مسلم (١). الدليل الثاني: (٣٦٧) روى الإِمام البخاري ﵀، قال: حدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض. ورواه مسلم (٢). الدليل على رجوع زيد بن ثابت وابن عمر عن قولهما بأن الحائض يلزمها طواف الوداع . (٣٦٨) روى مسلم، قال: حدثني محمَّد بن حاتم، حدثا يحيى ابن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاووس، قال: كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال ابن عباس: إما لا. فسل فلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله ﷺ ؟ قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت (٣).

стр. 3164

(٣٦٩) وروى البخاري، قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد، عن أيوب عن عكرمة: أن أهل المدينة سألوا ابن عباس ﵄ عن امرأة طافت ثم حاضت. قال لهم: تنفر. قالوا: لا نأخذ بقولك وناع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فاسألوا، فقدموا المدينة فسألوا فكان فيمن سألوا أم سليم، فذكرت حديث صفية (١). (٣٧٠) وأما رجوع ابن عمر، فقد قال البخاري ﵀: حدثنا مسلم، حدثنا وهيب، حدثنا ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت، قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر، ثم سمعته يقول بعد: إن النبي ﷺ رخص لهن (٢). جاء في فتح الباري: "قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالأمصار، ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت، أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضاً لطواف الوداع، وكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح إلى نافع عن ابن عمر قال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت، فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس، حتى تطهير وتطوف بالبيت، وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقى

стр. 3165

عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة (١). وينبغي أن يضاف إليهم جابر بن عبد الله فإنه كان ممن يرى أن على الحائض طواف الوداع. (٣٧١) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن معمر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاووس، قال: ما رأيت ابن عباس خالفه أحد في شيء فتركه حتى يقرره، فخالفه جابر بن عبد الله في المرأة تطوف ثم تحيض، فقال ابن عباس: تنفر، فأرسلوا إلى امرأة كان أصابها ذلك فوافقت ابن عباس (٢). [وسنده صحيح]. وفيه إشارة إلى رجوع جابر؛ لأنه أشار أن ابن عباس لم يتركه، حتى يقرره، وأنهم أرسلوا إلى امرأة كان أصابها ذلك، فوافقت ابن عباس، ولا يسع جابراً إلا الرجوع لقول الرسول ﷺ . الدليل على أن القول بسقوط طواف الوداع هو قول عامة أصحاب محمد ﷺ -. (٣٧٢) روى ابن أبي شيبة، قال: ثنا جرير، عن أبي فروة، قال: سألت القاسم بن محمَّد عن امرأة زارت البيت يوم النحر، ثم حاضت يوم النحر، فقال: يرحم الله عمر. قال أصحاب محمَّد: قد فرغت إلا عمر، فإنه كان يقول: يكون آخر عهدها بالبيت (٣).

стр. 3166

[وسنده صحيح]. وأبو فروة هذا هو عروة بن الحارث من رجال الشيخين. دليل عمر على وجوب طواف الوداع على الحائض . (٣٧٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا أبو عوانة، عن يعلي بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي، قال: سألت عمر بن الخطاب عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض، فقال: آخر عهدها بالبيت. فقال الحارث: كذلك أفتاني رسول الله ﷺ ، فقال عمر: أُرِبْت عن يديك، سألتني عن شيء، سألت عنه رسول الله ﷺ كيما أخالفه (١). [الحديث إسناد رجاله ثقات] (٢). والجواب: عن هذا القدر المرفوع يحتمل عدة إجابات: الأول: أن نسلك مسلك الترجيح، فيقال: الأحاديث التي ترخص للحائض بأن تترك طواف الوداع أقوى وأكثر. لحديث عائشة في الصحيحين، وحديث ابن عباس فيهما أيضاً، وحديث أم سليم وابن عمر وغيرهم من

