وجه الاستدلال عندهم:
أن الحديث أمر بإراقة المائع الذي وقعت فيه الفأرة، وماتت فيه، ولم يفرق بين القليل والكثير، ولم يستفصل هل تغير أم لم يتغير، فدل على أنه لا فرق.
الدليل الثاني:
من النظر، قالوا: إن المائعات سوى الماء لا تدفع النجاسة عن غيرها، فلا تدفعها عن نفسها، بخلاف الماء الذي يدفع النجاسة عن غيره، فيدفعها أيضاً عن نفسه.
الدليل الثالث:
أن النجاسة إذا وقعت في الجامد، فإنها تجاور موضعاً واحداً، وهو الجزء الذي وقعت في النجاسة، بخلاف المائع فإنها تجاوره كله، إذا تنتقل من مكان إلى آخر، فيتنجس بها.
стр. 356
دليل من قال: المائع كالماء لا ينجس إلا بالتغير .
الدليل الأول:
(٩٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله،
عن ابن عباس، عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها، فاطرحوه، وكلوا سمنكم (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أجابهم جواباً عاماً مطلقاً، بأن يلقوها وما حولها، وأن يأكلوا سمنهم، ولم يستفصلهم هل كان مائعاً، أو جامداً، وترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، مع أن الغالب في سمن الحجاز أن يكون ذائباً لشدة الحرارة، والغالب على السمن أنه لا يبلغ قلتين، مع أنه لم يستفصل هل كان قليلاً أم كثيراً.
الدليل الثاني:
الفرق بين المائع النجس والمائع الطاهر صفات جعلت هذا نجساً، وهذا طاهراً، فإذا لم يظهر في المائع أثر النجاسة لافي اللون، ولافي الطعم، ولافي الرائحة، فكيف نحكم عليه بأنه نجس، وما الفرق إذاً بينه وبين المائع الطاهر.
الدليل الثالث:
أن في تنجيس المائعات حرجاً ومشقة، فهنالك القناطير المقنطرة من الدهون التي تكون في معاصر الزيتون وغيرها، ففي تنجيسها بوقوع قليل
стр. 357
النجاسة فيها حرج شديد.
وهذا القول هو الراجح، فلا يوجد دليل على نجاسة المائع بملاقاة النجاسة، لا دليل أثري، ولا دليل نظري، فالقول بنجاسة المائع مطلقاً فيه حرج ومشقة وإفساد للمال دون أن يكون هناك دليل يقضي بالنجاسة، والله أعلم.
стр. 358
الفرع الأول
في الكلام على بئر المقبرة
كره الحنابلة الطهارة من بئر في المقبرة (١).
تعليل الكراهة.
لعل تعليل الكراهة عندهم لكونه مظنة وصول شيء من النجاسة إلى ماء المقبرة.
والصحيح عدم الكراهة، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، ولا دليل، وحتى لو كان هذا الاحتمال قائماً فإن الشك في نجاسة الماء لا تجعل الطهارة منه مكروهة؛ لأن الأصل الطهارة، ولا ننتقل عنها إلا إذا تيقنا تغيره بالنجاسة، والحنابلة يقولون: إذا شك في نجاسة ماء أو غيره أو في طهارته بنى على اليقين، وهنا كرهوا الطهارة من هذا الماء، إلا أن يكون سبب الكراهة عندهم وجود الخلاف في طهوريته، إن كان ذلك كذلك فهو قول ضعيف أيضاً، وقد قدمت أن الخلاف ليس من الأدلة الشرعية حتى يعلل به الكراهة، والله أعلم.
стр. 359
الفرع الثاني
في الوضوء من بئر ثمود .
قيل: لا يجوز الوضوء من بئر ثمود إلا بئر الناقة، وهو مذهب الجمهور (١)، واختيار ابن حزم (٢).
وقيل: يكره، وهو قول في مذهب الشافعية (٣).
وسبب المنع أو الكراهة حديث ابن عمر،
(٩٨) فقد روى البخاري، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا أنس ابن عياض، عن عبيد الله، عن نافع،
أن عبد الله بن عمر ﵄ أخبره أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود الحجر، فاستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة (٤).
واختلفوا هل ماؤها طهور أو نجس على قولين:
стр. 360
أحدها أنه نجس. قال في مواهب الجليل: قال القرطبي في شرح مسلم أمره ﷺ بإراقة ما سقوا وعلف العجين للدواب حكم على ذلك الماء بالنجاسة إذ ذلك حكم ما خالطته النجاسة، أو كان نجساً ولولا نجاسة الماء لما أتلف الطعام المحترم شرعا.
