دليل القائلين بأنه لا يجب عليه إلا التوبة والاستغفار .
الدليل الأول:
عدم الدليل الموجب للكفارة. قال ابن عبد البر: "وحجة من لم يوجب عليه كفارة إلا الاستغفار والتوبة، اضطراب هذا الحديث عن ابن عباس وأن مثله لا تقوم به حجة، وأن الذمة على البراءة، ولا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه، ولا مطعن عليه، وذلك معدوم في هذه المسألة" اهـ (١).
стр. 3242
وقال ابن المنذر: "الكفارة لا يجوز إيجابها إلا أن يوجبها الله ، أو يثبت عن النبي ﷺ أنه أوجبها، ولا نعلم إلى هذا الوقت حجة توجب ذلك والله أعلم" (١).
وذكر ابن المنذر: بأن القول بأن لا غرم عليه في ماله، ولكن يستغفر الله، هو قول عطاء وإبراهيم النخعي، ومكحول، وابن أبي مليكة، والشعبي، والزهري، وربيعة، وابن أبي الزناد، وحماد بن أبي سليمان الكوفي، وأيوب السختياني، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان الثوري والشافعي، والنعمان، ويعقوب (٢).
الدليل الثاني:
دليل نظري، قالوا: إن الجماع في الفرج حال الحيض حرم لعلة الأذى، فلا يوجب ذلك كفارة، كالوطء في الدبر.
فقد عصى الله تعالى، وفرض عليه التوبة والاستغفار، ولا كفارة عليه في ذلك".
وقال ابن حزم: "إذا لم يصح في إيجاب شيء على واطيء الحائض فما له حرام فلا يجوز أن يلزم حكماً أكثر مما ألزمه الله من التوبة من المعصية التي عمل والاستغفار والتعزير لقول الرسول ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده" وقد ذكرناه بإسناده" (٣).
стр. 3243
دليل القائلين باستحباب الكفارة .
لعل القائلين بالاستحباب ذهبوا إلى ذلك من باب الاحتياط، فإنهم حين رأوا الاختلاف في الحديث والاضطراب في إسناده ومتنه لم يجزموا بالوجوب، وحين رأوا ثبوت ذلك عن ابن عباس من قوله قوي عندهم القول بالاستحباب. واستدل بعضهم على أن الأثر للاستحباب من وجه آخر.
قال أحمد شاكر في تحقيقه لسنن الترمذي: "إذا ثبت أن أصل الحديث الأمر بالتخيير بين الدينار وبين نصف الدينار، فأرى أن الأمر فيه ليس للوجوب، وإنما هو للندب، لأن الأصل في الأمر أن يكون للوجوب على الحقيقة، ولا يكون للندب إلا مجازاً، والمجاز لا بد له من قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي، والقرينة هنا في نفس اللفظ، لأن التخيير في المأمور به بين أن يكون قليلاً أو كثيراً من نوع واحد، يدل على أن الزائد على القليل ليس واجباً، لأن الدينار الواحد له نصفان، وقد أمر مخيراً بين أدائه كله، وبين أداء نصف من نصفيه، فإذا أدى النصف كان آتياً بالمأمور به في أحد شقي الأمر، ولم يأت إلا ببعضه في الشق الآخر وبرئت ذمته بما أتاه من الأمور به، فكان الذي لم يأت به غير واجب عليه، بنفس دلالة اللفظ، فدل لفظ الأمر، على أن بعض مدلوله ليس مراداً به الوجوب فخرج بذلك عن الحقيقة إلى المجاز، وإذا خرج في بعض مدلوله عن الحقيقة لهذه القرينة القاطعة، خرج في كل مدلوله، لامتناع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معاً، وتحقيق ذلك في موضعه من علم الأصول" اهـ.
стр. 3244
كلام شاكر (١).
دليل القائلين إن كان الدم كذا فدينار أو كذا فنصف دينار .
عمدة القائلين في ذلك بأن ذلك قد ورد عن ابن عباس من قوله، وهو صحابي عربي اللسان، ترجمان القرآن وحبر الأمة، وهو أدرى بما روى، وتفسيره مقدم على تفسير غيره.
والذي يرجح ذلك أن احتمال كون (أو) في قوله "يتصدق بدينار أو نصف دينار" للشك بعيداً، وإن كان قد حصل الشك لبعض الرواة، لأن الشريعة في نفسها لا يمكن أن يكون فيها حكم مشكوك فيه، وهي من لدن حكيم خبير، والشك وصف عارض قد يطرأ على الإنسان لضعفه وعجزه، وأما حقيقة الأمر فالشريعة ليس فيها شك.