стр. 3167

الأحاديث، ومعلوم أن كثرة الأحاديث، وكون بعضها في الصحيحين قرينة قوية على ترجيحها على غيرها، بل لم يعارضها إلا هذا الحديث عن الحارث ابن أسامة. الجواب الثاني: أن نقول بالنسخ، فالأحاديث التي ترخص للحائض بتركها للطواف كانت في حجة الوداع فتكون ناسخة وهذا ما رجحه الطحاوي (١). الجواب الثالث: أن يحمل حديث الحارث إذا كان في الزمان نفس، وفي الوقت مهلة، أما إذا أعجلها السير كان لها أن تنفر من غير وداع وهو اختيار الخطابي (٢). الجواب الرابع: قال بعضهم: إن الحارث بن عبد الله بن أسامة مختلف في صحبته، وعليه يكون حديثه مرسلاً. وهذا القول ليس بشيء. الجواب الخامس: أن عمر حين سئل عن الحائض قال: وليكن آخر عهدها الطواف بالبيت، كما في رواية أحمد، فوافق كلام عمر ﵁ الحديث المرفوع: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف" وحين سمع منه الحارث قوله: "ليكن آخر عهدها الطواف بالبيت" قال الحارث كذلك أفتاني رسول الله ﷺ أي لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف، وكان قصد الحارث

стр. 3168

حين سأل عمر يريد دليلاً خاصاً لا دليلاً عاماً، فأجابه عمر بالحديث العام، والذي هو عند الحارث، ويبعد أن يكون عند الحارث حديث خاص عن رسول الله ﷺ ثم يطلب العلم من غيره. وعلى هذا يكون باقي الصحابة الذين قالوا: تنفر، قد وقفوا على المخصص المخرج للحائض، وبهذا يزول الإشكال، ولأن من قال: تنفر، قوله هذا خلاف القياس، فلا يقولونه إلا بتوقيف، بخلاف من قال: لا تنفر، فقد يكون أخذ بالعموم. والله أعلم وهذا الوجه قد ظهر لي والله أعلم بصحته ولم أعلم أحداً قال به فالراجح أن طواف الوداع يسقط عن الحائض، وهو قول عامة الصحابة كما سبق.

стр. 3169

المبحث السابع: إذا نفرت الحائض قبل طواف الوداع وطهرت قبل مفارقة البنيان إذا نفرت الحائض قبل طواف الوداع، ثم طهرت، فهل يلزمها الرجوع إلى مكة للطواف. اختلف العلماء في ذلك. فقيل: يلزمها طواف الوداع ما لم تبلغ مسافة قصر وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية في أحد القولين (٢). وقيل: يلزمها العود ما لم تفارق الحرم. وهو أحد الوجهين عند الشافعية (٣). وقيل: يلزمها العود ما لم تفارق بنيان مكة، وهو مذهب الحنابلة (٤)، والصحيح من الوجهين عند الشافعية (٥). دليل من قال لا يلزمها الرجوع إذا بلغت مسافة القصر . قال النووي: "ولو طهرت الحائض أو النفساء، فإن كان قبل مفارقة

стр. 3170

بناء مكة لزمها طواف الوداع لزوال عذرها، وإن كان بعد مسافة قصر لم يلزمها العود بلا خلاف" (١). دليل من علق الرجوع ما لم تفارق البنيان . قالوا إذا لم تفارق البنيان فهي في حكم المقيمة، وليست في حكم المسافرة، بدليل أنها لا يمكن أن تستبيح رخص السفر. وإذا كانت مقيمة وجب عليها الطواف, لأنها مخاطبة به، مثلها مثل من لم يشرع في السفر. قال ابن قدامة: "إذا نفرت الحائض بغير وداع، فطهرت قبل مفارقة البنيان، رجعت فاغتسلت، وودعت؛ لأنها في حكم الإقامة بدليل أنها لا تستبيح الرخص، فإن لم يمكنها الإقامة فمضت، أو مضت لغير عذر، فعليها دم، وإن فارقت البنيان لم يجب الرجوع؛ لأنها قد خرجت عن حكم الحاضر" (٢). دليل من علق الرجوع ما لم تفارق الحرم . لعلهم يرون الحرم بمثابة البلد الواحد، فإن كان كذلك فهذا ليس بجيد، بدليل أن أهل مكة مع رسول الله ﷺ صلوا معه بمكة صلاة المقيم، ثم صلوا معه في منى صلاة المسافر، مع أنهم لم يفارقوا الحرم، فليس الحرم بمثابة البلد الواحد. والله أعلم. والراجح والله أعلم أن حكم المرأة في هذا معلق بالترخص في أحكام السفر، فإذا بدأت تترخص في أحكام السفر لم يجب عليها الرجوع، ومعلوم أن المسافر يحق له الترخص في أحكام السفر متى فارق البينان. والله أعلم.