وأكثرهم على أنه ماء طهور، ولا يحكم بنجاسة الماء؛ لأن الحديث ليس فيه تعرض للنجاسة، وإنما هو ماء سخط وغضب، فلم يرووا عن النبي ﵊ أنه أمرهم بغسل أوعيتهم وأيديهم منه وما أصاب ثيابهم، ولو وقع ذلك لنقل، على أنه لو نقل لما دل على النجاسة؛ لاحتمال أن يكون ذلك مبالغة في اجتناب ذلك الماء (١).
وبناء على هذه العلة قاسوا عليه كل ماء في أرض مغضوب على أهلها، قال في مواهب الجليل: ويلحق بها كل ماء مغضوب عليه، كماء ديار قوم لوط، وماء ديار بابل لحديث أبي داود " أنها أرض ملعونة "، وماء بئر ذروان التي وضع فيها السحر للنبي ﷺ وماء بئر برهوت، وهي بئر باليمن لحديث ابن حبان شر بئر في الأرض برهوت. وبابل: هي المذكورة في سورة البقرة، وهي بالعراق، وبئر ذروان بفتح الذال المعجمة وسكون الراء هي بالمدينة، وبئر برهوت بفتح الموحدة وسكون الراء وهي بئر عميقة بحضرموت، لا يستطاع النزول إلى قعرها، والله أعلم (٢).
ولو تطهر، فقيل: يصح وضوؤه مع الأثم
وقيل: لا يصح، والعلة إما تعبدية، أو كالماء المغصوب عند من يمنع
стр. 361
الوضوء بالماء الطهور إذا كان كسبه محرماً (١).
وقال ابن فرحون في الألغاز: فإن قلت: ماء كثير باق على أصل خلقته لا يجوز الوضوء ولا الانتفاع به؟ قلت: هو ماء الآبار التي في أرض ثمود (٢).
والراجح أن ماء بئر ثمود طهور، وليس بنجس، ولكن لا يتوضأ منه الإنسان لأن الرسول ﷺ أمر أن يهريقوا ما استقوا من بئرها لأنه ماء سخط وغضب، والله أعلم، ولو تطهر الإنسان منها ارتفع حدثه، والله أعلم.
стр. 362
الفصل الرابع
في الماء المسخن
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: الماء المسخن بنجس.
المبحث الثاني: الماء المسخن بالشمس.
стр. 363
المبحث الأول
المسخن بنجاسة
اختلف العلماء في الماء المسخن بالنجاسة،
فقيل: طهور بلا كراهة، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢).
وقيل: يكره، وهو مذهب المالكية (٣).
وأما الحنابلة فجعلوا الماء المسخن بالنجس له ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن يتحقق وصول شيء من الدخان أو الرماد إلى الماء.
فالمشهور من مذهب الحنابلة: أنه نجس سواء تغير أو لم يتغير. (٤)
التعليل: لأنه ماء يسير لاقى نجاسة، والماء اليسير إذا لاقى نجاسة فإنه ينجس ولو لم يتغير. وحد اليسير هو أن يكون الماء دون القلتين أي أقل من خمس قرب تقريباً.
والصحيح هنا أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغيره فإنه طهور سواء كان يسيراً أو كثيراً، وسوف يأتي بسط الأقوال في هذه المسألة قريباً إن شاء الله.
مع أن هذا الماء في الحقيقة لم تقع فيه نجاسة وإنما وقع فيه دخان
стр. 364
النجاسة، والروث النجس إذا تحول إلى دخان أصبح له حكم الدخان، والدخان كله طاهر كما أنكم ترون نجاسة الخمرة وإذا تحولت بنفسها إلى خل طهرت، حتى لو قيل: إنه لا يسلم من صعود أجزاء لطيفة مع الدخان تقع في الماء.
فالجواب: أن هذه الأجزاء اللطيفة قد تحولت إلى رماد، فيكون لها حكم الرماد.
الحالة الثانية: أن يكون الحائل حصيناً بحيث يعلم أن الدخان لم ينفذ إلى الماء.
فالمشهور من المذهب أنه طهور مكروه.
طهور: لأنه لم يقع فيه شيء لا طاهر ولا نجس.
ومكروه: وللكراهة مأخذان عندهم:
أحدهما: استعمال النجاسة، فحرارة الماء كانت عن طريق استعمال النجاسة، واستعمال النجاسة مكروه عندهم، وما ترتب على المكروه يكون مكروهاً.
والثاني: احتمال وصول النجاسة.
الحالة الثالثة: أن يكون الحائل غير حصين، ولكنه لم يعلم وصول النجاسة إليه، فحكمه على المذهب: طهور مكروه.