وتحتمل أن (أو) للتخيير، فلما احتملت هذا وهذا رأينا أن تفسير ابن عباس في كون (أو) للتنويع هو الفيصل.
(٤٠١) فقد روى البيهقي، من طريقين عن أبي العباس محمد ابن يعقوب، ئنا محمد بن إسحاق الصنعاني، ثنا أبو الجواب، ثنا سفيان الثوري، عن ابن جريج عن عطاء،
عن ابن عباس، في الرجل يأتي امرأته وهي حائض، قال:
إن أتاها في الدم تصدق بدينار، وإن أتاها في غير الدم تصدق بنصف
стр. 3245
دينار (١).
[وإسناده حسن، وسبق الكلام عليه عند الكلام على حديث ابن عباس].
وقد توبع ابن جريج ... فقد رواه أبو داود (٢)، والحاكم (٣)، والبيهقي (٤) من طريق علي بن الحكم البناني، عن أبي الحسن الجزري، عن مقسم، عن ابن عباس موقوفاً عليه.
[وهذا سند ضعيف، لكنه صالح في المتابعات وسبق الكلام عليه].
دليل من قال: هو مخير بين دينار ونصف دينار .
دليلهم أن التفصيل الوارد إن كان الدم كذا فدينار أو كذا فنصف دينار لم يثبت منه شيء مرفوع، وأن القدر المرفوع منه هو
(٤٠٢) ما رواه أحمد: حدثنا يحيى عن شعبة، ومحمد بن جعفر حدثنا شعبة، عن عبد الحكيم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم،
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار أو نصف دينار (٥).
وليس في الحديث ما يدل على أن (أو) للشك فبقي أنه مخير بين الدينار أو
стр. 3246
نصف دينار.
فإن قيل: إن التخيير في الجنس الواحد ينافي الوجوب، فإذا كان مخيراً بين نصف دينار، وبين إخراج دينار ... لم يكن إخراج الدينار واجباً.
وإذا كان الأمر كذلك خرج الأمر من كونه يراد به الوجوب، إذ لا يمكن أن يكون الأمر في شيء واحد مشتركاً بين الوجوب والاستحباب، فبعضه واجب، وبعضه مستحب.
أجاب ابن قدامة، بقوله: "فإن قيل: فكيف يخير بين شيء ونصفه؟ قلنا: كما يخير المسافر بين قصر الصلاة وإتمامها، فأيهما فعل كان واجباً، كذا ها هنا" (١). وهذا الجواب فيه ما فيه.
دليل من قال: عليه خمسا دينار .
(٤٠٣) ما رواه الدارمي، قال: أخبرنا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعي، عن يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بن زيد بن الخطاب، قال:
كان لعمر بن الخطاب امرأة تكره الجماع، وكان إذا أراد أن يأتيها اعتلت عليه بالحيض، فوقع عليها فإذا هي صادقة، فأتى النبي ﷺ فأمره أن يتصدق بخمسي دينار (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
стр. 3247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3248
الفرع الأول: إذا قالت المرأة لزوجها إنها حائض فهل يلزمه تصديقها مطلقاً
قال ابن نجيم، نقلاً عن السراج الوهاج قال: "إذا أخبرته بالحيض، إن كانت فاسقة لا يقبل قولها، وإن كانت عفيفة يقبل قولها، ويترك وطؤها.
وقال بعضهم: إن كان صدقها ممكناً، بأن كانت في أوان حيضها قبلت، ولو كانت فاسقة كما في العدة وهذا القول أحوط وأقرب إلى الورع.
قال ابن نجيم: فعلم من هذا أنها إذا كانت فاسقة ولم يغلب على ظنه صدقها، بأن كانت في غير أوان حيضها لا يقبل قولها اتفاقاً" (١).
قلت: قد يتمكن الزوج من الوقوف على صدقها من كذبها قبل الجماع، والوسائل كثيرة، لأن الحيض أمر محسوس، معلوم بالمشاهدة والرائحة.
دليل من قال: يعتق نسمه أو قال: عليه كفارة من جامع في نهار رمضان .
لا أعلم لهذين القولين دليلاً، من الكتاب ولا من السنة، ولا من قول صاحب، وإنما نسب القول بإعتاق رقبة لسعيد بن جبير، حكاه ابن المنذر عنه في الأوسط (٢) ولم أقف على إسناده.