стр. 3171

المبحث الثامن: لا يستحب للحائض والنفساء الدعاء عند باب المسجد الحرام بينت فيما سبق أن طواف الوداع يسقط عن الحائض والنفساء، وقد استحب بعض الفقهاء من الشافعية (١) والحنابلة (٢) الوقوف عند باب المسجد الحرام قبل الانصراف إلى بلدها للدعاء. ولا أعلم لهم دليلاً على الاستحباب، بل الدليل على خلافه. (٣٧٣) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، حدثني عروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرتهما أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت في حجة الوداع، فقال النبي ﷺ : أحابستنا هي؟ فقلت: إنها قد أفاضت يا رسول الله وطافت بالبيت، فقال

стр. 3172

النبي ﷺ : فلتنفر. ورواه مسلم (١). فلم يأمرها ﷺ أن تذهب إلى باب المسجد، وتدعو، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.

стр. 3173

المبحث التاسع: طواف الوداع للمستحاضة معلوم أن المرأة المستحاضة إذا أقبلت حيضتها تركت الصلاة، وكانت في حكم الحائض، وإذا أدبرت اغتسلت وصلت، وأصبحت في حكم الطاهرات. (٣٧٥) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا محمَّد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي. قال وقال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت. ورواه مسلم إلا قوله: قال أبي ثم توضئي لكل صلاة ... الخ (١). فقوله: "فإذا أقبلت فدعي الصلاة" أي: فأنت حائض، وإذا كانت حائضاً لم يصح منها طواف، وسقط عنها طواف الوداع، وكان لها أن تنفر. وقوله: "وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي" أي: فأنت طاهرة، وإذا كانت طاهرة كان عليها ما على الطاهرات من وجوب طواف الوداع. قال النووي: وأما المستحاضة إذا نفرت في يوم حيضها فلا وداع عليها،

стр. 3174

وإن نفرت في يوم طهرها لزمها الوداع (١). وإذا كانت المستحاضة تصلي، كان عليها الطواف، لا سيما إذا علمنا أن المستحاضة لا تمنع من دخول المسجد، حتى على قول من يمنع الحائض من ذلك. (٣٧٦) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا قتيبة: قال: حدثنا يزيد ابن زريع، عن خالد، عن عكرمة، عن عائشة، قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي (٢). وإذا كانت المستحاضة تعتكف، مع كون الاعتكاف ليس واجباً عليها، فكونها تطوف الطواف الواجب من باب أولى.

стр. 3175

الباب السادس: في أحكام الحائض من حيث العلاقات الزوجية . ويشتمل على فصول: الفصل الأول: تحريم وطء الحائض في فرجها. الفصل الثاني: خلاف العلماء في مباشرة الحائض فيما بين السرة والركبة. الفصل الثالث: إذا جامع الرجل امرأته وهي حائض هل عليه كفارة؟ الفصل الرابع: في حكم طلاق الحائض وهل يقع؟ الفصل الخامس: في حكم الخلع في زمن الحيض. الفصل السادس: خلاف العلماء في خلع الحائض.