طهور: لأن طهارة الماء متيقنة والنجاسة مشكوك فيها، ومكروه للتعليل السابق وهي أن حرارة الماء جاءت عن طريق استعمال النجاسة، واستعمال النجاسة مكروه فيكون ما ترتب على المكروه يكون مكروهاً (١).
стр. 365
والصواب: مذهب الحنفية والشافعية أن الماء طهور بلا كراهة.
قال ابن تيمية: وأما المسخن بالنجاسة فليس بنجس بإتفاق الأئمة إذا لم يحصل له ما ينجسه وأما كراهته ففيها نزاع (١). اهـ
وأين الدليل على كراهة استعمال النجاسة في أمر لا تتعدى فيه النجاسة إلى غيرها، والمشهور من مذهب الحنابلة والمالكية أن جلد الميتة عندهم لا يطهر بالدباغ، ومع ذلك يقولون بجواز الانتفاع به في يابس.
بل جاء الدليل على جواز الانتفاع بالنجاسة على وجه لا يتعدى كما في حديث جابر ﵁.
(٩٩) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح،
عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال: رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه، ورواه مسلم (٢).
стр. 366
المبحث الثاني الماء المسخن بالشمس
لا أعلم أحداً قال إن الماء المسخن بالشمس ليس بطهور، ولكنهم اختلفوا هل يكره أم لا؟
فقيل: الماء المسخن بالشمس طهور غير مكروه،، وهو مذهب الحنابلة (١)، واختاره بعض المالكية (٢)، ورجحه النووي من الشافعية، وهو مذهب الظاهرية.
وقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والمالكية (٥)،إلا أنهم اشترطوا شروطاً للكراهة (٦).
стр. 367
دليل من قال: يكره.
الدليل الأول:
(١٠٠) ما رواه الدارقطني، قال: نا الحسين بن إسماعيل وآخرون قالوا: حدثنا سعدان بن نصر، نا خالد بن إسماعيل المخزومي، نا هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ، وقد سخنت ماء في الشمس، فقال: لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص.
قال الدارقطني: غريب جداً، خالد بن إسماعيل متروك (١).
стр. 368
الدليل الثاني:
(١٠١) ما رواه الإمام الشافعي في الأم، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: أخبرني صدقة بن عبد الله، عن أبي الزبير،
عن جابر، أن عمر كان يكره الاغتسال بالماء المشمس، وقال: إنه يورث البرص (١).
стр. 369
[والحديث ضعيف جداً] (١).
فالصحيح أن المسخن بالشمس طهور غير مكروه؛ لأن الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي، أو نظر صحيح، ولا يوجد شئ من ذلك في هذه المسألة، ولو كان يورث البرص لكان التطهر منه محرماً وليس مكروهاً، لأن البرص علة ومرض، والإنسان الأبرص ليس سوي البدن، ويعتبر عيباً في المرأة والرجل يجب بيانه.
стр. 370
الباب التاسع في تطهير الماء المتنجس
تمهيد:
قبل أن نتكلم عن تطهير الماء المتنجس، ينبغي أن نعلم هل نجاسة الماء نجاسة عينية أم نجاسة حكمية.
الصحيح أن نجاسة الماء حكمية، فهو كالثوب النجس؛ لأنه يطهر غيره فنفسه من باب أولى.
وهذا اختيار ابن تيميه (١)، وصوبه فى الانصاف (٢).
وقيل: إن نجاسته نجاسة عينية.
قال ابن مفلح فى الفروع: وهو ظاهر كلام الأصحاب وتعقبه المرداوي في تصحيح الفروع (٣).
وفي قوله إنها عينيه نظر، لأن الحنابلة قالوا: النجاسة العينية لايمكن تطهيرها، وهذا يمكن تطهيره (٤).
وقيل: نجاستة نجاسة مجاورة سريعة الإزالة، ولهذا يجوز بيعه (٥).
стр. 371
خلاف العلماء في كيفية تطهير الماء المتنجس
اختلف العلماء في كيفية تطهير الماء المتنجس على أقوال، مع اتفاقهم على أن الماء الكثير لا ينجس إلا بالتغير، واختلفوا في القليل هل ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، أو يشترط أن يتغير بها، وقد سبق تحرير الخلاف.
القول الأول: مذهب الحنفية .
فرق الحنفية بين ماء البئر وغيره من المياه، فمسائل البئر عندهم على خلاف القياس، بينما الجمهور لم يفرقوا بين ماء البئر وغيره من المياه.