وحكى القول بكفارة من جامع أهله في نهار رمضان للحسن.
стр. 3249
(٤٠٤) رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا هشام عن الحسن أنه كان يقيسه بالذي يقع على أهله في رمضان (١).
[وهشام في روايته عن الحسن فيها كلام، قيل: إنه كان يرسل عنه].
ورواه الدارمي: وفيه رجل مبهم (٢).
والراجح لي أن من جامع امرأته في فرجها حال الحيض أنه لا يجب عليه شيء وعليه التوبة والاستغفار، وإن أخرج ديناراً أو نصفه فإنه مستحب لقول ابن عباس، ولا يثبت عندي مرفوعاً عن النبي ﷺ ، والله أعلم بالصواب.
стр. 3250
الفرع الثاني: هل يكفر من استحل جماع الحائض في فرجها ؟
قال النووي في المجموع: "أجمع المسلمون على تحريم وطء الحائض، للآية الكريمة، والأحاديث الصحيحة" ثم قال: "قال أصحابنا وغيرهم: من استحل وطء الحائض حكم بكفره، ومن فعله جاهلاً وجود الحيض، أو تحريمه، أو ناسياً، أو مكرهاً، فلا إثم عليه ولا كفارة" (١).
وجزم بكفره من الحنفية السرخسي (٢)، وابن الهمام (٣).
والدليل على كفره أنه مكذب للقرآن في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٤).
وقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" رواه مسلم وسبق تخريجه.
وجاء في البحر الرائق لابن نجيم، قال: "صحح أنه لا يكفر صاحب الخلاصة، ويوافقه ما نقله أيضاً من الفصل الثاني في ألفاظ الكفر من اعتقد الحرام حلالاً، أو على القلب، يكفر إذا كان حراماً لعينه، وثبتت حرمته بدليل مقطوع به، أما إذا كان حراماً لغيره بدليل مقطوع به، أو حراماً لعينه بأخبار
стр. 3251
الآحاد لا يكفر إذا اعتقده حلالاً. فعلى هذا لا يفتى بتكفير مستحله لما في الخلاصة أن المسألة إذا كان فيها وجوه توجب التكفير ووجه واحد يمنع، فعلى المفتي أن يميل إلى ذلك الوجه" اهـ (١).
والراجح الأول: فكل ما كان مجمعاً على تحريمه، فإن من استحله، ومثله لا يجهل الدليل على التحريم فإنه يُعَلَّم، فإن أصر حكم بكفره.
وسواء كان الدليل من القرآن أو من السنة المتواترة، أو من أخبار الآحاد ما دام أن التحريم لا خلاف فيه بين العلماء. أما إذا اختلف في تحريمه. فاستحله أحد فلا يكفر، بناء على أن التحريم منازع فيه.
стр. 3252
الفرع الثالث: هل جماع المرأة في حال الحيض من كبائر الذنوب أم يعد من الصغائر ؟
قسم الشرع الذنوب إلى كبائر وصغائر.
قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١)، وقال : ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٣).
فقيل: من أتى امرأته وهي حائض عالماً بالحرمه عامداً مختاراً فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب.
وهو مذهب الحنفية (٤)، أو الشافعية (٥).
وقيل: يأثم ولا يكون مرتكباً لكبيرة لعدم انطباق تعريف الكبيرة عليه وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٦).
стр. 3253
دليل الحنفية والشافعية على أن جماع الحائض كبيرة .
الدليل الأول:
(٤٠٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد ابن سلمة، قال: أخبرنا حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها، أو كاهناً فصدقه، فقد برئ مما أنزل على محمد.
وفي رواية: فقد كفر بما أنزل على محمد (١).
[إسناده منكر، والمعروف وقفه على أبي هريرة بقصة إتيان النساء في أدبارهن دون ذكر الحيض] (٢).
стр. 3254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3256
وجه الاستدلال:
قوله: "فقد كفر" لا شك أن هذا اللفظ لو صح لفهم منه أنه كبيرة من كبائر الذنوب ...
والكفر هنا لا يراد به الكفر المخرج من الملة.
فقال السرخسي في المبسوط: " (فقد كفر بما أنزل على محمد) مراده: إذا استحل ذلك الفعل" (١). ولا يظهر لي هذا القيد، لأن الحديث خلا منه.
وقال المناوي: "ومن لم يستحلها - يعني هذه الأفعال - فهو كافر بالنعمة، على ما مر غير مرة، وليس المراد حقيقة الكفر، وإلا لما أمر في وطء الحائض بالكفارة كما بينه الترمذي (٢). وعلى هذا فالمراد فقد كفر: أي بالنعمة.