стр. 3176

الفصل الأول: تحريم وطء الحائض في فرجها أجمع العلماء على أنه يحرم على الزوج أن يجامع زوجته في فرجها حال الحيض، وممن نقل الإجماع ابن المنذر في الأوسط (١)، وابن حزم في مراتب الإجماع، وابن قدامة (٢)، والنووي (٣)، ونقل الإجماع أيضاً خلق كثير من المفسرين، والمحدثين، والفقهاء منهم الطبري ﵀ في تفسيره (٤)، والقرطبي في التفسير (٥)، وابن كثير في تفسيره (٦)، وابن تيمية (٧). واستثنى الحنابلة للرجل الذي به شبق أن يطأ امرأته وهي حائض، بشرط ألا تندفع شهوته إلا بالوطء في الفرج، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ، وليس عنده غير زوجته الحائض، بحيث لا يقدر على مهر حرة ولا ثمن أمه. وهذا الاستثناء من الحنابلة داخل في تحليل الحرام للضرورة لقوله تعالى: ﴿إلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ

стр. 3177

حَرَجٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) (٣). وأما الاستمتاع فيما فوق السرة وتحت الركبة، فقد حكى بعضهم الإجماع على جوازه، منهم ابن قدامه (٤). وقال النووي بعد أن ساق خلاف العلماء في الاستمتاع فيما بين السرة والركبة، قال: "وأما ما سواه - يعني سوى ما بين السرة والركبة - فمباشرتها فيه حلال بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيه الشيخ أبو حامد والمحاملي، وابن الصباغ، والعبدري وآخرون" (٥). (٣٧٧) وأما ما يروى عن ابن عباس من طريق حبيب مولى عروة ابن الزبير، أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي ﷺ أخبرته أنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله بن عباس في رسالة، فدخلت عليه، فإذا فراشه معزول عن فراش امرأته، فرجعت إلى ميمونة فبلغتها رسالتها ثم ذكرت ذلك، فقالت لها ميمونة: ارجعي إلى امرأته فسليها عن ذلك، فرجعت إليه فسألتها عن ذلك،، فأخبرتها أنها إذا طمثت عزل عبد الله فراشه عنها، فأرسلت ميمونة إلى عبد الله ابن عباس، فتغيظت عليه، وقالت: أترغب عن سنة رسول الله

стр. 3178

- ﷺ ؟ فوالله إن كانت المرأة من أزواجه لتأتزر بالثوب ما يبلغ أنصاف فخذيها ثم يباشرها بسائر جسده. [سنده ضعيف] (١). (٣٧٨) وأما ما رواه ابن جرير الطبري بسند صحيح، عن محمَّد ابن سيرين، قال: قلت لعبيدة: ما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضاً؟ قال: الفراش واحد واللحاف شتى (٢). فهذا لا حجة فيه, لأنه موقوف على تابعي، مخالف لما جاء عن النبي ﷺ ، ومع هذا فله تأويل مقبول، قال ابن رجب: "الصحيح عن عبيدة ما رواه وكيع في كتابه، عن ابن عون، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قال: الفراش واحد، واللحاف شتى، فإن لم يجد بداً رد عليها من طرف ثوبه. وهذا إنما يدل على أن الأولى أن لا ينام معها متجردة في لحاف واحد، حتى يسترها بشيء من ثيابه. وهذا مما لا خلاف فيه (٣). (٣٧٩) وأما ما رواه أحمد، قال: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن ابن قريظة الصدفي (٤)، قال:

стр. 3179

قلت لعائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يضاجعك وأنت حائض؟ قالت: نعم، إذا شددت على إزاري، ولم يكن لنا ذاك إلا فراش واحد، فلما رزقني الله فراشاً آخر اعتزلت رسول الله ﷺ (١). [سنده ضعيف] (٢). (٣٨٠) وروى أبو داود، قال: حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمَّد - عن أبي اليمان، عن أم ذرة، عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير، فلم نقرب رسول الله ﷺ ولم ندن منه حتى نطهر (٣). [وسنده ضعيف أيضاً] (٤).

стр. 3180

(٣٨١) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن أبي هلال، عن شيبة بن هشام الراسبي، قال: سألت سالماً عن الرجل يضاجع امرأته وهي حائض. فقال: نحن آل عمر فنعزلهن. (١) [إسناده ضعيف] (٢). وضعف إسناده ابن رجب (٣) وخرج القاضي إسماعيل، من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي

стр. 3181

أمامة، قال: قال عمر: كنا نضاجع النساء في الحيض، وفي الفرش واللحف قلة، فأما إذا وسع الله الفرش واللحف فاعتزلوهن كما أمر الله (١). [قال ابن رجب: هذا لا يثبت، وجعفر بن الزبير متروك الحديث] (٢).