فإذا وقعت في الأواني أو في الحوض الصغير نجاسة، فلهم في تطهير الماء بشرط زوال تغيره إن وجد ثلاثة أقوال:
قيل: إذا دخل فيه ماء آخر، وخرج الماء منه طهر، وإن قل إذا كان الخروج حال دخول الماء فيه؛ لأنه بمنزلة الجاري.
وقيل: لا يطهر إلا بخروج ما فيه.
وقيل: لا يطهر إلا بخروج ثلاثة أمثال ما كان فيه من الماء، وسائر المائعات كالماء في القلة والكثرة (١).
تعليل الحنفية:
أن الماء النجس إذا دخل فيه ماء آخر، وخرج الماء منه، وكان خروج الماء حال دخول الماء الجديد فيه؛ أصبح بمنزلة الماء الجاري، والماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير.
القول الثاني: مذهب المالكية .
стр. 372
قالوا: الماء المتغير بالنجاسة إما أن يزول تغيره بنفسه، أو بصب ماء مطلق عليه (١)، أو بإضافة تراب ونحوه.
فإن تغير الماء بنفسه، فإما أن يكون الماء قليلاً أو كثيراً، ولم يجدوا فى ذلك حداً بين القليل والكثير، فالقليل أواني الوضوء ونحوها، والكثير ما عداها.
فإن كان قليلاً فهو نجس اتفاقاً عندهم.
وإن كان الماء الذى تغير بنفسه كثيراً فلأصحاب مالك فيه قولان:
الأول: أنه طهور؛ لأن الحكم بالنجاسة إنما هو لأجل التغير وقد زال والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، كالخمر يتخلل، وقد رجح هذا ابن رشد.
وقيل: إنه نجس؛ لأن النجاسة عندهم لا تزال إلا بالماء المطلق، وليس حاصلاً هنا فيستمر بقاء النجاسة.
ومع أنهم حكموا بنجاسته، إلا أنهم قيدوا الحكم بالنجاسة مع وجود غيره، أما إذا لم يوجد إلا هو فيستعمله بلا كراهة مراعاة للخلاف.
قلت: وهذا يدل على ضعف القول بنجاسته عندهم؛ لأنهم لو جزموا بالنجاسة لما صح استعماله مطلقاً، سواء وجد غيره أم لم يوجد؛ لأنه إذا لم يوجد إلا ماء نجس صار الى التيمم، كما هو الحال إذا وجد ماء متغير بالنجاسة، فهذا الاستثناء دليل على ضعف القول بالنجاسة عندهم، والله أعلم.
وإن زال تغير الماء بالنجاسة بإضافة ماء مطلق، فهو طهور اتفاقاً عندهم،
стр. 373
حتى ولو كان المضاف قليلاً، ولا يشترط أن يبلغ الماء قلتين عندهم فلا يشترطون إلا شرطين:
أحدهما: أن يكون الماء المضاف ماء مطلقاً أى ليس ماء نجساً ولا طاهراً.
الثاني: أن يزول تغيره بالإضافة.
وإن زال تغيره بإلقاء طين فينظر:
فإن لم يتغير الماء بالطين فقد طهر، وإن تغير الماء بما ألقي فيه فالأظهر النجاسة عملاً بالاستصحاب (١).
القول الثالث: مذهب الشافعية .
الشافعيه يفرقون بين الماء القليل والماء الكثير إذا لاقى نجاسة ولم يتغير، فينجس الأول عندهم دون الثانى، وعلى هذا يقسم الشافعية الماء إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون الماء أكثر من قلتين، فلا ينجس إلا بالتغير، وفى تطهيره ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يزول تغيره بنفسه؛ لأن الماء يطهر غيره، فكونه يطهر نفسه من باب أولى.
الحالة الثانية: أن يزول تغيره بإضافة ماء آخر عليه، سواء كان المضاف طاهراً أم نجساً، قليلاً أم كثيراً، صب عليه الماء أو نبع فيه، فإذا زال تغيره
стр. 374
طهر.
الحالة الثالثة: أن يزول تغيره بنزح بعضه فإنه يطهر، بشرط أن يكون الباقي بعد النزح قلتين فأكثر غير متغير، فإن بقي دونهما لم يطهر بلا خلاف عند الشافعية.
القسم الثاني: من الماء النجس: أن يكون الماء قلتين، وهذا لا ينجس إلا بالتغير. وفى التطهير له حالتان:
الأولى: أن يزول تغيره بنفسه.
الثانية: أن يزول تغيره بإضافه ماء آخر عليه. ولو كان المضاف نجساً أو قليلاً.
القسم الثالث: أن يكون الماء المتنجس دون القلتين، وهذا الماء ينجس عندهم بمجرد ملاقاة النجاسة، ولو لم يتغير.