стр. 3257
وقال الترمذي: معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ. اهـ (١).
وقيل في معنى الحديث أقوال ساقها النووي في شرحه لصحيح مسلم.
قال: أحدها: إن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق.
الثاني: المراد به كفر النعمة وحق الإسلام.
الثالث: أنه يقرِّب من الكفر ويؤدي إليه.
الرابع: أنه فعل كفعل الكفار.
الخامس: المراد حقيقة الكفر، ومعناه: لا تكفروا بل دوموا مسلمين.
السادس: حكاه الخطابي وغيره، أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه.
قال الأزهري في كتابه "تهذيب اللغة": يقال للابس السلاح كافر.
والسابع: قاله الخطابي: معناه لا يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا فقال بعضكم بعضاً. اهـ
وإطلاق الكفر وإرادة الكفر الأصغر كثير في الشرع.
(٤٠٦) فقد روى البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت أبا وائل يحدث
عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. وأخرجه مسلم (٢).
стр. 3258
(٤٠٧) كما أخرج البخاري، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني علي بن مدرك، عن أبي زرعة،
عن جرير، أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: استنصت الناس، فقال: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. وأخرجه مسلم (١).
وقتال المسلم ولو كان عدواناً لا يخرج به المسلم عن الإسلام، ولا يكفر به كفراً يخرج عن الملة .. قال : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ...﴾ إلى قوله تعالى: " ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. فلم تنتف الإخوة مع القتل ...
وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ...﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.
(٤٠٨) ومنها حديث أبي ذر في البخاري، قال: حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث، عن الحسين، عن عبد الله بن بريدة، قال: حدثني يحيى بن يعمر أن أبا الأسود الديلي، حدثه
عن أبي ذر، أنه سمع النبي ﷺ ، يقول: ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادَّعى قوماً ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار. ورواه مسلم (٢).
(٤٠٩) ومنها حديث جرير في مسلم، قال ﵀: حدثنا علي بن حجر
стр. 3259
السعدي، حدثنا إسماعيل يعني بن علية، عن منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبي،
عن جرير أنه سمعه يقول: أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم. قال منصور: قد والله روي عن النبي ﷺ ولكني أكره أن يروى عني ههنا بالبصرة (١).
فالمراد أن الكفر قد يطلق ويراد به كفر لا يخرج عن الملة .. لكن يعد من كبائر الذنوب ... أو من أكبرها.
الدليل الثاني:
الدليل الثاني على أن إتيان الحائض كبيرة من كبائر الذنوب.
(٤١٠) ما رواه أحمد: من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم،
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الرجل الذي يأتي امرأته، وهي حائض يتصدق بدينار، أو نصف دينار (٢).
[المحفوظ أنه موقوف على ابن عباس ... وسبق تخريجه].
وجه الاستدلال:
أن الفعل لما رتبت عليه عقوبة (كفارة) ... دل على أنه ليس من الصغائر، فكل فعل رتبت عليه عقوبة دنيوية أو أخروية، أو رتب عليه وعيد بغضب أو
стр. 3260
لعن، أو نحوها فإن هذا دليل على أن الفعل كبيرة، لأن الراجح من أقوال أهل العلم أن الكبائر محدودة وليست معدودة.
دليل الحنابلة بأن وطء، الحائض ليس كبيرة .
قال البهوتي في كشاف القناع: "ووطؤها - أي الحائض - في الفرج ليس بكبيرة، لعدم انطباق تعريفها عليه" اهـ (١).
فلما لم تصح أدلة القول الأول: "من أتى حائضاً فقد كفر بما أنزل على محمد" لم يكن هذا الفعل داخلاً في حد الكبيرة، والله أعلم.
والعجيب أن الحنابلة يرون وجوب الكفارة، وهي عقوبة، ومع ذلك لا يقولون بأنها كبيرة.
ويجيبون عن هذا، بما قاله ابن مفلح الصغير: "إنما شرعت الكفارة زجراً عن معاودته، ولهذا أغنى وجوبها عن التعزير" (٢).
قلت: لو وجبت الكفارة لكانت نوعاً من التعزير، لأن التعزير قد يقع على البدن، وقد يقع على المال.
والراجح كما أسلفنا أن الكفارة ليست واجبة، وأن جماع الحائض لا يدخل في حد الكبيرة، والله أعلم.