стр. 3182

الفصل الثاني: خلاف العلماء في مباشرة الحائض فيما بين السرة والركبة تبين لنا من خلال الفصل السابق، تحريم الوطء في الفرج، وهو إجماع. وتبين لنا جواز الاستمتاع فيما فوق السرة ودون الركبة، وأن القول به كالإجماع، وإن كان فيه خلاف فلعله لا يصح. وهو شاذ مخالف للأدلة الكثيرة وسوف نأتي على ذكرها إن شاء الله. وأما مباشرة المرأة الحائض فيما بين السرة والركبة عدا الفرج ففيه خلاف بين العلماء. فقيل: يحرم عليه الاستمتاع بما تحت الإزار، وهو ما بين السرة والركبة، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). وقيل: لا يحرم عليه إلا الإيلاج في الفرج خاصة. وهو مذهب الحنابلة (٤)،

стр. 3183

واختاره محمَّد بن الحسن من الحنفية (١)، وأصبغ وابن حبيب من المالكية (٢)، وقواه النووي من الشافعية (٣)، وابن حزم من الظاهرية (٤)، وقيل: يستحب في المباشرة أن تكون من فوق الإزار ولا يجب (٥). وقيل: إن وثق المباشر تحت الإزار بضبط نفسه جاز وإلا فلا، وهو وجه في مذهب الشافعية (٦). أدلة الجمهور على تحريم المباشرة من تحت الإزار . من القرآن: قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٧). وجه الاستدلال: ظاهر الآية تقتضي اعتزال الحائض حال الحيض، فلما دلت الأحاديث على جواز الاستمتاع منها بما فوق الإزار دل ذلك على أن ما عداه باق على المنع.

стр. 3184

وأجيب: بأن المحيض يحتمل معنيين: الأول: أن يكون مصدراً من حاضت المرأة حيضاً ومحيضاً، وعلى هذا التأويل يتوجه استدلالكم. والثاني: يحتمل أن المراد بالمحيض في الآية اسم لمكان الحيض، كالمقيل، والمبيت (١)، وعلى هذا المعنى، يكون تخصيصه موضع الدم بالاعتزال دليل على إباحته فيما عداه، وهذا التأويل أرجح من الأول لأمرين: أحدهما: لو أراد بالمحيض الحيض، لكان أمراً باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماع على خلافه. الثاني: أن هذا التفسير موافق لسبب نزول الآية. [الدليل الأول] (*) (٣٨٢) فقد روى مسلم، قال: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ... ﴾ (٢) الآية. فقال رسول الله: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، فقال يا رسول الله: إن اليهود تقول كذا وكذا، فلا نجامعهن؟ فتغير وجه

стр. 3185

رسول الله ﷺ حتى ظننا أنه قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في أثرهما فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. وجه الاستدلال: قوله ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" دليل على أن المحرم هو الوطء في الفرج، وأن المراد بالمحيض هو مكان الحيض. الدليل الثاني: (٣٨٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا قبيصة، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، كلانا جنب، وكان يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض، وكان يخرج رأسه إليَّ وهو معتكف وأنا حائض. وأخرجه مسلم، من طريق جرير، عن منصور به بلفظ: "كانت إحدانا إذا كانت حائضاً أمرها رسول الله ﷺ فتأتزر بإزار ثم يباشرها" (١). الدليل الثالث: (٣٨٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا الشيباني، قال: حدثنا عبد الله بن شداد، قال سمعت ميمونة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض.