ففي تطهيره طريقة واحدة، وهي أن يزول تغيره بإضافة ماء آخر عليه حتى يبلغ قلتين، حتى ولو كان هذا الماء المضاف نجساً، ما دام أنه إذا بلغ قلتين فقد زال تغيره فإنه يطهر.
أما إذا أضيف إليه ماء دون القلتين ففيه وجهان عندهم:
الأول: قيل: يكون طاهراً غير مطهر.
لماذا كان طاهراً، وقد لاقى النجاسة، وهو قليل؟
قالوا: لأن الماء القليل إنما ينجس بالنجاسة إذا وردت عليه، أما إذا ورد الماء على النجاسة كما هو الحال هنا فلا ينجس.
ولماذا إذا لا يكون طهوراً؟
قالوا: لأنه ماء استعمل فى إزالة النجاسة.
стр. 375
الوجه الثاني: قالوا لا يطهر، لأنه ماء استعمل في إزالة النجاسة، هذه الطرق في تطهير الماء النجس بالماء عند الشافعية.
أما تطهيره بالتراب فقد وافقوا المالكيه.
قالوا: إذا طرح فيه تراب وزال تغيره.
فإما أن يكون الماء كدراً أو صافياً، فإن كان صافياً فقد طهر جزماً.
وإن كان الماء كدراً بما ألقي فيه.
فقيل: يطهر؛ لأن التغير قد زال فصار كما لو زال بنفسه أو بماء آخر. وصحح الأكثرون أنه لا يطهر (١).
القول الرابع: مذهب الحنابلة .
طريقة الحنابلة فى تطهير الماء المتنجس بالماء قريبة من تقسيم الشافعية إلا أنهم خالفوهم فى مواضع يسيرة.
فقسم الحنابلة الماء المتنجس أولاً إلى قسمين:
الأول: قسم تنجس ببول آدمي أو عذرته المائعه.
الثاني: وقسم تنجس بسائر النجاسات.
أما الماء الذي تنجس بغير بول آدمي وعذرته المائعة فإنه يمكن أن نقسمه إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون الماء دون القلتين. وفي هذه الحال إما أن تكون نجاسته بالتغير، أو بالملاقاة ولو لم يتغير.
стр. 376
فيشترط لتطهير الماء المتنجس بالملاقاة شرط واحد، هو أن تضيف إليه قلتين من الماء الطهور، وبالتالي يصبح طهوراً فإن أضفت إليه دون القلتين لم يطهر.
التعليل: لأن الماء القليل لا يدفع النجاسة عن نفسه فكيف يدفعها عن غيره لقوله ﷺ فى حديث ابن عمر: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث (١).
لوقال قائل: لنفرض أن الماء المتنجس بالملاقاة قلة واحدة فأضفت إليها قلة أخرى حتى أصبح الماء قلتين فهل يطهر؟
أكثر الأصحاب على أنه لا يطهر، وهو المشهور من المذهب، وحكى بعضهم وجهاً بالتطهير، وصوبه صاحب الإنصاف.
وإن كانت نجاسة الماء القليل بالتغير ففي هذه الحالة تضيف إليه قلتين من الماء الطهور ثم تنظر هل زال التغير أم بقي؟ فإن زال فقد طهر، وإن لم يزل فإنك تضيف إليه حتى يذهب تغيره.
أما إذا أضفت إليه دون القلتين فإن الماء يكون نجساً حتى ولو زال تغيره وهذا هو المذهب.
وقيل: إنه يكون طهوراً حتى على قواعد المذهب. أو القائلين بالنجاسة ولو لم يتغير. قالوا: لأن الماء إنما ينجس بالنجاسة إذا كانت واردة عليه وهنا قد ورد الماء على النجاسة.
ولو قلنا بنجاسة الماء هنا لقلنا بنجاسة الماء إذا صب على ثوب نجس إلا أن يكون قلتين، ولما كان الدلو مطهراً لبول الأعرابي، لأنه بالتأكيد ليس قلتين ولا حتى قلة. هذه الطريقة في تطهير الماء عند الأصحاب ﵏ إذا
стр. 377
كان الماء أقل من قلتين.
الحالة الثانية: إذا كان الماء قلتين، فله طريقان:
الأول: أن تضيف إليه قلتين فأكثر حتى يذهب تغيره بالنجاسة، وقد علمت مما سبق لماذا يشترطون إضافة القلتين، ولم لا يعتبرون ما دون القلتين؟ فلا داعي لإعادته. وهذاالشرط خالفوا فيه الشافعية.
الأمر الثاني: هل يزول تغيره بنفسه، فالمشهور من المذهب أنه إذا زال تغيره بنفسه، وهو قلتان طهر، وفيه وجه آخر في المذهب أنه لا يطهر بناء على أن النجاسة في المذهب لا تطهر بالاستحالة، وهذا على رأي من يرى أن النجاسة نجاسة عينية وليست حكمية.
وقيل: إنه طاهر، لأنه لا يكون طهوراً وقد أزيلت به النجاسة، ولا يكون نجساً وهو ماء كثير غير متغير، قاسوه على الماء القليل إذا كان آخر غسلة زالت بها النجاسة.
الحالة الثالثة: إذا كان الماء أكثر من قلتين فلهم ثلاثة طرق:
الأولى: أن تضيف إليه قلتين بشرط أن يزول التغير وقد سبق لكم التعليل من اشتراط القلتين.
الثانية: أن يزول تغيره بنفسه، وهذا هو المشهور من المذهب وسبق لكم في المذهب ثلاثة أوجه.
الثالثة: أن ينزح منه فيبقى بعد النزح قلتين فأكثر غير متغير.
مثاله: عندنا ماء ثلاث قلال أو أربع ... سقطت فيه ميته فغيرت رائحة الماء. فقام رجل فنزح منها ماء حتى ذهبت رائحة النجاسة. فهل يطهر الماء؟
الجواب: إن كان الماء الباقي قلتين فأكثر فقد طهر.
стр. 378
وهذه هى الطريقة في تطهير الماء على المشهور من مذهب الامام أحمد ﵀.
وأما التراب ففيه وجهان:
الأول: أنه لا يطهر. قال في الانصاف: على الصحيح من المذهب لأن النجاسة عندهم لا تزال إلا بالماء المطلق.
قال ابن عقيل: التراب لا يطهر لأنه يستر النجاسة بخلاف الماء.
الثاني: يطهر بذلك، لأن علة نجاسته التغير، وقد زال فيزول الحكم بنجاسته كما لو زال بمكثه (١).
القسم الثاني: من الماء النجس: أن يكون متنجساً ببول آدمي أو عذرته المائعة، فإن كانت النجاسة لم تغيره وكان لا يشق نزحه فتطهيره بإضافة ما يشق نزحه إليه وإن كان الماء يشق نزحه، وقد تغير بالنجاسة فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يضاف إليه ما يشق نزحه.
الثانية: أن يزول تغيره بنفسه.
الثالثة: أن ينزح منه فيبقى بعده قلتان غير متغيرتين (٢).
خلاصة ما سبق:
التطهير تارة يكون بالإضافة، وتارة يكون بنفسه، وتارة يكون بالنزح.
فإن كان التطهير بالإضافة، فيشترط له شروط:
стр. 379
الأول: أن يكون الماء طهوراً، وهذا شرط عند المالكية، والحنابلة، وليس بشرط عند الشافعية، إذ لا مانع أن تضيف عندهم ماء نجساً إذا كان بإضافته سوف يزول تغير الماء بالنجاسة.
الثاني: أن يكون المضاف كثيراً _ قلتان فأكثر - وهذا شرط للحنابلة، وليس بشرط عند المالكية، والشافعية.
الثالث: أن يبلغ الماء قلتين بعد الإضافة. وليس بشرط عند المالكية، وأما الحنابلة فلا يكفي هذا عندهم لأنهم يشترطون أن يكون المضاف نفسه قلتين.
تطهير الماء بزوال تغيره بنفسه.
المالكية، والشافعية، والحنابلة يشترطون أن يكون الماء كثيراً، والمالكية لم أقف على حد لهم في القليل والكثير، بينما الحنابلة والشافعية يحدونه بالقلتين.
أما التغير بالنزح، فالشافعية والحنابلة يشترطون أن يبقى بعد النزح ماء كثير غير متغير.
والصحيح: أنه متى زال تغير الماء على أي وجه، قليلاً كان أو كثيراً، حتى ولو كان عن طريق المعالجة كالتقطير مثلاً ... فإنه يطهر؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، ولا علة للتنجس إلا لكونه متغيراً بالنجاسة وقد زال، والله أعلم.
стр. 380
باب الآنية
تمهيد:
تعريف الآنية:
الآنِيَةُ جَمْعُ إنَاءٍ وَجَمْعُ الآنِيَةِ الأَوَانِي، فَالإِنَاءُ مُفْرَدٌ، وَجَمْعُهُ: آنِيَةٌ، وَالأَوَانِي: جَمْعُ الْجَمْعِ فَلا يُسْتَعْمَلُ فِي أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةٍ إلا مَجَازًا (١).
وقال في المغرب: الإناء: وعاء المال، والجمع القليل: آنية، والكثير: الأواني، ونظيره: سوار وأسورة وأساور (٢).
قال النووي: وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْغَزَالِيِّ ﵀ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ الآنِيَةَ فِي الْمُفْرَدِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فِي اللُّغَةِ , قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: جَمْعُ الإِنَاءِ آنِيَةٌ، وَجَمْعُ الآنِيَةِ الأَوَانِي، كَسِقَاءٍ وَأَسْقِيَةٍ وَأَسَاقٍ (٣).
وَأَصْلُ أَوَانِي أَأنِي بِهَمْزَتَيْن، أُبْدِلَتْ ثَانِيَتُهُمَا وَاوًا كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِهِمَا، كَأَوَادِمَ فِي آدَمَ (٤).
قال في اللسان: والألف في آنية: مبدلة من الهمزة، وليست بمخففة عنها، لانقلابها في التكسير واواً (٥).
مناسبة ذكر باب الآنية في كتاب الطهارة .
بعض الفقهاء يذكر باب الآنية في كتاب الأطعمة والأشربة، فهو به أليق
стр. 381
من باب الطهارة، والشافعية والحنابلة يذكرونه في باب الطهارة، ويرجع هذا والله أعلم إلى أن هناك بعض الأواني عندهم محرمة الاستعمال كأواني الذهب والفضة، وبعض الأواني نجسة، كالأواني من جلود الميتة فالدباغ عند الحنابلة لا يطهرها، ومثلها آنية بعض الكفار ممن يستعملون النجاسات، فلما كانت بعض الآنية محرمة، وبعضها نجسة، وربما تطهر منها المسلم، فهل يصح تطهره أم لا؟ لهذا السبب، والله أعلم، ناسب أن يتكلموا على باب الآنية في باب الطهارة.
وأما قول بعضهم: إن الماء سائل، يحتاج إلى ظرف، فلما تكلموا عن الماء، تكلموا عن ظرفه، فهذا قول ضعيف؛ لأن الطهارة بالماء ليس من شرطها كونه في ظرف، فقد يتوضأ الأنسان من الآبار والعيون، لكن التوجيه الأول أقوى، والله أعلم.
стр. 382
الفصل الأول في الأواني الثمينة من غير الذهب والفضة
اختلف العلماء في حكم الأكل والشرب في الأواني الثمينة من غير الذهب والفضة كالياقوت والبلور والعقيق والزبرجد:
فقيل: يجوز الأكل والشرب والاستعمال والاتخاذ، وهو مذهب الحنفية (١)، والقول المشهور عند المالكية (٢)، والأصح عند الشافعية (٣)، والمشهور عند الحنابلة (٤).
وقيل: يكره استعمالها، وهو قول في مذهب المالكية (٥).
وقيل: يحرم الأكل والشرب والاستعمال في الأواني التي يكثر ثمنها،
стр. 383
لنفاسة جوهرها.
اختاره بعض المالكية (١)، وحكي قولاً في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: إن كان كثر ثمنها لحسن صناعتها، فاستعمالها حلال، وإن كان لنفاسة جوهرها، ففيها قولان: التحريم والإباحة. ذكر ذلك الماوردي من الشافعية (٣).
دليل من قال بجواز استعمال الأواني الثمينة .
الدليل الأول:
الأصل في الأشياء الإباحة، قال : ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ (٤).
وقال : ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده
стр. 384
والطيبات من الرزق﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾ (٢).
الدليل الثاني:
تخصيص النبي ﷺ المنع بالذهب والفضة يقتضي إباحة ما عداهما،
(١٠٢) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم (٣).
قال ابن حزم: فصح أن كل مسكوت عن ذكره بتحريم أو أمر فهو مباح (٤).
الدليل الثالث:
حكي الإجماع على جواز استعمال الأواني من غير الذهب والفضة، قال ابن جحر في الفتح: وقد نقل ابن الصباغ في الشامل الإجماع على الجواز، وتبعه الرافعي ومن بعده (٥).
стр. 385
الدليل الرابع:
أن العلة في الذهب والفضة هي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء، وهي غير موجودة هنا، إذ الجوهر ونحوه لا يعرفه إلا خواص الناس (١).
الدليل الخامس:
ثبت أن النبي ﷺ توضأ من آنية مختلفة، فقد توضأ من آنية من حجارة، ومن تور من صفر، ومن الجلود، ومن قدح رحراح أي الواسع المنبسط، ومن قصعة ومن جفنة، قال صاحب كشاف القناع: فثبت الحكم فيها، لفعله ﷺ وفي معناها قياساً؛ لأنه مثلها (٢).
وإليك الأحاديث الدالة على ما ذكرنا، منها:
(١٠٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن منير، سمع عبد الله بن بكر، قال: حدثنا حميد، عن أنس قال: حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله، وبقي قوم، فأتي رسول الله ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فتوضأ القوم كلهم. قلنا: كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة. وأخرجه مسلم واللفظ للبخاري (٣).
(١٠٤) ومنها: ما أخرجه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، قال: حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: أتى رسول الله ﷺ فأخرجنا له ماء في تور من صفر، فتوضأ، فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرتين مرتين، ومسح برأسه فأقبل به وأدبر،
стр. 386
وغسل رجليه، وأخرجه مسلم (١).
(١٠٥) ومنها ما أخرجه البخاري، قال: حدثنا مسدد، قال حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس أن النبي ﷺ دعا بإناء من ماء فأتي بقدح رحراح، فيه شيء من ماء، فوضع أصابعه فيه، قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه، قال أنس: فحزرت من توضأ ما بين السبعين إلى الثمانين، ورواه مسلم (٢).
(١٠٦) وجاء في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ توضأ من شن معلق، وثبت أنه توضأ من قصعة وجفنة، وهذه الأحاديث سبق تخريجها في كتاب المياه بتفصيل مطول.
الدليل السادس:
قالوا: كون بعض الأواني من الجوهر أغلى ثمناً من الذهب والفضة لا يكفي في تحريمها، فإنه يحرم الحرير وإن قل ثمنه بخلاف غيره وإن بلغ ثمنه أضعاف ثمن الحرير، وكذلك يباح فص الخاتم جوهرة ولو بلغ ثمنها ما بلغ، ويحرم ذهباً ولو كان يسيراً.
دليل من قال يحرم استعمال الأواني الثمينة .
قالوا: إن علة المنع في استعمال أواني الذهب والفضة هي السرف والخيلاء، فيمنع في الأواني الثمينة للعلة ذاتها.
والجواب على ذلك بأن علة المنع في الذهب والفضة مختلف فيها كما سيأتي، والإسراف يختلف من بلد إلى بلد، ومن وقت لآخر، والتحريم ليس
стр. 387
لذات الأواني، بخلاف الذهب والفضة.
كما أن التحريم للإسراف عام في كل شيء من المباحات، فمتى خرج المباح إلى الإسراف أصبح محرماً.
قال تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ (١).
جاء في سير أعلام النبلاء: " قال شهر بن حوشب: من ركب مشهوراً من الدواب، ولبس مشهوراً من الثياب أعرض الله عنه، وإن كان كريماً.
قال الذهبي: من فعله ليعز الدين، ويرغم المنافقين، ويتواضع مع ذلك للمؤمنين، ويحمد رب العالمين فحسن.
ومن فعله بذخاً وتيهاً وفخراً أذله الله، وأعرض عنه، فإن عوتب ووعظ فكابر، وادعى أنه ليس بمختال ولا تياه، فأعرض عنه؛ فإنه أحمق مغرور بنفسه (٢).
وكلام شهر وإن كان مليحاً لكن كلام الذهبي أملح، إلا إن كان يقصد شهر ﵀ بالشهرة ما كان منهياً عنه لشهرته، فهذا باب آخر، والله أعلم.
دليل من قال يكره استعمالها .
قالوا: ما دام أن العلة في النهي هي السرف فلا يقتضي ذلك التحريم، وإنما ذلك فقط حقه أن يكون مكروهاً (٣).
قلت: العلة مختلف فيها كما سيأتي، ولو ثبت أن العلة هي السرف لم
стр. 388
يمنع من التحريم، لأن الإسراف محرم.
قال تعالى: ﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ (٢).
فالراجح: جواز استعمال الأواني الثمينة إذا لم يصل إلى حد السرف.
стр. 389
الفصل الثاني في الأواني من الذهب والفضة
ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: في حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة.
المبحث الثاني: في حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب.
المبحث الثالث: في حكم الطهارة من آنية الذهب والفضة.
المبحث الرابع: في حكم اتخاذ أواني الذهب والفضة.
стр. 390
المبحث الأول في حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة
اختلف العلماء في حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة:
فقيل: لا يجوز الأكل والشرب فيهما، وحكي إجماعاً، ولا يثبت الإجماع، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣) والحنابلة (٤).
وقيل: النهي عن الأكل والشرب للكراهة، وليس للتحريم، وهو قول الشافعي في القديم وقد رجع عنه (٥)، كما أنه رواية عن الإمام أحمد (٦).
وقيل: يحرم الشرب خاصة دون الأكل، وهو مذهب داود الظاهري، ولعله لم يبلغه أحاديث النهي عن الأكل (٧).