стр. 3186

ورواه مسلم، من طريق خالد بن عبد الله، عن الشيباني به بلفظ: "كان رسول الله ﷺ يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض" (١). وأجيب عن هذين الحديثين، بأنهما حكاية فعل للرسول ﷺ ، ليس فيها النهي عن المباشرة فيما تحت الإزار، والفعل لا يقدم على القول، وحديث: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" صريح بالجواز. وقد يقال: بأن هذا الفعل من النبي ﷺ في فور الحيضة واشتدادها. (٣٨٥) فقد روى البخاري، قال: نا إسماعيل بن خليل، أنا علي بن مسهر، أخبرنا أبو إسحاق - هو الشيباني - عن عبد الرحمن ابن الأسود، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها، أمرها أن تتزر في فور حيضتها ثم يباشرها. وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه. وأخرجه مسلم (٢). (٣٨٦) وروى ابن ماجه، قال: حدثنا الخليل بن عمرو، ثنا ابن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن خديج، عن معاوية بن أبي سفيان، عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قال: سألتها كيف تصنعين مع رسول الله ﷺ في الحيضة؟ قالت: كانت إحدانا في فورها أول ما تحيض، تشد عليها إزاراً إلى

стр. 3187

أنصاف فخذيها، ثم تضطجع مع رسول الله ﷺ (١). [وهذا إسناد ضعيف فيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس]. قال ابن رجب في شرح البخاري: وفي هذا الحديث مع حديث عائشة الثاني الذي خرجه البخاري ها هنا دلالة على أن النبي ﷺ إنما كان يأمر الحائض بالاتزار في أول حيضها - وهو فور الحيضة وفوجها - فإن الدم حينئذ يفور لكثرته، فكلما طالت مدته قل الدم - وهذا مما يستدل به على أن الأمر بشد الإزار لم يكن لتحريم الاستمتاع بما تحت الإزار، بل خشية من إصابة الدم والتلوث به، ومبالغة في التحرز من إصابته. وقد روى محمَّد بن بكار بن بلال، نا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ يتقي سورة الدم ثلاثاً، ثم يباشر بعد ذلك، وهذا الإسناد وإن كان فيه لين، إلا أن الأحاديث الصحيحة تعضده وتشهد له. اهـ (٢) كلام ابن رجب وحديث أم سلمة سبق أن مر معنا. فملخص الجواب عن حديث عائشة وحديث ميمونة، في كون الرسول ﷺ يباشر من نسائه وهي حائض إذا اتزرت إما أن يقال: هذا فعل، والفعل لا يدل على الوجوب، بل غاية ما يدل عليه

стр. 3188

استحباب ذلك الفعل، والأحاديث القولية صريحة بجواز مباشرة الحائض لجميع بدنها ما عدا الفرج. وإما أن يقال: إن الرسول ﷺ كان يفعل ذلك في فور الحيضة ووقت شدتها حرصاً واتقاء للدم، والله أعلم. الدليل الرابع: (٣٨٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا هارون بن محمَّد بن بكار، قال: حدثنا مروان - يعني ابن محمَّد - قال: حدثنا الهيثم بن حميد، قال: حدثنا العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه أنه سأل رسول الله ﷺ : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار. وذكر مؤاكلة الحائض أيضاً وساق الحديث (١). [وسنده ضعيف] (٢). الدليل الخامس: (٣٨٨) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الخشبي الرقي، ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا عبد الله بن عمرو - يعني الرقي - عن زيد - يعني ابن أبي

стр. 3189

أنيسه - عن أبي إسحاق، عن عاصم بن عمرو، عن عمير مولى عمر، قال: جاء نفر من العراق إلى عمر، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئناك لنسألك عن ثلاث. قال: ما هي؟ قالوا: صلاة الرجل في بيته تطوعاً، ما هي؟ وما يحل للرجل من امرأته حائضاً؟، وعن الغسل من الجنابة؟ فقال: أسحرة أنتم؟ قالوا: لا والله يا أمير المؤمنين، ما نحن بسحرة، قال: أفكهنة أنتم؟ قالوا: لا، فقال: لقد سألتموني عن ثلاث ما سألني عنهن أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنهن قبلكم، فقال: أما صلاة الرجل في بيته تطوعاً فنور، فنوّر بيتك ما استطعت، وأما الحائض فلك ما فوق الإزار، وليس لك ما تحته، وأما الغسل من الجنابة فتفرغ بيمينك على شمالك، ثم تدخل يدك في الإناء، فتغسل فرجك وما أصابك، ثم توضأ وضوءك للصلاة، ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات وتدلك رأسك كل مرة (١). [إسناده ضعيف، وفيه اختلاف] (٢).

стр. 3190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →